جمعية العلماء...الوضوح الفكري المطلوب!

جمعية العلماء…الوضوح الفكري المطلوب!

لا أحد ممن أتيح له أن يطلع على تاريخ الجزائر الحديث أن ينكر ما قامت به جمعية العلماء من دور طلائعي في الحفاظ على الهوية الحضارية للشعب الجزائري، من خلال التوعية والتثقيف، وبناء المساجد الحرة، وبعث النوادي، وتأسيس المدارس، ونشر الصحف والمجلات، فجاهد رجالها خير  جهاد في المجال الثقافي، والفكري،  والسياسي، والعسكري، وتحملوا في سبيل ذلك ما تنوء بحمله الجبال الراسيات، ولله در الدكتور محمد المبارك- رحمه الله- الذي كتب يقول بأن:( تاريخ الجزائر الحديث هو تاريخ جمعية العلماء) ولكن جمعية العلماء قبل هذا وبعده، هي مدرسة في فهم الإسلام. ومنهج في العمل للتمكين للدين في هذه الديار.

 فيا ترى كم واحد ممن ينتمون إلى جمعية العلماء اليوم يعلم بأن الجمعية تتميز عن كثير من الفصائل العاملة للإسلام اليوم في مشارق الأرض ومغاربها بأصول وضعها مؤسس الجمعية الشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله- وهذه الفصول عند الفحص والتدقيق نجدها تقدم إجابات حول الكثير من القضايا المفاهيمية، والمناهج الحركية، التي تجعل منها الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، والفصائل العاملة للإسلام دوائر تعطي بموجبها الولاء، وضوابط لمعرفة المخالف، وبالتالي الحكم له أو عليه.

وكم من شعبة كلفت نفسها في حلقات تكوينية، ولقاءات متتابعة، قراءة وشرح وتحليل الفصل القيم الذي كتبه الرئيس الثاني لجمعية العلماء، العلامة محمد البشير الإبراهيمي والمعنون بـ:( فلسفة جمعية العلماء)، وأنا أجزم بأن من لم يقرأ هذا الفصل، ولم يتفهمه، أنه لا علاقة فكرية أو روحية له بجمعية العلماء، وإن كانت له علاقة تنظيمية، بل وحتى مسئولية إدارية في هياكلها التنظيمية.
إن الجمعية يا قوم مدرسة في فهم الإسلام، ومنهج في العمل به وله، من أدرك هذا الأمر وعمل به كان “جمعويا” وإن لم يكن منخرطا تنظيميا، ومن لم يدركه أصلا أو أدركه ولكن عمل بخلافه، لحاجة في نفس يعقوب، لم يكن “جمعويا” وإن تبوأ في الجمعية أعلى المسؤوليات الإدارية، لأن الجمعية فكرة ومنهج قبل أن تكون إدارة، ومنصبا.

وإنما الذي دفعني إلى إثارة هذا الموضوع، والثرثرة فيه، أنني حضرت كثيرا بعض النقاشات العلمية، وكذا المداخلات الفكرية، لمن يتبوأون في الجمعية مناصب، ويتكلمون –رسميا- باسمها، يتبنون آراء، ويتخذون مواقف مناقضة لأصول الجمعية الفكرية والدعوية، ولسنا –علم الله- نحجر على الناس فكرهم، أو نحدد لهم مواقفهم، ولكن حرية الفكر شيء وإلباس هذا الفكر للجمعية شيء آخر، لقد استمعت إلى أحد هؤلاء وهو يتحدث عن مواقف الحركات الإسلامية الحديثة من دور المرأة في العمل الدعوي وما هو المجال المسموح لها أن تساهم فيه في التنمية، ولم يعرج إلى موقف جمعية العلماء وتجربتها الرائدة، فراجعته في المسألة فقال متبرما متضايقا – أليست الجمعية حركة سلفية؟ إن موقفها ونظرتها للموضوع يندرجان ضمن هذا الإطار، وهكذا قوّلها ما لم تقل!

وأخيرا أريد أن أهمس في أذن القائمين على الجمعية في عهدها الجديد –الذي نرجو أن يكون سعيدا ومديدا – أن يجعلوا من أولى اهتماماتهم تكريس هذا الوضوح الفكري، فإنهم إن فعلوا أراحوا واستراحوا، فيقدم من يتقدم للجمعية والعمل في أطرها وهو على بينة من أمره، ويترك من يترك شرف العمل فيها –غير مأسوف عليه – على بينة كذلك، لأن الجمعية كالمدينة المنورة -التي تبلورت فكرة إنشائها فيها- تنفي خبثها وصدق الله العظيم القائل:{ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}. كما تملكني العجب، وأخذت مني الدهشة كل مأخذ، حين طالعت كتابا –تجاوزا- زعم صاحبه فيه، أن منهج الجمعية في الإصلاح هو البعد عن السياسة كل البعد وعدم الاشتغال بها، بل ولا حتى التفكير فيها من قريب ولا من بعيد، ومراده هو ترويض الجمعية، وتدجين فكرها وإخراج الجمعية في ثوب غير ثوبها الذي نسجه الرواد المؤسسون، ومحاولة جعل الجمعية نقطة ارتكاز لمشروعه الفكري الدخيل الذي يروج له، ولكنه لا يجرؤ على التصريح به، فيتخذ من الجمعية ذات السمعة الطيبة، والقبول الحسني مطية لذلك، ولكن ما أجهله، إذ تمسك ببعض النصوص المجملة عن الإمام الإبراهيمي والتي قيلت في سياق آخر تماما، كموقف الشيخ من الحزبية، وتناسى النصوص المحكمة الصريحة كالخطاب التاريخي الذي ألقاه الإمام عبد الحميد بن باديس، أمام علماء الزيتونة الكرام، والذي جاء فيه:( إن حديثنا اليوم عن السياسة، وقد تعجبون من هذا الأمر، إذ ليس من عادة العلماء الخوض في السياسة ولكن أقول لكم إنه لا إصلاح ديني أو اجتماعي إلا بإصلاح سياسي، “ولا ينهض العلم والدين حق النهوض إلا إذا نهضت السياسة بجد” ).     

 

آخر التغريدات: