جهاد الإمام عبد الحميد ابن باديس في مجال الدفاع السياسة و القيم و الأخلاق

جهاد الإمام عبد الحميد ابن باديس في مجال الدفاع السياسة و القيم و الأخلاق

في مجال السياسة: هناك قول كان يروجه بعض الناس منذ فجر النهضة الحديثة لحاجة في أنفسهم،وهو أنَّ العلماء لا شأن لهم بالسياسة. فكأنَّ العلماء هيّئوا فكريا وعلميا لنشر العلم وخدمة الدين فقط،أما السياسة فلها أربابها وذووها، وهذا القول باطل لأنَّ السياسة إذا لم يقم بها قادة الفكر وأهل العلم كانت تجارة وتلاعبا وتضليلا،ومن هنا سفّه الإمام ابن باديس هذا القول وضرب به عرض الحائط، لعلمه أنَّ العلماء الأحرار هم أجدر الناس بالاهتمام بالسياسة،لأنهم أدرى بوضع بلادهم،وأقدر على تشخيص عللها.

وأعلم بما يناسبها من دواء.ومن هنا جاهد الإمام  بشجاعة في سبيل أن تحتفظ الجزائر بمقومات شخصيتها،وقال في برقية له إلى م لاقروزوليان -النائب البرلماني بباريس-: « أذكركم بكل احترام ما كنت نبهتكم إليه وحذرتكم منه في العام الماضي،وأوكد لكم أنَّ كل ما يمس بالذاتية الإسلامية يثير سخط الأمة الجزائرية،والعالم الإسلامي كله»

وقاوم الاستعمار الفرنسي وجاهد جهاد الأبطال من أجل تحرير الجزائر وأعلنها حجّة مدوية ( إنَّ هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا،ولا يمكن أن تكون فرنسا،ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت،بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كلّ البعد،في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها،لا تريد أن تندمج،ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري..)

هكذا يواجه فرنسا بهذه الكلمة القوية الصارمة،يوم كان التصريح بالذاتية الجزائرية جواز مرور إلى السجن إن لم يكن إلى الآخرة  !

كما أعلنها صريحة أن استقلال الجزائر ليس أمرا غريبا أو بعيدا بل هو أمر طبيعي لكل أمة على هذه الأرض،ومن ثمة فليس بعيدا أن يأتي يوم تتعامل فيه فرنسا مع الجزائر معاملة النّد للنّد،وذلك إذ يقول:«إنَّ الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا،وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة،والعلم،والمنعة،والحضارة،ولسنا من الـذين يدّعون علم الغيب مع الله،ويقولون إنَّ حـالة الجزائر الحاضـرة ستدوم إلى الأبد،فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أن تزداد تقلبا… وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا،تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر …»

وآلم الإمام أن يرى الجزائر تشارك فرنسا في بناء حياتها،ويموت أبناءها في سبيلها،ثم تثجازَى من كل ذلك جزاء سنمار،وفي هذا يقول: «إن الأمة الجزائرية قد شاركت الأمة الفرنسية في مواقف الموت،فمن الحق والعدل أن تساويها في مواقف الحياة.إنَّ الحياة تشترى بالأرواح والأبدان،والأمة الجزائرية قد بذلت أرواحها وأبدانها مع الأمة الفرنسية ومثلها. ومن دفع الثمن فمن الحق والعدل أن يأخذ المثمن.إنَّ الأمة الجزائرية سمعت في أيام الشدة ومواطن البأس من الأمة الفرنسية أنهما يستويان في السلم كما تساويا في الحرب.فأما الذين ماتوا في تلك الأيام فقد ماتوا وقلوبهم تنعم بذلك الأمن المأمول،وأما الذين بقوا قلوبهم تتجرع الخيبة،وتنطوي على الألم بعد الألم»

ويتلهف شوقا إلى الحرية التي حرمت منها الجزائر،ويقول بمناسبة احتفال فرنسا سنة 1939م بذكرى الرابع عشر جويلية الذي إندك فيه حصن “باستيل”. وانتهى به عهد الظلم والاستبداد،وبدأ عهد الحرية والمساواة:«إننا هنا نحتفل بالحرية ونفرح مع الأحرار وإن لم نكن فلنا من ترك الحرية المحسوبة حظنا،والمسجون الشريف يفرح بحرية الناس،وإن كان هو سجينا،ثم تساءل في تطلع إلى الفجر وراء الأفق البعيد:« فهل نحتفل بيوم الحرية ونحن أحرار»«

ولما رأى وعود فرنسا برقا خلَُّباً ،وإنَّ لنيل المطالب طريقا آخر لابد من سلوكه،مهما كان شاقا وصعباً،وجه نداءا إلى الأمة.. جاء فيه بالخصوص:«اليوم وقد آيسنا من غيرنا يجب أن نثق بأنفسنا !اليوم وقد تجوهلت قيمتنا يجب أن نعرف نحن قيمتنا!اليوم وقدخرست الأفواه من إجابة مطالبنا يجب أن نقول نحن كلمتنا:اليوم وقد اتحد ماضي الاستعمار وحاضره علينا يجب أن تتحد صفوفنا»

في مجال القيم والأخلاق

عرف الإمام أنَّ الأمم بقيمها الأخلاقية،وأنَّ أمَّة بلا قيم وأخلاق جسم بلا روح،ومصباح بلا ضوء وأنَّ مستقبل الأمم مرهون بأخلاقها،فكانت الغاية الساسية التي يستهدفها دأبا من وراء دروسه ومحاضراته ومقالاته الصحفية أن يصنع أجيالا قادرين على حفظ الأمانة،وحمل الرسالة،وبناء حياة تكون في مستوى هذه الأمة دينا ولغة وتاريخا.سأله أحد تلامذته يوما:لِمَ لاتؤلف الكتب؟فكان جوابه: إنَّ الشعب يابني ليس اليوم بحاجة إلى تأليف الكتب بقدر ما هو في حاجة إلى تأليف الرجال،هبْ أنِّي انصرفت إلى التأليف وانقطعت عمَّا أنا اليوم بصدده من نشر العلم وإعداد نشء الأمَّة فمن يقرأ كتبي وتأليفي ما دام الشعب في ظلمات الجهل والأمية،إنَّ إعداد معلم واحد كفؤ يتصدى لمحاربة الجهل الفاشي في ربوعنا لخير لمجتمعنا من ألف كتاب تحفظ في خزائن على أن تبيد وتبلى» 

ويريد بإمداد المعلم إعداده أخلاقيا بالخصوص حتى يكون علمه نورا يهدي،لانارا تحرق،والمعلم إذا صلح صلحت الأمَّة كلها وإذا فسد فسدت،وفي هذا المعنى يقول:

 « لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم،فإنَّما العلماء من الأمَّة بمثابة القلب،إذا صلح صلح الجسد كله،وإذا فسد فسد الجسد كله،وصلاح المسلمين إنَّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به،وإنَّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم،فإذا كانعلماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون،فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم»

يضاف إلى ذلك أنَّ ابن باديس كان مدرسة أخلاقية بما حباه الله تعالى به من مواهب فطرية عالية،وأخلاقكريمة سامية،وقد تأثر به نفسيا وسلوكيا كل من أخذ عنه أو كان له به اتصال،وشاع أنَّ الواحد من طلبته لايكاد ينتظم في حلقته حتى تبدو عليه آثار التفاعل والاقتداء والاتجاه،ومن هنا فإن كل من تتلمذ عليه عاد إلى أهله بحظ إن لم يكن ملما فهو خلق قويم،واتجاه في الحياة سليم.

حسبنا ماذكرنا من مجالات جهاد الإمام لأنَّ تتبعها بالاستقصاء يخرج بنا من ساحة إلى ساحـة،ومـن مطلوب إلى غير مطلوب،وصدق كاتب القطرين المرحوم الأستاذ توفيق المدني في قوله عن الإمام بمناسبة ذكرى وفاته السابعة:« إنَّما حَبَبَ عبد الحميد إليَ إنَّه كان ثورة قائمة بذاتها،ثورة ليست بصاخبة ولاهو جاء،إنَّما هي ثورة اتسعت آفاقها فشملت كلَّ الميادين،وسارت سيرا متزنا هادئا غير وانية ولامتخاذلة… »

 

آخر التغريدات: