الشيخ عبد الحميد بن باديس الإمام المجدد

الشيخ عبد الحميد بن باديس الإمام المجدد

تود هذه الكلمة أن تتلمس طريقها في رياض آثار الإمام وفي سجل جهوده الميدانية ومواقفه العملية، لتستروح ببعض ما تعبق به هذه وتلك من شذى الجهود المخلصة الصادقة على طريق النهضة الوطنية، وتتعرف من خلال ذلك على بعض آراء الإمام وإسهاماته في عملية التجديد ، ويمكن أن يدور النقاش لإجلاء ذلك في هذه المحاور:

 1 – بداية وتاريخ : كان الإمام عبد الحميد بن باديس قد شرع في وضع اللبنات الأولى في أسس النهضة الوطنية 1913 عقب عودته من رحلة الطلب والتحصيل بجامع الزيتونة بتونس، وأوبته من أداء فريضة الحج بالبقاع المقدسة، وذلك بعكوفه على مشروعه التربوي التعليمي، اللبنة الأولى في بناء النهضة.

وكان بعض العلماء الجزائريين المقيمين بالبقاع المقدسة بالحجاز يومئذ (العقبي والإبراهيمي وغيرهما) قد عادوا إلى أرض الوطن في أوائل العشرينات من القرن العشرين، فبدؤوا يقومون ببعض الجهد في الميدان الإصلاحي والتربوي، في هذه المدينة أو تلك من أرجاء الجزائر، فتلاقت جهودهم مع جهود الإمام ، وسار الجميع في طريق واحد لتحقيق غاية واحدة ، نهوضا بالأمة وذودا عن قيمها ومقوماتها وحقوقها.

لقد هزت وجدان هؤلاء العلماء مأساة شعبهم وما يتخبط فيه من احتلال استيطاني واختلال اجتماعي وانحلال خلقي وتخلف حضاري، فعقدوا العزم على تخليصه من تلك الأدواء بالعمل على درء ما تصدع من بنائه الحضاري وما اختل من قيمه ونظمه الاجتماعية ، معتمدين في ذلك على أصول الدين الإسلامي : الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من أعلام الأمة ، متأثرين في ذلك بأفكار النهضة الإسلامية الحديثة (1)

وبدأت على إثر ذلك بوادر حركة نهضة حديثة تنادي بالتغيير وتدعو إلى التجديد، وكان لكوكبة من أعلامها ، مصلحين وأدباء كل في ميدانه وبحسب مؤهلاته، إسهامات بارزة في مشروع النهضة، ويمكن للباحث الذي يستعرض سير هؤلاء الأعلام وينعم النظر في أعمالهم أن يخلص من ذلك إلى أن أخطر المواقف وأبرز الإسهامات وأشدها أثرا في التمكين لمسيرة النهضة و إعلاء صرحها ما كان منها متصلا بزعيم الأمة ورائد نهضتها الإمام ابن باديس (1889- 1940) بما تميزت به شخصيته من عوامل نفسية وفكرية ، ولما انقلب فيه من ملابسات اجتماعية وسياسية وبما سبق إليه واضطلع به من أعمال ومهام على طريق الريادة والقيادة فكان ـ رحمه الله ـ واحدا من أبرز رواد الحركة الوطنية الحضارية وأحد أساطين الإصلاح بالجزائر، ورئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلما من أعلام الأدب الجزائري الحديث، وقد استطاع بهذه الميزات وهذه المكانة أن يعكس الوجدان الجماعي للأمة بقوة ويسهم بفاعليته في مسيرة النهضة الحديثة ويحدو بإخلاص وصدق و شجاعة تطلعات الأمة على طريق المستقبل الأفضل في حقبة كانت من أشد الحقب توترا في تاريخ الجزائر المعاصر، يصور بعض ذلك شاهد القرن مالك بن نبي فيقول : “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات (ابن باديس)، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، و يا لها من يقظة جميلة مباركة (2).

2- أسباب وتعليل : إن الضعف والبلى يصيبان الأمم بفعل الأهواء والنزعات والابتعاد عن منهج الحق والعدل والانقطاع عن الدين والدنيا، فتكون الأمم حينئذ بحاجة إلى التجديد والبناء، ويكون ذلك بإرجاع ما رث من أمر هذه الأمم إلى حالة الأولى في استقامته و عافيته.

وقد كانت الأمة العربية الإسلامية قوية عزيزة تأخذ مكانها في الطليعة بين الأمم في عصورها الأولى فأصبحت اليوم في المؤخرة ضعفا وتخلفا وتشرذما. وقد أصاب الجزائر في هذا العصر ما أصاب شقيقاتها فوجدت نفسها ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي، مهيضة الجناح، مثخنة بالجراح، مما استلزم الإسراع بالطب و العلاج. وقد جاء في الحديث الشريف « إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » (3).

فهل يكون ابن باديس هو أحد هؤلاء الرجال المصلحين المجددين الذين توزعوا في بلاد الإسلام في هذا العصر، ليجدد كل منهم في محيطه ما يستطيع أن يجدد من وجوه حياة الأمة، ويوجه خطاها على طريق الهدى والرشاد، و يغذي في نفوس أبنائها أسباب العزة والتحرر والرقي ؟

هل يكون ابن باديس هو الرجل الذي اختارته العناية الإلهية ليجدد للجزائر حياتها ويقودها على طريق استعادة كرامتها وعزتها في النصف الأول من القرن العشرين ؟

يمكن القول أن عملية التجديد في الجزائر ترجع جذورها الأولى إلى أواخر القرن الثامن عشر، وذلك على أيدي كوكبة من العلماء المصلحين الذين بادروا بالدعوة إلى الاجتهاد و تحرير العقل ونبذ التقليد، مما يدخل في صميم ما دعت إليه النهضة الإسلامية الحديثة(4) ونذكر من بينهم : عبد الكريم بن محمد بن الفقون القسنطيني (988 – 1073)، محمد بن محمود بن العنابي (1775 – 1851)، حمدان بن عثمان خوجة (1775 – 1845)، محمد بن علي السنوسي (1787 – 1859)، الأمير عبد القادر الجزائري (1807 – 1883)، و من جاء من بعده من شيوخ أواخر القرن التاسع عشر، ثم الأمير خالد (1875 – 1936) في أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى أن استلم الريادة والقيادة في هذا الميدان الإمام ابن باديس في مطلع العشرينات من القرن العشرين.

وإن الذي يتأمل في تراث الإمام ، وينظر في إسهاماته ومواقفه بحثا عن ملامح التجديد في ذلك، يمكنه أن يلمس ذلك فيما تناوله الشيخ بالنظر والدرس من قضايا وموضوعات، وفيما اصطنعه للتعبير عن ذلك من طوابع وسمات، وقد شمل تجديده بذلك جانبين اثنين : الموضوعات والأساليب.

وإن قصارى ما تهدف إليه هذه الكلمة أن تقتصر فحسب – لضيق المقام – على النظر في بعض المعالم من تجديده في الموضوعات.

3 – موضوعية وأمانة علمية : كان الشيخ ينظر فيما يقف عليه من مصادر، وفيما يعالجه من قضايا بروح علمية وبصيرة نافذة، وعقل ناقد، فينظر إلى الكتاب والسنة نظرة تقديس وتدبر واستلهام، وينظر فيما عدا ذلك من اجتهادات العلماء : مفسرين ومحدثين، وفقهاء و أصوليين، و غيرهم ، نظرة نقد و تمحيص و تقييم .

فكان يناقش الآراء بالحجة العقلية والبرهان المنطقي والأدلة القرآنية فيأخذ منها ويدع، وقد حقق بهذا المنهج كثيرا من المسائل، وصحح غير قليل من الاستنتاجات، فقد ناقش الشيخ الدجوي في بعض استنتاجاته حول موضوع الاستغاثة والدعاء (5)، وينقد ما ذهب إليه ابن خلدون في تفسيره لمدينة (إرم ذات العماد) (6)، ويوثق ما جاء في كتاب (القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد) للشيخ بن عليوة من نقول غير صحيحة واستدلالات باطلة(7)، وناقش الشيخ الطاهر بن عاشور في بعض فتاواه(8)، وحذر مما جاء في كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم من أحاديث موضوعة(9) وما جاء في كتاب (تنبيه الأنام) من موضوعات غير صحيحة(10) وما جاء من ذلك في غير هذه المصادر (11).

وكان الإمام بهذا المنهج ثائرا على المقلدين والمبتدعين، داعيا إلى تطهير العقيدة من البدع والرجوع بها إلى ينابيعها الأولى من الكتاب والسنة، والتأصيل لأثرهما في حياة الأمة ، تحريرا للعقول وتزكية للنفوس، وتقويما للسلوك، وسعيا للتقدم الحضاري. ومن ثم يمكن القول أن ابن باديس كان مجددا في مفهومه للدين والعمل به والالتزام بدعوته .

4 ـ في الميدان المعرفي : كان ابن باديس في المجال المعرفي يمجد العقل في حدود ما أودعه الله من طاقة التفكير والنفاذ إلى كنه الأشياء والعمل على تحريره مما قد يكبله من عوائق التقليد والجمود، والوقوف من تراث الأمم الأخرى موقفا حكيما متفتحا ينشد الإفادة من ذلك بما يلائم أصولنا و لا يتعارض مع قيمنا ومقومات حضارتنا، ويساعد في الوقت ذاته على تجديد معارفنا وتطوير خبراتنا في ميدان العلم و المعرفة دون أن يتجاوز ذلك إلى القيم و السلوك ، لأننا أغنياء في ذلك بديننا.

وإن التجديد المنشود في هذا المجال لا يعني أن نتتلمذ – كما بروج لذلك بعض المستلبين – على ظاهرة الحداثة الغربية في كل أشكالها وألوانها، وإنما أن نحاول الإفادة مما عند الآخرين من نتاج العقل و الفكر بوعي وتبصر وحكمة.

5 ـ في الحقل الاجتماعي : حرص الإمام على الإسهام في تجديد بعض الجوانب من حياة المجتمع في إطار المبادئ والقيم الإسلامية علما وعملا، دينا ودنيا. وقد خص المرأة لوضعها الغريب يومئذ في المجتمع بعناية فائقة ، فدعا إلى تربيتها وتعليمها ونزع ثوب الجهل عنها، والعمل على تحريرها مما ترسف فيه من بقايا عادات عصر التخلف والضعف، وفسح مجال العمل أمامها في حدود ما يلائم طبيعتها، ويجدد حياتها في إطار ما منحها إياه الشرع الإسلامي من حرية و حقوق ذلك أن المرأة هي نصف المجتمع، وإن بقاءها جاهلة معزولة عن حركة هذا المجتمع ، إنما هو هدر لنصف طاقة المجتمع، وأي مستقبل لأمة بين الأمم تتحرك في مسار الحياة بأقل من نصف طاقتها ؟

ذلك أن نصفها ـ كما رأينا ـ معطل بقعود المرأة عن العطاء الفاعل، وجزء كبير مما بقي من ذلك مهدور بما تعاني الأمة من علل وأدواء في روحها وفي عقلها وفي جميع مظاهر حياتها.

6 ـ في الميدان السياسي : أسهم الشيخ ابن باديس فيما عرفت الجزائر في الثلاثينات من تظاهرة المؤتمر الإسلامي الذي اجتمعت فيه غالبية أصوات الأمة لأول مرة على رأي واحد منذ الاحتلال، وقد شهد جهاد الإمام في هذه الفترة نقلة ملحوظة استبدل فيها أسلوب المواجهة الصريحة بأساليب الاستجداء البالية، وانتقل فيه من التلميح إلى التصريح، ومن النضال السياسي التقليدي إلى التلويح بالثورة فكان الشيخ بهذه الاهتمامات الواقعية النضالية ابن عصره فيما عالج من موضوعات وقضايا، متحررا من الأغراض التقليدية ومن النزوات الشخصية، مركزا على قضايا المجتمع و تطلعات الأمة و متطلبات العصر.

7- موقف ابن باديس من قضية القديم والجديد : كان الشرق العربي قد شهد في الثلاثينات من القرن العشرين صراعا في الحقل الفكري والأدبي بين أنصار القديم و أنصار الحديث، و إن هذه لقضية تاريخية عرفها المشتغلون بالفكر والأدب منذ العصر العباسي، وكانت الظروف التي أحاطت بالأمة العربية في العصر الحديث قد أوجدت من الملابسات والعوامل ما ساعد على إثارة هذه القضية من جديد فماذا عن حظ الجزائر من هذه المسألة ؟ وماذا عن موقف ابن باديس منها?

إن الإمام ـ وهو يرأس حركة فكرية إصلاحية كان لها الدور البارز في عملية الإحياء والتجديد ـ كان في مقدمة الأدباء والمفكرين الجزائريين تتبعا واهتماما وهو وإن لم يتفرغ ـ للمهام المنوطة بكاهله في إطار النهضة العامة ـ إلى الإدلاء برأيه في تلك المعركة بصورة مباشرة، فإنه لم يتوان عن الإسهام فيها في حدود محيطه تجديدا للدين والفكر والأدب، وانتهاجه في أعماله منهج المعتدلين المعتزين بتراث أمتهم، وبذلك فهو يلتقي بأصحاب التيار الأصيل في خندق واحد غيرة على الإسلام، واعتزازا بالتراث، وإحياء للعربية، وذودا عن الهوية وينعكس موقفه هذا المؤازر لتيار المجددين المعتدلين بشكل أوضح بنشره في مجلته ( الشهاب ) بعض آثار هؤلاء والتنويه بجهودهم، مثلما فعل ذلك مع هؤلاء الأعلام ( الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، الرافعي، محب الدين الخطيب ، شكيب أرسلان، وغيرهم… ومما نشره من ذلك بخاصة لهذا الأخير مما يتصل بهذه المعركة الفكرية (مقاله حول الجملة القرآنية )، ومقدمته لكتاب (النقد التحليلي) لصاحبه محمد الغمراوي الذي صنفه في نقد كتاب (في الأدب الجاهلي) لطه حسين (12).

و بالمقابل فإن الإمام لم يقتصر في موقفه من أصحاب الطرف الآخر في حدود إحجامه على نشر آثارهم فحسب ، و إنما ذهب إلى أبعد من ذلك ، فتصدى إلى نقد بعض أعمالهم، كما فعل ذلك مع كتاب طه حسين (على هامش السيرة) الذي علق عليه ونشر ما كتبه نقدا حوله حسين هيكل (13)، كما نقد سلامة موسى(14) ويعقوب صروف (15) و غير هؤلاء… وكلهم من المستغربين دعاة التجدد المزعوم الذين يقلدون تراث أسلاف الأوربيين، ويحسبون أنفسهم بذلك أنهم من المجددين، ويرمون في الوقت ذاته بالتقليد أولئك الأدباء الذين يسعون إلى تجديد تراث أسلافهم بإحيائه ونشره واستلهامه والاستئناس به .

وإنها لمفارقة عجيبة…! وإن أمر هؤلاء لغريب، غريب…!

ويخلص النقاش مما تقدم إلى أن الشيخ استطاع بالرغم من العلل والأسقام التي زرعها المحتل الأجنبي في جسم الأمة وروحها وفكرها أن يسهم بشيء من التجديد في مناحي كثيرة من الحياة ، مما خلد أثره في حركة جهاد الأمة وبوأه مكان الريادة والإمامة والقيادة في حركة نهضتها .

وبعد فهذه وقفة عجلى ونظرة سريعة حول بعض ما كان من آراء ومواقف للإمام ابن باديس في ميدان التجديد ، هذه الجهود التي أينعت، و كان للزرع الذي غرسه الإمام من بذورها في القلوب وفي العقول وفي السلوك، أن أخرج شطأه واستوى على سوقه وأتى أكله طيبا مباركا، فكان من ذلك أن انحسرت من ساحة العمل موجة البدع والضلالات، وتحرر العقل من الأغلال والقيود، و استنار الفكر بضياء الحق ونور العلم وارتفعت من على العيون غشاوة الظلام والتقليد، فاستعاد الشعب بذلك وعيه واستكمل أسباب استعداده للإقدام على تفجير بركان ثورته، فثار و جاهد وانتصر… ولينصرن الله من ينصره، وإن الله لقوي عزيز، والحمد لله رب العالمين …

الهوامش :

1 – الشيخ الإبراهيمي : سجل مؤتمر جمعية العلماء ص 47 ط2 دار الكتب الجزائر 1982

2 – مالك بن نبي : شروط النهضة ص 30 دار الفكر بيروت 1969

3 – أخرجه أبو داود في سننه وصححه الحاكم

4 – د/ أبو القاسم سعد الله : منطلقات فكرية ص65 الدار العربية للكتاب ليبيا تونس 1976

5 – آثار الإمام 2 : 250 مطبوعات وزارة الشؤون الدينية الجزائر 1982

6 – المقدمة 1: 372 ط2 تح د/ علي عبد الواحد وافي القاهرة 1964 وينظر ابن باديس حياته وآثاره 4 : 69 1967 دمشق

7 – 8 – آثار الإمام 3: 250 ، 270

9 – ابن باديس حياته وآثاره 4 : 112

10 – آثار الإمام 2: 249

11 – حياته وآثاره 3: 51

12 – ينظر مجلة الشهاب ج2م5 من (مارس إلى ديسمبر)1929(عشر حلقات )

13 – آثار الإمام3: 78 14

14- 15- آثار الإمام 5: 87 ، 91

 

آخر التغريدات: