جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين والتّحوّلات الدّينية بين الأمس واليوم

جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين والتّحوّلات الدّينية بين الأمس واليوم

إنّ الدّارس لمسار جمعية العلماء المسلمين منذ تأسيسها يدرك أنّها ظهرت في وقتها المحدّد لها في علم الغيب. وكانت تسميتها بجمعية العلماء اسما على مسمّى فهي جمعت وتجمع علماء من طراز عال ومن معدن غال سمع بهم القاصي والدّاني.

 درست الاستدمار دراسة علمية كما يدرس الكتاب وعملية في الميدان. الذي قام بأعمال التّتار وإجرام اليهود الحاقدين على الإسلام والمسلمين.

وبعد قرن من الزّمن أدرك أنّه بلغ ما جاء من أجله بل أكثر من ذلك، قضى على كلّ المقاومات الشّخصية الجزائرية. سلبوا وقتلوا وشرّدوا وفرّقوا، وظنّوا أنّ الشّعب الجزائري فقدَ أبطاله وزعماءه، وحاد عن أصله بل مات. وفي الخامس جويلية 1930 ما كان على الإدارة الفرنسية إلاّ القيام بحفل عظيم بمناسبة الذّكرى المائوية لاحتلال الجزائر، دام حوالي أسبوع أُشعلت الأضواء وشُربت الخمور حتّى الثّمالة وغنّوا ورقصوا واختلط الحابل بالنّابل، وأُلقيت الخطب من قِبل الضّبّاط ورجال السّياسة والكنائس.

قال أحدهم: إنّنا اليوم نحتفل بمناسبة الذّكرى المائوية ليس لاحتلال الجزائر بل لوأد ودفن الإسلام في أرض الجزائر… وقال الآخر: بعد مدّة لن تجدوا في الجزائر من يعبد إلاّ المسيح… وفي الخامس ماي 1931 ظهرت جمعية العلماء للوجود علنا لتقول لفرنسا جيشا وحكومة وشعبا: «لا. »

من قال حاد عن أصله ***** أو قال مات فقد كذب

أو رام إدماجا له ***** رام المحال من الطّلب

وخطّطت جمعية العلماء بالنّهوض بهذا الشّعب الأبي إلى مواجهة الاحتلال بسلاحين اثنين أوّلهما سلاح العلم وثانيها سلاح الجهاد. كما خطّت جمعية العلماء برنامجا من ثلاثة محاور:

1. المحور الدّيني: تقديم الإسلام الصّحيح للشّعب الجزائري الذي أعيته بعض فِرق الضّلال بالأباطيل والشّعوذة، والقضاء على البدع والخرافات بالدّليل والبرهان، وإحياء السّنّة المطهّرة الشّريفة في إلقاء دروس وخطب ومحاضرات عن سيرة خير البرية محمّد صلّى الله عليه وسلّم، لإتّباعها على مستوى القطر الجزائري، والعضّ عليها بالنّواجذ. وأنّ ديننا الحنيف ينبذ العنف والإرهاب، ويجنح للسّلم والسّلام، ويرفع لواء الجهاد ضدّ كلّ محتل معتد، وأنّ ديننا الحنيف يدعو إلى العمل والجدّ، ويمقت الكسل والتّطفّل على النّاس باسم الدين.

2. المحور الثّقافي: والاجتماعي: لا تقوم قائمة أيّ أمّة تعيش في الحضيض إلاّ إذا اهتمّت بالنّصف الثّاني المهمل في مجتمعها، وهنّ النّساء طبعا، لأنّ المرأة التي تهزّ المهد بيمينها تهزّ العالم بيسارها، وقد اهتمّت جمعية العلماء بالمرأة اهتماما بالغا حتّى أنّه سُجّلت سنة 1952 م نحو 13000 بنت بمدارسها الحرّة الخاصّة بتعليم المرأة، بدون إهمال شؤون البيت وهو الأساس، فتعلّمت كذلك الطّبخ والخياطة وكيفية تربية النّشء… يقول ابن باديس رحمة الله عليه: «إنّنا لا نريد المرأة التي تطير، بل نريد من المرأة أن تنجب لنا طيّارا. »

3. المحور السّياسي: كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين تسعى إلى الاستقلال الشّامل للجزائر، أرضا وعقلا، لأنّه لا كُمين أن تتحرّر أبدان تحمل عقول عبيد، يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي: «لا يتحرّر جسدٌ يحمل عقلا عبدا. »

هذا نظام حياتنا ***** خُطّ بالنّور وباللّهب

فإذا هلكت فصيحتي ***** تحيا الجزائر والعرب

 

وحتّى قُحتّق جمعية العلماء أهدافها كانت تعمل بفضل الله عزّ وجلّ بوسائل يعجز أيّ حزب حاليا استعمالها دفعة واحدة، منها تأسيس مدارس ومساجد حرّة، مَنْ مِنَ المثقّفين لا يعرف هذه المدارس؟ وعلى رأسها مدرسة دار الحديث بتلمسان العامرة ، ومدارس أخرى بضواحيها، ويشهد الله أنّها لم تُبن عبثا. وإصدار جرائد ومجلاّت شهريا، منها المنتقد والشّهاب والبصائر….

وكلّما أوقفت جريدة ظهرت أخرى من أجل بعث الرّوح الإسلامية والوطنية في أبناء وبنات الجزائر، وإبراز الانتماء الجزائري للعروبة والإسلام:

شعب الجزائر مسلم ***** وإلى العروبة ينتسب

وتكوين الكشّافة الإسلامية الجزائرية والفِرق المسرحية الهادفة والرّياضية، فالشّيخ ابن باديس حضر حين تأسيس وتسمية فريق قسنطينة لكرة القدم بمولودية قسنطينة Club Mouloudia Constantine وهو الذي اقترح تسميتها بالمولودية نسبة إلى المولد النّبوي الشّريف، فوافق الجميع نُزُولا عند رغبة العلاّمة ابن باديس، فلمّا تُرجمت إلى الفرنسية صارت (MCC)، فتشاءم فضيلته من هذا الاسم لأنّه قريب من نوع الطّيور)امْسِيسّي( المفسدة للخضر والفواكه، فبدّلها سماحته بـ 2(MOC) كان ظهور جمعية العلماء المسلمين ضروريا في ذلك الوقت – 1931 1962 لمحاربة الاستدمار من جهة ومحاربة البدع والخرافات والشّعوذة باسم الدّين من جهة أخرى، والقضاء على الجهل والأمّية التي تفشّت في المجتمع الجزائري بإنشاء مدارس حرّة للجمعية. وقُدّر عدد المدارس الحرّة بعد الاستقلال بثلاثمائة وخمس وعشرين مدرسة خاصّة بجمعية العلماء، أسّستها بمساعدة الشّعب التّوّاق للعلم والاستقلال.

يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي: «لو تأخّر ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بعشرين سنة، ما وجدنا من يفهمنا. » وبعد الاستقلال حُلّت جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بقرار رسمي )عُد إلى كتاب مذكّرات الشّيخ خير الدّين الجزء الأخير.( وحاولوا وضعها في متحف للتّبرّك بها، ولتقزيمها مستقبلا. لكن الجمعية أُسّست على قواعد متينة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك، وبشعار الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا منذ إلتقى الرّجلان العظيمان الشّيخان عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي بالمدينة المنوّرة، لا يمكن لها أن تبقى مكتوفة الأيدي ومكمّمة الأفواه وصمّاء. فراح رجالاتها الباقية المتبقّية يعيدونها للوجود فألحّوا على لمّ الشّتات لأنّ المولود إذا مُزّقت شهادةُ ميلاده لا يعني أنّه ميّت، ولا يُعدّ من الموتى. «كبرت وما هرمت، وتمشيخت وما شاخت، وقدِمت وما بليت.

لقد بلغت العشرين أربع مرّات كما يقول المرحوم أحمد توفيق المدني ولكنها ما ضعفت وما استكانت، تلك هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أم الجمعيات الجزائرية ومرجعيتها.

وتبدو حاجة الجزائر اليوم إلى الجمعية أكثر من أي وقت مضى، فقد عاد الاستعمار الجديد، يلوح بألوان أخرى من الغزو، ينفث سموم الفرقة، ويعمل على استئصال الإنسان من هويته، وشخصيته، بطمس معالم عروبته، والقضاء على مآثر معتقده وأرومته، فالخوف من التعددية الحزبية المتوحشة، نافخة الكير، والتي هي أحزاب تصب في ميزاب، وإن لم تُرْشَد بوازع ديني، ووعي وطني، توشك أن تقود إلى خراب. لذلك تمد الجمعية يدها إلى كل جزائري حر شريف، وإلى كل جزائرية حرة شريفة، أن تعالوا لنبني وطننا النامي، الموحد، لننقذه من خراب العولمة، ونعيق البوم الذي ينعق من كل ناحية. »الدّكتور عبد الرّزّاق قسّوم.

وقد يسأل السّائل ما دور جمعية العلماء اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين وقد طُرد الاستدمار وقُضي على البدع والخرافات والشّعوذة؟ إنّ الحِمل أثقل ممّا مضى فالعدوّ كان ظاهرا للعيان، وهي اليوم تحارب الغزو الثّقافي والفكري فقد أصبح من شبابنا من لا يفكّر إلاّ في «الحرڤة » وإذا سقطت الأمطار في أوربا أو أمريكا تُؤخذ المطريات هنا، ولا يفكّر إلاّ بما هو غير جزائري سياسيا وتعليميا ومأكلا وملبسا …وتواجه الشّعوذة والبدع والخرافات من جديد في ثوب جديد باسم التّديّن الخاطئ، وتصحّح مفاهيم الإسلام على أنّه علم وعمل… وليس كمن قال فيهم الفاروق عمر بن الخطّاب: أفق لقد أمتّ ديننا أماتك الله.

كما أنّها تهتمّ بتعليم المرأة ليكون لها شأن ودور بنّاء في المجتمع ولا يكون لها فرق بين المرأة المسلمة وغيرها إلاّ في عقيدتها السّليمة، لأنّ المرأة عندنا التي تهزّ المهد بيمينها فهي تهزّ العالم بيسارها. وجمعية العلماء لا تألو جهدا للقضاء على الآفات الاجتماعية كالتّدخين والخمر والمخدّرات ومكافحة السّيدا ليعيش الفرد في مجتمع صالح وبيئة سليمة… وإن أنس فلا أنسى إبداء مواقفها السّيّاسية فيما يحدث في العالم العربي والغربي، والتّهجّم السّافل على الإسلام ورموزه والمسلمين من قِبل المغضوب عليهم والضّالّين.

إذًا لا ينقص جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين اليوم من دورها بالأمس شيء. يقول الشّيخ بن يونس النّائب الثّالث لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين المكتب الوطني: «وهي تسعى بكل ما أوتيت من قوّة إلى أن تكون حاضرة في كلّ الميادين وعلى كلّ الأصعدة لتدلي بدلوها، ولتشارك بنصيبها في بناء يرقّي الأمّة، أو رأي يرشّد مسيرتها. وهي تحرص كلّ الحرص على أن تظلّ كما أراد لها الرّواد جمعية الأمّة لا جمعية شخص أو هيئة، مجدّدة شعار: «الحقّ فوق كلّ أحد والوطن قبل كل شيء. »

فيا أبناء الجزائر شيبا وشبانا، رجالا ونساء، هذه جمعية العلماء تدعوكم اليوم كما دعت أسلافكم بالأمس، فلتلبّوا كما لَبَّوْا، وستجدون الأفق أوسع، والدّار أجمع. وسيجد كلّ ذي تخصّص – في رحاب مشروعها الإصلاحي- مجالا يجسّد أفكاره، ويفتّق مواهبه، وعندها ستسعدون بالجمعية وتسعد الجمعية بكم .»

}}وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون{{ .


آخر التغريدات: