الأمة في فكر الإمام عبد الحميد بن باديس

الأمة في فكر الإمام عبد الحميد بن باديس

لقد اتخذ مصطلح “الأمة” دلالات متعددة في لغة العرب بين اللغة والمفهوم. والأمة إطار يجمع مجموعة من الناس أو من الحيوان يرتبطون فيما بينهم بسمة أو ميزة معينة. يفيد في هذا المسار التأصيلي ذكر ما قاله الراغب الأصفهاني: “والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما؛ إمّا دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان كل ذلك الأمر الجامع تسخيراً (تكليفياً أوبحكم الطبيعة) أو اختياراً، وجمعها أمم.

 وقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم.﴾ (سورة الأنعام، الآية 38)؛ أي كل نوع منها على طريقة قد سخّرها الله عليها بالطبع فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسّرفة، ومدّخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام إلى غير ذلك من الطبائع التي مخصّص بها كل نوع.

وقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ (سورة البقرة، الآية 213)؛ أي صنفاً واحداً، وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر.

وقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ (سورة هود، الآية 118)؛ أي في الإيمان.

وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ (سورة آل عمران، الآية 104)؛ أي جماعة يتخيّرون العلم والعمل الصالح ويكونون أسوة لغيرهم.

وقوله: ﴿إنّا وجدنا آباءنا على أمة﴾ (سورة الزخرف، الآية 22)؛ أي على دين مجتمع.

وقوله تعالى: ﴿واذكر بعد أمة﴾ (سورة يوسف، الآية 45)؛ أي حين، وقرئ بعد أمةٍ؛ أي بعد نسيان، وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.

وقوله: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله﴾ (صورة النحل، الآية 120)؛ أي قائماً مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم فلان في نفسه قبيلة.

وروي أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده.

وقوله تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾ (سورة آل عمران، الآية 113)؛ أي جماع، جعلها الزجاج هنا للإستقامة، وقال: تقديره ذو طريقة واحدة فترك الإضمار.”1

            وعند مراجعة “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” يتبين أن مصطلح (أمة) قد ورد 49 مرة في النصوص القرآنية، وورد بلفظ (أمتكم) مرتين، وبلفظ (أمم) إحدى عشرة مرة، وبلفظ (أمماً) مرتين، ويكون المجموع هو 64 مرة.

ومما جاء بشأن تنوع المعنى لكلمة أمة قال القرطبي في تفسيره: “والأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه:

فالأمة: تكون الجماعة؛ كقوله تعالى: ﴿وجد عليه أمة من الناس﴾ (سورة القصص، الآية 23).

والأمة: أيضاً أتباع الأنبياء عليهم السلام.

والأمة: الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إن ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً﴾ (سورة النحل، الآية 120).

والأمة: الدّين والملة؛ كقوله تعالى: ﴿إنّا وجدنا آباءنا على أمة﴾ (سورة الزخرف، الآية 22).

والأمة: الحين والزمان، كقوله تعالى: ﴿ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة﴾ (سورة هود، الآية 8). وكذلك قوله تعالى: ﴿وادّكر بعد أمة﴾ (سورة يوسف، الآية 45).

والأمة: القامة، وهو طول الإنسان وارتفاعه؛ يقال من ذلك: فلان حسن الأمة: أي القامة.

والأمة: الرجل المنفرد بدينه وحده، لا يَشْركه فيه أحد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يُبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده) (أخرجه الإمام أحمد في المسند).

والأمة: الأم؛ يقال: هذه أمة زيد؛ يعني أم زيد.”2

والمعنى الأول وهو أمة بمعنى جماعة قال به الطبرسي في تفسيره: “أمة: جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين.”3

وهذا التفسير هو للآية: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾، جاء حول التفسير عند النسفي: “أمة: جماعة كثير (من الناس) من أناس مختلفين.”4

إن سنة الله تعالى في خلقه جعلت الناس أمة لجهة التكوين الجسدي والاستعدادات النفسية والعقلية والفطرة، والناس أمم من جهة اللغة والخصائص الاجتماعية ومن هذا القبيل توزّعوا أمماً وشعوباً. وكذا شأن الحيوانات والطيور فهم أمم لجهة الجنس والنوع. وقد يكون الناس أمماً لجهة المعتقد والدين، وقد يشكل جماعة من الناس هيئة اجتماعية على أساس الاختصاص العلمي أو المهني فيكونون عندها أمة تجمعها خصائص وسمات أو اختصاصات.

إن أهل أمة معينة هم كل مجموعة بشرية جمعتهم روابط مشتركة، وسمات تميّزهم عن جماعة بشرية أخرى. تأسيساً على ذلك نستطيع القول: أمة مسلمة أو مسيحية أو بوذية…الخ، ويكون الرابط وحدة العقيدة والدين؛ أو القول: أمة عربية أو فرنسية أو هندية…الخ وتكون الروابط وحدة اللغة ووحدة التاريخ والامتداد الجغرافي والخصائص الثقافية وأمر المصير وحال الأمل والألم؛ أو القول: أمة المحامين أو أمة المعلمين أو أمة المهندسين…الخ، ويكون الرابط الاختصاص العلمي ونوع العمل.

ولعل المشكلة قد حدثت في طرح الأفاهيم والمصطلحات حين قامت عملية خلط بين مدلولات مصطلح الأمة، ومن ذلك ما أثاره بعض دعاة الانسلاخ عن القومية والوطن، وهم القائلون بوحدة دستورية عمادها الانتماء العقدي الديني، وفي رحاب الإسلامي عمد هؤلاء إلى الاستشهاد بآيتين كريمتين هما:

﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ (سورة الأنبياء، الآية 92). وقوله تعالى: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (سورة المؤمنون، الآية 52).

ومراجعة النص القرآني السابق لهاتين الآيتين في السورتين (الأنبياء والمؤمنون) يبيّن أن الأمة هنا جاءت تحديداً لدعوات الأنبياء والرسل صلوات الله تعالى عليهم، وأن عقيدة التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر هم الجامع لما جاءوا به، وهو الرابط الأساس لدعواتهم لذلك كانوا مع أتباعهم أمة واحدة في مواجهة أهل أمة الشّرك والكفر.

هذا المدلول لدالٍ هو لفظة “أمة” هو غير مدلول آخر للفظة وهو المدلول جماعة بشرية أو أمة من النّاس كما مرّ الكلام بشأن ما ورد في سورة القصص وقصة موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب عليه السلام وماء مَدين حيث وجد أمة من الناس؛ أي جماعة بشرية، والأمر كذلك في أكثر مدلولات الدال أمة حين وردت في النص القرآني. منها قوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ (سورة البقرة، الآية 128)، “والأمة الجماعة، وحكى الطبري أنه أراد بذلك العرب خاصة.”5

ويرد في سياق هذا المدلول لمصطلح “أمة” قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ (سورة آل عمران، الآية 104) والأمة هنا هي جماعة بشرية من المؤمنين تقوم بمهام الدعوة إلى الخيرية والإيمان.

وقوله تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق﴾ (سورة الأعراف، الآية 159) وموسى عليه السلام قامت دعوته على عقيدة التوحيد ليدحض ويفند أباطيل الشرك وأهله، والأمر أن جماعة بشرية من قوم موسى عليه السلام قد آمنت بما جاء به من الهدى ودين الحق وعملوا على هداية الآخرين، وكان فريقاً من قومه بقي على ما كان عليه.

يصل البحث هنا إلى السؤال: هل يدعوا الإسلام إلى دولة دينية قوميتها الدين؟ أم أنه يقبل التنوع الاجتماعي والعقدي وبناء كيان وطني مع آخرين؟

إن التنوع سنّة كونية في المخلوقات كلها، وتتجلى من خلال هذا التنوع آيات الله تعالى، وعظيم قدرته، والتنوع مشيئة إلهية، والله تعالى لم يشأ أن يكون الناس أمة واحدة، لأن التنوع يجعل خصائص وسمات للأمم، وتتولد عنه حضارات، والتنوع العقدي الديني مقصده التمييز بين الصحيح وغير الصحيح ويقود إلى التنافس في الخيرات.

            لقد جاء الموقف بشأن التنوع العقدي في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على مل شيء شهيد﴾ (سورة الحج، الآية 17).

أما التنوع المتمثل في جماعات وشعوب وأمم بشرية على أساس اجتماعي وحضاري فقد جاء في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ (سورة الحجرات، الآية 13).

وقوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ (سورة الروم، الآية 22).

إن هذه الآيات الكريمة تأتي لترد على الفئويين، ودعاة الأُحادية في انتماء أهل المجتمع الواحد. والمشكلة المثارة هي في المجتمع العربي حيث يعمد بعضهم إلى إبراز مزاعم مفادها أن ثمة تناقضاً بين الإسلام والعروبة، وهو ادّعاء تكمن وراءه غايات غير بريئة يهدف أصحابها إلى محاربة الإسلام والعروبة معاً. حول هذا الموضوع قال عصمت سيف الدولة: “هل يكون ذلك لأن كلاً من الإسلام والعروبة علاقة انتماء إلى مضمون واحد أو مضامين متشابهة، مما قد يؤدي إلى الخلط بينهم فيلزم تحديد العلاقة بينهما منعاً للخلط؟… أبداً. أيضاً، إن الإسلام علاقة انتماء إلى دين (عقيدة). هكذا جاء رسالة: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه﴾ (سورة الصف، الآية 9)… ثم أوصانا بالإبقاء على علاقة الانتماء إلى الدين هذه، والمحافظة عليها: ﴿شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (سورة الشورى، الآية 13).

أما العروبة فعلاقة انتماء إلى أمة بشطري تكوينها: الشعب والأرض، وما أثمر شطرها على مدى التاريخ من الحضارة. إنها انتماء إلى وضع تاريخي بينما الدين وضع إلهي.”6

الإسلام عقيدة وشريعة، والمنتمون إليه أمة إذا عتمد مدلول المصطلح على أنه أمة، والعروبة رابطة اجتماعية حضارية، والعرب قوم في هذا المدلول لمصطلح الأمة، ولا مشكلة في التعدد لجهة الانتماء الديني في مجتمع الأمة العربية.

قال عصمت سيف الدولة: “وقد يتعدد الانتماء الديني (العقدي) في الأمة الواحدة بدون أن يمس التعدد وحدة الأمة. وفي القرآن عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين إلى الأديان المتعددة في الأمة الواحدة وتوصي برعايتها. ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾ (سورة آل عمران، الآية 64). فلنتأمل أن الإسلام لا يدعو أهل الكتاب في المجتمع الواحد إلى التخلي عن دينهم والانتماء إليه. لا يدعوهم إليه بل يدعوهم معه. ليعيشوا معاً على كلمة (سواء)… ليست كلمة المسلمين وليست كلمة أهل الكتاب بل كلمة سواء بينهم جميعاً على ما هو مشترك… أما فيما بينهم فلا سيطرة ولا هيمنة ولا استعلاء ولا قهر.”7

الأمة العربية إطار حضاري جامع لمسلمين وغير مسلمين، وهذا الانتماء ليس أساسه عرق أو أم أو أب، وإنما هي اللسان المعبّر عن سمات الأمة وخصائص شخصيتها القومية، وهذه الأمة العربية تقبل كل مكوناتها أيّاً تكن أصولهم الأثينية ما داموا قد انتموا إلى خصائص شخصية الأمة، وفي هذا كان الحديث النبوي الشريف: “ليست العربية لأحدكم من أم ولا أب، إنما اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي.”8

وقد ردّ محمد المبارك على من عدّوا الدين ناسخاً للقومية، ولخصوصيات الأمم، فقال: “إن أخذ شعوب مختلفة في أصولها بدين واحد ليس معناه زوال جنسيتها وأصولها القومية واندماجها اندماجاً كاملاً في مجتمع واحد لا أثر فيه للغاتها المختلفة وعاداتها الأصلية وخصائصها، فإن هذا أمر لم يحدث حتى الآن في التاريخ، فإن انتشار الإسلام بين العرب والترك والأفغان والإيرانيين والهنود والملايويين والاندونيسيين ليس معناه زوال صفة التركية عن التركي، والهندية عن الهندي مع أن بعض هذه الشعوب اشتركت واجتمعت في دولة واحدة وفي نظام سياسي واحد حقبة من التاريخ كالعرب والفرس والأفغان، وكالعرب والأتراك في فترة أخرى، وإنما معناه تعاون هذه الشعوب على اختلاف خصائصها القومية… إن الدين العالمي بل كل عقيدة عامة –مع وحدة العقائد والمبادئ الأساسية- يأخذ في كل شعب لوناً خاصاً ويتفاعل مع كل قومية تفاعلاً تظهر فيه خصائص تلك القومية وفعالياتها وطبائعها… إن الإسلام واحد في عقائده وأحكامه، ولكنه يأخذ عملياً ألواناً وأشكالاً مختلفة في أندونسيا والهند والملايو وتركيا، وهذه الأشكال لا تضر ولا تؤثر في جوهر الدين ووحدته، إذا كانت تتعلق بالمظاهر والتفصيلات، ولكنها تؤثر حين تمسّ المبادئ والأصول والاتجاهات الأساسية.”9

إن مناقشة موضوع مصطلح “الأمة”، وأمر الإسلام والقومية دافعه أن عدداً من المتسرعين قد حكموا بأن لا وطنية ولا قومية في الإسلام، وقبيل آخر أراد خصائص وطنية وقومية لا إقرار بتأثير العامل الديني فيها، وكلا الموقفين غير موفق عامة، وفي الأمة العربية خاصة.

لا مشكلة إذا انتمى الإنسان إلى دائرته الإسلامية عقدياً، وإلى دائرته العربية الاجتماعية والحضارية قومياً. وممن عبّروا عن ذلك جمال عبد الناصر الذي قال: “أيمكن أن نتجاهل أن هناك دائرة عربية تحيط بنا، وأن هذه الدائرة منّا ونحن منها، امتزج تاريخها بتاريخنا، وارتبطت مصالحنا بمصالحها حقيقة وفعلاً وليس مجرد كلام؟

أيمكن أن نتجاهل أن هناك عالماً إسلامياً تجمعنا وإيّاه روابط لا تقرّ بها العقيدة الدينية فحسب، وإنما تشدّها حقائق التاريخ؟”10

الأمة العربية تجمع أبناءها أيّاً كانوا، وقد عبّر عن ذلك أبو خلدون ساطع الحصري قائلاً: “العروبة ليست خاصة بأبناء الجزيرة العربية، ولا مختصة بالمسلمين وحدهم. بل إنها تشمل كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم اللغة العربية سواء أكان مصرياً، أو كويتياً، أو مراكشياً، وسواء أكان مسلماً، أو مسيحياً، وسواء أكان سنياً، أو جعفرياً، أو درزياً، وسواء أكان كاثوليكياً، أو أرثوذكسياً، أو بروتستانتياً. فهو من أبناء العروبة، مادام ينتسب إلى بلاد عربية، ويتكلم باللغة العربية.”11

الأمة في فكر الإمام عبد الحميد بن باديس

ثارت موجات من الأفكار المنفعلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين تحوي مواقف تصطنع عداء غير مبرر بين الإسلام والعروبة، وبين الوطنية والقومية، وقد لبست كلها رداء مصطلح “أمة”، علماً أن أمة –كما مرّ سابقاً- تصح على أية مجموعة لها خصائصها التي تميّزها عن مجموعة أخرى.

وعند ابن باديس الجزائري العربي المسلم يكون مقبولاً أن يعلن التزامه الجزائري الوطني، والعربي القومي، والإسلامي العقدي.

وقد عبّر عنه شعراً قائلاً:

شـعب الجزائر      مسـلم  وإلى العـروبـة ينتســب

من قال حاد عن أصلـ   هـ أو قال مات فقد كذب

لقد تعرّضت الجزائر تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الذي استمر أكثر من مئة وثلاثين عاماً إلى تحدي نسخ الهوية حيث عمل الفرنسي على نسخ هوية الجزائر الوطنية والعربية الدينية من خلال الفرنسة لغة، والتنصير ديناً، وكان الفرنسيون يصنفون الجزائر كأنها جزء من فرنسا، ويطلقون عليها اسم فرنسا الجنوبية.

لذلك تصدت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي لمهمة المقاومة بكل أشكالها، وفي مقدمة ذلك تحصين الجيل بدينه وعروبته وجزائريته كي لا تذوّب شخصيته، ومع الجمعية تصدى آخرون على مستوى أفراد أو جماعات منتظمة.

فكان الإطار الأول للانتماء إلى الجزائر هو محل اهتمام الإمام ابن باديس، وما ذلك إلا لأن الوطن يشكل الحاضن الأول للإنسان ففي أحضانه ولد ونشأ، ومع أهله يحيا ويتعاون، وقد عبّر الإمام ابن باديس عن وطنيته الجزائرية قائلاً:

“أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليّ تلك الروابط لأجله –كجزء منه- فروضاً خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة. وكما أنني كلما أردت أن أعمل عملاً وجدتني في حاجة إليه: إلى رجاله، وإلى ماله، وإلى حاله، وإلى آلامه، وإلى آماله، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه. هكذا هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال وفي جميع الأعمال. وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لا بد أن يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال.”12

إن أبناء كل وطن تربطهم بوطنهم سمات وخصائص، وتتولد عندهم حياله مشاعر وحالات وجدانية تعزّز ارتباطهم به، والوطن هو المسكن وساحة التواصل بين الإنسان وقومه، والتفاعل معهم، وبسبب ذلك ينشأ الحنين إلى الوطن ولا يستثنى إنسان من قاعدة الانتماء الوطني هذه، والدليل الأبرز عند المسلمين موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة الهجرة من مكة المكرمة إلى يثرب (المدينة المنورة) حيث قال: “ما أطيبك من بلد، وأحبّك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك.” (أخرجه الترمذي في السنن).

وإذا كان الإنسان مفطوراً على الاجتماع البشري، وإذا كانت حاجاته متنوعة لا يستطيع تأمينها بمفرده، فإن الوطن هو الإطار الذي تتوافر فيه هذه الاحتياجات. والإنسان لا يجد ذاته ولا كرامته الإنسانية إلا في رحاب وطنه.

            إنّ ردّ الجزائريين عل الفرنسة والتنصير كان بالجزأرة والعروبة والإسلام كما جاء في البيتين من الشعر السابقي الذكر، وقد استخدمهما كشاف “جمعية العلماء المسلمين” نشيداً، وهذا الترابط الوطني والقومي والديني والإنساني قطب الرحى فيه في موقع الإنسان ودروه أن ينطلق من دائرته الصغرى أمة الوطن إلى الدوائر الأخرى قومية كانت أم دينية أو قاريّة أو جهوية.

وابن باديس كان ملتزماً هذا الإختيار حين قال: “وأقرب هذه الأوطان إلينا هو المغرب الأدنى والمغرب الأقصى اللذان ما هما والمغرب الأوسط إلا وطن واحد لغةً وعقيدةً وآداباً وأخلاقاً وتاريخاً ومصلحةً، ثمّ الوطن العربي والإسلامي، ثمّ وطن الإنسانية العام.

ولن نستطيع أن نؤدّي خدمة مثمرة لشيء من هذه كلّها إلا إذا خدمنا الجزائر.”13

إن هذه المواقف الوطنية تؤكد حقيقة الإنتماء، والتزامها دليل على المواطنة الصالحة، وذلك لا يعني الإضرار بالآخرين من أوطان أخرى، بل الصحيح أن خدمة الجزائر والنهوض بها، وتحقيق استقلالها وتحرّرها يعصمها من الوصايات الأجنبية الاستعمارية، ويجعل قوتها قوة للعرب وللمسلمين.

إن من يخدم وطنه، ويعمل من أجل تحرّره ورفعته واستقراره إنما يخدم بذلك الدين والحق، ومن اختار هذا الطريق لا يعنيه موقف الآخرين من بلاد أخرى، ولا من الطامعين بوطنه، فالحقّ يعلو، وهو أولى بالاتباع، وفرنسا الديمقراطية غير المستعمرة يمكنها أن تساعد في سعادة الجزائر، وفرنسا المحتلة التي تستبيح الحرمات في الجزائر الواجب إخراجها من أرض الوطن، وإخراج نفوذها وكل ملحقاتها.

وفي نص حول هذه الأفاهيم نجد الإمام ابن باديس يستخدم للوطن الجزائر مصطلح “أمة”، وهذا أمر سليم لأن للجزائريين روابط خاصة تجعل منهم “أمة” في تصنيف ما. قال ابن باديس: “نحن من بين الجميع لا نخدم إلا الحقّ والوطن والدين، ولا نسمع إلا لصوت الواجب ولا نسترضي أقواماً، ولا نستغضب آخرين… سعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديمقراطية. صارخين دائماً بشعارنا الرسمي، وهو: الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء.”14

“لا وجود حرّ كريم لإنسان لا وطن له”، وبذلك واجب الإنسان المنتمي إلى وطن أن يعبّر عن هذا الإنتماء الوطني بالسعي الدؤوب في خدمة وطنه ومواطنه، وبالإستعداد للتضحية من أجله، وأن لا يبخل بثمن مطلوب دفعه، وإلا كانت وطنية الإنسان محتاجة للفحص والتمحيص، لأن الوطنية أداء للواجب وعمل يتبع القول. وفي هذا قال الإمام ابن باديس: “وبالنسبة للوطن توجب علم تاريخه، والقيام بواجباته، من نهضة علمية، واقتصادية، وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه، وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه.”15

إن الإنسان الوطني هو من يقوم بواجب تحرير بلده من المحتل وكل هيمنة أجنبية، وتحرير الوطن من الجهل والفقر والتخلف، ومن كل ما يعوّق تقدمه ونهوضه.

انتقل ابن باديس بعدها إلى الحديث عن الإطار الأشمل الذي هو العروبة بعد الجزأرة، وقد بيّن مقومات الأمة، وسمات الشخصية القومية، وحضرت العروبة بوصفها الإطار الجامع لأبناء الوطن الواحد.

والأمة في وحدتها القومية أية أمة مقوماتها هي ما يلي: “تختلف الشعوب بمقوماتها ومميّزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميّزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المقومات وتلك المميّزات. وهذه المقومات والمميّزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميّزات.”16

بعد التحديد العام لمقومات الشخصية القومية للأمة أية أمة، أجاب الإمام ابن باديس على الشبهات التي أثارتها بعض الحركات الشعوبية التي عمدت إلى النيل من العروبة باسم الإسلام زاعمة أن الأمة هي أمة الإسلام فقط، وأنه لا وجود لروابط ينطبق عليها مصطلح الأمة مثل الرابطة الوطنية والقيمية، وابن باديس يقرر أن أمة العرب أمة مختارة لحمل الدعوة، وأن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو من أصل الشخصية القومية للأمة العربية.

قال ابن باديس: “إن العرب رشحوا لهداية الأمم، وأن الأمم التي تدين بالإسلام وتقبل هدايته ستتكلم بلسان الإسلام وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدي الإسلام. علم هذا فبيّن أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم ينحدر من سلالة العرب… بيّن هذا في حديث رواه ابن عساكر في (تاريخ بغداد) بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ….قال -صلى الله عليه وسلم-: (أيها الناس؛ الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)… فليس الذي يكون الأمة العربية ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد، ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شامياً وجزائرياً –مثلاً- ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم.

فانظر بعد هذا إلى ما قرّره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرّقة… ووضع للأمة العربية قانوناً دينياً اجتماعياً طبيعياً لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتها إلى الإسلام بلغة الإسلام… كوّن رسول الإنسانية ورجل القومية العربية أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل.”17

هذا البيان الذي يطرحه ابن باديس يرد عل من حاولوا التنكر للعروبة ولدور الأمة العربية وفضلها في هداية الأمم، وفي الوقت عينه يرد على من عمدوا إلى إعطاء القومية العربية أفاهيم لائكية وعلمانية، وكلا الفريقين يفعل فعل من يفصل الروح عن الجسد. وما بيّنه الإمام ابن باديس كان قد قاله أبو منصور الثعالبي (ت430هـ) في كتابه المعنون: “فقه اللغة وسرّ اللغة”، وكلاهما هو: “إن من أحبّ الله أحبّ رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومن أحب النبي العربي أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عُني بها وثابر بها وثابر عليها، وصرف همته إليها. ومن هداه الله إلى الإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمد صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة. والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقّه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثمّ هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وثائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء، والزّند للنار.”18

إن الأمة العربية بقوميتها ووحدتها ليست رابطة عنصرية عرقية ولا هي حالة استعلاء على سائر الأمم، إنما هي صاحبة دور رسالي إيماني بوصفها مهد رسالات السماء الخالدة، وحاضنة المقدسات، ودورها تكليف له أعباؤه، وهو من أجل الناس كافة، وعالمية الدعوة أمر معلوم، لكن هذه العالمية ببعد إنساني يستهدف رفع شرف الإنسان وكرامته ليس في مقاصدها تذويب الكيانات والأمم فالتنوع –كما مر سابقاً- أمر إلهي، وهو من آيات الله تعالى.

وقد أكد آخرون فضل العرب بعد أن قرره الإسلام قرآناً وسنّة نبوية. جاء في آثار ابن باديس: “فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون (فرنسي): (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب)، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد.

هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفصل –بإذن الله- عليهما ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل ويتغنّى العرب غير المسلمين بذكره. وكم دبّجت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله.19

هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه، ونخدم القومية العربية خدمته، ونوجهها توجيهه.”20

الأمة العربية مكوناتها شعبياً من مسلمين ومسيحيين، وهذا الإنتماء لم يمنع أقلاماً مبدعة شعراً ونثراً من أن تخط السطور في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنها أقلام لأدباء مسيحيين، لكن فضل الإسلام في تكوين الشخصية القومية العربية، وفضل الرسول على العرب والعروبة هو ما أثمر هذه المواقف.

لقد جاء كتاب الله القرآن الكريم بلسان عربي، وكلّف الله تعالى أمة العرب بمجمل الرسالة، ولذلك تكون أمة العرب صاحبة مكانة فريدة بين الأمم. قال ابن باديس: “حقّ على كل من يدين بالإسلام ويهتدي بهدي القرآن أن يعتني بتاريخ العرب ومدنيتهم… وأما عناية القرآن بالعرب فلأجل تربيتهم لأنهم هم الذين هُيئوا لتبليغ الرسالة فيجب أن يأخذوا حظّهم كاملاً من التربية قبل الناس كلهم، ولهذا نجد كثيراً من الآيات القرآنية في مراميها البعيدة إصلاحاً لحال العرب وتطهيراً لمجتمعهم، وإثارة لمعاني العزّة والشرف في نفوسهم.

ومن هذا الباب الآيات التي يذكّر بها العرب أن هذا القرآن نزل بلسانهم، مثل: ﴿إنّا جعلناه قرآناً عربياً﴾ (سورة الزخرف، الآية 3). ﴿إنّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾ (سورة يوسف، الآية 3). والذين يعقلون القرآن قبل الناس كلهم هم العرب.”21

إن الله تعالى اختار العرب، واصطفى منهم محمد صلى الله عليه وسلم لحمل الرسالة وبذلك أصبح العرب أمة الدعوة، والدعاة هم القيادة، والنيل من العرب إنما هو نيل من الإسلام نفسه، والحديث النبوي الشريف: “حبّ العرب إيمان وبغضهم نفاق.”22

وفي حديث آخر: “أحبّوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي”، وفي لفظ: “وكلام أهل الجنة في الجنة عربي.”23 وما ذهب إليه ابن باديس كان قد سبقه إليه الإمام الشافعي في كتابه “الرسالة”24 ويستطيع من أراد أن يراجع الأمر في موقعه، وسياق البحث يتسع لما يلي من أقوال الشافعي: “وأولى الناس بالفضل في اللسان منْ لسانه لسان النبي، ولا يجوز –والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرفٍ واحد، بل كلّ لسان تَبعٌ للسانه.” (ص51).

وقال الشافعي: “فكان تبينه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين. والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراكه نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وترك موضع حظّه.” (ص54).

إنه محل توافق ذلك الأفهوم للأمة الذي ينطبق على أمة العرب بما لها من سمات وخصائص تجعل لها فرادة في شخصيتها القومية بكل مقومات وعناصر التكوين التاريخي للأمة، ويعتني المعنيون من علماء الشريعة باللسان الذي كان به دعوة الإسلام، ومن هذا القبيل كانت العلاقة الترابطية بين الإسلام والعروبة.

قال ابن باديس متحدثاً عن دور “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” بشأن الإسلام والعروبة: “إن الجمعية التي بثت روح النهضة في الأمة بما دعت إليه من الرجوع إلى الكتاب والسّنّة والمحافظة على الجنس واللغة والاعتزاز بالإسلام والعروبة حتى عرفت الأمة نفسها ووجهت للحياة السعيدة رغبتها.”25

وقال ابن باديس كذلك بشأن شخصية الأمة العربية: “وما الصادقون إلا الذين يحافظون بأقوالهم وأعمالهم ومواقفهم على إسلامك وعروبتك وجميع مقوماتك.”26 لقد أحسّ ابن باديس أن الحركات الشعوبية تتجدد في كل عصر لتنال من العرب قومية وحضارة ودوراً، وإذا كان العرب هم الدعاة يكون عندها مؤدى هذا السلوك هو تشويه صورة الدعاة، وبذلك تخسر مسيرة الدعوة.

ردّ ابن باديس على هذا الفهم الخاطئ قائلاً: “جعلنا عنوان الخطاب: (العرب في القرآن)، وقلنا في أول كلمة منه: إن العناية بالعرب حقّ على كل مسلم لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام. فما هو حظ العرب من القرآن من الناحية التاريخية بعد أن سمعتم هذه التوجيهات العامة.

والعرب مظلومون في التاريخ فإن الناس يعتقدون ويعرفون أن العرب كانوا همجاً لا يصلحون لدنيا ولا دين حتى جاء الإسلام فاهتدوا به فأخرجهم من الظلمات إلى النور.

…والحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي أن القرآن وحده هو الذي أنصف العرب. والناس بعد نزول القرآن قصّروا في نظرتهم التاريخية إلى العرب فنشأ ذلك التخيّل الجائر عن القصد.

والتاريخ يجب أن لا ينظر من جهة واحدة بل ينظر من جهات متعددة، وفي العرب نواحٍ تجتبي ونواحٍ تجتنب27، وجهات تُذمّ وتقبحّ وجهات يُثنى عليها وتمدح. وهذه هي طريقة القرآن بعينها. فهو يعيب من العرب رذائلهم النفسية كالوثنية ونقائصهم الفعلية كالقسوة والقتل. وينوّه بصفاتهم الإنسانية التي أشادوا بها مدنياتهم السالفة واستحقوا بها النهوض بمدينة المدنيات.”28

إن ابن باديس الذي أكد انتماءه لأمته العربية فكراً وفعلاً تغنّى بذلك في بعض ما نظمه من الشعر، ومما قاله:

“المجد لله ثم المجد للعرب                        من أنجبوا لبني الإنسان خير نبي

ونشروا ملة في الناس عادلة                     لا ظلم فيها على دين ولا نسب

قومي هم وبنو الإنسان كلهم                    عشيرتي، وهدى الإسلام مطلبي”29

وقال كذلك

شـعب الجزائر      مسـلم  وإلى العـروبـة ينتســب

من قال حاد عن أصلـ   هـ أو قال مات فقد كذب30

وقال أيضاً:

أشعب الجزائر روحي الفدى                       لما فيك من عزّة عربية

بنيت على الدين أركانها                فكانت سلاماً على البشرية”31

 

هذه هي الأمة في فكر الإمام ابن باديس الذي سعى لتعزيز الوطنية الجزائرية في نفوس مواطنيه، وتعزيز القومية العربية مبيناً العلاقة الراسخة المتأصلة بين العروبة والإسلام.

خاتمة:

تتعرض الأمة العربية والإسلام لهجمة شرسة اشتدت ضراوتها مع تسعينات القرن الماضي حين أعلن الأمريكي أن الإسلام يشكل سدّاً منيعاً أمام اندفاعته العولمية، وتمثل تآمره بالشرق أوسطية، وهو مشروع صهيوأمريكي يعمل لإثارة الفتن وتغذيتها من خلال ثقافة التعصبات الرديئة باسم الطائفة أو المذهب أو العرق أو القبيلة أو الجهة، وكل ذلك من مهددات الوحدة الوطنية، والوحدة القومية العربية، ووحدة المسلمين على المستوى العالمي، وهذه المؤامرة تهدد الإنسان والدول، وكل أسباب الاستقرار والأمن والتقدم.

إن ما يساعد المؤامرة الخارجية ضعف التضامن والإتحاد عربياً وإسلامياً بسبب رهانات غير موفقة على الأطلسي والغربي، وبسبب غرائز وتعصبات ليست في ديننا ولا حضارتنا ولا منظومتنا القيمية، ولذلك يجد الإنسان العربي حاجة لتصويب المسارات، وترشيد الحراك باتجاه التحرر والحرية، وباتجاه التقدم والرقي، وتعزيز الوحدة على المستوى الوطني والقومي العربي والإسلامي.

هنا يكون الميدان رحباً للاستفادة من فكر أعلام الأمة ومناراتها، ومن هذا القبيل تأتي الحاجة للوقوف على مضامين فكر المصلح الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس وأمثاله من المفكرين المتنوّرين، والذي خطّ بقلمه م يبيّن أفهوم الوطنية والعروبة والإسلام بجوهره في الرحمة والسماحة وصناعة السعادة والعزّة، وتحقيق كرامة الإنسان المستخلف في الأرض.

 

الهوامش :

أ.د. أسعد السحمراني : أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي – مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني – أمين الشؤون الخارجية في اتحاد الكتاب اللبنانيين – عضو شرفي في جمعية العلماء المسلمين

 

1-  الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نديم مرعشلي، بيروت،  دار الكاتب العربي، سنة 1392هـ – 1982م، ص 19.

2- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج11، تحقيق أ.د. عبد الله بن المحسن التركي وآخرين، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة 1427هـ – 2006م، ص77، 78.

3- الطبرسي، الفضل بن الحسن، جوامع الجامع، ج2، بيروت، دار الأضواء، ط1، سنة 1405هـ – 1985م، ص 238.

4- النسفي، عبد الله بن أحمد، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج 3، تحقيق الشيخ مروان الشعار، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1416هـ – 1996م، ص235.

5- ابن عطية الأندلسي، أبو محمد عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز، ج1، الرباط، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، سنة 1395هـ – 1975م، ص 359.

6- سيف الدولة، د. عصمت، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، سنة 1986، ص16، 17.

7- سيف الدولة، د. عصمت، م.س.، ص 18، 19.

8- أخرجه ابن عساكر، في تاريخ بغداد.

9- المبارك، د. محمد، الأمة والعوامل المكونة لها، بيروت، دار الفكر، ط3، سنة 1393هـ – 1975م، ص 58، 59.

 10- عبد الناصر، جمال، فلسفة الثورة، بيروت، بدون تاريخ، ص 83، 84.

11- الحصري، أبو خلدون ساطع، العروبة أولاً، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، سنة 1985، ص 14.

12- ابن باديس، الإمام عبد الحميد، ابن باديس: حياته وآثاره، ج3، جمع ودراسة أ.د. عمار الطالبي، الجزائر، الشركة الجزائرية، ط3، سنة 1417هـ – 1997م، ص 236.

13- ابن باديس، الإمام عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 237.

14- ابن باديس، الإمام عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 281.

15- ابن باديس، الإمام عب الحميد، م.س.، ج3، ص 467.

16- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 352.

17- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج4، ص 19، 20.

18- الثعالبي، أبو منصور، فقه اللغة وسر العربية، تحقيق ومراجعة د. فائز محمد ود. آميل يعقوب، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، سنة 1413هـ – 1993م، ص5.

19- إن شعراء مسيحيين كثر قد كتبوا بمناسبات إسلامية عديدة ما فيه بيان واضح على تقديرهم للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم. وقد جمع الأستاذ ماجد الحكواتي ثبتاً ثميناً من هذا الشعر عنوانه: “شعراء النصارى العرب والإسلام”، وكان ذلك بمناسبة إعلان مدينة حلب السورية عاصمة الثقافة الإسلامية في العام 2006، وقد نشر الكتاب بمساعدة مؤسسة البابطين الكويتية.

ومما جاء في هذه النصوص:

أ- قصيدة للأديب اللبناني مارون عبود (ت1962) عنوانها: (محمد مارون)، منها هذه الأبيات:

عشت يا ابني، عشت يا خير صبي                         ولدته أمه في رجب

فهتفنا واسمه محمد                                           أيها التاريخ لا تستغرب

خفّف الدهشة واخشع إن رأيد                               ت ابن مارون سميّاً للنبي

أمه ما ولدته مسلماً                                            أو مسيحياً ولكن عربي

والنبي القريشي المصطفى                                  آية الشرق وفخر العرب

ب- وقال الشاعر اللبناني توفيق شماس في احتفال بالمولد النبوي الشريف بتاريخ 21/7/1929 في قصيدة له بالمناسبة:

بشراك يا ابن العرب أن محمداً                                ضمّ الجميع بدينه المتوحّد

فغدا لنا قرآنه إنجيلنا                                            وجلال كعبته وقار المذود

فصلاتنا في دينه كصلاتنا                           في ديننا لسنا المسيح المرشد

جمعت بها أرواحنا وقلوبنا                          وبها تآخي العيسوي والأحمدي

لكننا نحن الأعراب أهله                            أولى الجميع بحبه للمحتد

نحن الغساسنة الأقارب قومه                    من نسل يعرب خير أهل محمد

شعب رأى في العرب أشرف أمةٍ                 وبذي الكنيسة نور قدس المسجد

فليحي حبُّ العرب دين جميعنا                               ومحمد فليحيى عيد المولد

ج- وقال الشاعر السوري جاك صبري شماس (1947):

إنّي مسيحي أجلّ محمداً                         وأجلّ ضاداً مهده الإسلام

وأجلّ أصحاب الرسول وأهله                       حيث الصحابة صفوة ومقام

كحّلت شعري بالعروبة والهوى                    ولأجل طه تفخر الأقلام

أودعت روحي في هيام محمد                    دانت له الأعراب والأعجام

20- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج4، ص 21.

21- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج4، ص 60.

22- أخرجه أبو نعيم الأصفهاني في “حلية الأولياء”، والدار قطني عن ابن عمر.

23- أخرجه البيهقي والطبراني والحاكم، وقال فيه محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت 1122هـ) أنه حسن لغيره.

24- الشافعي، الإمام محمد ابن باديس، الرسالة، تحقيق أ.د. عبد الفتاح كبارة، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1419هـ – 1999م، ص 49 وما بعدها.

25- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 359.

26- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 361، 362.

27- ولذلك كان الحديث النبوي الشريف: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وفي هذا بيان أن الإسلام قد أقر الكثير من منظومة القيم العربية قبل الإسلام كالوفاء والكرم والشجاعة والصدق وسواها.

28 – ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج4، ص 65، 66.

29- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 573.

30- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 571.

31- ابن باديس، عبد الحميد، م.س.، ج3، ص 569.


آخر التغريدات: