التسامح وثقافة السلم عند بن باديس

التسامح وثقافة السلم عند بن باديس

قد يبدو هذا البحث محكومًا بمفارقة ظاهرة، إذ كيف الحديث عن التسامح في بلد اللاتسامح، كيف الحديث عن التسامح في مجتمع العنف، كيف الحديث عن التسامح في وطن الإرهاب والقتل العشوائي والحرب الأهلية غير المعلنة، الحرب العبثية حيث اللامعنى واللاجدوى منذ فترة هما سيدا الموقف وحيث المشهد يبدو وكأن الجميع يعيش أسطورة سيزيف. فكيف نسمي ما يحدث في الجزائر منذ عشرة سنوات، إننا لا نقدر حتى على التسمية، هذا الفعل الأولى لكل معرفة إنسانية ممكنة، فلا يكفي وصفه بالأزمة البنيوية ولا بالانسداد التاريخي ولا بالمعارضة المسلحة، وضعية تنقلت من كل تسمية وتصنيف ومعرفة وامساك.

وقد يكون هذا راجعًا إلى عجز معرفي أو نقص في الخيال وضعف في التنظير وقلة في التبصر وانعدام في الإبداع، وتهرب من الالتزام السياسي والأخلاقي، ولكن من الواضح أن كل التسميات غير كافية وأنه في جميع الحالات، أصبحت وضعية الجزائر منذ نهاية الثمانينات من الوضعيات التاريخية غير المطاقة وغير المحتملة وتعبر تعبيرا صارخا عن اللاتسامح، عن عدم القدرة على العيش معا، وعن تحقيق الفعل الأول للاجتماع البشري، وعليه، تطرح علينا أن نسائل تاريخنا وثقافتنا، ماضينا وحاضرنا عن كيف حدث أن الجزائري لم يعد يحتمل الجزائري، ليس الأجنبي الغريب ليس المختلف ليس الآخر ليس الغير، أنه لم يعد يحتمل مماثله صنوة شبيهة، الذي عملت الدولة الوطنية وأجهزتها، منذ الاستقلال، على إقناعه بأنه مثال للوحدة وللمماثلة وللمساواة وللتضامن والاتحاد والتواصل والاستمرارية، كيف حدث بلغة (هوبز) أن اصبح الجزائري ذئبًا لأخيه الجزائري ؟ أليس هذا ناتجا أولا وابتداء عن عدم التسامح في العلاقات الاجتماعية وعن غياب التسامح فكرا وممارسة، قيمة وتطبيقا في الفرد الجزائري.

ولكن ماذا يعني هذا التسامح ؟ إننا سنحاول تفكيكه في سياق تاريخي ومفهومي وبالعودة إلى نصوص ابن باديس في سياقها التاريخي، فالوضوح المنهجي والنظري في مثل هذه المسائل هو البداية لكل فعل معرفي والخطوة الأولى للتعريف على ماضينا وحاضرنا.

أولا – في تاريخ فكرة التسامح :

يطرح التسامح مشكلات عديدة متعلقة بمضمونه وتاريخه وعلاقاته الدينية والسياسية والفلسفية وحدوده ومجاله وإمكانياته، إلا أنه يمكن القول إن التسامح هو أولا السماح بحرية العقل، لكن الحرية مشكلة أين تبدأ وأين تنتهي ؟ فالحرية تحتاج إلى النظام. لأن الحرية المطلقة تولد التعصب الذي هو وليد الدوغماتية أو العقائد الوثوقية أو الأيديولوجيات الشمولية.

والتسامح قيمة أخلاقية وسياسية وموقف إنساني فهمه إلا في مقابل التعصب، فالتسامح يقبل بالحوار بالحجة بالاختلاف، ولذا فإن التسامح المتبادل وخاصة في المجال السياسي يعد شرطا أساسيا لما رسة ديمقراطية حقة. إنه “يولد قبول التباينات ويتضمن المعايشة، والصداقة. وفي مجتمع يتصف بالمعايشة، (يكون) الإنسان سيد نفسه،.. (متحكم في عواطفه، وليس في حاجة ملحة إلى القضاء على الآخرين. ومن هذه الزاوية فإن مجتمعا من هذا النوع يتطلب من الإنسان المسيطر أن يحد من دوافعه العنيفة حتى يتم التفاهم ويضعف التسلط).. ويتحقق الاتصال، ويحيا الآخر في هدوء(1)، وعليه فإن التسامح مفهوم ككل المفاهيم فإن له حدًا، وهو التعصب الذي هو درجة الصفر للتسامح. وإن كان من الصعب تحديد درجات التسامح(2).

ولعل مشكلة التسامح تنبع من كونه ينطوي على نقيضه، اللاتسامح الذي يستلزم التعصب وما يؤدي إليه من عنف ومن اضطرار ومن استقرار ومن حرب، كما أن من مشكلات، كون التسامح اللامحدود يدمر التسامح، نجد هذه المعاني وغيرها حاضرة في تاريخ الكلمة، إذ يؤرخ للكلمة انطلاقا أو ابتداء من عصر النهضة بحيث يعتقد أن البروتستانتية هي مصدر التسامح في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولعل أو من استعمل كلمة التسامح هو المصلح البروتستانتي (مارتن لوثر Martin Luther) في حدود سنة 1541 ولك عندما، ربط التسامح بحرية المعتقد والإيمان والضمير(3). وتزامن مع هذا بروز النزعة الإنسانية عند (ارازموس، ميشال دي لوسبتاليي، منتان) مؤسسوا فكرة التسامح في عصر النهضة وهم Erasme, Michel de L, hospital, Montan فلاسفة إنسانيون ولاهوتيون مصالحون بين الكنائس، كما كتب ارازم من جهته على ضرورة (الوئام المدني Le concord civile) وذلك سنة 1533 حيث أكد على حرية الحكم لكل فرد بين العقيدة المسيحية والكنائس المختلفة وذلك من أجل تجنب الحرب والاقتتال، هذا الوئام والدعوة له هو الذي أدى إلى معاهدة وصلح (it de Nantes L,Ed 1598) وهي المصالحة التي وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت، مصالح لم تكن على حساب معتقداتهم ولكن من أجل العيش معا بوصفهم أخوة وأحبة ومواطنون، ولعل هذه كانت إحدى النتائج الأساسية لحروب الدين التي عرفتها أوروبا، وفي هذا السياق التاريخي نجد السياسي الفرنسي (جون بودان Jean Bouden) ينصح ملكه بضرورة الاستعانة بأهل الخبرة ممن ليسوا من ملته(4). لأن المملكة مكان لجميع المواطنين الذين يطيعون القانون رغم اختلاف مللهم ونحلهم، وحيث الجميع يتخلى عن معتقداته من أجل القانون الجمهوري الكلي. وهكذا نجد أن فكرة التسامح قد أدت إلى فكرة التمييز بين الطاعة العامة للقانون السياسي للشخص العام أو المواطن والحرية الداخلية لكل واحد عضو في المجموعة. كما نجد فكرة التسامح عند الفلاسفة المحدثين وخاصة عند (سبينواز Spinoza) في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) حيث دعا إلى حرية التعبير والديمقراطية واحتلت فكرة التسامح في عمله مكانة رئيسية، حيث أكد على أنه (في جمهورية حرة كل فرد مسموح له أن يفكر كما يشاء وأن يعبر كما يشاء)(5). بمعنى إن سبينوزا أكد على ما نسميه اليوم بضرورة حرية التفكير والتعبير وذلك منذ 1670، تاريخ نشر رسالته، وبرهن على أن : (حرية التفلسف لا تمثل خطرا على التقوى أو على السلام في الدولة، بل إن القضاء عليها يؤدي إلى ضياع السلام والتقوى ذاتها)(6) وأن فكرة الديمقراطية ذاتها تقوم على التسامح في ظل عقد اجتماعي، من هنا أصبحت فكرتا النقد العقلي والتسامح من الأفكار الأساسية عند الفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر. ولقد تزامنت دعوة سبينوزا إلى التسامح مع صدور رسالة (جون لوك Johan Locke 1632-1704) حول الموضوع نفسه(7)، وذلك سنة 1689، حيث أقرَّ فيها بعض القيم التي أصبحت أساس فكرة التسامح يقول : (إنه ليس من حق أحد أن يقتحم، باسم الدين، الحقوق المدنية والأمور الدنيوية “لهذا فإن” فن الحكم ينبغي إلا يحمل في طياته أية معرفة عن الدين الحق “لماذا ؟” لأنه يعتقد (أن خلاصة النفوس من شأن الله وحده. ثم إن الله لم يفوض أحدا في أن يفرض على أي إنسان دينا معينا. ثم إن قوة الدين الحق كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الإنسان)(8). أي أن جون لوك أكد على ضرورة الفصل بين الاعتقاد الديني وتسيير الحكم، كما عرفت فكرة التسامح تطورا على يد فلاسفة الأنوار وخاصة عند (كانط Kant) و(فولتير Voltare)، حيث أكد الأول في نصين هما (السلم الدائم 1783 Paix Perpetuellel) و(الدين في حدود العقل 1793 La religion dans les limitte dela raison) على أنه من غير الممكن الحديث عن أديان مختلفة وكتب سماوية مختلفة، فليس هنالك في نظره إلا دين واحد صالح لجميع الناس وفي جميع الأوقات، وهو دين العقل. وكتب (فولتير Votaire) كذلك رسالة : في التسامح سنة 1763، تحدث فيها عن الصراعات الدينية الناتجة عن الأزمات اللاهوتية وقال بأن التسامح لم يحرض أبدا على الحرب في حين أن اللاتسامح كان وراء الحروب والاقتتال. كما كتب (جون استورت ميل John Sturat Mill) عن مفهوم التسامح في كتابه (عن الحرية) الصادر سنة 1958، إذا أرتأى فيه التسامح يمنع معه الاعتقاد بالحقيقة المطلقة، أي تمتع معه الدوغما dogme.

إن التسامح بهذا التاريخ، ديني وسياسي وفلسفي، له مضامين ومستويات مختلفة تتمثل أساسا في حرية المعتقد والعقل والتعبير والإقرار بالاختلاف والتنوع مع ضرورة التعايش والتعاون. ولكن هل يعقل القول إن البشرية قبل هذا التاريخ، تاريخ العصر الحديث، لم تكن متسامحة ولم تعرف التسامح ؟ صحيح أننا لا نجد عند اليونان كلمة مرادفة للتسامح ولكن من الواضح أن حياتهم الاجتماعية والفكرية لم تخلو من التسامح، وكذلك الحال بالنسبة للرومان والعرب المسلمين(9). على أن التسامح في التاريخ العربي الإسلامي الحديث يطرح أكثر من مشكلة أولاها تتعلق بالسياق التاريخي للمفهوم فكيف تكون ممكنة ترجمة كلمة (tolerance) إلى التسامح، ليس بالمعنى القاموسي وإنما يتعلق الأمر بالمعنى الدلالي فهل هناك تكافؤ في المعنى بين اللفظين ؟ فإذا كان التسامح وليد حركة الإصلاح الديني الأوروبي فكيف اهتم الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث أيضا بقضية التسامح ؟ ألا يمكن استخراج وجه التشابه بين الإصلاحيين ؟ إننا مثلا، نجد عندهم نفس العودة إلى الأصول الأولى ونبذ الوسائط أي تخطي التفسير القائم، وتجاوز للفرق والمذاهب واتخاذ (موقع يكون في مستوى النص – الأصل، بدعوى أنه هو وحده القادر على مواجهة التغير وتدبيره)(10). كما يمكن القول أن العدو المشترك بينهما هو الشعوذة، ولكن لا يجب الانسياق، وراء التشابهات والمماثلات، لأن هناك اختلافات كبيرة بينهما أقلها الوضع التاريخي، فالحركة الإصلاحية الإسلامية كانت تواجه وضعا مضاعفا أو مزدوجا، يتمثل في إصلاح العقيدة والمجتمع والدفاع عنهما ضد الاستعمار. فبأي معنى يمكن أن نتحدث عن التسامح في الوسط الإسلامي ؟(11) أنه لمن الموضوعية إذا ما أردنا أن نحلل ومن ثم أن نجيب عن هذه الأسئلة أن نتقدم بخطوة منهجية أساسية بغرض (تحاشي في الوقت نفسه المغالطات التاريخية السهلة والمبالغة التبجيلية التي يستخدمها المسلمون للرد على تلك التصورات الاتهامية والاحتقارية الغريبة)(12) ومن أجل ذلك وجب القيام بخطوات منهجية أساسية منها :

1- معرفة كيفية استخدام مصطلح التسامح.

2- التركيز على الفرق بين الإسلام والوسط الإسلامي والفكر الإسلامي.

3- دمج وتحليل كل حالة خاصة في إطار معرفة واسعة ذات أبعاد فلسفية.

وبناء على هذا سنحاول مقاربة نصوص الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس، وفي سياق هذا هي الممارسات التي تبين تسامحه ؟ هل كان ابن باديس متعصبا أم متسامحا وما هو موقفه من المتعصبين؟ ما هو موقفه من المختلف عنه دينيا وعرقيا ؟ وهل ممارساته ونصوصه تسمح بالحديث عن مفهوم للتسامح عنده ؟ وهل له ممارسات متسامحة ؟

ثانيا- في مظاهر التسامح الفكري والعلمي عند عبد الحميد بن باديس :

إنه يتعين علينا أن نبين بداية قاعدة منهجية وهي عدم تطويع ولي نصوص الأمام المصلح عبد الحميد بن باديس إلى ظرف ومناسبة وسياق وسياسة ونداء، يجب النظر إلى نصوصه في سياقها التاريخي وفي كليتها وبعيدا عن الإسقاط والاستغلال الأيديولوجي الذي عان منه طيلة أكثر من أربعين سنة، هذا احتياط منهجي ضروري، في نظرنا. وعملا على تقديم إجابة أولية، على هذه الأسئلة، يتعين علينا أن نسائل مفهوم الإسلام ذاته عند عبد الحميد بن باديس، فما هو الإسلام الذي دعا إليه ؟ يميز ابن باديس بين إسلامين، إسلام وراثي وإسلام ذاتي، أما الإسلام الوراثي فهو إسلام (تقليد، لا نظر فيه ولا تفكير، إسلام العوام، حفظ للأمم الضعيفة شخصيتها ولغتها، لكنه لا ينهض بالأمم، لأن الأمم تنهض بالتفكير والنظر). أنه إسلام الزوايا، إسلام لا يفكر، إلا أن له جانبًا إيجابيًا يتمثل في حفظ الشخصية لكن لا يستطيع القيام بالنهضة، لأن الذي يقوم بهذا هو الإسلام الذاتي، الإسلام القائم على فهم القواعد والمؤسس على الفكر والنظر إسلام مشروط بالتعلم والعلم : (فلا يكون المسلم – يقول – حتى يتعلم الإسلام، فالمسلمون – أفراد وجماعات – مسؤولون عن تعلم الإسلام، للبنين والبنات للرجال والنساء، والقليل من ذلك خيره كثير)(13) إنه الإسلام مشروط بالتعلم والعلم والمعرفة وقائم على الفكر والنظر، وهذا الإسلام كما يقول هو : (الدين العقلي الروحي)(14) وبذلك فهو دين الإنسانية ويحب الإنسانية، وهو في الوقت ذاته إمكانية لرفض التماثل والاندماج وقدرة على التمييز والاختلاف، أي أن هذا الإسلام الذاتي عنصر للاختلاف وللحضور الإيجابي في عالم يتسم بالاضطراب والصراع وتحكمه علاقات القوى والثغلب. إن هذا الإسلام يقوم على أصول ثلاثة هي القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح. وإذا كان هذا يطرح مشكلة معقدة متعلقة بعمليات التأويل والتفسير التي قام بها ابن باديس فإن بعض النتائج التي توصل إليها من خلال الدعوة إلى الإسلام الذاتي في غاية الأهمية منها :

أ‌- كما يدعو إلى الأخوة الإسلامية بين جميع المسلمين يذكر بالأخوة الإنسانية بين البشر أجمعين.

ب‌- يساوي في الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان.

ج- يمجد العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير.

د- بنشر دعوته بالحجة والإقناع لا بالحيل والإكراه.

هـ يترك لأهل كل دين دينهم بمفهومه ويطبقونه كما يشاؤون(15).

كما أننا نقرأ في أحد نداءات جمعية العلماء، وهذا في إطار سياسة التمييز والاتحاد مع فرنسا في زمن الجبهة الشعبية، نداء ممضيا من طرف عبد الحميد بن باديس، يقول فيه : (كن كذلك ضد كل متعصب ضد أي جنس وأي دين. كن متحدا فبالاتحاد – فقط – تبلغ غايتك الشريفة الإنسانية. كن مستيقظا منظما، لتبرهن على أنك شعب لا تريد إلا العيش والحرية والسلام. أرفع عقيرتك بالاحتجاج ضد جميع الذين يستعملون العنف والقسوة والأساليب الشيطانية الخفية ليحدثوا الفتنة والشعب ضد فرنسا والجزائر(16).

ولعل من أهم النتائج المترتبة على هذا الفهم الجديد للإسلام، الإسلام الذاتي القائم على العقل هو العيش وفق مستلزمات العصر، يقول : (حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميل عاداتك، وإذا أردت الحياة لهذا كله، فكن ابن وقتك بسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل. كن عصريا في فكرك وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك وفي تمدنك ورقيك. كن صادقا في معاملاتك بقولك وفعلك)(17).

ولكي يكون المسلم معاصرا فإن الشرط الأول لذلك هو ضرورة الإقرار والعيش بحرية، الحرية التي يصفها بقوله : (حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المعتدي عليه في شئ من حريته “ك” المعتدي عليه في شئ من حياته، وكما جعل الله للحياة أسبابها وآفاتها جعل للحرية أسبابها وآفاتها، ومن سنة الله الماضية أنه لا ينعم بواحدة منها إلا من تمسك بما لها من أسباب وتجنب وقاوم مالها من آفات)(18).

وإن هذه الحرية قبل أن يتم ممارستها ومعايشتها والاحتكام إليها يجب معرفة أنها تقوم بين الأنا والآخر وأنها علاقة بين أطراف مختلفة ولعل أهم قيمة يضيفها ابن باديس لهذا التصور هو إقراره بمبدأ الاختلاف قاعدة وقانونا للتعامل والممارسة، وخصه بمقال كامل جاء تحت عنوان : (نظر المسلمين إلى غير المسلمين ونظر غيرهم إليهم)، يقول فيه : (لأجل أن يقتلع الإسلام جذور الحقد الديني والتعصب على المخالف من قلوب اتباعه ويزرع فيها التسامح – عرفهم أن اختلاف الأمم وتباينهم في نحلهم هو بمشيئة الله وما كانت مشيئته إلا حكمة وصوابا فقال تعالى : “ولو شاء الله لجعلنكم أمة واحدة” ثم يستطرد مستخلصا الحكمة في التعدد والاختلاف والتباين قائلا : وعرفهم بوجه الحكمة في الاختلاف وهي أن تباين أعمالهم بتباين مشاربهم ومداركهم مما هو ضروري لنمو العمران وتقدم الإنسان وظهور حقائق الأفراد والأمم بالابتلاء والاختيار فيما أتيت من عقول وأرادات وقوى وأعمال)(19). والدليل أن القرآن قد أقر للمخالفين أدينا وسماها كما أقر معابدهم وأكد على وجوب احترامها، ليخلص إلى موقف عام وأساسي وهو أن الإسلام قد أبقى على كل كيان ديني وطالب بضرورة احترامه وعليه فإن الإسلام (ربى المسلمين على التسامح وكون نظرهم لغيرهم من أهل الملل فهم لا يرون في اختلاف تلك الملل إلا شيئا قد قضاه الله واقتضته حكمته لعمارة هذه الدار وتلك الدار وظهور آثار عدله وفضله وإحسانه ورحمته، فسلمت قلوبهم من الحقد الديني الممقوت والتعصب المذموم وجرت معاملتهم لهم في أيام قوة المسلمين وأيام ضعفهم على سنن التسامح والاحترام، اللهم إلا وقائع نادرة جدا كانت أيام ضعف المسلمين وطغيان غيرهم عليهم فانتقموا انتقام المظلوم المهان لا انتقام الحقود المتعصب)(20).

إن الحرية وحق الاختلاف تُمارس داخل مجتمعات وبلدان وأوطان، وإنه لمن الضروري أن نتعرف على مفهوم الوطن الذي هو سكن الإنسان ومكانه وفضاؤه وفيه يحقق علاقاته الاجتماعية السليمة والقائمة على التسامح والحرية والاختلاف، إلا أن ذلك متوقف في نظر ابن باديس على نوعية ومفهوم الوطن الذي نحمله، وهكذا نجد ابن باديس وبعيدا عن الشوفينية والتطرف، يقول بعد أن قسم الوطن إلى الأوطان الصغيرة، والأوطان الكبيرة، يقول : (وقسم أعترف بهذه الوطنيات كلها ونزلها منازلها غير عادية ولا معدو عليها، ورتبها ترتيبها الطبيعي في تدرجها، كل واحدة منها مبنية على ما قبلها ودعامة لما بعدها. وآمن – هذا القسم – بأن الإنسان يجد صورته وخيره وسعادته في بيته ووطنه الصغير وكذلك يجدها في أمته ووطنه الكبير ويجدها في الإنسانية كلها وطنه الأكبر. وهذا الرابع هو الوطنية الإسلامية العادلة. إذ هي تحافظ على الأسرة بجميع مكنوناتها وعلى الأمة بجميع مقوماتها وتحترم الإنسانية في جميع أجناسها وأديانها)(21).

إن مفهوم الإسلام والوطن والتقدم والحرية والاختلاف، تجد تجسدها وتحققها في نوعية الخطاب الباديسي وفي لغته وطرق دعوته القائمة على الحجة والحكمة والبيان مستلهما في ذلك القرآنية، (أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) مستخرجا منها قواعد أخلاقية للتعامل والتخاطب والدعوة ولا نبالغ إن قلنا إنه استخرج منها ما يمكن تسميته بأخلاق الحوار وهو ما يلخصه هذا النص الذي يبين أن التسامح أو التعصب أو الاعتدال أو التطرق يبدأ من الكلمة، لذلك نجده يكتب مقالا خاصا بأخلاق الحوار جاء بعنوان : (القول الحسن) يقول فيه : (اللسان أداة البيان وترجمان القلب والوجدان فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره، وأممه، وبريد عقله وواسطة تفاهمه. فإذا حسن قويت روابط الألفة. وتكنت أسباب المحبة، وأمتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي على التعاون والتآزر، وجنى العالم من وراء ذلك تقرر “استقرار” الأمن واطراد العمران. وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك. فالكلام السيئ قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستمداد والتعاون بين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة. وهما أرشف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الألفة والتعاون، حلت القساوة والعداوة، وتبعها التخاصم والتقاتل، وفي ذلك كل الشر، لأبناء البشر)(22). مما يعني أن الحرب والعنف والتعصب والتطرف واللاتسامح يبدأ أولا خطابا ولغة ولفظا وحديثا ثم ينتقل إلى الفعل ومن هنا فإن المدينة المسالمة المتسامحة تعبر بلغة مسالمة ومتسامحة وتستبعد من قاموسها وحواراتها وأحاديثها اللغة المشنجة والأساليب الدعائية المتطرفة والخطابات المحرضة إنها تهتم بلغتها وتعبيراتها وأحاديثها.

نعتقد أن هذا التصور النظري للتسامح عند ابن باديس والقائم، كما أسلفنا على مفهوم معين للإسلام مزود بالنظرة العقلية النقدية وقائم على الحرية والتقدم وحسن المخاطبة لا يكتمل من دون الحديث عن الممارسات المتسامحة لابن باديس أو شئنا قلنا تطبيقه لهذا المفهوم سواء في سلوكه أو في مواقفه، وأن يحدد التسامح هي وجهة النظر التي نتخذها في هذا السياق من مفهوم الإسلام والوطن والحرية والتقدم أو الحداثة، وبناء على النصوص التي رجعنا إليها والتي اعتمدنا على بعض منها في هذه الدراسة فإنه يمكن القول إن ابن باديس يتوفر على منظور وتصور للإسلام وللوطن وللحرية يسمح وعن ثقافة التسامح التي حاول نشرها طيلة عمله العلمي والتربوي والنضالي ولعل ما يشجعنا على هذه النتيجة هو مساندة وتطابق ودعم ممارسته بل مختلف ممارسته وسلوكه اليومي لهذا التصور والتوجه معا، إذ أن مسلكه وعلاقاته وممارسته تدعم هذا التمشي والمنحى الإنساني.

وإنه ولأسباب منهجية لا يمكن أن نُفَضّل القول في مختلف الممارسات والمواقف الباديسية وسنكتفي بالإشارة إلى كيفية تعامله مع الحضور الفرنسي في أرض الجزائر وبعض مواقفه من الأطراف والاتجاهات الجزائرية. فمثلا يفرق ابن باديس بشكل واضح بين فرنسا كقوة دولية وحضارية وبين الاستعمار كقوة كولونيالية : (أننا نفرق جيدا بين الروح الإنسانية والروح الاستعمارية في كل أمة فنحن بقدر ما نكره هذه ونقاومها نوالي تلك ونؤديها، لإننا نتيقن كل اليقين أن كل بلاء العالم هو من هذه، وكل خير يرجي للبشرية أنما يكون يوم تسود تلك، فلتسقط الروح الاستعمارية ولتتدحر، ولترتفع الروح الإنسانية ولتنتشر)(23). أكثر من هذا أننا نجده يستمد الكثير من حججه من الثقافة الفرنسية ومن مبادئ الثورة الفرنسية وقيم الجمهورية التي تلتقي في نظره مع قيم الإسلام كما رحب كثيرا بالجانب التقني والعلمي للحضارة الغربية وإن كان يرى أن ممثلي المسيحية في الجزائر لا يمثلون الروح الحقيقية للمسيح بقدر ما يمثلون السياسة الاستعمارية وكانت له ملاحظات نقدية على الكاثوليكية ولكنها ملاحظات بعيدة عن التعصب أو التطرف والعنف.

وهذه هي النظرة العقلية النقدية التي تميز بين الأشياء وتفصل بين المستويات ولا تقوم بالخلط والجزم والقطع بغرض إصدار أحكام نهائية وأنما تحتكم إلى العقل في قدرته على التمييز بين الأشياء والاستناد إلى الحجة والبرهان العقلي، إن هذه النظرة تُبينها طريقة تعامله مع مختلف الأطراف والاتجاهات العاملة في الجزائر وخاصة خصومه من الطرقيين والاندماجيين فالبرغم من نقده للطرقية إلا أنه حافظ على علاقات حسنة معها وكان يزور الزوايا ويقدر دورها في الحفاظ على الإسلام وإذا كان من غير الممكن الحديث ولا استيفاء الحديث في موقفه من الطرفية فإنه من الضروري أن نبين جانبا أساسيا وهو ما عبر عنه في هذا النص، يقول : (حاربنا الطرقية لما عرفنا فيها – علم الله – من بلاء على الأمة من الداخل ومن الخارج فعملنا على كشفها وهدمها مهما تحملنا في ذلك من صعاب، وقد بلغنا غايتنا والحمد لله وقد عزمنا أن نترك أمرها للأمة هي التي تتولى القضاء عليها ثم نمد يدنا لمن كان على بقية من نسبته إليها لنعمل معا في ميادين الحياة على شريطة واحدة وهي : أن لا يكونوا آلة مسخرة في يد نواح اعتادت تسخيرهم، فكل طرقي مستقبل في نفسه عن التسخير فنحن نمد يدنا له للعمل في الصالح العام)(24) وكذلك الحال بالنسبة للحركة الاندماجية إذ ارتبط معها بعلاقات طيبة وما يقول على سبيل المثال عن فرحات عباس بعد صدور مقال هذا الأخير “أنا فرنسا” ورد الشيخ عليه بمقال تحت عنوان كلمة صريحة دليل على روح التسامح، يقول : (إن كلمتنا الصريحة قد وضعت الكثير من الرجال على المحك، فمنهم من ظهرت نفسه من در مكنون، ومنهم من انطوت جوانبه على حمأ مسنون. وإنا لنشهد إن من أكمل الرجال الذين رأينا فيهم بهذه المناسبة، الهمة العالية، وشرف النفس، وطهارة الضمير، الأستاذ فرحات عباس الصيدلي والعضو البلدي والعمالي بسطيف فالسيد فرحات عباس لم يتألم ولم يتكدر وسلك مسلك رجال السياسة الذين يحبذون النقد وينصاعون لكلمة الحق، فزار إدارة الشهاب، وأكد لها تقديره لجهودها، وجرت له مع صاحب الشهاب محادثة، وجرت له مع صاحب الشهاب محادثة دلت على سمو أدبه وعلو كعبه في عالم السياسة والتفكير)(25).

وإنه وعلى الرغم من أخذ ابن باديس بالمذهب المالكي إلا أنه اعتمد على مختلف المدارس الفقهية وساند اقتراح مصر بتوحيد التشريع الإسلامي كما تعاون مع الأباضية وشارك أعلامهم في جمعيته مثل الشيخ بيوض، يقول في هذا المعنى : (.. كنت ومازلت أقول في مجالسي ودروسي إن المذاهب الفقهية غير الأربعة المشهورة هي كالأربعة تتفق وتختلف عن نظر واجتهاد)(26). يأتي هذا التصريح إثر الخلاف الذي وقع بين الأباضية والمالكية في غرداية في مسألة الآذان، حيث منعت الأباضية المالكية من الآذان في مسجدين من مساجدهما مستنصرين بالسلطة القائمة هناك، فتدخل عبد الحميد بن باديس وانتهت وساطته إلى ما كتبه في مقال بعنوان : “للحق والنصفة، حول منع الأباضية إخوانهم المالكية من الآذان بغرداية”. يقول : (قد ثبت عندنا أن بعض الأباضية بغرداية منذ زمان بعيد بني مسجدا وعلا له مأذنه وأحدث فيه آذانا ثانيا فاتفقت جماعة الأباضيين على منعه وهدم مئذنته. فعلمنا بهذا أن الأباضية لم يمنعوا مالكية غرداية من الآذان تعصبا عليهم لأنهم مالكية.. وإنما منعوهم لأنهم يرون الاكتفاء في البلد بآذان واحد. فنحن بهذا قد برأنا الأباضية من تعصبهم على المالكية لأنهم مالكية. ولكننا من ناحية أخرى نرى أنه من حق عليهم أن يرجعوا في هذه المسألة عن رأيهم ويسمحوا لإخوانهم المالكية بالآذان. أولا- إصلاحا لذات البين بين المسلمين، وهي في الإسلام من أول ما تجب وتتأكد المحافظة عليه والقيام به. ثانيا- حفظا للوحدة الإسلامية بحفظ القلوب غير متصدعة بداء الفُرقة القَتّال المعدود في الإسلام من أكبر المحرمات المهلكات. ثالثا- مجاملة لبقية إخوانهم المالكية بالقطر الذين تربطهم بهم رابطة الدين والوطن والمصلحة)(27)، وعموما فإنه كان يرى أن الاختلاف بين مختلف مذاهب وفرق الدين الإسلامي، اختلاف في الاجتهاد لا غير(28). من هنا دعى إلى الاجتهاد وإلى إدراك قيم التقم والتطور والرقي، ومن هنا أيضا كان موقفه الإيجابي من تعليم المرأة وتجربة “كمال أتاتورك” وتعامله مع مختلف الأحزاب السياسية بل وتعاونه معهم مثل ما حدث ذلم في مؤتمر 1936 إلا أنه ولظروف سياسية معروفة ومفهومة نجد ابن باديس يتخذ مواقف حادة كموقفه من التجنس وهل تجوز الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين أم تحرم، ولقد أقر بتحريم صلاة الجنازة عليه، وأن لا يدفن في مقابر المسلمين، ومن الواضح هنا أن الجنسية غير الدين وهو نفسه يفرق بين الجنسية السياسية والجنسية القومية ولكن الوضع السياسي للجزائر هو المقرر في هذه الحالة(29).

ولعل قناعته بضرورة الاختلاف واحترامه وإيمانه بالحرية يتأكد من موقفه مما ما عرفته قسنطينة في 1934 وما كتب عنه ووصف ابن باديس بعنوان : فاجعة قسنطينة، وصفا امتد علة أربعة أيام وانتهى فيه إلى القول : (كتبنا هذا التقرير على الحالة كما شاهدناها، وكما تحققنا بلغنا من الثقات عندنا، وأننا بعد ذلك نأسف ونألم على ما يصيب الإنسان وعلى أن تجري هذه الحوادث بين عنصرين ساميين إبراهيميين عاشا قرونا في وطن واحد دون أن يشهدا مثلها ونسأل الله تعالى أن يبطل كيد الظالمين، ويرد شر المعتدين عن الخلق أجمعين وأن يرحم المستضعفين وينصر المظلومين من جميع العالمين)(30). أيام فاجعة وما عرف بأحداث اليهود التي وقف فيها بن باديس المشتركة التي تجمع بين الأجناس على اختلاف أعراقها وعقائدها واتجاهاتها.

إن الوظائف المختلفة لخطاب ابن باديس وعلاقاته ورهاناته وحتى استراتيجية والتي لم نشر لسياقها التاريخي إلا إشارة خفيفة، نظرا للمجال المحدد لهذه الدراسة، إلا أن مسلكه العام وسيرته وعلاقاته تدعم هذا التوجه المنهجي الذي نريد أن نقرأ به نص ابن باديس، وإجمالا يمكن القول :

1- إننا نعتقد أن من بين الأسباب التي أدت إلى ما هي عليه الجزائر هو غياب التسامح ثقافة ومسلكا وقلة المغايرة وانعدام التعدد والاختلاف وسيطرة الفكر والثقافة الأحادية والاستبعادية وفق تأويل للتاريخ والتراث لا يحتكم في جوانبه العديدة إلى ما يدعم ويساند التعصب والتطرف.

2- صحيح أن التسامح ليس الخاتم السحري ولا هو مفتاح لكل مستغلق ولكن في اعتقادنا أنه البداية والخطوة الأولى نحو مجتمع السلم والتعايش، وأنه إذا كان صحيحا القول إن التسامح مضامين مختلفة ومعالم غير محدودة فإنه من الصحيح كذلك إن قيما أساسيا وثقافة معينة هي أساس التسامح، ومنها النظرة العقلية النقدية والحرية واحترام الاختلاف، وهي من القيم الجوهرية للتسامح، وهو بهذا المعنى يعتبر خط السير ووجهة السلوك التي تقتضي فيما تقتضي ترك الآخر يعبر بحرية عن معتقداته وقناعته وأفكاره من دون شرط مسبق أن تكون موافقة ومساندة لأفكارنا وقناعتنا ومعتقداتنا وبشكل أخص التمكين له من العيش في أمن وسلام ووئام وفقا لمبادئه التي لا نقاسمها، من هنا تظهر ضرورة الإجماع في مجتمع متعدد، أي ذلك المجتمع الذي يضمن عدم التخلي عن القناعات والتعبير الحر عن الأفكار من دون اللجوء إلى العنف أو وسائله بل يفرض ويحتم أدانة العنف الكلامي والفيزيائي وجميع الأشكال التي يعبر عنها سواء بإيديولوجيات وثوقية دوغماتية أو عنصرية متطرفة.

3- لقد بينت لنا التجربة الإنسانية الحديثة، أن البشرية قد ناضلت من أجل نشر ثقافة التسامح وما حقوق الإنسان والديمقراطية إلا نتيجة من النتائج المباشرة لفكرة التسامح، وإذا كنا قد بينا الفارق بين التاريخ الغربي والعربي الإسلامي وخصوصا الجزائري، فلأننا نعتقد أن ما قدمه ابن باديس تصورا وممارسة، يعتبر مساهمة أساسية في إرساء ثقافة التسامح التي من دونها لا يمكن الحديث عن السلام والسلم الاجتماعيين.

4- إن ترسيخ التسامح يقتضي في كل مكان توافر شرطين أساسيين : الأول هو إرادة الفرد في التسامح والثاني هو ارتباط هذه الإرادة الفردية بالإرادة السياسية الجماعية على مستوى الدولة(31).

5- وجود دولة حق وقانون تضمن الحصانة المتساوية لحرية التعبير لكل المواقع الفكرية والعقائدية دون استثناء، أي لكل الأديان والفلسفات والمذاهب.

6- وجود مجتمع مدني متماسك ومتقدم ومشبع إلى حد الكفاية بالثقافة الفلسفية والقانونية والدينية المتسامحة، وذلك لكي يلعب الدور الأساسي.. مع الدولة، دولة القانون(32).

7- إن التسامح موقف حضاري ومدني فعال، وليس موقفا عفويا، فالإنسان يميل بطبعه وطبيعته إلى رفض مخالفة ومغايره في اللون واللسان والعقيدة، لذا يتطلب التسامح تربية وتكوينا على العيش مع الذي يخالفنا ويكرهنا ويختلف معنا، من هنا ضرورة تعليم التسامح وقيمه في المنظومة التربوية، ولقد كان ابن باديس أولا وقبل كل شيء معلما لقيم التسامح.

8- إن التسامح ليس قيمة وموقفا بل منظورا وفي مثال ابن باديس، فإنه يجد قاعدته في مفهوم الإسلام الذاتي وقيمه الداعية إلى الأخذ بالعقل والتقدم والحرية والاختلاف والإنسانية، ومسلك عبر عنه صاحبه في العديد من مواقف حياته سواء مع من يماثله في الدين والجنس واللغة أو من يغايره لذلك فإن التسامح هو أولا وقبل كل شيء ثقافة وقناعة ومسلك.

9- إن العيش في مجتمع متسامح هو العيش في مجتمع يقبل النقد ويوفر الاحترام وكل فرد فيه بإمكانه أن يعبر بحرية عن فكرة دون أن يفرضه على الآخرين، كما أن التسامح يفترض الحذر والفكر النقدي إذ لا يمكن التسامح مع العنصرية والتعصب والعنف، فمنطق التسامح هو المساواة والحق في الحرية والأمن والاستقرار والسلم والسلام.

 

هوامش البحث :

1- ليليا شابي : التباينات والمعايشة، في التسامح الثقافي، المحرر، مراد وهبة، الناشر مكتبة الأنجلو المصرية، 1987، ص 73.

2- أندريه مرسيه، التسامح كأمر فلسفي، نفس المرجع، ص : 52.

3- Olivier Christin, Axu origines de la Toler-ance maderne, in, magazine litteraire,n363, mars 1998, p21.

4- Ibid, p, 23. Spionza : tolerance et liberted,eexpression, magazine Literaire, op. Cit, p, 26.

5- سبينوزا : رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د.حسن حنفي، مراجعة د.فؤاد زكريا، دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1981، ص 120.

7- نفس المرجع ص : 43.

8- جون لوك: رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو سنة، تقديم ومراجعة مراد وهبة، الناشر المجلس الأعلى للثقافة، 1998، ص 70.

9- نفس المرجع، ص : 45.

10- على أومليل : مرجع سبق ذكره، ص 104.

11- عنوان دراسة لمحمد ركون في كتابه : من فيصل التفرقة إلى فصل المقال.. أين هو الفكر الإسلامي المعاصر ؟ ترجمة وتعليق : هاشم صالح، دار الساقي، ص : 109.

12- نفس المرجع المرجع، ص : 110.

13- ابن باديس، حياته وآثاره، إعداد وتصنيف عمار طالبي، دار اليقظة العربية، ط1، 1968، ج1، مجلة2، ص : 242.

14- نفس المصدر، ص : 365.

15- نفس المصدر، ص : 131.

16- الجزء الثالث، ص : 120.

17- نفس المصدر، ص : 178.

18- نفس المصدر، ص : 480.

19- نفس المصدر، ص : 488.

20- نفس المصدر، ص : 490.

21- نفس المصدر، ص : 367-368.

22- ابن باديس، الجزء الأول، ص : 282.

23- نفس المصدر، ص : 406.

24- ابن باديس، الجزء الرابع، ص : 369.

25- ابن باديس، الجزء الثالث، ص : 317.

26- نفس المصدر، ص : 500.

27- نفس المصدر، ص : 504.

28- لاطلاع أكثر أنظر على مراد : LeReformise musulman Algérie, de 1925 à 1940, 1968, ed mouton, ص 783 وما بعدها.

29- ابن باديس، الجزء الرابع، ص : 422.

30- نفس المصدر، ص : 422.

31- محمد أركون، مرجع سبق، ص : 115.

32- محمد أركون : قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم ؟ ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الطليعة، 1998، ص : 245.

 

آخر التغريدات: