نظام‭ ‬الحكم‭ ‬والديمقراطية‮ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي

نظام‭ ‬الحكم‭ ‬والديمقراطية‮ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي

ألقى مالك بن نبي محاضرة عنوانها: “الديمقراطية في الإسلام”، بنادي الطلبة المغاربة بالقاهرة سنة 1960م(1)، وكنت من بين هؤلاء الطلبة الذين حضروا تلك المحاضرة، وما تزال أفكارها الرئيسية في ذهني. يرى مالك بن نبي أن أمم الغرب بحكم اتصالنا بها في عهد الاستعمار واليوم قد فرضت علينا بعض عاداتها، ومفاهيمها، ومصطلحاتها، وأسلوب حياتها حتى أصبحنا نضم إلى الإسلام كل ما نعتقد أنّه ذو قيمة حضارية، دون تمحيص ولا تحقيق لدرجتها من الصحة، واتفاتها مع جوهر شخصيتنا‭ ‬وفلسفة‭ ‬حضارتنا،‭ ‬ولا‭ ‬ننظر‭ ‬فيما‭ ‬يربط‭ ‬ذلك‭ ‬بالإسلام‭ ‬أو‭ ‬ينزه‭ ‬عنه،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬المتصلة‭ ‬بحياة‭ ‬العالم‭ ‬الغربي،‭ ‬وبتجربته‭ ‬التاريخية‭ ‬مقبولة‭ ‬لدبنا،‭ ‬نقيس‭ ‬بها‭ ‬واقعنا‭ ‬الاجتماعي.

والديمقراطية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬نقبلها‭ ‬ونضيفها‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬نتساءل‮:‬‭ ‬هل‭ ‬توجد‭ ‬ديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬وإنما‭ ‬نأخذ‭ ‬الموضوع‭ ‬مباشرة‭ ‬مسلّمين‭ ‬به‭ ‬تسليما‭.‬

ويرى مالك بن نبي أن الربط بين هذين المصطلحين هو المشكل الأساسي، وبعد استعراضه لتاريخ المصطلح بيّن أن الصلة بين الديمقراطية والإسلام مفقودة بالنسبة للزمان والمكان، وربما أدّى هذا البعد بينهما إلى القول بأنه لا ديمقراطية في الإسلام.

فالديمقراطية في أبسط معانيها تعني سلطة الشعب، سلطة الإنسان، فأي صلة، وأي وجه مقارنة بين مفهوم الإسلام باعتباره إيمانا بالله ورسوله واليوم الآخر، وأداء الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ومفهوم سياسي يقرر سلطة الإنسان في نظام اجتماعي معيّن، بين مفهوم ميتافيزيقي يفيد إجمالا خضوع الإنسان إلى سلطان إلهي في نظام ما أو آخر، وشعارات نادت بها مثلا الثورة الفرنسية في مقاومتها للكنيسة: “لا نريد ربّا، ولا سيّدا”، ومعنى هذا أن هناك تناقضا واضحا، فلا مجال إذن للمقارنة بينهما.

وإذا صرفنا النظر عن الظروف التاريخية التي أدت إلى نشأة هذا المفهوم في الغرب من النهضة والإصلاح الديني والثورة الفرنسية، واتجهنا مباشرة إلى تحديد الديمقراطية في عموماتها دون ربطها بأي مفهوم آخر، فإننا نبحث الديمقراطية من ثلاثة أوجه:

1- ‬الديمقراطية‭ ‬باعتبارها‭ ‬شعورا‭ ‬نحو‭ ‬الأنا‭.‬‮

2- ‬الديمقراطية‭ ‬باعتبارها‭ ‬شعورا‭ ‬نحو‭ ‬الآخر‭.

3- مجموعة‭ ‬الشروط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السياسية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتكوين‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬في‭ ‬الفرد‭ ‬وتنميته‭.‬

وهذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الثلاثة‭ ‬تتضمن‭ ‬مقتضيات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الذاتية‭ ‬والموضوعية،‭ ‬ويقصد‭ ‬بذلك‭ ‬الاستعدادات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬الشعور‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬والأساس‭ ‬الذي‭ ‬يستند‭ ‬إليه‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬معيّن‭.‬

فالديمقراطية باعتبارها واقعا سياسيا لا تتحقق إن لم تتوفر شروطها في بناء الشخصية، وفي العادات والتقاليد القائمة في هذا الوطن أو ذاك، فهذه العموميات هي التي تتحدد فيها المشكلة، ومعنى هذا أن الشعور بالديمقراطية مقيّد بشروط لا يتحقق بدونها، وهذه الشروط هي خلاصة ثقافية معينة، وتتويج لحركة الإنسانيات، وتقدير جديد لقيمة الإنسان، أي تقديره لنفسه وتقديره للآخرين، ولذا كانت الحركتان: حركة الإصلاح الديني، وحركة النهضة، هما أول تصريح بقيمة الإنسان الأوروبي في مجال الروح والعقل، ولكن عند تخليص الموضوع من قيود السياسة والتاريخ، ويعبّر عنه بلغة علمَيْ النفس والاجتماع، غير مطبوع بطابع خصائص المجتمع الغربي الذي لا ينفصل عنه وعن تاريخه ليطبق على أمم أخرى، عند ذاك يكون القانون العام بالنسبة إلى طبيعة الشعور الديمقراطي سواء في أوروبا أو غيرها هو نتيجة لاطراد اجتماعي معيّن، أي أنّه بالمصطلح النفسي عبارة عن الحد الوسط بين نقيضين: نفسيّة وشعور العبد المستعبد، ونفسيّة وشعور المستعبِد المستبد، فالإنسان الحر الجديد هو الذي تتمثل فيه قيم الديمقراطية، أي أنه الحد الإيجابي بين نافيتين: نافية العبودية، ونافية الاستعباد.

ومن الناحية الشكلية فإننا نجد شعارا يعبّر عن هذه القيمة الجديدة للإنسان، فبعد أن كان الإنسان مثلا في فرنسا تابعا لمولاه (Sujet) أطلقت عليه الثورة الفرنسية Citoyen (مواطن)، وبعد أن كان الفلاح الروسي يسمى “موجيك” في العهد القيصري أصبح يسمى “الرفيق” بعد ثورة أكتوبر 1917م. فهذه هي الحقيقة العامة التي تنطبق على كل وسط إنساني مهما تكن ظروفه التاريخية، وهذا هو المقياس العام الذي يقاس به أي تطور ديمقراطي كان واقعا في التاريخ، أو كان مشروعا يراد تحقيقه في مجتمع ما، فهذا التطوّر عبارة عن عملية تصفية، تخلّص الإنسان من‭ ‬رواسب‭ ‬العبودية،‮ ‬ومن‭ ‬نزعات‭ ‬الاستعباد،‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬النقيض‭ ‬السلبي‭ ‬للشعور‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وضرب‭ ‬لذلك‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬توضح‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‮(2)‬‭.‬

فعندما‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬فإن‭ ‬حديثنا‭ ‬منوط‭ ‬بهذا‭ ‬القانون‭ ‬العام،‭ ‬وهذا‭ ‬المرجع‭ ‬أي‭ ‬العناصر‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الشروط‭ ‬العامة‭ ‬بوجود‭ ‬الشعور‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭.‬

والإشكال الرئيس الذي ينبغي طرحه بهذا الاعتبار هو هل الإسلام يتضمّن هذه الشروط الذاتية والموضوعية؟ هل يتضمن هذا الشعور الديمقراطي نحو “الأنا” ونحو “الآخرين”؟ هل يمكن له أن ينشئ الظروف الاجتماعية المناسبة لتنمية هذا الشعور؟ كما يجب أن نتساءل هل جعل الإسلام ما‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬الدوافع‭ ‬السلبية‭ ‬والنزعات‭ ‬المنافية‭ ‬للشعور‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬تلك‭ ‬النزعات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬ينطبع‭ ‬بها‭ ‬سلوك‭ ‬العبد‭ ‬وسلوك‭ ‬المستعبِد؟

إن‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬ديمقراطية‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬بدايته‭ ‬خاصة‭ ‬مشروع‭ ‬تثقيف‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬أمّة‭ ‬كلها‭ ‬بمنهج‭ ‬شامل‭ ‬يشمل‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭.‬

فالديمقراطية‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬كما‭ ‬تفهم‭ ‬فهما‭ ‬سطحيا،‭ ‬ليست‭ ‬عملية‭ ‬سياسية،‭ ‬عملية‭ ‬تسليم‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب،‭ ‬ينص‭ ‬في‭ ‬دستوره‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السيادة‭ ‬له‭.‬

فمعنى الديمقراطية مرتبط بشعور وبعادات وتقاليد لا يكوّنها نص، ولا يلغيها جبار، فبريطانيا تتمتع بحياة ديمقراطية دون نصوص تحمي الحقوق والحريات، وإنما يحمي ذلك كله أوضاع الشعب النفسية، وعاداته، وتقاليده، وعرفه الاجتماعي، والدستور ما هو إلا نتيجة للمشروع الديمقراطي عندما يصبح واقعا سياسيا، ولا يكون أي معنى للنص إن لم تسبقه العادات والتقاليد، وثقافة شعب أوحت به، فتلك الاستعارات الدستورية التي تستعيرها بعض البلدان لا يكون لها أي معنى إن لم تصحبها الإجراءات المناسبة لغرس ما يستعار في نفسية الشعب الذي يستعير.

فالجواب عن السؤال: هل توجد ديمقراطية في الإسلام لا يتعلق ضرورة بنص فقهي مستنبط من القرآن والسنّة، بل يتعلق بجوهر الإسلام عامة، وعلى وجه الخصوص باعتباره مشروعا ديمقراطيا يقصد به تحقيق القيم والمثل الديمقراطية، بحيث ترتبط حركته التاريخية بالمبادئ التي أقرها الإسلام،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬بذور‭ ‬غرست‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وعلى‭ ‬أنها‭ ‬شعور‭ ‬عام،‭ ‬ودوافع‭ ‬تكوّن‭ ‬معادلة‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الأمّة‭.‬

كما ينبغي أن ننظر إلى هذه الحركة في لحظة بدايتها، بداية تحقق شروط المشروع الديمقراطي، ومن البيّن أن مرحلة النشوء الديمقراطي ترتبط بصورة شكلية بشعار جديد أو تعبير جديد عن قيمة الإنسان، أي تقويمه تقويما جديدا يرمز له برمز معيّن، مما يؤدي إلى نموذج ديمقراطي يهدف‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬منح‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقوق‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ “‬المواطن‭”.‬

أما الإسلام فإنه يأتي بنموذج يعطي للإنسان قيمة أسمى تفوق كل قيمة سياسية أو اجتماعية، لأنها القيمة التي منحها الله للإنسان، وهي قيمة التكريم، تكريما يفوق الحقوق السياسية، أو الضمانات الاجتماعية، فهذا التكريم شرط أساسي لتغيير نفسية الفرد طبقا للشعور الديمقراطي نحو الأنا ونحو الآخر، وآية هذا التكريم كأنها نزلت لتتصدر دستورا ديمقراطيا يمتاز عن كل النماذج الديمقراطية الأخرى، دون أن تعبر عنه نصوص قانونية محدّدة، فنظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان تضفي على الإنسان شيئا من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تمده بها النماذج المدنية، فالإنسان الذي يحمل بين جوانحه الشعور بتكريم الله له، يشعر في الوقت نفسه بهذا التكريم، سواء في تقديره لنفسه، أو تقديره للآخر، الأمر الذي يجعل النزعات المنافية لهذا الشعور الديمقراطي تتبدّد في نفسه.

كما‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬نفسية‭ ‬المسلم‭ ‬حاجزين،‭ ‬يمنعه‭ ‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬هاوية‭ ‬العبودية،‭ ‬والآخر‭ ‬يحميه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬هاوية‭ ‬الاستعباد‭.‬

فالأول‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‮:‬‭ ‬‮”‬تِلْكَ‭ ‬الدَّارُ‭ ‬الْآخِرَةُ‭ ‬نَجْعَلُهَا‭ ‬لِلَّذِينَ‭ ‬لَا‭ ‬يُرِيدُونَ‭ ‬عُلُوّاً‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬وَلَا‭ ‬فَسَاداً‭ ‬وَالْعَاقِبَةُ‭ ‬لِلْمُتَّقِينَ‮”‬‭ ‬‮(‬القصص‭ /‬‮ ‬83‮)‬‭.‬

والثاني في قوله: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً” (النساء / 97 – 99).

ويشعر المسلم بتكريم خاص منحه الله له أيضا باعتباره مؤمنا “وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ” (المنافقون/ 8)، وهي عزة تمنعه من الكبرياء، لأنها عزة في سمو الأخلاق، وعلو النهمّة، لا عزة مجد تكسبه الأشياء المادية فحسب، ولهذا فالعزة تمنع من الذل والتكبر معا، فهي شعور إيجابي يمنعه من العبودية، كما يبعده عن الاستعباد، وبناء على هذا كله فإن “الديمقراطية” بمعناها العام مغروسة في ضمير المسلم بهذا التقويم الجديد الذي جدّد في نفسه قيمته وقيمة الآخر. فهي تعني أولا عالم الأشخاص قبل أن تمتد إلى عالم الأشياء‭.‬

فالديمقراطية‭ ‬الإسلامية‭ ‬تُعْنَى‭ ‬أولا‭ “‬بتلقيح‭” ‬الإنسان‭ ‬وتحصينه‭ ‬من‭ ‬النزعات‭ ‬السلبية‭ ‬المنافية‭ ‬للشعور‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وبتصفية‭ ‬نفسه‭ ‬منها‭.‬

أما الديمقراطية العلمانية فإنها تمنح الإنسان أولا الحقوق والضمانات الاجتماعية، ولكنها تتركه عرضة لأن يكون ضحية مؤامرات لمنافع معينة، ولتكتلات مصالح خاصة كبرى، أو خاضعا لدكتاتورية طبقية، أنها ديمقراطية لم تخلص نفسه من دوافع العبودية والاستعباد.

وهكذا‭ ‬تظهر‭ ‬العلاقة‭ ‬العضوية‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والإسلام‭ ‬بوضوح‭ ‬أكثر،‭ ‬وأصبحت‭ ‬لنا‭ ‬حينئذ‭ ‬شرعية‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الإسلامية‭.‬

فهذا‭ ‬هو‭ ‬الجانب‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭. ‬

أما الجانب الموضوعي فقد وضع مالك بن نبي سؤالا عبّر عنه بقوله: كيف تتحقق هذه الديمقراطية التي ظهرت صورتها في عالم النفوس، والضمائر، والشعور، في عالم الواقع الموضوعي المحسوس، في الأعمال العامة والخاصة، في الأفراد والحكومات، وفي حياة التنظيم والمنظمات؟ وكيف تكفل‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬حقوق‭ ‬الفرد‭ ‬والحريات‭ ‬السياسية‭ ‬والضمانات‭ ‬الاجتماعية؟

وربما تبادر إلى الذهن أن هذا الجانب الموضوعي ينبغي أن يستقي من واقع المسلمين لا من نصوص الإسلام. ولكن هذا أمر شكلي فإننا عندما نبحث الديمقراطية في أثينا مثلا، فإننا لا نبحث عنها في واقع الشعب اليوناني اليوم، كما لا يعني هذا أن اليونانيين المعاصرين فقدوا القيم الديمقراطية، ومن ثم فلا حرج في اعتبار الديمقراطية في الإسلام لا في الزمن الذي تحجرت فيه تقاليد الإسلام وفقدت إشعاعها، ولكن في عصر نشأتها وعهد نموّها في المجتمع الإسلامي، ويؤكد التاريخ أن هذه التقاليد الإسلامية نشأت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم، وفي‭ ‬عصر‭ ‬الخلفاء‭ ‬الراشدين‭.‬

فالمشروع الديمقراطي الذي وضعه الإسلام أخذ طريقه إلى التحقق في الواقع في الأربعين سنة الأولى تقريبا، ففي هذه الفترة أخذت تترسخ كل الأصول النفسية والاجتماعية، وصرحت خطبة الوداع بحقوق الإنسان، واتجهت النصوص النظرية إلى صميم الحقائق الاجتماعية في سلوك الناس وأعمالهم‭.‬ ومن مبادئ الحكم الإسلامي أن يؤسس على طاعة المحكومين لأولي الأمر في حدود طاعة القانون، فأصبح هذا سلوكا يصدر من ضمير الحاكم، كما يظهر ذلك في خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه “من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقوّمني”، كما يصدر من ضمير المحكوم كما عبر عن ذلك الأعرابي الذي أجابه: “والله لو رأبنا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا”، فتمكن هذا المبدأ في ضمير رجل الدولة، كما تمكن في نفس المواطن العادي؛ وظهرت المبادئ التي تحمي الحريات كحرية الضمير في الاعتقاد “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة / 256)، وحرية العمل “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ” (الملك/ 15)، وحرية التنقل “سِيرُواْ فِي الأَرْضِ” (الأنعام/ 11)، وحصانة المنزل “لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ” (النور/ 27)، كما وضع الحدود الضرورية لهذه الحريات كما في حديث السفينة الذي أخرجه البخاري، المساواة أمام القانون كما ورد في وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري الذي كان بمثابة النائب العام في أيامنا هذه: “ساو بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع‭ ‬شريف‭ ‬في‭ ‬حيفك،‭ ‬وييأس‭ ‬ضعيف‭ ‬من‭ ‬عدلك‭”‬،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الفرد‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬الحكم‭.‬

ويتسلم رئيس الدولة سلطاته بمقتضى مبايعة الأمّة، التي يمثلها رجال ذوو خيرة وخلق وعقل على نمط هيئة مجلس الشيوخ، يرشحون الخليفة للمبايعة طبقا لمبدإ الشورى الذي قرره القرآن بوضوح تام، سواء كان الأمر متعلقا بالرسول صلى الله عليه وسلّم: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ‮”‬‭ ‬‮(‬آل‭ ‬عمران‭/‬‮ ‬159‮)‬،‭ ‬أو‭ ‬بالأمة‮:‬‭ ‬‮”‬وَأَمْرُهُمْ‭ ‬شُورَى‭ ‬بَيْنَهُمْ‮”‬‭ ‬‮(‬الشورى‭/‬‮ ‬38‮)‬،‭ ‬و‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬الإسلامي‭ ‬ديمقراطي‭ ‬في‭ ‬مصدره‭ ‬وفي‭ ‬تطبيقه‭.‬

بالإضافة إلى الحرية الاقتصادية مع مراعاة توزيع الثروة حتى لا تصبح دولة بين الأغنياء، وأساس التشريع الاجتماعي يتمثل في الزكاة، والضمان الاجتماعي الذي شرعه عمر فقرر منحة تدفع للأمهات اللائي فطمن أولادهن، بل إنه عممها بعد ذلك على المرضعات أيضا حتى لا يستعجلن فطام أبنائهن، فأصبح لكل مولود منحة من يوم ولادته، وهذا كله يحركه الشعور بالقيمة الأساسية التي منحها الإسلام للإنسان، فأصبحت هذه القيمة في ضمير المسلم أساسا لكل البناء الإسلامي في الجوانب الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، فلا يقع المسلم في استعباد الظروف الاقتصادية، كما لا ينزلق إلى رجل مستبد يستعمل صولجان الذهب سبيلا للطغيان، وهذه المبادئ قد تحققت فعلا في واقع المسلمين على الأقل في فترة تحقق المشروع الديمقراطي، وفي حدودها الزمنية في التاريخ الإسلامي.

إلى أن جاء التحوّل في تاريخ الإسلام، والموانع التي عطلت المشروع الديمقراطي الإسلامي من أن يواصل سيره في التاريخ، وإن لم تحقق تماما إلا أنها ظلت في سلوك الأفراد، وفي أعمال بعض الحكام أيضا، وإذا ظهر الاستبداد في شخص الحاكم فإن العبودية لم تظهر في شخص المحكوم ما دام ضميره مستعصما بالقيم الإسلامية، واستمرت الرقابة التي يفرضها الضمير الإسلامي على أعمال الحكام في التاريخ، حتى بعد تعطّل هذا المشروع إلى أن انتهى من واقع الحضارة تقدير الإنسان التقدير الذي منحه الله إياه. انتهى في السياسة أي في أعمال الحاكم، وفي الأخلاق‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد،‭ ‬فتنتهي‭ ‬الروح‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لأنه‭ ‬فقد‭ ‬أساسها‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬الفرد،‭ ‬أي‭ ‬حينما‭ ‬فقد‭ ‬الفرد‭ ‬شعوره‭ ‬بقيمته‭ ‬وبقيمة‭ ‬الآخرين‭.‬

ويلاحظ‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي‭ ‬أن‭ ‬الحضارة‭ ‬تتهاوى‭ ‬وتنطفئ‭ ‬جذوتها‭ ‬عندما‭ ‬يختفي‭ ‬من‭ ‬الضمير‭ ‬الشعور‭ ‬بمعنى‭ ‬الإنسان‭.‬

ولا تنجح المحاولات اليوم في المشروع الديمقراطي في العالم الإسلامي إلا بقدر ما تضع في ضمير المسلم قيمته وقيمة الآخرين، أي تقويم الإنسان تقويما جديدا حتى لا ينزلق إلى ذل العبودية، ولا إلى طغيان الاستعباد.


هوامش‮:‬

1-‬نشرت‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬في‭ ‬كتابه‮:‬‭ ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي،‭ ‬مكتبة‭ ‬دار‭ ‬العروبة،‭ ‬القاهرة‭ ‬1960،‭ ‬ص‮ ‬74‮ ‬‭-‬‮ ‬115‮.‬

2-مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي،‭ ‬تأملات‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي،‭ ‬ص‮ ‬318.


آخر التغريدات: