محمد البشير الإبراهيمي .. رائد التحرير المزودج: الأوطان والعقول

محمد البشير الإبراهيمي .. رائد التحرير المزودج: الأوطان والعقول

ولد محمد البشير الإبراهيمي في بادية تابعة لولاية سطيف سنة 1889. ونشأ في بيت علم وأدب أعانه على تحصيل علوم العربية والدين، فحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وحفظ في هذه السن من لغة العرب وشعر العرب الشيء الكثير. هاجر أبوه إلى المدينة المنورة سنة 1908 هجرة دينية سببها ضغط الاستعمار، ولحق به سنة 1911 فأتم دراسة الحديث والتفسير بالحرم المدني على أمثل من أدركهم من علمائها.

وفي أثناء سنة 1916 خرج إلى دمشق في من خرج من أهل المدينة بسبب حصار الشريف حسين لها فأقام فيها إلى أواخر سنة 1919. وفي أول سنة 1920 رجع إلى الجزائر، رغم إلحاح الملك فيصل على بقائه بالشرق ورجوعه إلى المدينة المنورة لتولي إدارة المعارف بها. ولدى عودته وجد النهضة التعليمية قد بدأت أصولها على يد الإمام عبد الحميد بن باديس فاتصلا على التفكير والعمل لخير الإسلام في الجزائر إلى أن جاءت سنة 1931 ـ وهي السنة الموالية للاحتفال بمائة سنة للاستعمار الفرنسي ـ وفيها تأسست جمعية العلماء الجزائريين تأسيسا رسميا وشرعت في أعمالها الأولية وهي محاربة الآفات الاجتماعية، وإيقاظ همم المسلمين وتنبيه شعورهم وتذكر أمجادهم بعدما أنساهم الاستعمار بكيده كل ذلك.

أزعجت حركة جمعية العلماء المسلمين الدولة الفرنسية إزعاجا ظهر أثره في استصدار قرار يمنع العلماء من التدريس بالمساجد لأنهم مشوشون. وهو القرار الذي دفع الإبراهيمي إلى دخول مرحلة جديدة من حياته النضالية هي مرحلة النضال ضد المستعمر; حيث رفض رفضا مطلقا فكرة الاندماج وغيرها من مقاصد الاستعمار. وقد كلفه ذلك النفي، تارة، والسجن، تارة أخرى. خرج البشير الإبراهيمي من الجزائر سنة 1952 في رحلة إلى الدول الإسلامية للتعريف بجمعية العلماء وأعمالها والتعريف بالجزائر والشمال الأفريقي كله، والاتصال المباشر بعلماء الدين. وخلال رحلته تلك اندلعت الثورة الجزائرية فقام يدعو من خلال مقالاته الجزائريين إلى الالتحاق بالثورة، واعتبر ذلك جهادا مقدسا. توفي البشير الإبراهيمي في شهر مايو (ايار) 1965 بعد استقلال الجزائر. وقد أودع السجن قبل وفاته بسبب اختلافه مع القيادات السياسية حول نظام الحكم.

كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من كبار المصلحين الذين عملوا على حماية العروبة والإسلام في الجزائر في وسط الظلمات. وتتضح عظمة الأعمال التي قام بها، خصوصا عندما كان رئيسا لجمعية العلماء المسلمين، في تشييد عشرات المدارس لاستيعاب مئات الآلاف من الأطفال المشردين، وعشرات المساجد لإقامة الشعائر الإسلامية، وعدة معاهد لتخريج المعلمين. أما الغاية الجليلة التي كان يرمي إليها وكان يعتبرها ميدان جهاده فكانت تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظره قسمان: تحرير العقول والأرواح وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين والدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية والأوطان من الاحتلال متعذرا. ولذلك بدأ الإبراهيمي بتنوير العقول وتحرير الأرواح تمهيدا للتحرير النهائي، فوضع رفقة زملائه في جمعية العلماء المسلمين برنامجا محكما لوعظ الشعب وإرشاده بالدروس والمحاضرات حتى أصبح الشعب صافي الفكر، مستقل العقل، مشرق الروح.

وقف الشيخ البشير الإبراهيمي من أهم الموضوعات موقف المرشد الناصح والمصلح المعالج. وكان يرى أن موضوعات: الرجل والمرأة والشاب والطفل هي أصل الموضوعات كلها، وعليها يتوقف كل شيء، وعلى إصلاحها يتوقف كل إصلاح لأن الشباب من النساء والرجال هم، في كل أمة، الدم الجديد الضامن لحياتها واستمرار وجودها، وهم الورثة الحافظون لمآثرها، وهم الحاملون لخصائصها إلى من بعدهم من الأجيال.

هذا ورغم الاهتمامات القومية ومسؤوليات الشيخ الإبراهيمي في الحركة الإصلاحية فإن ذلك لم يمنعه عن الإنتاج الفكري المكتوب. وآثار الإبراهيمي كثيرة ولكن لم ينشر منها إلا ما جمع من الصحف. وقد جمعت آثاره في عملين هامين هما «عيون البصائر» و«آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي».


* أكاديمي جزائري من جامعة منتوري بقسنطينة بالجزائر

عن جريدة الشرق الأوسط العدد : 9476 – 7 نوفمبر 2004.

 

آخر التغريدات: