هل كان الأمير عبد القادر حداثيا؟

هل كان الأمير عبد القادر حداثيا؟

يتجاذب دارسو الأمير عبد القادر الآراء حول موقفه من الحضارة الغربية سواء عند مقاومته للفرنسيين، أو عند استقباله لكبار الزوار في المشرق وأوروبا، أو عند تأليفه الكتب وتحريره الرسائل: فمن الدارسين من وصفه بالمحافظ والزاهد وحتى المتصوف في جميع مراحل حياته. ولهم في ذلك حجج من آثاره المختلفة. ومنهم من وضعه على رأس “المصلحين” في القرن التاسع عشر، أي أولئك القادة الذين تأثروا وحاولوا إدخال الحضارة الغربية إلى بلدانهم الإسلامية المتخلفة

 ونحن ربما لن نأتي بجديد حين نتناول هذا الموضوع، ولكننا نريد أن نعيد قراءة بعض أقوال وأعمال ومواقف الأمير وآراء بعض من ترجموا له، ثم نستنتج منها ما بدا لنا أنه أقرب إلى الحقيقة: فهل كان الأمير فعلا محافظا أو كان فعلا حداثيا؟

إن تراثه كرجل محافظ غني لا يحتاج ربما إلى برهان وبيان لأن بيئته ونشأته ودراسته كلها تقريبا تصب في هذا الاتجاه. وأما تراثه الحداثي فقد تناوله عدد من الباحثين نذكر منهم: الدكتور وارنييه Warnier Dr. الذي تولى قنصلية فرنسا في مدينة معسكر أثناء هدنة معاهدة التافنة، والباحث أدريان بيربروجير Berbrugger A. مؤسس مكتبة الجزائر العمومية الذي ترأس الوفد الفرنسي إلى معسكر الأمير في الونوغة، والمترجم الاسكندر بالمر ==== A. Palmer الذي رافق الأمير أثناء جولته بباريس بعد إطلاق سراحه من سجن أمبواز

وفي العصر الحاضر يمكن أن نعد من هؤلاء رفائيل دنزيغر مؤلف كتاب عبد القادر والجزائريون، وألان كريستلو في بعض بحوثه. والغريب في هذا الصدد أن ليون روش الذي كان ربما أقرب من هؤلاء جميعا إلى شخص وفكر الأمير لم يتناول –حسب علمنا- قضية الحداثة عند الأمير1.

أوليات
نشأ الأمير في بيئة محافظة بقرية القيطنة وزاوية العائلة قرب مدينة معسكر. وكانت مدينة معسكر إلى وقت قريب من ميلاد الأمير عاصمة الإقليم الغربي قبل أن تصبح وهران هي عاصمته. وكان أحد أجداد الأمير قد أنشأ في القيطنة فرعا للطريقة القادرية التي كان مقرها الرئيسي في بغداد، وهي الطريقة والتي كانت روحيا وسياسيا تدعم السلطة العثمانية في المشرق والمغرب.

وحين غزا الفرنسيون الجزائر وسقطت السلطة العثمانية كان محي الدين، والد الأمير، هو مقدم الطريقة القادرية التي أحست، باعتبارها سلطة روحية، بعبء المسؤولية، فقامت تجمع بين الدين والسياسة أو التصوف والحرب (الجهاد). والواقع أنه كان في الإقليم الغربي عدد من الطرق الصوفية الأخرى المستقوية بالسلطة المغربية (الدرقاوية، الطيبية، والتيجانية…) ولكنها لم تتصد للجهاد المنظم كما تصدت له القادرية.
في هذه البيئة نشأ الأمير متأثرا بتقاليد أسرته ومحيطه السياسي والديني. فلم تشق القادرية عصا الطاعة على النظام العثماني يوم شقتها ضده بعض الطرق الأخرى (التيجانية، الدرقاوية…) ولكنها مع ذلك، لم تسلم من الشك في ولائها المطلق للسلطة العثمانية.

درس الأمير العلم في القيطنة ووهران، وحج إلى بيت الله الحرام، وزار مع والده عواصم الشرق الإسلامي العلمية والدينية والصوفية (وهي مكة والمدينة والقاهرة وبغداد ودمشق)، ولقي العلماء في مراكز العلم كالأزهر والحرمين الشريفين والجامع الأموي والزاوية القادرية. ولم يرجع من الشرق إلا بعد أن ملأ وطابه بعلوم الفقه والكلام والحديث والتصوف والأدب والتاريخ، مما عمق فكره ووسع رؤيته في وحدة العالم الإسلامي. وتثبت آثاره المكتوبة وسلوكه السياسي والثقافي والقضائي تأثره بالخلفاء الراشدين وكبار القادة المسلمين، سواء أثناء المقاومة أو بعدها.

كانت وهران إلى سنة 1792 محتلة من اسبانيا، وكان حكامها يتعاملون مع بعض التجار الجزائريين الذين كان بعضهم على معرفة بالعادات واللغة الاسبانية. ورغم الاختلاف الذي صنعه الدين والسياسة والتاريخ فقد كان هناك تبادل منافع بين الطرفين. حقيقة أن المؤرخين لم يحدثونا عن مدى بقاء التأثير الاسباني في وهران بعد تحريرها، غير أننا نتصور أن العادات الاسبانية لم تنقطع من هناك لفترة طويلة، وأن مؤثرات التعليم والصحة والعمران والاقتصاد لم تختف باختفاء الحكم الأسباني وحلول الحكم الإسلامي في وهران، ومن ثمة فإن الشاب عبد القادر عندما ذهب إلى هذه المدينة دارسا لم يكن غريبا عن المؤثرات الأجنبية كما لم يكن غريبا عن مؤثرات الزوايا والمساجد.

الأمير محافظا

كانت المرحلة الأولى من كفاح الأمير مقتصرة على الحرب والجهاد ضد الفرنسيين تحت شعار: الدفاع عن الإسلام والوطن والشرف… فلم يقل أو يفعل شيئا لصالح الحضارة الغربية، ولم يرسل بعثة طلابية إلى بلاد أوروبية كما فعل محمد علي والي مصر. لقد كان على الأمير أن يظهر التمسك بتعاليم الدين الإسلامي أمام قومه حتى لا يفقد ثقتهم ويضيع هدفه معهم ويصبح في نظرهم “كافرا” تجب مقاومته. وقد فضل أن يتعامل في عين المكان مع بعض خبراء السلاح من الأوروبيين على أن يرسل بعثة من الشباب الجزائري ليتعلموا صناعة السلاح بأنفسهم.

والمتتبع لسيرة الأمير يلاحظ أنه كان يعيش عيشة إسلامية محافظة سواء أثناء كفاحه أو سجنه أو مقامه في الشرق. فقد رفض عرض الإقامة عليه في فرنسا بإغراءات سخية مقابل نسيان التعهد الذي التزم له به الفرنسيون، وأصر على نيل حريته والتوجه إلى بيئة شرقية عرفها وعرفته من قبل وهي الإسكندرية أو عكا حيث يستطيع أن يمارس شعائره الإسلامية في بلاد عربية اللسان- مصر أو سوريا. وفي سجنه بفرنسا كان ملتزما بإقامة الشعائر الدينية بكل تفاصيلها مع تطبيقها على أولاده وأهله، كما كان ملتزما بتدريسهم الفقه والتوحيد والسيرة النبوية، حتى أن مطران مدينة بوردو كان في وعظه لقومه، يتخذه مثالا، لأنه كان يقيم الأذان ويؤدي الصلوات جماعة، بالإضافة إلى تدريسه العلم وقراءة صحيح البخاري. وعندما حدث نقاش بين الطلبة حول تفضيل الحاضرة أو البادية انتصر الأمير للبادية في قصيدة له مشهورة.

بقي الأمير وفيا للإسلام وقيمه الحضارية حتى بعد انتقاله إلى الشرق، بل إنه ازداد تعمقا في الدراسات الإسلامية: فجلس للتدريس في الجامع الأموي حيث ختم صحيح البخاري، وأدى فريضة الحج مع المجاورة مرة أخرى، وأحاط به علماء الشام الذين عبروا له عن إعجابهم ببطولته وجهاده في سبيل دينه، وتشبع من أخبار الصوفية وحياة الزهاد، وأخذ الطريقة النقشبندية من شيخها خالد النقشبندي، وألف- على ما يقال- كتابا في التصوف(المواقف)، ونظم الشعر الرمزي المفعم بالأسرار الروحانية، وأظهر تأثره بابن العربي الذي اتخذه وليا ونصيرا، وألف كتاب المقراض الحاد الذي رد فيه على الملحدين والمشككين في مسايرة الإسلام لروح العصر، وأعلن في أجوبته عن أسئلة الضابط يوجين دوماس حول المرأة العربية المسلمة رأيا ملتزما بالمبادئ الشرعية حول حقوق المرأة ومكانتها في المجتمع الإسلامي.
وفي الونوغة زاره الباحث أدريان بيربروجر ذات مرة على رأس وفد هام ضم ستة أعضاء آخرين، فيهم الدبلوماسي والفنان والمحامي والطبيب والتاجر. كان ذلك نهاية سنة 1838. وقد لاحظ بيربروجير روح التدين الطاغية على الأمير، وأخبر أن الفرنسيين يظنون أنه سيكون لهم بمثابة محمد علي في مصر، ولكنهم واهمون في ظنهم، لأن الأمير قد تكفل بإزالة هذا الوهم بنفسه.

كان الأمير يظهر للفرنسيين اعتزازه بدينه وقوميته، وكان يتفنن في الاستشهاد بمواقف السلف والرجوع إلى الكتاب والسنة فيما لم يعرفه أو تردد فيه من أحكام شرعية طارئة بسبب الحرب، ومن ثمة جاءت استشارته لعلماء المغرب ومصر في القضايا الشرعية الحساسة. حقيقة أنه كان يظهر التسامح في المعاملة مع الأسرى الأوروبيين، وكان يراسل أسقف الجزائر ويستقبل مبعوثيه، وقد عين قنصله لدى الفرنسيين رجلا مسيحيا (وهو غرافيني) قنصل أمريكا في الجزائر، ووسط عناصر يهودية ليترجموا ويفاوضوا باسمه مع الفرنسيين. وحين اشترط عليه هؤلاء الاعتراف بالسيادة الفرنسية على بلاده رفضها شرعا وقبلها-كما قيل- واقعا، وبصفة مؤقتة، ربما باعتبارها ضرورة غير مريحة له. ومع ذلك لم يعلن ذلك صراحة فيما خط من معاهدات، لأنه كان يعرف أنه لو اعترف بها صراحة لانفض أنصاره من حوله وكفروه. ويذهب بيربروجر إلى أن الأمير قد اختار “بعض حضارتنا” وهو فقط الجانب الخاص بالأمور العسكرية2.
أتيحت للأمير فرصة المشاهدة ومقارنة الآثار الحضارية ومعايشة الأحداث بينما كان في السجن أو خارجه فعبر عن انطباعه بما فهم منه أنه إعجاب بالحضارة الغربية، في حين لم نفهم نحن من كلامه سوى المجاملة وإطلاق بعض العبارات والأمثال التي لا تدل صراحة على الإعجاب أو الرغبة في نقل المعرفة لو كان في سدة الحكم.

وعندما أعلنت الجمهورية في فرنسا(سنة 1848) أرسل يهنئ قادتها بقوله: إنه قرأ في الكتب أن النظام الجمهوري أكثر عدلا بين الناس وأنه يقضي على أسباب الظلم ومنع القوي من الاستبداد بالضعيف.. وفي رسالة بعثها إلى الأسقف دوبوش عبر فيها عن حقيقته وهو خارج السلطة: ” لعلك اكتشفت أنني لم أولد لكي أكون محاربا، وإنما القدر هو الذي ساقني إلى ذلك”3.

ومن جهة أخرى فإن الأمير لم ينشئ وسيلة إعلامية في بلاده رغم اعترافه بأهمية الإعلام وإنما فضل أن يتلقى الأخبار الصحفية عن العالم الذي حوله من كاتبه الفرنسي (ليون روش)، على أن ينشئ هو جريدة أو يؤسس مطبعة. وعن طريق روش وأمثاله اطلع الأمير على الميثاق الدستوري الفرنسي وعرف النظام السياسي للدولة التي كان يحاربها وتحاربه ولكنه لم يحاول تطبيق مثل ذلك في بلاده.

الأمير حداثيا

ومع ذلك فإن هناك من الباحثين من يرى أن الأمير قد دشن عهد الحداثة في الجزائر. فقد ذهب (دنزيغر) إلى أن الأمير قد تتلمذ بوهران على شيخ بارز من أرزيو، يدعى محمد بن الطاهر، وهو شيخ كان- في رأي دنزيغر- منفتحا على عالم البحر الأبيض المتوسط، ومن ثمة ظل يتعامل مع الأوروبيين حتى بعد انطلاق  المقاومة ضد الاحتلال مما جعله يتعرض لعقوبة الإعدام.

وربما يرى بعض الدارسين أن هناك تناقضا في مواقف الأمير من الحضارة الغربية: فهو مثلا كان يأسر الجنود الفرنسيين من جهة ثم يعاملهم معاملة إنسانية مفعمة بالرحمة من جهة أخرى. وقد صرح أثناء أسره في فرنسا أنه كان يعتقد أن الفرنسيين لا دين لهم، ثم اكتشف من خلال رجال الدين عندهم أن لهم دينهم وله دينه.

ثم إنه كان يتراسل ويتعامل مع الأسقف (دوبوش) الذي كان يعمل بدون هوادة على استعادة مكانة الكنيسة الكاثوليكية الإفريقية في الجزائر ومزاحمة المسلمين في دينهم ومعابدهم وديارهم. وكان دوبوش يفاوض الأمير أثناء المقاومة على إطلاق سراح الجنود الفرنسيين بعلم أو بدون علم السلطات العسكرية. وقد ذكر ابنه الأمير محمد في تحفة الزائر أن والده كان “يستشير أسقف الجزائر في أمور حياته” وأنه بادر عند إطلاق سراحه من سجنه إلى طلب زيارة دوبوش في منزله، كما قال إن دوبوش نفسه كان يحامي عنه عندما كان سجينا4.

ولم تكن تجربة الأمير مع الأفكار الأوروبية مقتصرة على آثارها في وهران ومعسكر أو السماع عنها من الرحالة والحجاج، بل إنه رافق والده في حجته سنة 1828، أي غداة بدء الحصار الفرنسي على الجزائر. وفي المشرق شاهد الشاب عبد القادر بنفسه بعض آثار هذه الحضارة في مصر وسمع عنها من أهل الحجاز والشام. وربما كان ما سمعه أخبارا مضخمة ولكنها كانت أخبارا تعكس اهتمام المسلمين في تلك المرحلة.

لقد كان بعض الكتاب والخطباء والرحالة في الإقليم الغربي يتحدثون في نفس الفترة، عن حدوث الثورة الفرنسية وبعض ما جاءت به من تحولات. فقد كتب أحمد بن سحنون في الثغر الجماني عن ثورة الفرنسيين ضد نظامهم القديم والتخلص من ملكهم وعن استعمالهم العنف الدموي في حربهم الأهلية. وروى بوراس الناصري ما جنته الحملة الفرنسية على مصر والآثار السيئة التي تركتها وراءها بعد رحيلها مذمومة مدحورة. كما روى بعض أخبار محمد علي في مصر وتعاونه مع الفرنسيين تحديدا. وهكذا فإن الإقليم الغربي أثناء شباب الأمير لم يكن بمعزل عن الأفكار الأوروبية.

وفي مصر نزل الشاب عبد القادر ووالده محيي الدين في مدينة الإسكندرية التي كانت قد بدأت تعكس إصلاحات محمد علي الذي أراد أن يجعل منها ميناء رئيسيا مفتوحا على أوروبا. وقد قيل إن الأمير طالما قص فيما بعد، على الضباط الفرنسيين إعجابه بإصلاحات محمد علي. وعليه فإن الأمير قد حاول استنساخ نموذج محمد علي في سياسته الإصلاحية5.

ومن مصر ركب الأمير ووالده إلى جدة في سفينة فرنسية اسمها (نوتردام دي كونسيسيون)، وهي سفينة كان ربانها رجلا فرنسيا يدعى (جوفا  Jovas) وهو الرجل الذي نوه به الأمير أمام الوفد الفرنسي الذي زاره في الونوغة. وقد رأى بعضهم أن ذلك التنويه يدل على إعجاب الأمير بهذا الرجل ” الفرنسي“.
وعندما وقع الأمير هدنة مع الفرنسيين اشترط فيها شراء معدات فرنسية عسكرية لجيشه. فالبند الأول من معاهدة ديميشيل نص على حرية شراء المواد الحربية مثل الأسلحة والبارود والكبريت6. كما أن البند السابع من معاهدة التافنة اشترط الأمير فيه حرية شراء البارود والكبريت والأسلحة التي يحتاجها من فرنسا7. وخلال فترة الهدنة تعاقد الأمير مع عدد من المهندسين والفنيين الأوروبيين (فرنسيين وغيرهم) لإقامة بعض المصانع لإنتاج السلاح الذي يحتاجه.

وأثناء المعاهدة الأخيرة هرب إليه (في الظاهر) ليون روش، فصدقه في زعمه أنه اعتنق الإسلام طواعية، واتخذه كاتبا خاصا يقوم له بأمور منها: الاشتراك في بعض الصحف الفرنسية وإطلاعه على التوجهات السياسية الفرنسية وعلى الأخبار التي تهمه في أوروبا ويترجم له الوثائق الصادرة والواردة. وكانت فرنسا عندئذ تعيش عصر لويس فيليب أو (مملكة يوليو) التي قبلت بالحكم الدستوري بعد ثورة دامية سنة 1830. ولا شك أن الأمير كان يعرف عن هذه التطورات وانعكاساتها على حركة المقاومة.
وفي فترة الهدنة أيضا أعاد الأمير تنظيم جيشه، بإشراف خبراء أوروبيين، وسماه “الجيش المحمدي”، وهو نفس العنوان الذي اختاره السلطان العثماني محمود الثاني لجيشه الجديد بعد تخلصه من الانكشارية سنة 1826. فأنشأ الأمير جيشا نظاميا مواليا مباشرة له، وهو الجيش الذي يتطوع أفراده للخدمة العسكرية ويتدربون بصرامة ويحصلون على رواتب قارة حسب تصنيفات دقيقة. ويرى بعض الكتاب أن هذا الإجراء الذي اتخذه الأمير كان بدافع تحديث جيشه على الطريقة الأوروبية.

وإضافة إلى الجيش النظامي أسس الأمير نظاما إداريا جديدا لا عهد للبلاد به، وهو ما اعتبره البعض (دنزيغر) تقليدا للنظام الإداري الأوروبي. فقد قسم الأقاليم الخاضعة له إلى وحدات إدارية على رأس كل منها خليفة، وتحت كل خليفة آغا، وتحت كل آغا قايدا، وتحت كل قايد شيخا. وكل مسؤول من هؤلاء له صلاحياته في القضاء والحرب والسلم والجباية والتعليم والتعامل مع الرعية. وكانت الأوامر تصدر من الأمير إلى الخليفة، فالآغا، فالقايد، فالشيخ. وهكذا أصبحت الجزائر في وقت هدنة التافنة مقسمة إلى ثماني مقاطعات أو ولايات هي: تلمسان، مليانة، معسكر، المدية، سطيف (مجانة). الزيبان (بسكرة)، جبال زواوة (برج حمزة)، الصحراء (الأغواط).

وما نلاحظه أنه كان مطلعا على اهتمامات الأوروبيين العلمية. فقد طلب منه أحد أعضاء الوفد الذي زاره في الونوغة رخصة للتوجه نحو الجنوب لكي يجمع بعض الأعشاب والأشجار والحيوانات لغرض البحث والدراسة، ولكن الأمير ضحك من طلبه وقال مخاطبا أعضاء الوفد: إن الأوروبيين أناس حمقى، فهم يتحملون المعاناة الشديدة للحصول على فائدة ضئيلة. ولكنه وعد طالب الرخصة بتلبية رغبته في وقت لاحق8.
وقد روى (بالمر) مرافقه في باريس أن الأمير كان يتنقل بين المآدب والمنتزهات والصناعات الغريبة9 وأنه كتب إلى أسقف باريس يشكره على خدمة الراهبات له ولأسرته أثناء وجودهم في السجن. وعندما زار الأمير ضريح نابليون الأول قال إنه وإن اختفى شخصه فإن ذكره سيظل ماثلا جيلا بعد جيل. وعبر عن إعجابه بمعمل المدفعية وما ينتجه من أسلحة غير معروفة له. وعندما زار المطبعة الرسمية وطبع أمامه التعهد الذي كتبه لنابليون الثالث بعدم حمل السلاح ثانية ضد فرنسا، أبدى إعجابه بالمطبعة وقال كلاما يدل على تقديره لدور الفكر والإعلام في تثبيت الحكم أو تقويضه، وهو قوله:بالأمس رأيت اصطناع المدفع الذي تهدم به الحصون والقلاع، واليوم رأيت الحروف التي تقلب بها أسرة الملك وتخرب دولهم وهم لا يشعرون”10. وقال عن المطبعة أيضا: بالأمس زرت بطاريات الحرب واليوم أزور بطاريات الفكر11

وقد رأى وشارك في انتخاب نابليون الثالث إمبراطورا، وهو ما يزال سجينا في أمبواز. وكذلك زار الأوبرا مع نابليون وشاهد التمثيل والغناء. وزار كنيسة المادلين وكنيسة نوتردام وتأمل في الأشكال الدينية والفنية التي تحويها. ولم تفته زيارة متحف الأنفليد وقصر سان كلو، وكلها معالم حضارية يفتخر بها الفرنسيون.
بقى أن نشير إلى أن بعض التطورات حدثت في المشرق بعد حلوله به أخرجته من عزلته إلى مسرح الأحداث والأضواء، ومنها: حادثة الشام سنة 1860 التي قادته إلى التدخل لفض الفتنة  والدفاع عن نصارى البلد، مما جعل جمهور المسلمين يتهمونه بموالاة الغرب المسيحي، وقليل منهم فقط  فسر تدخله بأنه استجابة للروح الإسلامية المتسامحة.

ومهما كان الأمر فإن موقفه الذي ربما لم يكن بعيدا عن الضغط الفرنسي قد جعله في قلب الأحداث مجددا بعد أن كاد نجمه يأفل إثر تسليمه حصانه إلى الدوق دومال. لذلك تهاطلت عليه الأوسمة والدروع ورسائل الشكر من عظماء وملوك أوروبا وأمريكا، ومن الجمعيات الخيرية والإنسانية الأوروبية والأمريكية، بما فيها رسالة من المحفل الماسوني.

فهل نفهم من هذا أن الأمير فعل ما فعل تحت تأثير الحضارة الغربية – وهي حضارة يعرف أنها عدوانية لا خلاق لها، أو أنه كان تحت تأثير التعاليم الإسلامية التي تأمر بحماية أهل الذمة وحفظ حقوقهم في العيش في كنف المجتمع الإسلامي.

وقد كانت له صلات ودية وعلمية مع عدد من العلماء ورجال الفكر والدين والسياسة الغربيين، خصوصا بعد خروجه من الجزائر. فقد زار فرنسا عدة مرات في عهد نابليون الثالث. وثبت أيضا أنه زار العاصمة البريطانية، وطلب الإذن لزيارة روسيا من أجل قضية الشيخ شامل الداغستاني ولكن الإذن لم يمنح له، وكان يتراسل باستمرار مع نابليون الثالث، وليون روش L. Roche ويوجين دوماس E. Dumas ، والأسقف ديبوشDupuch ، والعقيد شارل هنري تشرشل واللورد لندنديري، بالإضافة إلى عدد من المستشرقين
كما حضر الاحتفال بفتح قناة السويس بدعوة من صديقه فردينان دي ليسيبسF. de Lesseps   ، مهندس القناة. وكان من بين الشخصيات الأوروبية التي حضرت الافتتاح: الإمبراطورة يوجيني زوجة نابليون الثالث التي قيل إنها كانت معجبة بالأمير كثيرا. كما كان ضيفا على الخديوي إسماعيل الذي اشتهر في عصره بتقليد أوروبا وعمل على أن تكون مصر في زمنه نموذجا للحداثة في المشرق.

الخاتمة

إننا نكاد نستشف رأي الأمير الحقيقي في الحداثة من تعليقه على كتاب (أقوم المسالك) لخير الدين باشا التونسي المطبوع سنة 1867. فقد بدا الأمير في تعليقه على الكتاب واقفا إلى جانب التيار المحافظ وليس مع التيار الحداثي. ذلك أنهنأأن قد امتدح خير الدين بأنه دافع عن الإسلام بدل أن يمدحه بالدعوة إلى التجديد، وبأنه دعا إلى تقليد أوروبا فقط فيما ليس له علاقة بالشريعة الإسلامية. يقول الأمير في رسالة بعث بها إلى مؤلف أقوم المسالك:فلله درك ودر ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف ولا بعدت، ثم إنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته، وذلك بما قررتموه من أن الشريعة المطهرة لائقة بكل زمان، صالحة للحكم بها في كل أوان”12.

وقد كان أصدقاء الأمير والمعجبون به من علماء الشام على شاكلته في هذا المجال أيضا. فكلهم تقريبا كانوا ينتمون إلى المدرسة المحافظة (مثل الخاني، والحمزاوي، والبيطار…) فإذا أضفنا ذلك إلى رصيده الصوفي وتعاليمه الإسلامية الأولى في القيطنة وفي المشرق عرفنا بوضوح المدرسة التي كان ينتمي إليها.
وفي ضوء ذلك نميل إلى أن الأمير لم يستفد من حضارة الغرب إلا في مجال التسلح الذي كان في حاجة إليه لتحقيق هدفه من المقاومة، وهو إخراج الفرنسيين من الجزائر(بيربروجر)، لذلك قرروا قصم ظهره، قبل أن يتقوى عليهم ويطردهم من البلاد.

أما تعاليقه على الإنجازات الحضارية الفرنسية أثناء جولته الباريسية بعد إطلاق سراحه فكانت في نظرنا، للمجاملة أكثر منها تعبيرا عن الشعور بالرغبة في التقليد أو الشعور بالنقص إزاء اختراعات الفرنسيين. فمسألة التأثر بالحضارة الغربية عنده تكاد تكون أسطورة نسجتها أوهام بعض الكتاب أكثر منها برنامجا سطره ليدخل به المجتمع الجزائري–لو تحقق- إلى عصر الحداثة والتنوير.


هوامش
1- أنظر رفائيل دنزيغر: عبد القادر والجزائريون، ص 65 هامش 29، وليون روش: اثنتان وثلاثون سنة في الإسلام، في جزئين.
2- أدريان بيربروجير، مع الأمير عبد القادر في الونوغة، ص 87.
3- شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، ص 254 
 4
[1]نفسه، ص 258.
5- محمد بن عبد الأمير عبد القادر، تحفة الزائر، ج2.
6- دنزيغر، ص 56.
7- دنزيغر، ص 246.
8- [1] نفسه، ص 251.
9- بيربروجير، ص 110.
10- محمد بن الأمير عبد القادر
11- نفسه.
12- [1]تشرشل، ص 271.
أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج5، ص 541

آخر التغريدات: