وقفة مع العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

وقفة مع العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

في ربوعنا المغاربية العربية المسلمة وقفات وعبر مع الأحداث والشخصيات العلميّة الفذّة التي أثرت في مسار حياتنا الفكرية والعلمية والاجتماعية بشكل جلي و ثابت. ومن أبرز هؤلاء علَمُ الجزائر المجاهدة وريث ابن باديس على رأس هيئة جمعية علماء الجزائر (2) شيخنا الإمام محمد البشير الإبراهيمي قدّس الله روحه.

 ولعله من تداعي المعاني ومحامد الصدف أن تتاح لنا الفرصة لأداء بعض الواجب إلى أعلامنا من خلال توضيح وتأكيد على عمق الأواصر التي شدّت هؤلاء الأعلام بعضهم ببعض أيام ظلمات الاستعمار وهجمته الشرسة على حضارتنا ومقوماتنا العربية الإسلامية.

واني أشكر “لقاءتنا المغاربية” الفتية اهتمامها بهؤلاء الأفذاذ حيث بثت لنا ملفا ممتازا قدمه الأستاذ الحبيب شيبوب من خلال “شخصيات وأحداث” وذلك في سهرة الاثنين 26 شوال ـ 21 ماي 1990 ـ1410.

ولقد أحاط هذا الملف بجوانب هامة وخفية لحياة رجل عصامي جاهد في حقل العلم ونشر المكارم والمعارف متحولا عبر رحلة ثرية بالتطلع والإفادة والاستفادة إلى مواطن الوحي ومنابع المعرفة انطلاقا من أشرف البقاع مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرورا خاصة بمصر وتونس وغيرها من معاقل الإسلام.

والذي دعاني للإسهام في الذكرى عبر “مجلة المغرب” الغرّاء، إن الملف وان أحاط بالعديد من الجوانب الهامة. فانه اهمل امرا هاما وهو الصلة الوثقى التي شدّت أعلام الجزائر انطلاقا من الشيخ ابن باديس الذي درس ودرّس بالزيتونة وانتقل إلى الجزائر يحمل رسالة التواصل ونشر العلم من خلال هياكل وأعلام جمعية العلماء الذين عاضدوا سعيه. نذكر منهم خاصة : الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ومرورا بالأساتذة الأعلام: العربي التبسي، محمد خير الدين، أحمد توفيق المدني، أحمد حمّاني والأستاذ الجليل عبد الرحمان شيبان

وأعود للشيخ الإبراهيمي مؤكدا على الأواصر التي شدّته وربطته بالزيتونة وأعلامها الاجلاّء وعلى رأسهم شيخ الجماعة الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، فالشيخ العلامة محمد المختار ابن محمود والشيخ الشاذلي بلقاضي والشيخ محمد الفاضل ابن عاشور

وسأكتفي رغم غزارة المادة المتوفرة والمؤكدة على مدى عمق هذه الروابط بالنقاط التالية:

 –أن مسيرة جمعية العلماء الجزائريين وإن تعثرت في بعض الفترات لفترة استمرت سبعة أعوام. فلقد تمكنت من عقد اجتماع عام بعاصمة الجزائر وبنزل الماجستيك” صبيحة الأحد 22 شعبان 1365هج ـ21 جويلية 1946. وهو لقاء رهيب دعت إليه وفودا من البلاد الإسلامية: سورية، مصر، المغرب وتونس والتي مثّل علماءها فضيلة الشيخ محمد المختار ابن محمود بصفته ممثلا لجامع الزيتونة الأعظم ورئيسا لتحرير المجلة الزيتونية. 

وقد تمّ في هذا اللقاء الإسلامي انتخاب المجلس الإداري لجمعية العلماء وعلى رأسهم : الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والمشائخ: العربي التبسي، محمد خير الدين، العباس بن الشيخ حسين، أحمد رضا حوحو، محمد الشبوكي

ـ ولقد ألقى فضيلة الشيخ محمد المختار ابن محمود محاضرة رهيبة مثلت منعرجا حاسما في مسار هذا اللقاء ركزها خاصة على دعوته للعزّة والصمود وتوحيد الكلمة: وانطلق فيها قائلا:

 

                                                                                    بسم الله الرحمان الرحيم

                                                          وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأسعد الكريم

 

                                                                                       حضرة الرئيس الجليل

                                                                                       حضرات العلماء الاجلّة

                                                                            أيها الشعب الجزائري العربي المسلم.

 

إليكم تحيّة مباركة طيبة من علماء جامع الزيتونة الأعظم أدام الله عمرانه. ومن شيخه الأستاذ الأكبر الجليل. ومن الشعب التونسي سدّد الله له الخطا وحال بينه وبين مزالق الخطا.

يحملها إليكم رجل أسعدته الأقدار فاقتحم مشاق الأسفار لينال شرف الاجتماع بقوم حمّلوا الأمانة فتحمّلوها. وشاهدوا غمرات الموت ثم دخلوها. ولاقوا في سبيل الله الشدائد والأهوال… يحملها إليكم رجل تعلّق حبكم بسويداء قلبه واستولى على مشاعره ولبّه. يعلق عليكم من واسع الآمال ما يرجو أن يتحقق بفضل الله على أكمل الأحوال

وهي كلمات تعبر عن مدى الضعف والمذلّة والاستكانة ووصفنا بالعلو ولكنّه قيّد ذلك بالإيمان فقال:ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ثم أطنب في الحديث عن مميزات الأمة وأفرادها مؤكدا على: تقوى الله والتمسك بالإسلام، والاعتصام بحبله، وقيام العلماء بالوعظ والإرشاد.

خاتما محاضرته بقوله: ومثلهم من يكون عند الظنّ وزيادة حتى يرجع الإسلام شبابه ويبلغ مراده

وكان لهذه الكلمة أثرها الكبير في النفوس أشارت إليها وإلى حضوره الصحافة الجزائرية التي نذكر منها:

La répèche Algerienne –

Alger Républicain  –

بتاريخ جويلية 24/ 21

ـ والى جانب هذه الأواصر الناطقة بالعلاقة الممتازة بالشيخ الابراهيمي ولجمعية العلماء . نشير إلى أشراف نخبة من أعلام الزيتونة سنويا على الامتحانات الختامية لتلاميذ جمعية العلماء ومدارسها وفروعها.

أما الجانب الآخر لهذه العلاقة فهو احتفاء أعلام الزيتونة بالشيخ الإبراهيمي في آخر رحلة له لتونس قبيل استقلال الجزائر وبالتحديد في شهر نوفمبر 1961 ـجمادى الثانية 1381 : حيث أقيمت على شرفه مواكب كبرى : بالقصر العامر للإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بالمرسى. وبمقر إقامة كل من العلمين الآفلين محمد الشاذلي بلقاضي ومحمد المختار ابن محمود. حضرتها شخصيات علمية وعدد من قادتي ثورتي الجزائر و تونس.

ـ وفي خاتمة هذه الجولة العابرة أشير إلى جانب آخر وهو جانب الرسائل المتبادلة بين أعلامنا وعلم الجزائر والتي كانت قمّة في الروعة و صدق العلاقة ونقاء الود.

أشير إلى واحدة منها وجهها الشيخ الإبراهيمي لأخلص أصدقائه الشيخ محمد المختار ابن محمود نقتطف منها فقرة معبرة عن رقة العتاب ونبل المشاعر وهي مؤرخة في افريل 1962 ..

أنا في حيرة وفي عجب إذ لم يصلني منكم خبر منذ افتراقنا في تونس مع أني كتبت لكم مرّات نسيت عددها لكثرتها ولطول الأمد عليها أنها مناسبة مباركة أدّينا فيها بعضا من الواجب لاعلام يفقدهم فقدنا في واقع الأمر ثروة فكرية وعلمية نادرة. عزّ مثيلها الآن. وعسى أن تستفيد الأجيال بذخائر علمهم ورجاحة عقولهم ونمطهم الفكري الفريد حقا

رحم الله أعلامنا وجازاهم عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء ولله درّ شاعر الجزائر الفحل وعلمها البارز الشيخ محمد العيد آل خليفة حين سجّل مكانة ابن باديس والإبراهيمي قائلا خاصة:

وكان صديقا لابن               باديس مخلصا

وصاحب شواره                 الذي   لا   يفنّد

وقام   جديرا                     بالرئاسة    بعده

قديرا عليها                      فضله ليس يجحد..

 

* مجلة المغرب العربي عدد 204 بتاريخ جوان 1990

 

 

آخر التغريدات: