الإمام ابن باديس ومواقفه من الاندماج

الإمام ابن باديس ومواقفه من الاندماج

من القضايا المثيرة للجدل خلال فترة ما بين الحربين(1919-1939) ، قضية الاندماج عن طريق التجنيس، فهي التي أدت إلى انقسام “الشبان الجزائريين”(النخبة المثقفة بالفرنسية) إلى ثلاث أصناف، الصنف الأول طالب بالجنسية الفرنسية ، ثم اندمج بشكل كامل في الحظيرة الفرنسية، فلبس البدلة الأوروبية وتزوج بالفرنسية، لقد أضحى “مفرنسا”(متورني) أي مرتد عن الدين الإسلامي وكافر في منظور الجزائريين التقليديين والمحافظين، وصنف ثاني طالب بالجنسية الفرنسية لممارسة حقوقه كاملة مثله مثل الأوروبي واليهودي، ولكن مع الاحتفاظ بهويته الدينية أي بالأحوال الشخصية كما كان يتردد إذ ذاك، والصنف الثالث من الشبان الجزائريين (الديمقراطيين) من رفض التجنيس أصلا ، واكتفى بالمطالبة بتحسين الأحوال الاجتماعية والسياسية للشعب الجزائري، بل راح يدعو إلى الانفصال والتحرر.

 في حقيقة الأمر ، أن قضية اندماج الجزائريين في الحظيرة الفرنسية ، هي وليدة السياسة الفرنسية الاستعمارية في الجزائر، التي تعود بنا إلى 14 جويلية 1865 ،عندما صدر قانون “سناتوس-كونسلت” الذي قضى بحق الجزائريين في الحصول على الوظائف المدنية والعسكرية ، وحق الجنسية الفرنسية شريطة التخلي عن الأحوال الشخصية ، أي حق المواطنة الفرنسية بالتجنيس(1) ، مرورا بقانون 4 فبراير 1919 الذي نصت مادته الثانية على حق المواطنة الفرنسية بشروط (تعجيزية)(2)، وانتهاء بمشروع “بلوم-فيوليت” سنة 1935 ، الذي قضى بمنح الجنسية الفرنسية ﻠ 24.000 مثقف جزائري دون تخليهم عن أحوالهم الدينية(3).

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار سياسة فرنسا الاندماجية الموازية للسياسة التعليمية أيضا ، كيف لا وأن المعنيين من التجنيس هم النخبة الجزائرية المتخرجة من المدرسة الفرنسية بالدرجة الأولى، التي علق الاستعمار آماله عليها، من أجل أن تكون همزة وصل بينه وبين الأهالي ، أما النخبة المتخرجة من الزوايا ومن الجامعات العربية الإسلامية (كالزيتونة ، والقرويين ، والأزهر ، وأحيانا من الحجاز)، فكان موقفها معارض تماما لهاته السياسة بحكم المشارب والنسب أيضا ، وهذا ما وجدناه عند الإمام الشيخ “عبد الحميد بن باديس“.

فكيف كانت علاقته “بالشبان الجزائريين” ؟ ما هو الخطاب الذي استعمله لمواجهة سياسة فرنسا الاندماجية ؟ لماذا دع إلى المؤتمر الإسلامي ؟  وهل لقي نداءه “فصل الدين عن الدولة” آذانا صاغية ؟

قبل ذلك علينا أن نتطرق في العنصر الموالي إلى نسب ونشأة الإمام الشيخ “عبد الحميد بن باديس” لكي ندرك أثر ذلك على مواقفه من الاندماج بشكل عام .

1- نسب ونشأة ابن باديس :

من مواليد مدينة قسنطينة شهر ديسمبر سنة 1889 ، وهو الولد البكر لأبويه ، وأسرته أسرة قسنطينية مشهورة بالعلم والثراء والجاه ، وكانت منذ القدم ذات نفوذ ، ومسيرة للسياسة والحكم في المغرب الإسلامي . نبغ من هذه الأسرة شخصيات تاريخية لامعة منها “بلكين بن زيري(4) بن مناد” الذي أصبح خليفة على إفريقية(تونس) والمغرب الأوسط(الجزائر) ، بعد انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر ، ومن رجالات هذه الأسرة كذلك “المعز لدين الله بن باديس” ، الذي انفصل عن سلطة الخلافة الفاطمية ، وحارب الشيعة الرافضة ، ونصر المذهب المالكي السني(5) ، وخلال الاحتلال الفرنسي ، وجدنا أن والد
الأستاذ “عبد الحميد” ، تولى مناصب سياسية عليا، من ذلك مندوبا بالمجلس الجزائري الأعلى ومستشارا بالمجلس العمالي بقسنطينة ، كما كان عمه “حميده بن باديس” مستشارا عماليا(عاما) عن نفس المدينة أواخر القرن 19 ، ومن أفراد هذه الأسرة كذلك “أبو العباس حميده” الذي كان قاضيا في مدينة قسنطينة ، و”مكي بن باديس” الذي كان قاضيا كذلك(6).

وأمه من أسرة مشهورة في قسنطينة كذلك هي أسرة “عبد الجليل” ، تدعى “زهيرة بن جلول” بنت “علي بن جلول” . وأبوه عضو في المجلس الجزائري الأعلى والمجلس العام كما هو عضو في المجلس العمالي . وعرف دائما بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينية وأسرته كانت تنتمي إلى الطريقة القادرية.

حفظ “ابن باديس” القرآن على الشيخ “محمد المداسي” ، واستكمل تعليمه على يد الشيخ “أحمد أبو حمدان لونيسي” ، الذي كان منتميا إلى الطريقة التيجانية ، ثم سافر إلى مدينة تونس سنة 1908 وسنه إذ ذاك تسعة عشر عاما ، وانتسب إلى جامع الزيتونة فأخذ العلم عن جماعة من أكابر علماء الزيتونة ، أمثال العلامة المفكر “محمد النخلي القيرواني” ، والشيخ “محمد الطاهر بن عاشور” الذي كان له تأثير كبير في تكوين ” ابن باديس” ، ومن أساتذته أيضا الشيخ “الخضر بن الحسين الجزائري” ، ليتخرج بشهادة التطويع سنة 1912 وعمره ثلاث وعشرون سنة ، وعلم سنة واحدة في جامع الزيتونة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت(7).

2- علاقة ابن باديس بالشبان الجزائريين :

شخَص “ابن باديس” الصعوبات التي واجهت النهضة الجزائرية التي تبناها “الشبان الجزائريون”(النخبة المثقفة بالفرنسية)، من خلال مقال نشره في جريدة “المنتقد” ،حيث ذكر بأن الجلسة العامة للنادي(لعله نادي صالح باي) انعقدت بحضور أكثرية تفهم العربية الكتابية ، وفيهم من كانوا قادرين على الخطابة بها، وكثير منهم لا يعرفون الفرنسية ، وكانت أقلية من الحاضرين تفهم الفرنسية وتخطب بها ولا تعرف من العربية إلا الدارجة ولكنها لا تستطيع أن تعبر بها عن جميع أفكارها ، ومن هؤلاء الذين تولوا تحرير قانون النادي لمعرفتهم وذكائهم ، فكتبوه بالفرنسية التي يعرفونها دون العربية التي يجهلونها ، فلما اجتمع الجميع تعذر التفاهم ، بالدارجة ؟ بالعربية ؟ أم بالفرنسية ؟ .

فكان تغليب الرأي للمثقفين بالفرنسية(المجنسين-المتورنين) ، الذين تلوا فصول قانون النادي بالفرنسية، وأعربوا عن آرائهم بها ، وعندما طولبوا بالترجمة قالوا كلمتين أو ثلاث بالعربية، ثم عادوا إلى الفرنسية ، فتفرق الجمع غير فاهم تمام الفهم لفصول قانون النادي ، وما قاله أصحاب الفرنسية .

لقد حركت الحادثة في “ابن باديس” مشاعر الحسرة والغيرة في نفس الوقت على لغة القرآن التي أضحت غريبة عن مجتمعها : «…بكل إخلاص نقول لإخواننا الذين برعوا في لغة غيرهم حتى كادوا يفوقون أهلها : يجب عليكم أن تعتنوا شيئا بلغتكم حتى لا يحرم إخوانكم من فهم جواهر معارفكم ولا تحرموا انتم مما عندكم كذلك فانه لا يحصل التفاهم بينكم إلا بها وما تحصيلكم لها على همتكم وذكائكم ببعيد»(8).

ومن جملة ما قال الشيخ الإمام “ابن باديس” للمثقفين الجزائريين بالفرنسية في إحدى جلساته أن متعلمي اللغة الفرنسية يمكن اعتبارهم ثلاثة أصناف : صنف تعلم الفرنسية ليعيش وصنف ثان تعلمها ليذوب ويندمج في فرنسا وصنف ثالث تعلمها ليدافع بها عن قومه وجزائريته ووطنه ومن الذين كانوا يزورون “ابن باديس” في إدارة مجلة “الشهاب” المحامي “آيت قاسي” المعروف في الأوساط الفرنسية والجزائرية بفصاحته وقوة عارضته في الدفاع عن حقوق الجزائريين حتى كان يقول عنه “ابن باديس” : «إنه من الرجال القلائل الذين سيؤثرون في مجرى تاريخ الأحداث في الجزائر إذا مد الله في أجله ، لأنه
الرجل الجزائري الذي أراد الاستعمار أن يضربنا به وبأمثاله من متخرجي مدارسه فسبقناه وضربناه بهم جميعا »(9).

وردا على هجومات جريدة “لوتان” (Le Temps)  الاستعمارية، المسلطة منذ خمسين سنة خلت، على الجزائر المسلمة لتشويه صورتها ، كتب “فرحات عباس” على هامش الوطنية مقالا بعنوان : “فرنسا هي أنا”، نشر في جريدة “الوفاق” الخميس 27 فبراير 1936، ذكر فيه : « لو أنني اكتشفت الأمة الجزائرية ، لصرت وطنيا ولا أخجل من ذلك…إن الجزائر كوطن قومي هو مجرد أسطورة .بحثت عنه فلم أجده . ساءلت التاريخ ، ساءلت الأموات ومعهم الأحياء ، زرت المقابر ، ولا احد أجابني…» (10).

الأمر الذي أثار حفيظة العلماء، ولا سيما “ابن باديس” الذي رد على ذلك القول شهر أبريل من نفس السنة : « نحن العلماء، المتحدثون باسم غالبية الأهالي ، نقول للذين يحسبون أنهم فرنسيين : إنكم لا تمثلونناḷ …فالشعب الجزائري المسلم له تاريخه، ووحدته الدينية، ولغته، وثقافته، وتقاليده…هذا الشعب المسلم ليس فرنسيا ، ولا يمكنه أن يكون فرنسيا ، ولا يريد أن يكون فرنسيا…»(11) .كما نضم قصيدة شعرية ألقاها بمناسبة احتفال مدرسة التربية والتعليم بالمولد النبوي الشريف بقسنطينة سنة 1937، نقتطف منها الأبيات التالية :

شعب الجزائر مسلم***وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله***أو قال مات فقد كذب

أو رام إدماجا له***رام المحال من الطلب(12(

رغم الانتقادات التي وجهها “ابن باديس” لـ”فرحات عباس”، فقد شهد له بالهمة العالية، وشرف النفس ، وطهارة الضمير، كما ذكر “ابن باديس” بأنه لم يتألم ولم يتكدر من تلك الانتقادات، وسلك مسلك كبار رجال السياسة الذين يحبذون النقد وينصاعون لكلمة الحق ، فزار إدارة “الشهاب”، وأكد لها تقديره لجهودها ، وجرت له مع صاحب الشهاب (ابن باديس) محادثة دلت على سمو أدبه وعلو كعبه في عالم السياسة والتفكير (13).

توجت حملة “ابن باديس” ضد التجنيس والمتجنسين ، بإصدار فتوى دينية بتكفير كل من يتجنس بالجنسية الفرنسية ويتخلى عن أحكام الشريعة الإسلامية . وصادقت عليها لجنة الإفتاء بالجمعية . ونشرتها جريدة البصائر ، ونظرا لأهمية هذه الفتوى ، وما أحدثته من صدى كبير داخل الجزائر وخارجها، نورد مقتطفات منها : « التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عد مرتدا عن الإسلام بالإجماع ، فالمتجنس مرتد بالإجماع، والمتجنس، بحكم القانون الفرنسي ، يجري تجنسه على نسله فيكون قد جنى عليهم بإخراجهم من حظيرة الإسلام…»(14).

إن مقتطف نص الفتوى ضد التجنيس ، ينم عن استشعار “ابن باديس” بالعواقب التي ستنجر على صاحب حامل الجنسية الفرنسية ، لأن ذلك سيجره حسب القانون الفرنسي إلى تخليه عن أصله وفصله وهو الدين الإسلامي بالدرجة الأولى ، كما سيسري ذلك القانون ، على أبنائه وأحفاده ، وهذا هو موطن الداء الذي يتفشى في المجتمع الجزائري ، حيث لم يدخر “ابن باديس” جهدا لمحاولة معالجته، عن طريق طرح “البديل” ، كما سنرى في العنصر الموالي .

3- مواقف ابن باديس من سياسة فرنسا الاندماجية  :

إذا كان “ابن باديس” صارما غير متسامحا مع دعاة الاندماج من بني جلدته لا سيما الشبان الجزائريين المجنسين أو للذين ينتظرون أن يتحقق حلمهم في التجنيس، فإن خطابه الموجه لفرنسا بشكل عام وللإدارة الاستعمارية بشكل خاص، لم يكن كذلك، لاعتبارات نجملها فيما يلي :

عندما أسس العلماء جمعيتهم سنة 1931 ، كان برنامجها الذي بنيت على أساسه ، وهو في حد ذاته منهاج العلماء في الإصلاح الديني والاجتماعي في الجزائر المستعمرة ، هو أنها جمعية ليست ذات طابع سياسي، بل هي جمعية إرشادية تهذيبية ، تقوم على محاربة الآفات الاجتماعية(15).

لم يكن في نية “ابن باديس”، إثارة سخط الإدارة الاستعمارية لا سيما في السنوات الأولى من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، وإنما كان عليه استخدام وسيلة الدعوة بالتي هي أحسن، نستشف ذلك من مقال له نشر أولا في جريدة “الشريعة” بتاريخ 17 جويلية 1933، ثم في جريدة “البصائر” يوم الجمعة 27 ديسمبر 1935 : «…فما ينقم علينا الناقمون ؟ أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة  اللائقة بسمعة فرنسا ومدنيتها وتربيتها للشعوب وتثقيفها فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا…»(16).

ومع ذلك طرح “ابن باديس” البديل لفكرة الاندماج التي شغلت بال الشبان الجزائريين (النخبة) والمعمرين الأوروبيين على حد سواء، هذا ما نلمسه في بعض من كتاباته ، على غرار ما كتبه في جريدة الشريعة السالفة الذكر : « أفظننتم أن الأمة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها ، يدها في يدها ، فتاة لها من الجمال والحيوية ما لكل فتاة أنجبتها أو ربتها مثل تلك الأمم ، أخطأتم يا هؤلاء التقدير…»(17).

وكتب في إحدى المناسبات وقد أظهر في خطابه الجانب العملي(البراغماتي) ، أي دور فرنسا الواجب القيام به تجاه الجزائريين ، موظفا في ذلك عامل التاريخ المشترك بين الأمتين الفرنسية والجزائرية، لا سيما مشاركة الجزائريين فرنسا في الحروب التي خاضتها منذ القرن التاسع عشر : « ولأننا مستعمرة من مستعمرات الجمهورية الفرنسية نسعى لربط أواصل المودة بيننا وبين الأمة الفرنسية وتحسين العلائق بين الأمتين المرتبطتين بروابط المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة من الجانبين ، تلك الروابط التي ظهرت دلائلها وثمراتها في غير ما موطن من مواطن الحرب والسلم »(18).

وفي نفس السياق الأخير كان “ابن باديس” يطالب : « إن الأمة الجزائرية أمة ضعيفة ومتأخرة فترى من ضرورتها الحيوية أن تكون في كنف أمة قوية عادلة متمدنة لترقيتها في سلم المدنية والعمران وترى هذا في فرنسا التي ربطتها بها روابط المصلحة والوداد ، فنحن نخدم للتفاهم بين الأمتين ونشرح للحكومة رغائب الشعب الجزائري ونطالبها بصدق وصراحة بحقوقه لديها ولا نرفع مطالبنا أبدا إلا إليها ، ولا نستعين عليها إلا بالمنصفين من أبنائها»(19).

4- ابن باديس والمؤتمر الإسلامي :

من ضمن الخطوات التي اتبعها “ابن باديس” ، دعوته رفقة الدكتور “ابن جلول” (ممثل الشبان الجزائريين) إلى “المؤتمر الإسلامي” سنة 1936 ، وقبل التطرق لعلاقة ذلك الحدث بقضية التجنيس أو بالأحرى قضية “فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية”، لا بد من العودة إلى مجموعة من العوامل، ساهمت في الدفع إلى عقد المؤتمر ، من ذلك قانون العلمنة الصادر في 9 ديسمبر 1905(20)، أما على صعيد آخر هناك المؤتمرات الإسلامية والمسيحية خلال العشرينات والثلاثينات، من ذلك مؤتمر الخلافة الإسلامية الذي انعقد بالقاهرة (1926) ، والمؤتمر الإسلامي الذي انعقد في القدس(1931) ، ومؤتمر مسلمي أوروبا الذي انعقد بجنيف (1935) ، ويدعي بعض الكتاب بأن المؤتمر الإسلامي الجزائري قد جاء نتيجة للمؤتمر الإسلامي بالقدس

مهما يكن من أمر فان المؤتمر الإسلامي الجزائري كانت الدعوة إليه من مدينة قسنطينة ، وانطلاقته بالملعب البلدي بالجزائر العاصمة يوم الأحد 7 جويلية 1936 ، حضره “ابن باديس” رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والدكتور”محمد الصالح بن جلول” رئيس فيدرالية المنتخبين المسلمين الجزائريين بقسنطينة ، واستجاب له النواب في بقية الوطن ، والعلماء الإصلاحيين ، والاشتراكيين والشيوعيين ، والمحاربين القدامى ، والشبان ، والفلاحين ، والمرابطين ، باستثناء النجم الذي كان ما يزال إلى ذلك الحين في فرنسا مقرا ونشاطا .

وكانت النقطة التي التف حولها الجميع هي مشروع “فيوليت”(21) والأمور المغرية فيه ، كمنح الجنسية الفرنسية لبضعة آلاف من المثقفين الجزائريين بدون التخلي عن أحوالهم الدينية(أي التفرنس) واحترام حقوق الجزائريين الآخرين في العيش بروح القرآن ونصوصه ، وإلغاء قانون الأهالي .

أما مطالب العلماء الإصلاحيين ، كانت منحصرة في تحرير الدين الإسلامي من الدولة الفرنسية ، وتعميم التعليم العربي الحر بواسطة أبناء الشعب أنفسهم ، وقد قدم “ابن باديس” مطالب العلماء وافق عليها المؤتمر ، وهي :

اعتبار اللغة العربية كالفرنسية لغة رسمية.

تسليم المساجد إلى المسلمين ، وتتولى جمعيات دينية أمرها مؤسسة حسب قانون فصل الدين عن الدولة.

تأسيس كلية لتعليم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد .

تنظيم القضاء على يد هيئة إسلامية تنتخب بإشراف الجمعيات الدينية المذكورة .

إدخال إصلاحات على مدارس تخريج رجال القضاء .

كما قدم “ابن باديس” قائمة أخرى باسمه الشخصي تتضمن :

إلغاء المعاملات الخاصة بالجزائريين (الأندجينا) والمجالس العسكرية وأعطيات الجندية .

تسوية نواب الجزائريين بنواب الفرنسين في جميع المجالس .

توحيد النيابة البرلمانية بكلا المجلسين (مجلس الجزائريين ومجلس النواب المعمرين(

-المساواة في الحقوق والواجبات(22).

وتم تعيين وفد بقيادة “ابن جلول” للسفر إلى باريس ومقابلة المسئولين الفرنسيين لا سيما رئيس الوزراء “ليون بلوم” في 22 جويلية 1936 ، ورغم سقوط حكومة الجبهة الشعبية، وعدم تمكن الوفد الجزائري من الحصول على شيء ايجابي منها ، وتضعضع الجبهة الداخلية بسبب مقتل المفتي “ابن دالي” محمود كحول”، واتهام “ابن جلول” العلماء والشيوعيين الجزائريين باغتياله(23)، فان حركة المؤتمر الإسلامي لم تمت نهائيا إلا عشية الحرب العالمية الثانية .

فقد اجتمعت لجنته التنفيذية خلال يناير 1937 ، وأعلنت عن تأييدها من جديد لمشروع “فيوليت” ، وبين التاسع والحادي عشر من جويلية 1937 انعقد المؤتمر الإسلامي الثاني في مدينة الجزائر وقد أعلن المؤتمر الثاني تمسكه بمطالب المؤتمر الأول (24).

أما “ابن باديس” واستنادا إلى رسالة موجهة إلى أعضاء المؤتمر الإسلامي مؤرخة في 14 يناير 1938، اعتذر فيها عن رفضه قبول تعيينه رئيسا للمؤتمر ، لأنها مهمة : « تمنعه من إتباع الصراط المستقيم، وتعليم اللغة العربية…»(25).

كما تصالح “ابن باديس” مع “ابن جلول” بهدف السعي في اتجاه تحقيق “فصل الدين عن الدولة” ، حيث يذكر تقرير مركز الإعلام والدراسات بقسنطينة(C .I.E) ، أن اللجنة الاستشارية للدين الإسلامي برئاسة “دورنون“(Dournoun) مدير المدرسة الإسلامية الحكومية ، سيحول إلى المعاش ، وفي هذا الصدد اتصل “ابن باديس” ڊ”ابن جلول”، وشرح له ضرورة استغلال رحيل “دورنون” من أجل أن تأول رئاسة اللجنة الاستشارية إلى مسلم بدلا من مسيحي، على غرار ما يحصل بالجزائر(العاصمة) ، وقد وعد “ابن جلول” بمساندة حركة “ابن باديس” ، والتوسط له أمام الحاكم العام بالجزائر(26).

5- خلاصة:

نستخلص مما سبق ، أن الإمام الشيخ “عبد الحميد بن باديس” ، كان يدرك مسبقا مدى الخطر الذي كان يحدق بالجزائر المسلمة ، جراء سياسة فرنسا الاندماجية ، ومغرياتها ، التي تؤدي لا محالة إلى انسلاخ الجزائريين عن دينهم وهويتهم، لهذا انتقد “ابن باديس” الشبان الجزائريين (المثقفين بالفرنسية) المجنسين منهم ، والذين ينتظرون تحقيق حلمهم في المواطنة الفرنسية ، واجتهد “ابن باديس” إلى طرح البديل بأسلوبه الهادئ والعميق ، الذي تمثل في مطالبة فرنسا العظمى والقوية مساعدة الجزائريين من أجل انقاضهم من الجهل والتخلف ، وليس تذويبهم في الثقافة الفرنسية .

صحيح أن “ابن باديس” كان صاحب فكرة الدعوة إلى “المؤتمر الإسلامي” بمعية الدكتور “ابن جلول”، ولكن كان همه في ذلك هو تمرير مشروع “فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية” ، حتى يتسنى للمسلمين الجزائريين تسيير شؤونهم الدينية بأنفسهم، والمقصود هنا أن ترفع فرنسا يدها عن المساجد والأوقاف والقضاء الإسلامي والجمعيات الإسلامية المنظمة للشعائر الدينية ، ومن ثم عودتها لأصحابها الحقيقيين ، وهذا عكس التيار الآخر في المؤتمر الإسلامي ، الذي انجذب وراء مشروع “فيوليت” القاضي بمنح الجنسية الفرنسية لـ24000 مثقف جزائري ، دون تخليهم عن أحوالهم الدينية ، ولكن هل تحقق المشروع؟

لقد فشل المشروع ، كما فشل المؤتمر الإسلامي ، نظرا لتباين وجهات النظر فيه ، أضف إلى ذلك تراجع الجبهة الشعبية المكونة من اليسار الفرنسي ، الراعية لمشروع التجنيس ، أما على المستوى الداخلي، لم يكن أوروبيو الجزائر مستعدين لتقبل فكرة أن يتساوى الجزائريون المسلمون معهم في الحقوق والواجبات بمجرد حصولهم على تأشيرة المواطنة الفرنسية ، لأن ذلك في اعتقادهم سيؤدي إلى ضياع الحظوة والمصلحة ، فهل كانوا وراء مقتل “ابن دالي” مفتي الجزائر؟ . قد يكون ذلك قد حصل حتى تتضعضع الجبهة الداخلية ، ومن ثم تفشل مشاريع اليسار الفرنسي في الجزائر .

مهما يكن من أمر ، فان “ابن باديس” قدم ما عليه القيام به ، كمرشد للأمة الجزائرية وبوسائل قد تبدوا متواضعة ، ولكنها في نفس الوقت مهمة وناجعة ، نظرا للظروف الصعبة التي كانت تمر بها الجزائر المستعمرة .

الهوامش :
* قسم التاريخ – جامعة سيدي بلعباس

 (1) خالد بوهند ، النخب الجزائرية(1892-1942) نسبها ، نشأتها وحركتها . رسالة دكتوراه ، قسم التاريخ ، جامعة سيدي بلعباس ، 2010-2011، ص.ص.203-204.

 (2) نفس الرسالة ، ص.223

(3) نفس الرسالة ، ص.248.

(4) عمار الطالبي ، ابن باديس : حياته وآثاره . ج1.م1.شركة دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2009 ، ص.ص.72.

(5) عز الدين بن الأثير ، الكامل في التاريخ أو تاريخ ابن الأثير . (اعتنى به : أبو صهيب الكرمي) . بيت الأفكار الدولية ، عمان والرياض ، بدون تاريخ ، ص.1368.

(6) رابح عمامرة تركي ، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية(1931-1956). المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ، الجزائر ، 2004 ، ص.ص.124-125.

(7) عمار الطالبي، المرجع السابق ، ج1.م1. ص.ص.73-76.

(8) جريدة المنتقد ، عدد 9 ، الخميس 7 صفر 1344ھ /27 أوت 1925م.

(9) باعزيز بن عمر ، من ذكرياتي عن الإمامين الرئيسين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي .منشورات الحبر ، الجزائر، 2007 ، ص.31.

(10)-L’Entente Franco-Musulmane , n=24 , jeudi 27 fevrier 1936 , P.1.
(11)
الشهاب ، عدد…،  1-12 محرم 1355ھ/ أبريل 1936م.

(12) محمد خير الدين ، مذكرات . ج1. المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، بدون تاريخ  ، ص.347. وأيضا: عمار الطالبي ، المرجع السابق .ج1.م2.ص.571.

(13) عمار الطالبي ، نفس المرجع ، ج1.م2. ص.317.

(14) جريدة البصائر ، عدد 95 ، 12 ذي القعدة 1356 ھ/14 يناير 1938م  ، نقلا عن رابح عمامرة تركي ، المرجع السابق ، ص.49.

(15) القانون الأساسي للجمعية ، نقلا عن : محمد خير الدين ، المصدر السابق ، ص.123-130.

(16) الشريعة ، عدد 1 ، الاثنين 17 جويلية 1933 ، ص.1.وأيضا : البصائر ، عدد 1 ، السنة 1، الجمعة 27 ديسمبر 1935 ، ص.1.

(17) الشريعة ، عدد 1 ، الاثنين 17 جويلية 1933 ،ص.1.

(18) عمار الطالبي ، المرجع السابق ، ص.278.

(19) نفس المرجع ، ج1.م2.ص.279.

(20) نصت المادة 2 من القانون المذكور : « لا تعترف الجمهورية بأي ديانة » . الدولة العلمانية حيادية لا تتدخل في الشؤون والمسائل الدينية . « الجمهورية لا تقدم راتبا ولا دعما لأي ديانة » . (المادة 2). أنظر-Claude Albert Colliard, Libertés Publiques . Librairie Dalloz , Paris, 1968, P.P.337-338.

(21) موريس فيوليت : الحاكم العام بالجزائر بين 1925-1927.

(22)-A.N.O.M, Série : 2 .I.39, dossier : activités Oulema1937 .

(23) لقد اصطدم “ابن جلول” بالشيوعيين والعلماء عندما اتهمهم بالضلوع في حادثة اغتيال “ابن دالي محمود كحول” المفتي المالكي بالجزائر(العاصمة) ، وقد أعلن أعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي يوم الاثنين 5 أكتوبر 1936 عن إقصاء “ابن جلول” من رئاسة اللجنة . لمزيد من الاطلاع أنظر :
خالد بوهند ، الرسالة السابقة ، ص.ص.237-238.

(24) أبو القاسم سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية (1930-1945) .ج3.المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، 1986 ، ص.ص.147-165.

(25)-A.W.O, Carton n=2260, dossier : état d’esprit des indigènes , rapport  de police , Alger , le 15 janvier 1938 .

(26)-D.AW.C, Carton n=26 (personnels du culte musulman 1933 à 1945) , dossier : commission consultative du culte musulman, rapport du CIE , Constantine, le 17 aout 1938.

 

آخر التغريدات: