رسول الله يُشتَم بين أيدينا ويُهان

رسول الله يُشتَم بين أيدينا ويُهان

لقد تحملنا كل أنواع العذاب، وصبرنا على كل مكروه نالنا في ديننا ودنيانا، وعشنا عيشة الذل والهوان التي لا نعتقد أن غيرنا من الأمم تحمل مثلها وصبر عليها، فقلنا تجاه كل ذلك: حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا ما قدره الله ولا مرد لقدر الله. لكننا إن تحملنا عيشة الذل بصبر، وتحملنا الفتنة في الدين بصبر، فإننا لا نتحمل ولن نتحمل، ولو رأينا أمامنا الموت الزؤام، والبلاء الأعظم، أن تمتد يد الإهانة والسوء إلى الشخصية المقدسة التي هي أعز على كل مسلم، منذ انبثق فجر الإسلام إلى قيام الساعة، شخصية محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد أنصف الكثير من المؤرخين هذا الرسول الذي هو سيد الوجود، ودرسوا سيرته الطاهرة فإذا بهم يرونها المثل الأعلى للأخلاق الفاضلة والنبل، والشمم، والهمة، والوفاء.

والإخلاص، والتضحية، ولبعض الغربيين في ذلك تأليف جمة، وكتب قيمة.

لكن بعض المؤرخين الذين سفلت أخلاقهم، وخربت ذممهم، وأعمى التعصب المسيحي الممقوت بصيرتهم، قد عمدوا للحقائق

فطمسوها، وافتروا الأكاذيب حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فقالوا في محمد بن عبد الله ما سولت لهم أنفسهم الخبيثة أن يتقولوه. والله من ورائهم محيط.

لكننا رغم علمنا بوجود كمية من هذه الحشرات السامة التي لا علم لها ولا فضل ولا شرف في النفس، لم نك نعلم أن منها من يتجرأ خبثا وشناَنا على مقام الرسول الأعظم، وهو في بلاد عربية إسلامية، متينة الإسلام، رغم كل سعي، ورغم كل محاولة، محتقرا بذلك دين خمسة ملايين ونيف من البشر الذين تعهدت لهم دولته باحترام دينهم، وكف يد العدوان عنه، دائسا بذلك، وهو في أرض هي أرضهم –

وأنفه راغم- وهو بين ظهرانيهم، كرامتهم وعواطفهم ومقدساتهم كلها.

سحقا ودفرا للنفس الخبيثة السافلة، تسير مع الأغراض والهوى فتعمى عن الحقائق، وتنكر المحسوس، وتصادم العلم والتاريخ.

لجريدة “الايكو دالجى” اليومية في الجزائر، عبد من عبيد الأقلام المأجورة، يدعى “روبير راندو” يحرر كل جمعة فصلا أدبيا فيه نقد الكتب الجديدة.

ففي عدد الجمعة 23 أوت 1935م. أخذ ينقد كتابا ألفه إثنان من كبار الكتاب الفرنسيين، هما الأخوان: “طاروا ” واسم ذلك الكتاب: ” فرسان الله” وقد حاول فيه مؤلفاه أن يسطرا تاريخ الإسلام بصفة روائية مستمدة من الحقائق التاريخية ووفقا في ذلك بعض التوفيق.

لكن “روبير راندو” لم يكد يخط السطور الأولى من هجوه المقذع، ولا أقول من نقده الأدبي، حتى تورط في حملة طائشة خبيثة ضد الإسلام وضد التاريخ الإسلامي، فالفتوحات

الإسلامية عنده كانت ” وافدة كالأوبئة الفتاكة، ماحقة مثل الطوفان” ولم تكن إلا سلسلة من الفتك والظلم والإرهاق وإزهاق النفوس بدعوى جلب الناس لدين الله، إلى غير ذلك من الترهات التي لا تهمنا، فإذا علم الناس أن شخصا مثل راندو يقول هذا، وأن عالما من أساطين البيان والتفكير والتاريخ يدعى “سيديو” يقول: “لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب” وأن علما من أعلام البحث والفلسفة هو: “قوستاف لوبون” يقول عن الإسلام ما يقوله في كتابه “المدنيات العربية” علم الناس أي قول يأخذون، وأي قول يرمون به محتقرين في سلة القاذورات.

إنما نفس “راندو” الخبيثة لم تقف به عند هذا الحد، بل زادت رسوبا في حمأة السقوط والدنس، فتجرأ على مقام رسولنا الأعظم، منقذ الإنسانية، وفخر السلالة البشرية، بعبارات بذيئة قذرة، تدل على نجاسة الإناء الخبيث الذي تدفقت منه.

لم يستح من العلم، ولم يستح من التاريخ، ولم يستح من جماعة المسلمين الذين يعيش عيشة الفاتح المتسيطر في أرضهم فقال- قبحه الله من ماكر أشر-: “هو رجل مظلم النواحي (1) فوق الرجال، به ظاهر من الرحمة والبساطة، إنما له من التحيل والخداع (2) ومن الخيانة والنفاق (3) ما لا يدرك له غور”.
ثم يقول: إن الأخوين “طارو” قد استطاعا أن يصورا محمدا- عليه صلاة الله وسلامه- بمثل هذه الصورة، ولهما بذلك أسوة بمن سبقهما من المؤرخين.

لقد دلس “راندو” على الأخوين تدليسا شنيعا. فهما على ما نعلم لم يستعملا في كتابهما ولا فيما كتبا من قبل مثل هذه العبارات البذيئة التي يتنزه عنها الكاتب الذي يحترم مهنته، ويحترم كرامته، ويحترم القلم الموضوع بين يديه، بل هما فوق ذلك لم يحاولا الحط من قيمة الرسول العربي الأعظم، ولا من قيمة أصحابه. وإن كانا قد وقعا في أغلاط طالما وقع فيها قبلهم بعض المؤرخين، وذلك لابتعادهم عن البحث والتنقيب في كتب التاريخ الصحيحة، وإقدامهم على نقل ما يقع بين أيديهم من غث وسمين.
فكيف يتحمل من في قلبه ذرة من كرامة ومروءة وشرف، ولوكان غير مسلم، ولو كان غير متقيد بدين على الإطلاق مثل هذه الكلمات الجارحة الخارجة عن حدود الأدب واللياقة والمروءة والشرف.

إن مثل هذه الكلمات السافلة توشك أن تحدث فتنة نحن في غنى عنها، وشر الفتن ما كان مصدره الغضب للدين. وإننا لتمنعنا آدابنا الإسلامية، وتعاليمنا الراقية من أن ننحط لمثل هذا الميدان فنشتم دين الذي يشتم ديننا، ونحقر اعتقاد الذي يحقر اعتقادنا، ونصف رسل الأمم الأخرى- صلوات الله وسلامه عليهم- بمثل ما يصف رجال الأمم الأخرى رسولنا.

فنحن نستلفت بكل شدة أنظار ولاة الأمور، وخاصة السيد الوالي العام، والسيد مدير الأمور الأهلية، لمثل هذه الحادثة المزرية بالمروءة، والمخلة بالشرف، ونحتج بكل قوانا وبكل ما في أنفسنا من ألم وكدر وتقزز واشمئزاز على هؤلاء الذين يغتنمون فرصة ضعفنا ورضوخنا، وأن لا حول ولا قوة بأيدينا فيوغلون في احتقارنا وامتهان كرامتنا إلى درجة شتم رسولنا وسبه، ووصفه بأحقر الأوصاف-

اللهم إنك لتعلم كيف أمسينا وكيف أصبحنا، اللهم إنك لتعلم أن لا قدرة لنا على تغيير هذا المنكر بأكثر من هذا، اللهم انتقم لرسولك الذي بعثته هدى ورحمة للناس وأنت المهيمن الجبار.


* الشهاب : ج 6، م 11 – جمادى الثانية 1354 هـ – سبتمبر 1935م.


آخر التغريدات: