الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال.. الإمام الـمصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نموذجا ( أ)

الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال.. الإمام الـمصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نموذجا ( أ)

عرفنا في هذه السلسلة الـمعنونة (الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال) التي خصصناها لمحطات هامة في تاريخ الشعب الجزائري،  نماذج متنوعة ومتكاملة للقيادة الرشيدة في الـميادين الجهادية والعلمية والسياسية والثقافية، الـمعبِّرة – بحق – عن تعلق الشعب الجزائري الأبيّ، بالديمقراطية، كما تسمّى في الاصطلاح السياسي العصري، أو النظام الشوري في التعبير الإسلامي الأصيل!

 نماذج شامخة للدفاع عن الديمقراطية

 ففي الحلقة الأولى من هذه السلسلة رأينا حرص رائد الـمقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري على احترام إرادة الأمة عند تولي الإمارة بعد أخذه البيعة تحت شجرة الدردارة القائمة حتى اليوم بولاية معسكر اقتداء ببيعة الرضوان، واتِّباعًا لنهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء قواعد الحكم في الإسلام.

ولـم يتخل الأمير الحكيم الشجاع عبد القادر عن مبدإ الشورى حتى في أحلك وأصعب لحظات الـمواجهة العسكرية غير الـمتوازنة مع جيش الاحتلال الفرنسي، الذي كان يتفوق في العدد والعُدَّةِ على جيش الـمقاومة، فقد استشار الأميرُ قادةَ جيشهِ في أمر توقيف الحرب، وتَمَّ ذلك بالفعل، وإن كانت الـمقاومة قد استمرت بعد ذلك بأشكال أخرى، واندلعت في مناطق أخرى من الوطن!

أما الحلقة الثانية فقد خصصناها لـموقف إمام النهضة الجزائرية الحديثة الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي نشر معالم الدستور الجزائري في مجلته “الشهاب”(1) مستهدفا توجيه الأمة إلى ضرورة اتخاذ الديمقراطية منهاجا للحكم عندما ينعم الله على الشعب الجزائري باسترجاع السيادة الوطنية

وقد أصَّلَ الإمامُ ابن باديس دعوتَهُ إلى الديمقراطية من خلال استنباطه موادَّ الدستور الديمقراطي الإسلامي من خطبة الخليفة الأول في الإسلام، أمير الـمؤمنين، أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، بعد مبايعته بالخلافة، وهي تعتبر النموذج الأمثل للديمقراطية الإسلامية.

الأمة صاحبة الحق في السلطة

ولـم تكن دعوة الإمام ابن باديس إلى اعتماد الديمقراطية نظاما للحكم الرشيد نابعة من تأثره بـمُوْضَةٍ سياسية، أو بسبب سيطرة الديمقراطية على أنظمة الحكم في أيامه، فقد نشر مقاله في “الشهابفي سنة 1938، وكانت هذه الحقبة التاريخية تكاد تتسم بصعود الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، فألـمانيا، القوة الرئيسية في القارة الأوروبية، كانت خاضعة للحكم النازي، بقيادة أدولف هتلر، وكانت إيطاليا، ترزح تحت حكم النظام الفاشي، بزعامة بينيتو موسوليني، بينما كان الاتحاد السوفياتي، يمجد النظام الشيوعي وديكتاتورية البروليتاريا، وتوجيهات جوزيف ستالين

وهي كلها أنظمة تعادي الديمقراطية وتحتقرها. ولكن الإمام ابن باديس كان يؤمن أن الأمة لا تحكم إلا بإرادتها، لأنها صاحبة السلطة الحقيقية، وهي تُفوِّضُها لـمن تشاء، وذلك هو نظام الحكم الإسلامي الأصيل.

أما الحلقة الثالثة فقد خصصناها لزعيم سياسي جزائري مشهور بقناعته الديمقراطية، هو الرئيس فرحات عباس، رئيس أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية، وأول رئيس للمجلس الوطني التأسيسي للجزائر الـمستقلة، والذي رفض مسايرة الحكومة في الاستحواذ على صلاحيات ممثلي الشعب من نواب المجلس الوطني التأسيسي لصياغة الدستور، فقدَّمَ استقالته حتى لا يغطي عملية مصادرة الديمقراطية في الجزائر، وتزوير إرادة الشعب!

أما الحلقة الرابعة لسلسلة (الجزائر مع الديمقراطية في الاحتلال والاستقلال) فنخصصها لـموقف أحد أعلام الجزائر الخالدين، وهو الإمام الـمصلح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، كنموذج مشرق للدفاع عن الديمقراطية، ومعارضة سلطة الحكم الفردي، ومحاولة فرض مذاهب أجنبية على الشعب الجزائري، تلك المذاهب التي تتصادم في كثير من الأحيان مع الأسس والقيم الـمستمدة من عمقه الحضاري الإسلامي!
وبهذا نكون قد قدمنا للقراء نموذجين للدفاع عن الديمقراطية والتمسك بها في زمن الاحتلال وعهد الـمقاومة العسكرية والثقافة والسياسة للمستعمر، وهما: الأمير عبد القادر الجزائري، والإمام عبد الحميد بن باديس، ونموذجين آخرين في عهد الاستقلال للدفاع عن حق الشعب في الحرية والديمقراطية، وهما: الرئيس فرحات عباس، والإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عليهم جميعا رحمة الله.

البيان التاريخي الحاسم

ففي 16 أفريل 1964 وبمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة إمام النهضة الشيخ عبد الحميد بن باديس، أصدر الشيخ الإبراهيمي بيانا لـم يسمح بنشره في الجزائر، ولكن وسائل الإعلام الأجنبية تلقفته باهتمام بالغ، نظرا للمكانة الوطنية والعربية والإسلامية والدولية لصاحب البيان، وقد جاء فيه:” كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر، ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه الـمنية مرتاح الضمير، إذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق، والنهوض باللغة العربية – ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله – إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن، ولذلك قررت أن التزم  الصمت.
غير أنني أشعر أمام خطورة الساعة، في هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – أنه يجب عليَّ أن أقطع ذلك الصمت، إن وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة، ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها، ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل، ولكن المسؤولين – في ما يبدو- لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية، وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم، يجب أن تنبعث من جذورنا العربية الإسلامية، لا من مذاهب أجنبية “.

قد آن للمسؤولين أن يضربوا الـمثل في النزاهة، وألا يقيموا وزنا إلا للتضحية والكفاءة، وأن تكون الـمصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم، وقد آن أن يرجع لكلمة الأخوة – التي ابْتُذِلَتْ – معناها الحق، وأن تعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد آن أن يحتشد أبناء الجزائر كي يُشَيِّدُوا جميعًا “مدينة” تسودها العدالة والحرية، “مدينة” تقوم على تقوى من الله ورضوان. (2)

مساعي لإصلاح ذات البين بين الرئيس ابن بله والإمام الإبراهيمي

وقد تزامن صدور بيان الإمام الإبراهيمي مع انعقاد المؤتمر الثالث لجبهة التحرير الوطني بقاعة سينما “إفريقيا” بالعاصمة، فغضب الرئيس أحمد بن بله، الذي كان رئيسا للجمهورية، ومسؤولا أعلى لجبهة التحرير الوطني، غضبا شديدا من الشيخ الإبراهيمي الذي كان يعتبر أعلى شخصية في الجزائر من الناحية الدينية والثقافية، يضاف إلى ذلك أن الجزائر كانت قد تعرضت في بداية 1964 إلى هزات بين النظام الحاكم وبعض التيارات السياسية الـمعارضة، السلمية منها والـمسلحة، وعرفت هزات أخرى بين أركان النظام نفسه: بين الجناح العسكري منه والجناح الـمدني، فأصبح شركاء الأمس أعداء اليوم، بسبب توتر العلاقات بين الرئيس بن بله وجماعته من جهة، ونائبه العقيد هواري بومدين وزير الدفاع الوطني وجماعته من ناحية أخرى.

ولذلك جاء رد الرئيس أحمد بن بله على بيان الشيخ الإبراهيمي عنيفا جدا، ومخالفا للحقيقة التاريخية؛ فقد صرح الرئيس أحمد بن بله في المؤتمر أنه عرض على الشيخ الإبراهيمي أن يعلن أن الثورة هي جهاد، ولكنه تقاعس عن ذلك! وقبل تَدَخُّلِ ابن بله قُرِئَتْ على المؤتمرين برقيةٌ جاءت من اتحادية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، تستنكر تصريح الإبراهيمي، وأعلن قارئ البرقية أن هناك برقيات استنكارية أخرى واردة من داخل التراب الوطني ستقرأ لا حقا في المؤتمر.

هالني الأمر، وانتابني القلق من الـمنحى الذي أخذت الأمور تسير فيه، وتعمد تصعيد التهجم على شخص الإمام الإبراهيمي، فسعيتُ مع صديقي محمد الصغير قارة، النائب في المجلس الوطني التأسيسي، الذي كان آخر منصب شغله هو مدير ثانوية بسطيف، قبل أن يحال على التقاعد، لزيارة الـمرحوم أحمد توفيق المدني، وزير الحبوس آنذاك، واقترحنا عليه أن يتدخل، ولكنه رفض لحراجة موقفه، باعتباره أمينا عاما لجمعية العلماء سابقا، ووزيرا في حكومة ابن بله آنذاك، بعد ذلك ذهبتُ إلى وزير الإرشاد القومي السيد الشريف بلقاسم المدعو الرائد جمال، فاعتذر بأن الأمور متوترة بين الجيش والرئاسة، ونصحني بالاتصال مباشرة  بالرئيس ابن بله.

طلبتُ من ثلاثة أصدقاء مقربين من الـمكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني هم: عبد الرحمن بن سعيد، والأشقر  العيد، وسويح الهواري، أن يحددوا لي موعدا مع الرئيس، ولكني – وبعد انتظار- لـم أتلق جوابا منهم، فقررتُ العملَ بنصيحة السيد الشريف بلقاسم، واتصلتُ مباشرة بالرئيس ابن بله، وقلت له:” يا حضرة الرئيس إني أربأُ بكم أن تعتمدوا في التنديد بالشيخ الإبراهيمي على روايات غير صحيحة
إن نُبَهَاءَ العرب والـمسلمين يعرفون حقيقة موقف الشيخ الإبراهيمي من الجهاد الجزائري، وهو مثبت في كتاب الشيخ الفضيل الورتلاني (الجزائر الثائرة) المطبوع في سنة 1956، والذي يضم البيانين الصادرين عن الشيخين الإبراهيمي والورتلاني في 3 نوفمبر وفي 15 نوفمبر 1954 اللذين يدعوان الشعب الجزائري إلى مساندة الثورة التحريرية، والتضحية بالنفس والنفيس من أجل الحرية والانعتاق “.
وكانت نتيجة الاتصال بالسيد الرئيس أحمد بن بله أنه أوقف تلاوة البرقيات التي كانت ستلقى على الـمؤتمرين، وتنشر على الشعب في الجرائد والإذاعة تنديدا بالشيخ الإبراهيمي!

لو لـم أنطق لشعرتُ أن صاعقةً تنزل عليَّ فتحرقني..!

بعدها اتصلتُ بالشيخ الـمرحوم البشير الإبراهيمي، فقال لي: في أي يوم نحن؟ فقلت له: نحن في 16 أفريل..فقال: كنا نقيم الدنيا ونقعدها في مثل هذا اليوم، أما البيان الذي أصدرتُهُ، فهو أقصى ما استطعتُ أن أفعلهُ، ولو لـم أنطقْ لشعرتُ أن صاعقةً تنزل عليَّ فتحرقني. فقلتُ له: ما جئتُ لأحاسبك يا شيخ، ولكني وددتُ لو أعلمتنا بمبادرتك لكنا اشتركنا في تقديم ما تهدف إليه في مطلب مشترك نوجهه إلى الحكومة..
وفي اليوم الرابع والأخير من أيام المؤتمر الثالث لجبهة التحرير الوطني جاءني الـمرحوم الشيخ طاهر حراث، محافظ جبهة التحرير الوطني بعنابة، والشيخ محمد الصغير قارة، النائب بالبرلمان، فرافقتهم إلى اجتماع انعقِدَ بقصر زيغود يوسف – مقر مجلس الأمة حاليا – وضم مجموعة من رجال جمعية العلماء الشيوخ والشباب، الذين يعملون في مختلف قطاعات الدولة والحزب، وكان الاجتماع تحت رئاسة الـمرحوم طاهر تيجيني، الأمين العام لوزارة الحبوس، وعُرِضَ علينا نص بيان، هو عبارة عن رد على تصريح الشيخ البشير الإبراهيمي، ليقرأ في المؤتمر بدعوى الحفاظ على التوجه الإسلامي، وعدم مخالفة توجهات جبهة التحرير، الـممثلة للثورة ونهجها الاشتراكي، لأن الصدام معها يؤدي إلى الخسران الأكيد!
وجدتُ أن البيان كان شديد اللهجة، ومخيبا للآمال تماما، ويكفي أنه يقول: إن التصريح الذي أصدره الشيخ البشير الإبراهيمي لا يمثل إلا نفسه، بل يصف بيان الشيخ الإبراهيمي بأنه مناورة تخريبية
زيارة تهدئ الخواطر ولا تنهي الـمشاكل…!

فانزعجتُ كثيرا من هذا البيان الـمقترح من رجال الجمعية للقراءة على المؤتمر، وأشعرتُهم أن الشعب لن يستجيب لـمثل هذا النداء، ولن تكون له أية مصداقية، لأن الشعب يعتبرنا جزءا من النظام، فنحن نحتل مناصب في جهاز الدولة، وطلبتُ منهم أن يوكِلُوا الأمرَ إلَيَّ لإتمام مساعي الصلح التي بدأتُها مع الرئيس ابن بله، وحظي طلبي بالقبول.

وقمتُ بزيارة الرئيس ابن بله، ولابد أن أنوه هنا بتواضعه الجمّ والكريم معي في هذا اللقاء وفي غيره من اللقاءات والـمناسبات

وبعد أن قدمتُ له التهاني بمناسبة عيد الأضحى الـمبارك، قلت له: إن حضرتكم تمثلون أعلى شخصية سياسية في البلاد، والشيخ البشير الإبراهيمي يمثل أعلى شخصية ثقافية، وأنا أقدر أن الكمال هو في تساند هاتين الشخصيتين لصالح الجزائر، لذلك اقترح عليكم أن تتفضلوا بزيارة الشيخ الإبراهيمي لتهنئوه بالعيد، وتطمئنوه على محافظتكم على أمانة الجزائر، الـمتمثلة في قيمها العربية والإسلامية، في إطار الحرية والعدالة والأخوة، فرحب بالفكرة، وقمنا بالفعل بزيارة سماحة الشيخ الإبراهيمي في منزله في “حيدرة“.

وللأمانة أذكر هنا أنني استشرتُ الـمرحومَ الشيخ الفاضل محمد خير الدين في هذا الـمسعى بسبب تقديري لحكمته، وسداد رأيه، فوافقني على ما قمتُ به.

وكان الشيخ الإبراهيمي – خلال تلك الزيارة- محاطًا بالشيخ العباس بن الشيخ الحسين، ممثله الشخصي في الحركة الإصلاحية، عميد مسجد باريس سابقا، وكذلك بولديْه الـمرحوم الحاج محمد، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية الأسبق، والأستاذ محمد خمار.

وهذه الزيارة هي التي أشار إليها السيد الرئيس أحمد بن بله في حصة (شاهد  على العصر) في قناة “الجزيرة” الفضائية، للرد على من اتهموه باضطهاد الشيخ الإبراهيمي وسجنه.

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن!

ولكن رغم الأثر النفسي الطيب لتلك الزيارة، وأهميتها البروتوكولية، إلا أن كل من الرئيس أحمد بن بله، والإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، قد ظلا متشبثين بموقفيهما، ومتمسكين بقناعتيهما، في كيفية تسيير البلاد، وبقي الخلاف قائما بينهما، مما أدى إلى سجن نَجْلَيْ الشيخ الإبراهيمي: محمد، وأحمد رغم تلك الزيارة، ولم يُفرجْ عنهما إلا قبيل التحاق الشيخ بربه!

وقد برهنت الجنازة التاريخية لسماحة الإمام الـمرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بكثافة الـمشاركة الشعبية الـمنقطعة النظير فيها، والحضور الرسمي الـمتميز للمسؤولين الجزائريين، على مدى تعلق الشعب الجزائري بعلمائه، وتقديره لـمرجعياته الدينية

يتبع 

 

الهوامش:
1
الشهاب ج11.م 13.ذي القعدة 1356هـ.جانفي 1938م.

 

2- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي. ج5. ص 137-139.

 

 

 

آخر التغريدات: