خطـوات تحقيق الوحدة العربية في تصور الشيخ البشير الإبراهيمي 1889م – 1965م

خطـوات تحقيق الوحدة العربية في تصور الشيخ البشير الإبراهيمي 1889م – 1965م

تعد الوحدة العربية من القضايا السياسية الرئيسية، التي تناولها الشيخ البشير الإبراهيمي (1889–1965)، في كتاباته ومحاضراته وأحاديثه، بالشرح والتحليل، انطلاقا من اعتقاده أن العصر هو عصر التكتلات الكبرى، وإن عالم القرن العشرين لا مكان فيه للضعفاء المنقسمين والمشتتين. حيث أكد فيها على الأهمية البالغة للوحدة في تحقيق النهضة، والخروج من حالة التخلف الحضاري الذي لازم الأمة العربية منذ عدة قرون. وفي هذا المقال استعرضنا تصوراته وأفكاره، التي رأى بأنها كفيلة، بوضع حلم ومشروع الوحدة العربية، موضع التجسيد في الميدان.

مقدمة :

لم يكتف الشيخ البشير الإبراهيمي، بحث العرب على الوحدة والتكتل، واستعراض الفوائد الجمة التي ستترتب عنها، على كافة المستويات والأصعدة، بل اجتهد في إعطاء تصوراته وأفكاره بشان الخطوات التي يتوجب على العرب القيام بها، لتحقيق حلم الوحدة العربية الشاملة، وقد حصرها في خمسة خطوات هي: إزالة أسباب التنافر بين الشعوب العربية، التقارب والتواصل بين البلدان العربية، والتعريب الشامل لكل مناحي الحياة في المجتمع العربي، استقلال الأمة أدبيا وفكريا و لغويا، نبـذ الانقسام واستبداله بالوحدة الشاملة.

التعريف بالشيخ البشير الإبراهيمـي :

هو محمد البشير الإبراهيمي، بن محمد السعدي، بن عمر بن محمد بن السعدي بن عبد الله بن عمر الإبراهيمي، ولد يوم 13 جوان 1889 م (1) بقبيلة ” أولاد براهم “بقرية” راس الوادي” (*) بدائرة سطيف، وهي قبيلة عربية النسب تنتمي في أصولها إلى الأدارسة (**) (2). نشأ في عائلة جزائرية ذائعة الصيت، توارث إفرادها العلم أبا عن جد منذ أكثر من خمسة قرون (3)، يقصدها طلاب العلم من مختلف أنحاء البلاد، فتتكفل بمستلزمات إيوائهم وتعليمهم، إلى أن يحصلوا على مبتغاهم العلمي والمعرفي (4). هاجر سنة 1911م إلى المشرق العربي، للاستزادة في طلب العلم و المعرفة، و مكث هنالك إلى غاية سنة 1920 م (5). بعد عودته إلى الجزائر، بذل جهودا كبيرة في التربية و التعليم، وقد كانت فلسفته في تكوين النشئ، ترتكز على تربيته على الأفكار الصحيحة والأخلاق الحسنة، وعدم التوسع له كثيرا في العلم (6). كان من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في الخامس من ماي 1931م، في نادي “الترقي” (*) بمدينة الجزائر، بغرض محاربة الآفات الاجتماعية (7). شارك في المؤتمر الإسلامي الأول سنة 1936م (8)، اعتقلته السلطات الفرنسية في تلمسان يوم 12أفريل 1940م، ثم نفته إلى منطقة “آفلو” الصحراوية بالجنوب الوهراني. اختير رئيسا لجمعية العلماء، خلفا للشيخ عبد الحميد ابن باديس المتوفى يوم 16 افريل 1940، رغم سعي السلطات الاستعمارية تعيين رئيس أخر موال لها (9). اعتقل اثر أحداث الثامن 1945م، رفقة فرحات عباس، بتهمة تدبير الأحداث والقيام بها (10). أقام في المشرق العربي وبعض الدول الإسلامية، خلال الفترة الممتدة بين 1952 م– 1962 م، طلبا للمساعدة من الأشقاء العرب والمسلمين، لدعم النهضة العلمية والثقافيـة الناشئـة في الجزائر، ولحشد الدعم المادي و المعنوي للثورة التحريرية، بعد اندلاعها في أول نوفمبر 1954م (11). توفي يوم التاسع عشر ماي 1965 م، عن عمر يناهز السادسة والسبعين عاما (12). ترك الكثير من المقـالات والخطب، والأحاديث والدروس والمحاضرات، التي جمعت تحت عنوان “آثارالشيخ البشير الإبراهيمي”، وهي ذات قيمة أدبية و لغوية، وفكرية وسياسية كبيرة.

  1 – إزالة أسباب التنافر بين الشعوب العربية :

يرى الإبراهيمي أن أولى خطوات أو مراحل الوحدة، تضافر الجهود من أجل إزالة أقوى أسباب التنافر بين الشعوب العربية، في ميدان الثقافـة والتفكير والاتصال بالعصر، وأسباب الثروة و نهم الحياة و أوضاع الاجتماع. من خلال الاجتهاد في تشكيل رأي عام لدى كل شعب من الشعوب العربية، ليتسنى لها تكوين رأي أعم، يتولى التوجيه والإرشاد والتنشئة، إذ أن بعض الشعوب العربية ما زالت إلى تلك اللحظة، لم يتكون فيها رأي عام، وما زالت تحت سيطرة الزعامات الفردية، التي تمثل مؤشرا للتفكك وأساسا للتخاذل، كما أن بعض الشعوب تشهد وجود رأي عام، لكنه يفتقد إلى النضج، لان الرأي العام لا ينضج إلا في مناخ من الاستقرار، والثقافة الهادئة التي تأخذ على عاتقها مهمة التوحيد، ومقاومة التيارات الأجنبية المهدمة كالشيوعية والمذاهب الفكرية الغربية التي تربك الأفكار (13).

ووفقا لذلك يبدو لنا انه انتبه إلى قضية في غاية الأهمية، وهي التفاوت في الواقع الاجتماعي والحضاري بين البلدان العربية، التي تختلف اختلافات عديدة فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي لكل بلد، بما يتضمنه ذلك من اختلافات في البناء الاجتماعي والاقتصادي و الإيديولوجي، ولا شك أنها تشكل معوقا من المعوقات الأساسية، في سبيل قيام الوحدة العربية على أسس متينة (14).

ويبدو لنا أيضا، انه من المؤيدين لفكرة أن الوحدة العربية يجب أن يكون منطلقها شعبيا وليس فئويا، تشارك فيها جميع شرائح المجتمعات العربية وطبقاتها ومختلف أطيافها، فضلا عن كل التيارات الفكرية والتنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة في كل قطر، والوسيلة في ذلك هي الجهد الثقافي الذي يتولى التوعية و تكوين رأي عام في اتجاه التوحيد (15).

2 – التقارب و التواصل بين البلدان العربية :

اعتبر الشيخ البشير الإبراهيمي : ((التقارب بريد الاتحاد، والتزاور دليله، والتحاور بشيره، والتشاور مفتاح بابه))، كل هذه الأمور، كانت تقع في تلك الأيام بين الرؤساء العرب وأصحاب الرأي منهم، التي تكررت وأسفرت عن بعض المؤشرات الايجابية التي توحي باقتراب حلم تحقيق الوحدة الشاملة، التي تخيف أعداء العرب ومنهم الصهاينة، فيقولون أن في الجزيرة العربية قوما “جبارين”. ومن الإحداث الهامة –حسبه- في هذا الصدد، زيارة ” الأمير عبد الله الجابر الصباح “رئيس معارف الكويت لمصر، والتي كان لها دور جلي في التقارب بين العرب، لما لبلده الكويت من مكانة في تاريخ الجزيرة العربية، ولعائلته من منزلة في العائلات العربية الكبرى، ولما يتمتع به شخصه من مزايا وخصائص استمدها من فطرة الإنسان العربي، ومن همته و شهامته ونبله، وبساطته وسماحة نفسه، ومن الآداب والأخلاق الإسلامية، و تواضعه وصدقه في القول والفعل, وقد شكر الإبراهيمي الحكومة المصرية، على احتفائها بزيارة الأمير الكويتي، وقيامها بتكريمه رسميا وشعبيا، معتبرا أن ما قامت به عكس لأول مرة تواصلها مع الشعب المصري، فقد كان في السابق يقوم هذا النوع من الاحتفالات، على المجاملة والنفاق بدل الإخلاص والمحبة، وعلى الرهبة والتملق بدل الرغبة والصدق. وختم كلامه بالقول إن هذا السلوك الحسن الذي بدر من الحكومة المصرية، باستقبالها الحار لشخصية عربية مرموقة، هو في حقيقة الأمر: ((وصل لأرحام كانت مجفوة، والرحم إذا تنبهت أسبابها تأتي بكل عجيب، وتجرف كل ما كن يحجبها من حجب، وما كان يغطي عليها من عقوق وقطيعة)) (16).

وعلى هذا الأساس، اعتبر مصر أكثر البلدان العربية أهلية لقيادة العرب، فهي التي احتضنت العروبة، ونبت في أرضها لسانها، وتفتقت فيها حضارتها وآدابها، ولكل ذلك فمن الوفاء لها، أن يعترف كل عربي بهذا الفضل والسبق، فيقر لها بالقيادة والزعامة  (17).

وقد برر ترشيحه لمصر لتكون قائدة ومتزعمة للوحدة العربية، بقوله إنه ينبع من التجربة، كونها أكثر من غيرها من الأقطار العربية وحتى الإسلامية، القادرة على لعب هذا الدور، فكل أمال العرب بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة، معلقة عليها لقيادتهم و لم شتاتهم (18).

ولا شك أن هذا الاختيار صائب، ففي تلك المرحلة كانت مصر هي البلد العربي الوحيد القادر على لم شتات العرب، ومن ثمة تزعم الوحدة العربية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي جعلها في مركز البلاد العربية الإفريقية والأسيوية، ولما كانت تشهده من نهضة ثقافية و فكرية وأدبية و حركة سياسية، كل ذلك أهلها لتكون “الزعيمة الطبيعية” للقومية العربية على حد تعبير”ساطع الحصري” (19). وفي حقيقة الأمر، كان ذلك رأي اغلب المفكرين و المصلحين العرب والمسلمين، ومنهم على سبيل المثال أبو الحسن علي الندوي الذي قال في مصر، أنها تنفرد بخصائص كثيرة لا يشاركها فيها احد، ومنها تقدير العلم  والحكمة، وريادتها في اللغة العربية والعلوم الدينية، و وسائل الطبع والنشر، ووجود جامع الأزهر الذي يعد في نظره أكبر مركز ثقافي ديني في العالم الإسلامي (20).

3 – التعريب الشامل لكل مناحي الحياة :

يرى الإبراهيمي انه من أهم خطوات تحقيق الوحدة العربية، تعريب كل مناحي الحياة في المجتمع العربي بدء بتعريب الألسنة والأفكار، والعقول والأذهان، والتصورات وحتى اللباس و وسائل النقل وأساليب المعاش وهيئات الأكل والشرب والنوم وأثاث البيوت (21) و الأسرة، ولا يتم ذلك إلا عن طريق تعريب المدرسة، بدء من الكتاب إلى الجامعة وتعريب التعليم من المعلم إلى الكتاب.

ويضيف بان التعريب الشامل هو اكبر غايات كل من يعمل بإخلاص للعروبة، إذ لا يتم على وجهه المطلوب إلا بالعلم وحده، حتى وإن بلغنا فيه درجات متقدمة جدا، فلا فائدة من العلم وحده، إذا لم يتطعم في كل خطوة منه بتربية نفسية، على ما للعرب من شمائل وهمم وبطولات، ووفاء وصدق في القول  وتفان في العمل، وتضحيات وأباء و إيثار وكرم وشجاعة. وقد حث الإسلام على هذا النوع من التربية في قوله تعالى : ((ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة)).

وقد شدد على أن هذا النوع من التعليم، ينبغي أن يقوم به فقط، جماعة من خطباء المساجد ومن الوعاظ  ومن كتاب العرب المسلمين، الذين يتوجب عليهم  جميعا إن يتفقوا على : ((نغمة واحدة و هي إن الإسلام عرب جميع معتنقيه  بالانتساب إليه، وإن كل من تكلم العربية فهو عربي، وإن العربي لا يكون عربيا، حتى يكون فيه ما أثر عن العرب من شمائل وأخلاق)) (22).

ومنه يظهر لنا، أن الإبراهيمي يشترط أن يكون التعريب ذا محتوى عربي وإسلامي كامل، مع إيكال هذه المهمة الحضارية لمعلمين ومدرسين مخلصين للعروبة والإسلام، يتميزون بالعلم والاطلاع الواسع على تاريخ العرب وتراثهم، وأخلاقهم وشمائلهم التي اكتملت بمجيء الإسلام، الذي هذبها وأصبغها بصبغته. هذا يقودنا إلى القول انه ممن يضعون التاريخ و اللغة (23) والدين الإسلامي، كمقومات أساسية للوحدة العربية.

ويمكن أن نبرر موقفه هذا إزاء مسألة التعريب، بما تعرضت له اللغة العربية في المغرب العربي على يد الاحتلال الفرنسي، الذي استهدفها بكافة الطرق والوسائل، وفي جميع الميادين، حتى تحل اللغة الفرنسية محل اللغة العربية، فيضمن بذلك بقاءه (24).

وفي السياق ذاته أشاد الإبراهيمي كثيرا بالخطوات التي قام بها مؤتمر التعريب بالرباط، معتبرا إياها واجبا يقوم به المؤتمرون نيابة عن جميع الأقطار العربية، حاثا المؤتمرين على الجدية والتحلي بالصبر والإرادة والعزيمة، وإقران الأقوال بالإعمال، قائلا بأننا أمضينا  أعمارنا في الأقوال، دون أن نترجمها إلى أفعال، حتى تسلل ألينا القنوط وكدنا أن نيأس، فكم من الاجتماعات التي دعي إليها لهذا الغرض قبل هذا الاجتماع، وانتهت دون نتيجة، فالفرصة مناسبة إذا لاستدراك الموقف،  بالجد و العزم والحسم  والانجاز (25).

وأضاف قائلا بان في السابق كانت اللغة العربية، تتعرض للأذى من الغريب المتنمر ومن القريب المتنكر لها،  فيسارع لنصرتها البعض من أبنائها الأوفياء وجنودها المتخفين، لكن دون أن يسمع لهم صوت، لتشرذمهم في الأقطار العربية المترامية الإطراف، إلى أن جاء مجمع اللغة العربية إلى الوجود، ساعيا إلى إعادة الشباب إلى اللغة العربية، وتجديد معالمها، وجميع أنصارها، رغم الصعوبات التي واجهها  في السنوات الأولى من إنشائه، شانه في ذلك كشأن أي هيئة فتية، تفتقد إلى التجربة والخبرة اللازميـن، وظل ينمو ويتطور كلما انظم إليه المزيد من أنصار العروبة و فرسان بيانها، إلى أن وصل إلى ما وصل إليه حاليا.

وقد تمنى في الأخير أن يكتمل بناء مجمع اللغة العربية، حتى يكون وسيلة فعالة في توحيد العرب، فلا عجب إن أقوى جامع لصف العرب لغتهم، وان تحقق ذلك، فانه يمكن اعتبار أسرة المجمع أكثر عروبة من كل العرب (26).

وقد بدا الشيخ الإبراهيمي مرتاحا للنتائج المحققة فقال بأننا مهدنا للوحدة العربية الشاملة بالتعريب الشامل، الذي أزاح العقبات من سبيلها و جمع ما فرقته السياسة والساسة، فضلا عن الأجانب، حيث أصبحنا بفضله إذا طلبنا معلما أو خطيبا أو واعظا أو طبيبا، أو صيدليا أو محاميا أو قاضيا أو جنديا أو شرطيا، أو كل من يقوم بالمصلحة العامة، و جدناهم عربا باللسان والشمائل والأخلاق  والهمم، قبل أن نجد فيهم الموظف الشخص (27).

ومنه فان التعريب الشامل، في كل المجالات بما فيها الحياة العامة، هو خطوة أساسية و حيوية في مسار الوحدة العربية في رأي الإبراهيمي، لان : ((اللغة هي روح الأمة و حياتها… ومحور القومية وعمودها الفقري. وهي أهم مقوماتها و مشخصاتها )) (28).   

وهو ما يفسر كون أن القضاء على اللغة القومية للعرب، كان من أهم  الوسائل التي عول عليها الاستعمار كثيرا، بغية تحقيق نفوذه وبسط سيطرته، بتكوين جيل موالي له، يحتقر لغته و ثقافته القومية (29).

4 – استقلال الأمة العربية أدبيا و فكريا و لغويا :

كان الشيخ البشير الإبراهيمي، خلال المؤتمرات الأدبية والمنتديات الفكرية واللقاءات العلمية، كثير الحرص إلى دعوة الأمة على ضرورة استقلالها أدبيا وفكريا ولغويا، أكثر من حرصه على الجوانب السياسية والاقتصادية، التي لا تبرز على نحو كاف خصائص الأمم و ومميزات الشعوب، لان الذي يبرزها ويستعرضها أكثر أمام الأمم الأخرى، آدابها وأفكارها و لغاتها (30).

ويعرف الأدب العربي أنه : ((… الوشيحة القوية والوثيقة الباقية التي لم تنقطع طوال القرون و عبر الأزمان … فهذه هي الأيام تطوي الدول، وتقرب البعيد، أو تبعد القريب، وتقطع السبب أو ذاك من علاقات الإفراد أو روابط الجماعات، ويبقى اللسان العربي و البيان العربي والشعر العربي رسلا صادقين و روابط قوية بين أبناء العروبة كلهم)) (31).

وبناء على هذا التعريف، نستخلص إن الأدب العربي، ظل همزة الوصل المعنوية بين أبناء العروبة، عبر العصور المتعاقبة، وبرغم كل الظروف والأحوال، على اعتبار إن الأدب بصفة عامة هو : ((هو الصورة الدائمة الخالدة التي تحفظ و جود امة  في صورتها الفكرية والحضرية)) (32).

وعليه يرى الإبراهيمي إن الأدب العربي مثل الرباط، الذي عجزت السياسات الإقليمية المفرقة على حل عروقه، و سيظل على مر الأزمنة  جامعا للعروبة، وموحدا آلامها وأمالها. شريطة إن يبقى عربيا في أصوله وقواعده لا شرقيا ولا غربيا، يستمد شخصيته وأهدافه من الحاجات الواقعية للمجتمعات العربية، وليس من تلك المفتعلة أو المزيفة (33).

ومن ثمة يخلص إلى أن القومية العربية تستمد قوتها، من واقع الأدب العربي وسلطانه، أما وحدة الأمة العربية فتظهر في وحدة الأدب على نحو عملي، كما أن قضية الوحدة العربية ليست كما يتصور الكثيرون، إنها ميدان سلاح أو حرب، وإنما هي ميدان لإعمال العقل والفكر، فالأديب في ميدان الفكر مثل القائد وسط المعركة، يوجهها بما لديه من خبرة ويديرها بالحكمة، ويقودها بمواهبه ومعارفه، إلى أن يتحقق النصر المنشود (34).

وعلى ضوء ذلك، نستنتج أن الشيخ الإبراهيمي، قد راهن كثيرا على دور الأدب والأديب العربيين في إحياء القومية العربية وتمتين أواصرها من جهة، وفي الدفع بمشروع الوحدة العربية في مساره الصحيح  من جهة أخرى، انطلاقا من مسلمة مفادها انه إذا كان الأدب يمثل : ((المرأة العاكسة التي تعكس عليها حضارة امة بجميع مقوماتها النفسية والعقلية والاجتماعية))، فان الأديب هو الذي يتحمل مسؤولية الحفاظ على الصورة الخالدة لامته (35).

5 – نبذ الانقسام و استبداله بالوحدة الشاملة :

دعا الشيخ البشير الإبراهيمي إلى نبذ الانقسام الحالي، واستبداله بالوحدة الشاملة لجميع أجزاء البلاد العربية، وفي هذا يتساءل كيف يتسنى ذلك، وقد افرز ذلك التقسيم أوضاعا جديدة وممالكها وملوكا؟، فمن الصعب جدا تغيير الممالك، ومن الأصعب حرمان الملوك من لذة الملك ؟.

ويجيب على تساؤله بالقول إن البداية تكون بما هو ميسر و متوفر، وهو توحيد التعليم ومناهجه والتجارة وشؤونها، وإزالة الحدود الفاصلة بين أجزاء الوطن الواحد، واعتبار المعتدي على جزء منها معتديا على كامل الأجزاء، وعدو الشعب العراقي هو عدو الشعب المغربي، وهكذا مع اخذ العبرة من ايطاليا في ضم أجزائها، وألمانيا، وفرنسا التي لم يهدأ لها بال في قضية “الألزاس و”اللورين”(*)، وأيضا من انجلترا الشبيهة بجزيرة العرب، والتي لو أن دولة اعتدت على جزء منها، لتسارع الانجليز في كل مكان لاسترداده، فلما لا يفعل العرب مثل ذلك ؟ (36).

ويواصل متسائلا عن المانع من أن تكون دولة واحدة ؟، في وجود الأمة الواحدة التي لا تحتاج في غالبيتها، إلى ما قام به اليهود من جمع لشتاتهم من مختلف أنحاء العالم، المتباينة أعراقهم وأفكارهم و ميولاتهم، ولا تحتاج إلى وسيط محتل للتعمير، كلجوء الصهاينة إلى الاستعمار البريطاني. فمن الممكن جدا تحقيق الحلم في اقصر زمن، شريطة وجود قادة يتحلون بالإرادة والعزيمة اللازمين لذلك (37).

ولا ريب أن الهدف الذي توخاه، من وراء إعطاء أمثلة بالوحدتين الايطالية والألمانية من جهة، و بالحركة الصهيونية من جهة أخرى، هو دعوة العرب لأخذ العبرة واستخلاص الدروس منها. فقد كانت ايطاليا بمقتضى مؤتمر فيينا 1815م مقسمة إلى سبعة دول(*)، خاضعة للنفوذ الأجنبي وغارقة في جو من الفساد والرشوة وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية. والأمر ذاته ينطبق على ألمانيا، التي كانت غداة الثورة الفرنسية 1789م، مقسمة إلى أربعمائة ولاية تقريبا. ورغم ذلك استطاعتا تخطي كل العقبات، وتحقيق وحدتيهما القومية على مراحل (38).    

أما بالنسبة للحركة الصهيونية الحديثة، فقد تمكنت من إقامة كيانها القومي في الأرض الفلسطينية عام 1948م، و بالتالي من لم شتات اليهود في مختلف أنحاء العالم، و خاصة يهود أوروبا الشرقية، معتمدة في تبرير احتلالها لفلسطين على ادعاءات تاريخية، وضعت خططها الصهيونية القديمة، عندما قامت بتحريف التوراة، ورسمت حدودا موهومة للدولة العبرية تمتد من الفرات إلى النيل. موظفة الانتداب البريطاني، الذي سلمهم إياها بعد انتهائه (39).

ولا يرى الإبراهيمي في الملوك والأمراء العرب و قادة الرأي فيهم، رغم تعدد واختلاف مشاربهم و أهوائهم، إلا أنهم أمناء على مجد العروبة، وأنه عليهم تقع مسؤولية إعادته، خاصة وإن وسائل تحقيق ذلك متوفرة  وميسرة لهم، لا تتعدى طرح الأنانية جانبا، لا يحاسبون على أسباب الإضاعة لأنها متقادمة  فهم ليسوا مسؤولين عنها، وإنما المطلوب منهم إعادة ما ضاع من ذلك المجد، ولا يشكل تعددهم عائقا أمام هذا الهدف، إذا ما اتحدوا في الوجهة والعمل، واشتركت أيدي الجميع في عملية البناء على منهاج صحيح، فليتعددوا أشخاصا، وليتحدوا على النحو الذي يؤدي إلى الإيفاء بحق الدين و حق العروبة، و يعيد المجد الذي أضاعوه، والحق الذي نهب منهم (40).

ولهذا وجدناه يسارع إلى إرسال برقية من القاهرة، يهنئ فيها جمال عبد الناصر (1918م– 1970م) رئيس جمهورية مصر العربية و شكري القوتلي (1891م– 1967م) رئيس الجمهورية السورية، بمناسبة الإعلان عن قيام الجمهورية العربية المتحدة في فيري 1958 م جاء فيها : ((إن وحدة العرب هي الأصل والقاعدة وما سواهما شذوذ وانحراف… فباسم الإسلام وباسم العروبة أهنئكم بنجاح مساعيكم الصادقة في الخطوة الأولى بتوحيد العرب، من اثر التفرق والاختلاف، وسيكون لحاق المتخلفين بها عملا صالحا كله، فيا بشرى للسابقين )) (41). وختم كلامه بتقديم مجموعة من النصائح، والتوجيهات للحكام والقادة العرب، وتتمثل في ضرورة استئصال النقائص المتاصلة في النفوس، والسعي لجمع الصفوف المتفرقة، وإسكات الأصوات الداعية إلى التفريق، قمع الشهوات الجامحة ومحو الألقاب المهينة، وتقوية العزائم المتراخية (42).

على ضوء ذلك، نستنتج إن دور القادة والحكام العرب في انجاز الوحدة العربية، يعد أساسيا في اعتقاد الشيخ البشير الإبراهيمي، شريطة إن يكونوا على درجة كبيرة من الوعي بالمسؤولية، والتحلي بالصدق في التعامل مع المصالح العليا والقضايا المصيرية للأمة. كل ذلك ممكن، بالرغم الخلافات العميقة والصراعات المستشرية بينهم.

خـاتـمـة :

خلاصة القول أن التصورات والأفكار التي اقترحها الشيخ البشير الإبراهيمي، لتجسيد مشروع حلم الوحدة العربية في ارض الواقع، تبدو لنا عملية وممكنة، تتطلب فقط الجدية و المثابرة، والاقتناع بان قوة العرب في وحدتهم، وليس في انقسامهم إلى وطنيات صغيرة متنازعة فيما بينها. وقد تأكد للجميع إن الاستمرار في ذلك الوضع غير السليم، خطأ استراتيجي كبير، ينبغي تداركه بالوحدة العربية الشاملة.

فالتاريخ شهيد على العرب إما لهم و إما عليهم، ومن المحزن انه شهيد عليهم بالتخاذل و التفكك، والركون إلى الكلام و الأعمال غير المجدية، وهو الذي لا يسجل إلا الأعمال العظيمة على حد تعبير الإبراهيمي (43).

وقد لمسنا إيلاءه أهمية كبيرة للوحدة الثقافية، من خلال استفاضته في الحديث عن ضرورة تعريب، كل أوجه الحياة في المجتمع العربي، بدءا بالألسنة وانتهاء بمقتنيات البيوت. ربما لأنه ممن يعتقدون بان معظم القضايا والإشكالات في الوطن العربي، مصدرها ثقافي بالدرجة الأولى، خاصة وإن الثقافة شكلت إحدى الأدوات المثلى، لمنع أي تكتل عربي من قبل الاستعمار الغربي.  

 

 المراجــع :

– (1) البشير الإبراهيمي : في قلب المعركة (1954 م – 1964 م) ، تجمع وتصدير أبو القاسم سعدا لله، ط 1، شركة دار الأمة للطباعة و الترجمة والنشر والتوزيع، الجزائر، 1995 م، ص. ص 89 – 90.

– (*) راس الوادي : هي حاليا دائرة إدارية، تابعة لولاية برج بوعريريج.  

– (**) الأدارسة : نسبة إلى إدريس بن عبدا لله، و يعرف بإدريس الأول، مؤسس سلالة بني إدريس في المغرب رحل من مكة إلى مصر، ثم إلى المغرب، حيث بايعت له بالملك قبائل البربر، فتح تلمسان. قتل مسموما سنة 791 م، بأمر من هارون الرشيد على ما يقال. المنجد في اللغة والإعلام.

– (2) ينظر الإبراهيمي، المصدر نفسه ، ص. ص 205 – 207.

– (3) المصدر نفسه، ص 90.

– (4) البشير الإبراهيمي : أثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج 5 (1954 م م) ، جمع و تقديم احمد طالب الإبراهيمي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1997 م، ص، 289. 

– (5) ينظر بشير فايد: الشيخ البشير الإبراهيمي و دوره في القضية الوطنية الجزائرية 1920م– 1965م، مذكرة ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر غير منشورة، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية و العلوم الاجتماعية، جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر، 2001 م، ص 43 و ما بعدها.

– (6) الإبراهيمي : الآثار، ج 4، ص 343.

– (*) نادي الترقي : عبارة عن مركز افتتح سنة 1927 م، بساحة بطحاء الحكومة، من طرف مجموعة من أعيان و أغنياء مدينة الجزائر، بغرض بحث ومناقشة أوضاع المجتمع الجزائري، بين من كان يرتاده من علماء ومفكرين، عن طريق المحاضرات و الندوات.

– (7) أبو القاسم سعد الله : أفكار جامحة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص97.

– (8) ينظر الإبراهيمي : الآثار، ج 1، ص. ص 250 – 292.

– (9) ينظر الإبراهيمي : في قلب المعركة ، ص 224.

– (10) الإبراهيمي : الآثار، ج 3، ص، 379.

– (11) ينظر بشير فايد، المرجع السابق، ص 117 و ما بعدها.

– (12) ينظر المرجع نفسه، ص 154 وما بعدها. 

– (13) الإبراهيمي : الآثار، ج 4 ، ص. ص 374 – 375.

– (14) السيد يسن : الوعي القومي المحاصر (أزمة الثقافة السياسية العربية المعاصرة) ، مركز الدارسات السياسية العربية بالأهرام، القاهرة، ص. ص 90 – 91.

– (15) سعدون حمادي : مشروع الوحدة العربية ما العمل ؟، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006 م، ص. ص 75 – 115.

– (16) الإبراهيمي : الآثار، ج 4 ، ص. ص 242 – 243.

– (17) المصدر نفسه، ج 3، ص 493.

– (18) المصدر نفسه، ج 4، ص 377. 

– (19) أبو خلدون ساطع الحصري : العروبة أولا، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، 1985 م ، ص 89.

– (20) أبو الحسن علي الندوي : الصراع الفكري بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، 2006، ص. ص 81 – 82.

– (21) الإبراهيمي : الآثار، ج 5، ص 276.  

– (22) الإبراهيمي، المصدر نفسه، ص 266.

– (23) و منهم الدكتور “محمد عابد الجابري” ، الذي لا ينفي أهمية اللغـة والتاريخ كمقومين أساسيين من مقومات الوحدة العربية ، لكنه يعتبر حصرهما في قالبين صوريين مجردين، إفقار لمفهوم الأمة . ينظر محمد عابد الجابري : المشروع النهضوي العربي مراجعة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2 ، بيروت ، 2006 م ، ص 97 و ما بعدها.

– (24) أنور الجندي : الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، الدار القومية للطباعة و النشر، القاهرة، 1965 م، ص 166 و ما بعدها.

– (25) الإبراهيمي: الآثار، ج 5، ص 267.

– (26) المصدر نفسه، ص. ص 294 – 295.

– (27) المصدر نفسه، ص 267.

– (28) الجابري، المرجع السابق ، ص ص 97 – 98.

– (29) محمد دراجي: جمال الدين الأفغاني الأسس الفكرية لمشروعه الحضاري، ط 1، دار غبريني للطباعة النشر والتوزيع، 2005 م، ص 112.

– (30) مقدمة الهادي الحسني. الإبراهيمي : الآثار، ج 5، ص 26.

– (31) المصدر نفسه، ص 210.

– (32) عبد الله شريط : تاريخ الثقافة في المشرق و المغرب، ط، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983 م ، ص 26.

– ( 33) الإبراهيمي : الآثار، ج 5 ، ص 213.

– (34) المصدر نفسه، ص 211.

– (35) عبد الله شريط، المرجع السابق، ص 26.        

– (*) الالزاس و اللورين : خسرتهما فرنسا خلال حرب 1870 م – 1871 م مع بروسيا ، التي احتفظت بمها بموجب معاهدة فرانكفورت 10 ماي 1871. انظر عبد العزيز سليمان نوار: التاريخ الحديث أوروبا من الثورة الفرنسية حتى الحرب البروسية الفرنسية 1789 م–1871 م، ط 1، دار الفكر العربي، 2002م، ص 379 و ما بعدها.

– (36) الإبراهيمي : الآثار ، ج 2 ، ص 471.

– (37) المصدر نفسه ، ج 5 ، ص 211.

– (*) منها : مملكة نابولي وتشمل صقلية و عدد سكانها 7،5 مليون نسمة، بدمونت وتشمل سردينيا وعدد سكانها 4 ملايين نسمة، لمبارديا وعدد سكانها25،4 مليون نسمة، الولايات البابوية و عدد سكانها 3،5 مليون نسمـة … الخ. شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق : تاريخ أوروبا من النهضة حتى الحرب الباردة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2004 م، ص 181.

– (38) ينظر شوقي الجمل، عبد الله عبد الرازق ، المرجع نفسه، ص 181 وما بعدها.

– (39) للاطلاع على المراحل التي مرت بها الحركة الصهيونية، ينظر سهيل حسين الفتلاوي : جذور الحركة الصهيونية، دار وائل للطباعة و النشر، عمان، الأردن ، 2002 م.

– (40) الإبراهيمي : الآثار، ج 4 ، ص. ص 242 – 243 .

– (41) المصدر نفسه، ج 5، ص 45.

– (42) المصدر نفسه، 211.  

– (43) المصدر نفسه، ج 4، ص ص 375 – 376 .

 

آخر التغريدات: