الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي مجدّد الحركة العلميّة بالعاصمة التّاريخيّة تلمسان

الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي مجدّد الحركة العلميّة بالعاصمة التّاريخيّة تلمسان

إن أسوأ مرحلة عاشها الجزائريون عبر تاريخهم المديد هي مرحلة العدوان الفرنسي على وطنهم حيث أفسدوا البلاد واستعبدوا العباد، حتى سمَّاهم الرحالة الألماني مَالْتْسان “الفندال الُمـحْدَثون” وأورد في رحلته ما قاله له أحد المفسدين الفرنسيين وهو بيرْبْروجَر، وهو “يبدو أن في الجزائر قانونا يقضي بأن يختفي كل ما هو جميل بأسرع ما يمكن”(1).

 لقد كان الذين احتلوا الجزائر قبل الفرنسيين (الرومان – الوندال – البيزنطيون) يستهدفون ثروات الجزائر وخيراتها؛ وأما الفرنسيون فقد كانوا – لنذالتهم وصليبيتهم – يستهدفون روح الشعب الجزائري، ودينه، ولغته، وقيمه قبل استهدافهم خيراته وثرواته، وذلك ما أشار إليه الإمام ابن باديس في خطابه بنادي الترقي أمام الحاضرين قائلاحوربت فيكم العربية حتى ظن أن قد مات منكم عرقها، ومسخ نطقها، وحورب فيكم الإسلام حتى ظن أن طمست أمامكم معالمه، وانتزعت منكم عقائده ومكارمه.. وحورب فيكم العلم حتى ظن أن قد رضيتم بالجهالة، وأخلدتم للنذالة، ونسيتم كل علم إلا ما يُرْشَحَ به لكم، أو ما يمزج بما هو أضر من الجهل عليكم.. وحوربت فيكم الفضيلة فسِمتم الخسف، ودُيِّثتم بالصغار حتى ظن أن قد زالت منكم المروءة والنجدة، وفارقتكم العزة والكرامة..”.

وبعد مرور قرن على حلول الكارثة الفرنسية بأرضنا عَزَمَ الخِيَرَة من الجزائريين الذين حُمّلوا أمانة العلم فحملوها، “وفقهوا الدين و الدنيا بفقه القرآن، وعرفوا السَّنن الأقوم بمعرفة سنّة محمد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، عزموا أن يعملوا على تغيير ما بأنفس الجزائريين لكي يغيّر الله ما بهم، فتنادوا إلى تأسيس جمعية تكون وسيلتهم لهذا التغيير، وهاديتهم إليه، فكانتجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تكن كأحد من الجمعيات، ولم يكن مؤسسوها كأحد من العلماء.. حيث أطلقوا تلك الصيحة التي أخذت الغاصبين والخائنين وهي “الإسلام ديننا”، ولن نستبدل الفادي بالهادي، والعربية لغتناولن ينحرف حرف الضاد في لَهَوَاتِنا، والجزائر وطنناولن نبغي عنها حولا، ولا بها بدلا ولو تبرّجت لنا المَوَاطن في حُلَلِها، وتطامنت لنا الجبال بقُللها.

وزّعت الجمعية قادتها على مناطق البلاد، فتولى ابن باديس الإشراف على الناحية الشرقية من قسنطينة، وعُهد للطيب العقبي بالناحية الوسطى من مدينة الجزائر، وتولى الإمام إبراهيم بيوض الإشراف على منطقة ميزاب، واختير الإمام الإبراهيمي للجانب الغربي مع الإقامة في مدينة تلمسان، لا في مدينة وهران، عاصمة الناحية الغربية.

لقد روعي في اختيار تلمسان مقرا لإقامة الإمام الإبراهيمي ثلاثة أمور هي:

· قيمة مدينة تلمسان التاريخية، حيث وصفها ابن باديس بـعاصمتنا التاريخية“.

· وجود إحدى المدارس العربية الثلاث فيها، وهذه المدارس كانت مراكز استشراقية، فكان لابد من وجود شخصية علمية كبيرة تواجه أفكار المستشرقين الهدامة، وتفضح نواياهم الخبيثة، وتكشف أغراضهم الدنيئة..

· تنفيذ مَوْعِدَةٍ وعدها الإمام ابن باديس مصلحي تلمسان في 1932، ورغِبوا في بقائه عندهم، حيثوعدهم بأن يرسل إليهم رجلا عالما وهو الشيخ الإبراهيميالذي وصفه بأنه “فخر علماء الجزائر، وأنهالكاتب النابغ، والمحاضر العبقري، والداهية الهادي، محيي تلمسان“(2).

لم يكن الإمام ابن باديس مجاملا لأخيه الإبراهيمي عندما وصفه بـ “منقذ تلمسان”، خاصة بعدما رأى الناس بأعينهم، ولمسوا بأيديهم مجهودات الإبراهيمي المادية والمعنوية في تلمسان وفي الغرب الجزائري عموما …

لقد تجسد إحياء الإبراهيمي تلمسان في الميادين الآتية:

أولا: الميدان الديني:

لقد جاءت الطرقية المنحرفة في الجزائر وفي غيرها شيئا إِدّا، حيث أفسدت عقيدة المسلمين بما أدخلته فيها من بدع وخرافات لم يأت بها نقل صحيح، ولم يقبلها عقل صريح. وما إن استقر الإمام الابراهيمي في تلمسان وبدأ يرسل على تلك البدع صواعق الحق في روائع البيان حتى انجذب إليه أكثر الناس، وأصبحت كلمة السنة والبدعة على كل لسان”، وبُهِتَ المبتدعون، فاستنصروا بكبير أوليائهم، وهو الوالي العام الفرنسي، حيث كتبوا له عريضة في 26 ماي 1933 طلبوا منه فيها أن يخرج الابراهيمي من تلمسان ويرده إلى بلاده سطيف(3)، ولكن الله – ذو القوة المتين – نصر عبده، وأبطل ا لمكر السيء، وصار كثير من “أصحاب الطرق والزوايا يحضرون دروسه”(4).

ثانيا: الميدان العلمي:

أ: من حيث الكم: لقد شهد الأستاذ أحمد بري، وهو أحد تلاميذ الإبراهيمي في تلمسان، أنه كان يدرسهم ثلاثة عشر درسا في كل يوم في شتى العلوم، ويضاف إليها ما كان يلقيه من المحاضرات في النوادي، (السعادة ـ الشبيبة الإسلامية ـ الرجاء ـ الشباب الإصلاحي) »فعرفت أندية وكتاتيب المدينة نشاطا حثيثا جسّده الإقبال الكبير على تعلم اللغة العربية ودروس ممثل جمعية العلماء، التي فتحت للصغار وللكبار وللرجال وللنساء«.(5).

ب: من حيث الكيف: لقد انبهر الناس بمستوى دروس الإبراهيمي، فقد خاطبه الإمام ابن باديس بعدما سمع أحد دروسه: “إن هذا الدرس وحده كاف لإحياء أمة مستعدة… ولوددت لو أن المسلمين كلهم يسمعون مثل هذه الدروس“. وقد شهد الدكتور عبد المجيد مزيان على المستوى العلمي الرفيع لتلك الدروس فقال: “ونشهد كما عرفناه ـ ونحن تلامذته ـ أنه كان من أعلم أهل عصره بالعلوم الإسلامية، كان إماما لا نظير له في علوم الحديث، وكان مفسرا للقرآن في دروس عمومية ودروس للطلاب أتى فيها بإبداعات، وسعة نظر، يتطرق إلى فلسفة التاريخ، وعلم الاجتماع، والأخلاق، وكان أستاذا في اللغة والآداب العربية يجمع بين الأصيل والجديد”. و”قد تم بتلمسان شرح صحيح مسلم، وسنن الترمذي قبل أن يؤسس دار الحديث“(6)

لقد صدق الإمام ابن باديس الذي لم يبخس حق الإمام الإبراهيمي واعتبرهمجدد الحركة العلمية بعاصمتنا التاريخية تلمسان“(7).

ثالثا: الميدان الاجتماعي:

لم يكن الجزائريون بدعا من المسلمين، فقد نبذوا أمر الله وحكمه باعتبارهم إخوة، فنزع الشيطان بينهم، وكانت تلمسان تكابد الشنآن بين أبنائها، ويزيده تأجّجا ذلك الشيطان الإنسي المتجسد في العدو الفرنسي الذي “أذكر تلك الأحقاد، إلا أن الله قيّض للتلمسانيين شخصية فذة تتمثل في محمد البشير الإبراهيمي، فهو الذي ألف بين العنصرين الحضر والكراغلة فصاروا إخوة متكاتفين(8) وهذا ما جعل الفرنسيين يعضون عليه الأنامل من الغيظ، “لأنه عمل على تحقيق الهدف الوطني… في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية، مما جعلهم يخشون ـ كما جاء في أحد تقاريرهم ـ أن “يكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسحلة”(9).

عرس وعروس:

فأما العرس فهو ذلك النشاط العلمي الذي وقع في تلمسان يومي 27 – 28 سبتمبر 1937، الذي وصفه الإمام ابن باديس بأنه “عرس علمي، وأما العروسفهي ـ بتعبير ابن باديس ـ “تلك المدرسة العظيمة” ـ دار الحديث ـ “مفخرة” التلمسانيين، وأما صاحب المكرمة في ذلك كله فهو الإمام الإبراهيمي، الذي خاطب الحاضرين ـ وفيهم سماعون لفرنسا ـ فقال: “لا بد من يوم يأتي نحتل فيه مساجدنا، ونتمتع بحريتنا التامة، فاستعدوا لهذا اليوم“(10). وما أجمل ما قاله شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة، إشادة بأعمال الإبراهيمي في تلمسان، ومنها تشييد “مدرسة الحديث”، ومن ذلك القول:

لقد بعث “البشير” لها بشيرا

وفي “دار الحديث” له صوان

به عرض “البشير” فنونَ علم

فيا “دار الحديث” عِمِي نهارا

ويا “دار الحديث” عليك تُلقى

بمجد كالركاز بها يثار

بديع الصنع مصقول منار

وآداب ليجلوها الصغار

وعمرك كله أبدا نهار

مُهِمّات لنا ومُنًى كبار

وصدق من قال: “لقد كانت تلمسان في حاجة إلى فارس مدرب، وإلى قائد مجرب، فكان الإمام الإبراهيمي الذي أحياها وأخرج شطأها”. والسؤال: ما هو حظ الإمام الإبراهيمي في تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية؟ والجواب هو: إنه الحظ الأوكس، وجزاؤه هو الجزاء الأبخس، لأن من رفعتهم ظروف معينة ليسوا على شيء من العلم يعرفون به قدر الإبراهيمي، وليسوا على شيء من الخلق يعترفون به بفضل الإبراهيمي.

 

الهوامش :

1. ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا، ج1، ص 29.

2. جريدة البصائر 28 أكتوبر 1938.

3. محمد قورصو: الطرقيون يتصدون للإصلاح.. ضمن كتاب: دور الزوايا إبان المقاومة. وزارة المجاهدين.. ج2. ص 222.

4. مرزوق، وابن عامر: سيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان. ص 80.

5. محمد قورصو…ج2. ص 220.

6. مرزوق، ابن عامر: ص 83.

7. مجلة الشهاب. أوت 1938.

8. محمد الطمار تلمسان عبر العصور ص 262.

9. سعد الله: الإبراهيمي في تلمسان. مجلة الثقافة ع 101 ص 104.

10. مجلة الشهاب. أكتوبر 1937


آخر التغريدات: