الشيخ الطيب العقبي أحد رواد النهضة الإصلاحية

الشيخ الطيب العقبي أحد رواد النهضة الإصلاحية

هو الطيب بن محمد بن إبراهيم، ينتهي نسبه إلى قبيلة أولادعبد الرحمن الأوراسية، ولد في 15 جانفي 1890 قرب بلدة”سيدي عقبة”وإليها ينسب. وقضىالشيخ سنواته الأولى من عمره في بلدة سيدي العقبة وبها نشأ وترعرع، في جو محافظبعيد عن حضارة المستعمر وتقاليده. 

 ولما بلغ سن الخامسة من عمر هاجرت أسرة الشيخ الطيب العقبي كلها إلى الحجاز، وذلك أثناء حملات الهجرة الواسعة التي فرقتالجزائريين في بلدان عربية مختلفة من الحجاز ومصر والشام وغيرها، هجرة كان سببهاظلم المستعمر الغاشم وتعسفه ومن ذلك محاولته فرض التجنيد الإجباري على الجزائريينفي صفوف الجيش الفرنسي.

واستقرت أسرته في المدينة النبوية حيث نشأ الشيخنشأته العلمية، فحفظ القرآن الكريم على يد أساتذة مصريين، ودرس العلوم الشرعية فيالحرم المدني على يد مشايخ ذلك الزمان ومنهم حمدان الونيسي شيخ ابن باديس الذي هاجرإلى الحجاز عام 1911. وكانت المدينة قبل الحرب العالمية الأولى تغص بحلق العلم،وكانت أيضا تتوفر على مكتبات جامعة كثيرة كما حكاه الإبراهيمي، ورغم أن والده كانقد توفي وهو في سن الثالثة عشر، فإنه لم ينقطع عن طلب العلم، وقد كان لأمه أثر واضحفي تفريغه للطلب حيث أعفته من مهام القيام بشؤون الأسرة مع أنه كان الابن الأكبروكلفت بذلك أخاه الأصغر، وكان ذلك من عناية الله تعالى بهذا الرجل العظيم الذين كانيعد لأن يكون من كبار المجددين في هذا الزمان.

ثم إنه سرعان ما تحول من طالبإلى معلم في الحرم النبوي، وكاتب صحفي متميز حتى عد أحد دعاة النهضة العربية فيالحجاز، وقد أكسبته كاتباته شهرة اخترقت الآفاق، وصداقة مع كبار المصلحين في ذلكالزمان وعلى رأسهم شكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب.

وعند قيام ثورة الشريفحسين نفاه الأتراك عام 1916 إلى “الروم ايلي” فـ”الأناضول” بحجة معارضة العثمانيين،وعند انتهاء الحرب العالمية عاد إلى مكة حيث أكرمه الشريف حسين وأسند إليه رئاسةتحرير جريدة القبلة، وكذا إدارة المطبعة الأميرية في مكة خلفا للشيخ محب الدينالخطيب.

العودة على الوطن

مع تلك المكانة التي أحزهاعند الأشراف الهاشميين إلا أنه قرر الرجوع إلى الجزائر عام 1920، وكان سبب رجوعهالظاهر الذي صرح به، هو عدم الاستقرار الذي خيم على الحجاز في تلك الأيام نتيجةالصراع السعودي الهاشمي، إضافة إلى الاعتداء الذي وقع على أملاك عائلته في مسقطرأسه، وهذا الأخير كان ذريعة لابد من تقديمها للإدارة الفرنسية ليحصل على موافقتهابالدخول إلى الجزائر.
جاء رحمه الله تعالى إلى الجزائر وانتظم أمر تلكالأملاك فهل عاد إلى الحجاز؟ لا لم يعد ولا تفرغ لإدارة تلك الأملاك التي جاء منأجل استرجاعها، بل قرر الاستقرار في أرض الوطن وانطلق في خطته الإصلاحية التي كانجاء من أجلها، حيث يحكي بعضهم أن شكيب أرسلان هو من أشار عليه بالذهاب إلى الجزائرمن أجل بعث الأمة الجزائرية وبث الدعوة الإصلاحية بها، ويحتمل أنه استقر بعدما عاينالوضع الذي آلت على الجزائر حيث وجدها غارقة في أوحال الشرك والبدع، والخرافاتوالضلالات، ووجد الجزائريين مستمعرين من طرف عدو صليبي غاشم ومستعبدين من طرفالطرقية الذي استغلوا جهل الأمة وأميتها.

ما استقر الشيخ وانتظمت أمورالأمور حتى سلك مضمار الدعوة والتعليم وانطلق كالسهم، وقد تنوع نشاطه التعليمي وكانشاملا لجميع الطبقات ، فكان منها مجالس التكوين للطلبة وكان يدرس لهم الجوهرالمكنون في البلاغة وقطر الندى في النحو، وكان منها مجالس الوعظ والتذكير للعامةالتي كان يلقيها في مساجد المنطقة، وكان موضوع تدريسه التفسير، وقد اختار له الشيختفسير المنار للشيخ المجدد محمد رشيد رضا، كما درس أيضا السيرة النبوية والعقيدةالإسلامية، وكان منها المجالس الأدبية في «جنينة البايليك» أين كان يجري الحوارالأدبي يوميا في شتى أنواعه وألوانه ويحضره أدباء ومثقفون أمثال الأمين العموديومحمد العيد آل خليفة وغيرهم.

وكما أيضا كان يغتنم المناسبات التي يجتمع فيهاالناس كالولائم لدعوة الناس إلى التوحيد وإلى الرجوع إلى القرآن والسنة، ولم يغفلعن الرحلة إلى المناطق المجاورة حتى ذاع ضيته وانتشرت دعوته في منطة الزيبان كلها ،فأعلن بذلك حربا عوانا على الطرقيين والخرافيين والجامدين الذين كانوا يتغذون منجهل الأمة.

وما إن انتشر نشاطه وذاع صيته حتى سارعت السلطة الفرنسية إلىاعتقاله لتخوفها منه، فلبث في السجن قرابة شهرين، ثم أفرج عنه وخلي سبيله بعد وساطةأخواله وبعض وجهاء.

نشاطه الصحفي

وكان الشيخ حريصا على الكتابة في الصحف وكان يرى فيالعمل الصحفي الدور الأكبر في نهضة الأمة، واسمع إلى قوله في المنتقد (عدد5):« إنالجرائد في الأعصر الأخيرة هي مبدأ نهضة الشعوب ، والعامل القوي في رقيها، والحبلالمتين في اتصال أفرادها، والسبب الأول في تقدمها، والصحافة هي المدرسة السيارةوالواعظ البليغ، وهي الخطيب المصقع والنذير العريان لذوي الكسل والبطالة، وهي سلاحالضعيف ضد القوي، ونصرة من لا ناصر له، وهي تأخذ الحق وتعطيه، وترمي الغرض فلاتخطيه وهي المحامي القدير عن كل قضية حق وعدل».  

لذلك ما إن جاء إلىالجزائر بدأ الكتابة في بعض الصحف التونسية نظرا للفراغ الذي وجده في الميدانالصحفي، ثم أسس بالاشتراك مع جماعته ببسكرة « جريدة صدى الصحراء » في 1925، ثم أسسجريدة الإصلاح عام 1927، واستمر صدورها في مدد متفرقة إلى سنة 1948.

ولماأنشأ ابن باديس جريدة المنتقد دعاه للمشاركة لبى ندائه ولم يتأخر ولما تأسست الشهاببعدها كان العقبي من السباقين إلى تلبية دعوتها فنشر مقالاته الحارة وقصائدهالمثيرة التي تدور غالبا في فلك الإصلاح العقائدي، تلك المقالات التي كان توُصفبالمقالات النارية، لأنها كانت تهدم صروح ضلالات الطرقية صرحا صرحا وتكشف عنانحرافها عن الصراط المستقيم ومخالفتها جوهر الدين.

نشاطه بالعاصمة

في الوقت الذي تأسس فيه نادي الترقي في جويلية 1927، كانت شهرة العقبي قد اخترقت الآفاق فاتصل به أهل النادي ليكون مشرفا علىالنشاط فيه خطيبا ومدرسا ومرشدا، فقبل عرضهم وانتقل رحمه الله إلى العاصمة والتحقبنادي الترقي عام 1929، ولم يكن خافيا عليه أهمية نشر الدعوة والإصلاح في العاصمةوأثر ذلك على القطر كله، وقدرت محاضراته بهذا النادي بخمس محاضرات في الأسبوع،إضافة إلى الحلقات والندوات التي كان يعقدها من حين لآخر مع جماعة النادي والرحلاتالتي كان ينظمها في بعض الأحيان إلى المدن المجاورة من عمالة الجزائر.

ولميكن نشاطه التعليمي مقتصرا على النادي بل كان يلقي دروسا في التفسير في المسجدالجديد بعد صلاة الجمعة وبعد عصر كل أحد، ومن نشاطاته في العاصمة إشرافه على مدرسةالشبيبة الإسلامية، وترأس الجمعية الخيرية الإسلامية، ودعا إلى إنشاء منظمة شبابالموحدين.

محنة الشيخ العقبي

وبعد مدة ظهرت نتائج دعوته ونشاطهحيث كثرت المدارس العربية الحرة في مدن عمالة الجزائر ، وصار تمسك الناس بالدين فيالعاصمة أمرا ظاهرا، فهجر الناس شرب الخمر والميسر ومواطنها، ورجع أكثرهم إلى بيوتالله بعد أن خلت منهم، وصاروا يحافظون على الصلوات وملازمين لدروس الشيخ، وتخلىكثير منهم عن خرافات وعقائد الطرقية، وتمكن العقبي بعلمه وأسلوبه وصدق لهجته من أنيجلب إليه كل طبقات المجتمع بما فيها طبقات المثقفين الثقافة الفرنسية من محامينوأطباء وغيرهم.

لقد أثارت هذه النتائج قلق المستعمرين في الجزائر وخارجهاحيث أصبحوا يرونه يشكل خطرا كبيرا على كيان فرنسا حتى وصفته أحدى الجرائد الفرنسيةبالنبي الجديد، فسلكوا مع الشيخ سبلا شتى بغرض إسقاطه وضرب دعوته، فكان أولها سبيلالإغراء حيث عرض عليه منصب الإفتاء فرفض آثر أن يكون عالما حرا يجهر بالحق ويصدع بهفي كل زمان ومكان.

ومن خططهم أن أصدروا المنشور القاضي بغلق المساجد في وجهغير الرسميين وذلك في 16 فبراير 1933، ويقول أبو القاسم سعد الله:«وفي 24منه (فبراير) إلى شهر مارس جرت مظاهرات عنيفة بالعاصمة ضد منع الشيخ العقبي من إلقاءدرسه في الجامع الجديد وتدخل الحكومة في الشؤون الدينية، وقد استعملت السلطات قواتالشرطة والرماة السنيغاليين وقناصة إفريقية ضد المتظاهرين واعتقلت كثيرا منهم ، ولمتهدأ المظاهرات حتى وعدت السلطات بالسماح للعقبي باستئناف دروسه. وبعد استقالاتجماعية للنواب والعاملين في المجالس المحلية في يوليو 1933 …قام السيد كارد الحاكمالعام بمراجعة بعض القرارات منها إلغاء قرار والي مدينة الجزائر ضد الشيخ العقبي». فلم يكن ذلك القرار ليعيق الشيخ رحمه الله ولا ليحبطه فإنه واصل مجاهدا وداعيا حيثوجد الرجال الذين يحوطونه بمساندتهم وتشجيعهم ويقفون معه في الشدائد.

ولماانظم الشيخ إلى المؤتمر الإسلامي في 1936مع ابن باديس والإبراهيمي ولعب فيه دورابارزا، بلغ الأمر بالنسبة إليهم منتهاه، فحيكت مؤامرة مقتل المفتي كحول لإحباط مسعىالمؤتمر وإسقاط الشيخ العقبي. فدسوا له من قتله، ونفذ جريمته يوم 2أوت، وادعى أنالشيخ العقبي هو من حرضه على قتله مع صاحبه عباس التركي، فاعتقل العقبي ورفيقه وزجبهما في السجن يوم 8أوت، فاحتشدت الجماهير وتجمعت تلقائيا احتجاجا على اعتقال الشيخوصاحبه فكادت تحدث فتنة عمياء لولا أن توجه إليها العلماء بأن يواجهوا الصدمةبالصبر والتزام الهدوء والسكينة فامتثل الناس، قال الإبراهيمي:« وكان هذا أول فشلللمكيدة ومدبريها». فقضي في السجن ستة أيام بلياليها، ثم إن الجاني تراجع عنتصريحاته بعد أن قابل الشيخ وأنكر أن تكون له علاقة به فأفرج عنه، ووضع تحتالمراقبة مع إمكانية التوقيف عند الضرورة. ثم لم تفصل المحكمة في القضية إلا بعدثلاث سنوات حيث تمت تبرئة العقبي وصاحبه نهائيا.
إن تلك المؤامرة كان لهاالأثر الواضح على المؤتمر الذي انسحب بعض السياسيين منه، وأما الجمعية والشيخ العقبي فلم يؤثر فيهم ذلك بتاتا، بل كانوا يروون في هذا الحدث سببا في زيادة التفافالناس حول الجمعية وتعاطفهم معها، وزادت من شهرتها وصداها في الجزائر وخارجها، قالابن باديس:« ولكنها كانت في حقيقتها نعمة عظيمة لا يقوم بها الشكر». وكذلك العقبيفإنه ظل ثابتا لم يتغير ولم يضعف (كما قال دبوز)، قال الإبراهيمي:«ومن آثار هذهالحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار ووسعت له دائرة الشهرة حتىفيما وراء البحار».

دوره في جمعية العلماء

مع أن فكرةالجمعية ولدت في المدينة عندما التقى ابن باديس والإبراهيمي هناك عام 1913، فإنالشيخ العقبي كان ممن مهد لها ودعا إليها عبر صفحات الجرائد، بل ربما يكون أول منفعل ذلك في أكتوبر 1925 في جريدة المنتقد ، وقد الشيخ كان ممن حضر اجتماع قسنطينةعام 1928 الذي سماه محمد خير الدين اجتماع الرواد. وحضر المجلس التأسيسي للجمعية فينادي الترقي، وانتخب ضمن أعضاء مجلسها الإداري ، وعين نائب الكاتب العام، كما كانممثل الجمعية في عمالة الجزائر . وكذلك تولى في ظل الجمعية رئاسة تحرير جرائدهاالسنة فالشريعة فالصراط، ثم جريدة البصائر من عددها الأول إلى العدد 83 الصادر في 30سبتمبر 1937م .

من أصول دعوته

الأصل الأول: ترتكز الدعوة الإصلاحية التي انتمى إليه الشيخ على الدعوة إلىتوحيد الإله جل جلاله والتحذير من الشرك ومظاهره، هذا أمر اشتهر به الشيخ الطيب العقبي، إلى درجة ارتباط النهي عن مظاهر الشرك عند أكثر العامة في منطقة الوسطباسمه، وقد كان ذلك ظاهرا في خطبه ودروسه وفي كتابته التي كان يملأ بها الجرائدالسيارة في ذلك الوقت، حيث كان يوضح هذا التوحيد الذي أرسل به خاتم النبيين r بدلائل الكتاب والسنة، ويخاطب العقول ويهز الفطرة، أيها الناس ما هذا الذي أنتواقعون فيه تعبدون الأشجار تعبدون الأحجار وترجعون إلى الموتى لقضاء حوائجكم،وتتركون الإله الواحد القهار، ومما كان يتميز به الشيخ رحمه الله أنه كان يحاورويجيب عن الشبهات المثارة في وجوه دعاة التوحيد، وكان لذلك أثر كبير في استجابةللناس لدعوة الإصلاح، ومن ذلك تلك المقالات التي كان يبثها في الشهاببعنوان:”يقولون وأقول “، ونصوص الشيخ التي خلف في هذا المضمار كثيرة جدا، ولا يسعنافي هذا المقام إلا أن نقتصر على جزء من قصيدته الشهيرة إلى الدين الخالص حيث يقولفيها:

لا أنــادي صاحب القبــر أغث     أنت قطــب أنت غوثوسناد
قائمــا أو قاعــدا أدعــو بـــه     إن ذا عنــديشــرك وارتـداد
لا أناديـــه ولا أدعــو ســوى     خالـقالخلـق رؤوف بالعبـاد
مـن لــه أسماؤه الحسنى وهل     أحــديدفــــع مــا الله أراد؟

مخلصــا ديني لـــه ممتثــلاأمــره لا أمــر من زاغ و حاد

الأصل الثاني : ومما عرف به الشيخ رحمه الله الدعوة إلى إحياء السنن وربط الأمةبكتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أمر سار عليه جميع دعاة الإصلاح في ذلك الزمان، فكان دروسهم ومواعظهم التي يلقون مع اختلاف مواضيعها مرتبطة بكتاب الله تعالى،وما بحث في سيرة كل واحد منهم إلا وجدت موضوع دروسه هو التفسير ، تفسير كتاب اللهتعالى الذي ابتعدت عنه أمة الإسلام فوقعت في مخالفة هدي النبي r وغرقت في أوحالالبدع بل وفي مظاهر الشرك الذي لا يغفره المولى عز وجل، فكان منهج هؤلاء العلماء أنربط الأمة بكتاب الله تعالى وسنة النبيصلى الله عليه وسلمهو الذي ينير لها الطريق ويبصرها بالحالالتي آلت إليها ، والشيخ العقبي رحمه الله كان من أشد رجال الجمعية حرصا على اتباعالسنن ونهيا عن البدع، ومن الأصول التي كان يقررها ويعيدها:« أن لا نعبد إلا اللهوحده وأن تكون عبادتنا له إلا بما شرعه وجاء من عنده » السنة (عدد2). ومنها قاعدةكمال الدين التي هي منطلق محاجة كل مبتدع مبدل البصائر (عدد3). وقال مبينا أنالابتداع مضاهاة لله تعالى في شرعه فقال:«وإذا كان التشريع لله وحده ، فليس لكائنمن كان أن يشرع لنفسه أو لغير نفسه من الدين ما لم يأذن به الله مهما كانت مقاصدهفي هذا التشريع ومهما ادعى من ابتغاء قربة ووسيلة» ثم بين أنه لا ينفع هؤلاءالمبتدعين أن تكون نية أحدهم حسنة، « لأن النية مهما كانت حسنة لا تغير من حقائقالأشياء » البصائر (عدد4). ومما تميز به نقد العقبي للطرقيين فضح مقاصدهم التي تبينأن كثيرا منهم لم تكن له شبهة دينية، وإنما الذي وجههم هذه الوجهة المخالفة للإصلاحوالتي جعلتهم يرضون بالحال التي آلت إليها الأمة هو حب الدنيا والمال، وكان مماقال:

وشيخهم الأتقى الولي بزعمه          إذا ما رأى مالا أمال لهعنقا
وذلك أقصى سؤله ومرامه             متى ناله أولاه من كيسه شقا
أولئكعباد الدراهم ويلهم             سيمحقهم ربي وأموالهم محقا

الأصل الثالث: ومن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها منهج الإصلاح الذي سار عليهالشيخ، وقد وضحه رحمه الله في افتتاحية العدد الأول من الإصلاح:« وأهم كل مهموأولاه بالتقديم عندنا مسألة العقائد والكلام على تصحيحها، فلا إصلاح ولا صلاح إلابتصحيحها، فقد أفسد الناس من أمرها ما أضر بالعامة وسرت العدوى منه حتى لبعض الخاصةوالأعمال كلها نتيجة العقائد تصلح بصلاحها وتفسد بفسادها، وحسبنا قول أشرفالمخلوقاتصلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) وليس من الممكن جمع كلمة الأمة وتوحيد أفكارهاما دامت مختلفة في عقائدها متباينة في مشاربها وأهوائها، ولو أنفقت ما في الأرضجميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم». هذه الدعوة هي الدعوة المباركةالتي تجمع أهل الإسلام وترص صفوفهم وتجعلهم أقوياء في مواجهة أعدائهم.

وبهذا التقرير يظهر الجواب عن تساؤل مشهور لماذا لم يطالب العلماء بالاستقلال أولالأمر، فالقضية أنالتحرر من الاستعمار المادي لابد أن يسبقه التحرر من الاستعمارالروحي، وأن تحرير الإنسان يسبق من دون شك تحرير الأرض، وقد أبان عن هذه المعنى فيالخطاب الذي ألقاه في الملعب البلدي سنة 1936، حيث بين أن الأمة ما زالت بعيدة عنالاستقلال ما دامت لم تستقل في أفكارها وكل مقومات حياتها، وما دامت لا تقدر أنتحرر نفسها من ربقة بعض المرابطين واستعبادهم لها باسم الدين».
وبعد مرورالزمن وتقدم الدعوة لم يخف الشيخ مساندته لحزب الوحدة الجزائرية(1947) الداعي إلىالاستقلال التام، وتفضيله على الأحزاب الأخرى التي كانت تطالب بالاستقلال الذاتي أوالداخلي مع الارتباط بفرنسا. قرر في العام نفسه في جريدة الإصلاح (عدد51) أنالجزائر لا تختلف عن بقية الشعوب الطامحة إلى نيل الحرية والاستقلال وأنها أمة لهاكل الذاتيات التي تميزها عن غيرها من تاريخ ولغة ودين. وفي عام 1953 وصرح للمناربضرورة اتحاد الأمة:« في سبيل تحرير أمتنا من الاستعمار».
الأصل الرابع : الإصلاح عند العقبي كان شموليا فلم يقتصر على المجال الديني وإن عندهمقدما بل كان متسعا لمجالات أخرى، كأعمال البر والإحسان، ولذلك فقد ترأس الجمعيةالخيرية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1933بالعاصمة، وكانت تعمل على إعانة الفقراءوإغاثة عابري السبيل، وقد توسع نشاطها عام 1939 إلى إيواء المسنين وتعليم الشبابوالشابات الصناعات اليدوية، وفتح عيادة تقدم العلاج المجاني.
وشملت دعوتهالشباب الذين أسسوا في مطلع الخمسينات منظمة شباب الموحدين في نادي الترقي وكانالشيخ العقبي هو الأب الروحي لهذه المنظمة، التي كان شعارها الأمر بالمعروف والنهيعن المنكر، وأصدرت جريدة الداعي ثم جريدة اللواء، والتي كان من دعوتها طلب الحريةومقاومة الاستعمار.

آثاره ووفاته

قد ترك الشيخ العقبي آثارا كثيرة مكتوبةلو تتبعت وجمعت لجاءت في مجلدات، ومن آثاره تلاميذه الذين لا يعدون كثرة، ومنهم منبرز وكان من العلماء ودعاة الإصلاح كفرحات بن الدراجي (ت1951) وعمر بن البسكري)ت1968)، ومحمد العيد آل خليفة (ت1979) وأبو بكر جابر الجزائري.

بعد سنة 1953 مرض الشيخ وضعف، وكان قد أصيب بمرض السكر الذي ألزمه الفراش عام 1958 وأجبرهعلى ترك نشاطاته. وفي مرضه هذا أوصى وصية اشتد في الإلحاح عليها، وهي لابد أنه لابدأن تشيع جنازته تشييعا سنيا بدون ذكر جهري، ولا قراءة البردة، ولا قراءة القرآن حالالتجهيز أو حين الدفن وألا يؤذن بتأبينه قبل الدفن أو بعده، وتوفي الشيخ الطيب العقبي رحمه الله في 21ماي1961، وشيعت جنازته تشييعا سنيا ودفن في مقبرة ميراماربالرايس حميدو، وكانت جنازة مهيبة حضرها حسب الجرائد في ذلك الوقت قرابة خمسة آلافشخص.

هذا هو العقبي

هذا هو العقبي الذي قال فيه الشيخابن باديس:« حياك الله وأيدك يا سيف السنة وعلم الموحدين ، وجازاك الله أحسن الجزاءعن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيين المصلحين ها نحن كلنا معك في موقفك صفا واحداندعو دعوتك ونباهل مباهلتك ونؤازرك لله وبالله». هذا هو العقبي الذي قال الشيخالإبراهيمي في وصفه:« هو من أكبر الممثلين لهديها -أي الجمعية-وسيرتها والقائمينبدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتا في الدعوةإليه …وإنما خلق قوالا للحق أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر وقافا عند حدود دينه ،وإن شدته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف فيسبيله»، هذا هو العقبي الذي قال فيه الشيخ أبو يعلى الزواوي:« العلامة السلفيالصالح داعية الإصلاح الديني ». هذا هو العقبي الذي عده أمير البيان شكيب أرسلانأحد حملة العرش الأدبي في الجزائر إضافة إلى الميلي وابن باديس والزاهري. هذا هو العقبي الذي قال فيه مفدي زكريا:«الأستاذ الأكبر العلامة أبوالجزائر الجديدة الشيخ سيدي الطيب العقبي». هذا هو العقبي الذي قال فيه أبو بكرالجزائري:« دروس الشيخ الطيب العقبي ما عرفت الدنيا نظيرها، ولا اكتحلت عين فيالوجود بعالم كالعقبي» عليهم رحمة الله أجمعين ، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 

آخر التغريدات: