الشيخ محمد السعيد الزاهري في عالم الصحافة

الشيخ محمد السعيد الزاهري في عالم الصحافة

لا أترجم في هذا المقال لحياة الشيخ محمد السعيد الزاهري (1899-1956) فقد كتب عنها العديد من الباحثين ( أبو القاسم سعد الله، صالح الخرفي، محمد ناصر، عبد الملك مرتاض، سليمان الصيد، فوزي مصمودي…)، وإنما كان هاجسي هو الكشف عن جانب مهم في مسار هذا المصلح الفذ والذي يتمثل في تجربته الصحفية، ومغامراته في عالم الصحافة المليء بالمتاعب. فماذا قدم للصحافة الجزائرية؟ وما هي أهم إسهاماته في الصحافة الشرقية؟

 بصمات في الصحافة الجزائرية كتب الشيخ محمد السعيد الزاهري   (1899-1956)  في العديد من الصحف الجزائرية منها: المنتقد، الشهاب، النور، الأمة، الإصلاح، البصائر. كما اشترك مع الشيخ الطيب العقبي في رئاسة الجرائد الثلاث الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين: السنة، الشريعة، الصراط.

ولم يكتف الشيخ الزاهري بالكتابة في الصحف السابقة، بل خاض تجربة ثرية في عالم الصحافة وذلك بإصدار مجموعة من الصحف، وهي: الجزائر (1925)، البرق (1927)،الوفاق (1938)، المغرب العربي (1947). ولم يتفوّق عليه في هذا الشأن إلا الشيخ أبو اليقضان الذي أصدر وحده 8 صحف، وهي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.

لقد صدرت جريدة الجزائر في الجزائر العاصمة في عام 1925 ، غير أنها لم تعمر طويلا حيث لم يظهر منها إلا عددان أو ثلاثة. وقد سبق للأستاذ عمر راسم أن أصدر جريدة بنفس العنوان في عام 1908 لكنها سرعان ما تعرضت للتعطيل. وكانت جريدة الزاهري سياسية أدبية واجتماعية، رفعت شعارا جريئا وسابقا لغيره، وهو: «الجزائر للجزائريين». كما عبرت عن عزمها على «ترقية الأفكار وتحريرها ». ولعل هذه الجرأة النادرة أو هذه الهمة العالية هي التي حفزت جريدة المنتقد لابن باديس على الاستبشار بصدورها، والدعوة إلى مناصرتها. ولقد أراد الزاهري أن تكون جريدته صورة مطابقة للإقدام التي أسسها الأمير خالد في عام 1920، ثم عطلتها إدارة الاحتلال في مارس 1923.

كتب الشيخ الزاهري عن خيبة النخبة الجزائرية في مبادئ الثورة الفرنسية المتمثلة في حقوق الإنسان والمواطن من خلال نشر قصة الصديقين الرشيد وفرانسوا، فتحصل الثاني على كل الترقيات في الجيش حتى أصبح لواء، بينما بقي الرشيد الذي يملك نفس المستوى العلمي والقدرات والمهارات جنديا بسيطا. وعاش الرشيد حزينا على هذا التمييز العنصري، ومات شهيدا بعد حسرة ضحية للظلم وعدم المساواة.

وقد نالت هذه القصة رواجا كبيرا في الجزائر، وأسرع ابن باديس إلى تخصيص جائزة مقدارها اشتراك سنوي في المنتقد لمن يكتب أحسن قصيدة من 10 أبيات في رثاء الرشيد بطل هذه القصة. ونشرت المنتقد في هذا السياق ثلاث قصائد وليس قصيدة واحدة كما ورد في الكتاب النافع : « أدب المقاومة الوطنية في الجزائر » للدكتور عبد الملك مرتاض.

وأصدر الشيخ الزاهري ورحموني محمد عبد المجيد صحيفة جديدة في قسنطينة في 7 مارس 1927 واسمها البرق. وخلافا للعديد من الباحثين في تاريخ الصحافة الجزائرية الذين ذكروا أن هذه الجريدة لم يصدر منها إلا بضعة أعداد، أكد الباحث فوزي مصمودي في كتابه المفيد «تاريخ الصحافة والصحفيين… » أنه صدر منها 23 عدد، وهو يمتلك نسخة من هذا العدد الأخير الصادر في 15 أوت 1927 .

وكان الشيخ الزاهري يكتب هذه الجريدة بأسماء مستعارة: الراصد والرقيب وجساس وتأبط شرا… وشارك في تحريرها نخبة من العلماء الجزائريين وكان من بين هؤلاء: الطيب العقبي، مبارك الميلي، الأمين العمودي، المولود الحافظي…الخ.

واستطاع الشيخ الزاهري في مارس 1938 أن يصدر في مدينة وهران العدد الأول من صحيفته الثالثة: الوفاق. وأكد الدكتور محمد ناصر في كتابه النفيس: «الصحف العربية الجزائرية » أن هذه الجريدة كانت تمثل اللسان المعبر عن كتلة الجمعيات الإسلامية لعمالة وهران التي كان يترأسها الشيخ الزاهري في تلك الفترة. وقد رحبت بها جريدة الأمة لأبي يقضان، واستبشرت بها خيرا كثيرا حيث اعتبرتها دعما جديدا لنصرة العربية ونشر قيّم الإسلام السمحاء، وتمنت لها « مزيد التوفيق وتسديد الخطا »، وحثت الجزائريين على العناية بها والإقبال عليها.

وهاجم فيها الشيخ الزاهري بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد أن غادر صفوفها. ولم يسلم من انتقاداته كل من إبن باديس، محمد البشير الإبراهيمي، الطيب العقبي، مبارك الميلي، محمد خير الدين… وقد رد عليه هذا الأخير في جريدة البصائر ردا صريحا. وقد توقفت الوفاق خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن صدر منها سبعة وثلاثون عددا.

أما جريدته الرابعة المعنونة بـ«المغرب العربي » فقد صدرت في 13 جوان 1947 . وقد سبق للشيخ حمزة بوكوشة أن أسس جريدة تحمل نفس العنوان في عام 1937 بوهران لكنها لم تعمر طويلا لأسباب مالية وسياسية. وقد أسعفني الحظ واطلعت على أعداد كثيرة من هذه الجريدة التي كانت تعبر عن آراء حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي كان يرأسها مصالي الحاج، وتقدم باستمرار أخبارا عن نشاطاته المختلفة. ودخلت المغرب العربي في سجال مع البصائر، فانتقدت بشدة الشيخ الإبراهيمي والأستاذ الفضيل الورتلاني. ولم يتردد الشيخ الإبراهيمي في الرد عليها وتفنيد كل ادعاءاتها.

وقبل التطرق إلى إسهامات الزاهري في الصحف المشرقية، أشير إلى أنه أسس في عام 1936 جمعية «إخوان الأدب » لتفعيل النشاط الثقافي، وتشجيع المثقفين الجزائريين على الكتابة وإصدار الصحف أو دعم الصحف القائمة.

وقد تفاعل مع بيانه المنشور في الصحف الجزائرية عدد من المثقفين والمهتمين بالصحافة، وهم: مفدي زكريا، حمزة بوكوشة، بلقاسم بن أرواق.

ولكن لا يعلم عن مصير هذه الجمعية الأدبية، ويبدو أنها لم تتجسد على أرض الواقع أو توفّق في مهمتها فوقعت هي أيضا ضحية للظروف القاسية التي أنتجها الاستعمار فتكسرت على صخرتها الكثير من المشاريع الرائدة في الثقافة والأدب، ولم يسلم منها إلا أولو العزم من الرجال.بين أوراق الصحف الشرقية لم تستطع كل وسائل المراقبة الاستعمارية منع الشيخ الزاهري من الإطلاع على الصحافة الشرقية ومراسلتها والمساهمة في تحريرها. ولعله بدأ تجربته الصحفية في تونس وهو طالب يزاول دراسته بجامع الزيتونة. فقد نشر مقالا في «الوزير » عن الوحدة المغربية، وتساءل في «الزمن » هل البربر عرب؟ وقارن في «النهضة » بين أمة العلم وأمة الجهل.

ولقد ذكر الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه القيّم: «الثقافة العربية في الجزائر بين التأثير والتأثر » أن الشيخ محمد السعيد الزاهري كتب في 8 جرائد عربية، وهي: المقتطف (1876) والمقطم (1888) ليعقوب صروف وفارس نمر، المنار (1898) لمحمد رشيد رضا، الفتح (1926) لمحب الدين الخطيب، الجهاد (1931) لمحمد توفيق دياب، الرسالة (1933) لأحمد حسن الزيات، القلم الحديدي لجورجي حداد، السمير لإيليا أبي ماضي. وفي نظري، لم يشبهه في هذا الشأن إلا عمر بن قدور الجزائري وأبو يعلى الزواوي اللذان كتبا في عدة صحف مشرقية.

لقد ساهم الشيخ الزاهري في مجلة الرسالة التي كانت توزع في الجزائر، وتتهافت عليها قلوب المثقفين والطلبة، ويعتزون بقراءتها واقتنائها. وعلى عكس بعض العلماء الجزائريين الغاضبين عليها كمحمد البشير الإبراهيمي وفرحات الدراجي وعبد المجيد حيرش بسبب إهمالها للثقافة الجزائرية ورجالها، فإن الشيخ الزاهري فضل اقتحام الدائرة المغلقة لكتابها لينشر فيها بعض المقالات.

وقد اطلعت مؤخرا على الأعداد الكاملة (21 سنة/ 1025 عددا) لمجلة الرسالة، ولم أعثر إلا على 4 مساهمات للزاهري نشرها بين 1935 و 1938. وهي تتناول «مكانة مصر في المغرب العربي »، وتؤكد على أن « اللغة السيوية بربرية ». كما تحذر من «المطابع السارقة »، وترسم «صورة عن المجتمع الجزائري » كما رآها كاتبها في منامه.

ويعتبر الزاهري الكاتب الجزائري الوحيد الذي نشر في الرسالة بشكل مباشر. أما مقال «صوت نجيب هل من مجيب؟ » لمحمد البشير الإبراهيمي فقد نقلته الرسالة من مجلة المسلمون (1951) للدكتور سعيد رمضان.

كما كتب الشيخ الزاهري في جريدة الفتح الشهيرة مجموعة مقالات جمعها في ما بعد مدير المجلة الأستاذ محب الدين الخطيب، ونشرها في كتاب بعنوان: «الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير .»

ولقي هذا الكتاب رواجا في المشرق العربي، حيث نشرت له طبعة ثانية في دمشق في ظرف قصير كما ذكر ذلك الدكتور صالح الخرفي في كتابه الممتع: «محمد السعيد الزاهري .»

والغريب أن الكاتب الكبير والبحاثة الأستاذ أنور الجندي لم يتطرق في كتابه الضخم «موسوعة تاريخ الصحافة الإسلامية » إلى الشيخ الزاهري ومقالاته السابقة على الرغم من تعمقه في البحث عن هذه المجلة، ودراسة كتابها من المشرق والمغرب!

ولقد حان الوقت لإنصاف الشيخ الزاهري أحد أساطين الصحافة العربية في الجزائر، بما ساهم به من مقالات رائدة في الأدب والسياسة، وبما أصدره من الصحف على الرغم من كل المتاعب والمضايقات لخدمة العربية والإسلام والدفاع عن جزائر الجزائريين؛ ولنتجاوز عن بعض أخطائه فهو قبل كل شيء من البشر.

 

* عضو مكتب الوطني، مكلف بالتراث والبحث العلمي.

 

آخر التغريدات: