روح الثورة

روح الثورة

وصف الفيلسوف محمود قاسم الإمام عبد الحميد بن باديس بـ«الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية»، وجعل هذا الوصف عنوانا لأحد كتبه، وقد قتال المجادلون بالباطل: كيف يكون ابن باديس زعيما روحيا لحرب التحرير الجزائرية وما اندلعت هذه الحرب إلاّ من بعد وفاته بأربع عشرة سنة، إذ توفاه الله ﻷفي  16 أفريل 1940، والثورة لم تندلع إلاّ في الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954.

إنّ كلام هؤلاء المجادلين يبدو في ظاهره «منطقيا »، وذلك لأنّ أكثر الناس مما يعلمون ظواهر الأمور وهم عن ألبابها وأبعادها غافلون، وعن حقائقها عمون …

إنّ الفيلسوف محمود قاسم لم يكن يجهل أنّ وفاة الإمام ابن باديس قد سبقت إعلان الثورة بعقد ونصف من الزمن، ولكنه كان يشير بذلك القول إلى أهداف الثورة التي اندلعت من أجل تحقيقها هي ذلك الشعار الكبير الذي وضعه الإمام ابن باديس وصحبه، وقضوا سوادهم، وتعهدوا أن يقضوا بياضهم في سبيل تحقيقه، وهو: «الإسلام ديننا – العربية لغتنا – الجزائر وطننا »ومن أجل ذلك الشعار أذاقهم العدو الفرنسي العذاب الواصب.

ولكن هل يستطيع أولئك المجادلون بالباطل أن يرتابوا في وصف الإمام الإبراهيمي بأنّه «روح الثورة »؟

إنّ المجاهدين الذين أعلنوا الجهاد في 5 ربيع الأول 1374 ه هـ ( 1 نوفمبر 1954 م) كانوا فتية من مناضلي حزب «الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية » « M-T-L-D» الذي يرأسه «ميصالي الحاج»، وكان أولئك الفتية مجهولين حتى عند أكثرية مناضلي ذلك الحزب، فضلا عن أن يكونوا معروفين عند الشعب الجزائري الذي وجَّهول له بيانهم في أول نوفمبر، طالبين منه الدعم والمساندة والانضمام إليهم لتحقيق ما ورد في البيان من أهداف. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن لأول مرّة هو: كيف يمكن لشعب أن يدعم أُناساً لا يعرفهم؟ وينضم إلى هيئة لم يسمع عنها إلاّ في ذلك اليوم؟ لأنّها – ببساطة –لم تكن قبله شيئا مذكورا.

لقد كان أهم زعماء الشعب الجزائري عند إعلان الثورة ثلاثة زعماء على تفاوت بينهم في المكانة عند الشعب الجزائري، وفي التأثير عليهم، واستجابته لهم.

وهؤلاء الزعماء الثلاثة هم: الإمام محمد البشير الإبراهيمي، رئيس «جمعية العلماء المسلمين الجزائرين»، وميصالي الحاج رئيس حزب «الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية »، وفرحات عبّاس رئيس حزب «الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري »«U-D-M-A»، فماذا كان موقف كل واحد من هؤلاء الزعماء الثلاثة في الأيام الأولى لإعلان الجهاد؟

كان «ميصالي الحاج »تحت الإقامة الإجبارية في فرنس، وكان –آنذاك – في صراع دموي ضد فريق من مناضلي حزبه، شقّوا عليه عصا الطاعة، وقد عُرِف هذا الفريق المنشق باسم «المركزيين »نسبة إلى اللجنة المركزية للحزب..

وكان الفريقان في تعليقهما على حوادث أول نوفمبر حَذِرَيْن، فلم يعلنا مساندتهما للقائمين بها، واكتفيا بوصف تلك العمليات المسلحة بأنّها «حوادث خطيرة »، و«حوادث مماثلة لحوادث تونس والمغرب »، وكذلك كان موقف فرحات عبّاس وحزبه، وأمّا الشيوعيون الذين يزعمون «التقدمية »ويدّعون «التنبؤات العلمية »فكانوا أقرب إلى التنديد بتلك الحوادث وبالقائمين بها لأنّها في رأيهم «أعمال إرهابية »(1).

وأمّا الموقف «الشاذ»لأنّه الموقف الوحيد الذي جهر صاحبه بتأييد الثورة، ومباركتها، ودعوة الشعب الجزائري إلى مساندتها، والشعوب العربية وقادتها إلى مناصرتها؛ فهو موقف الإمام محمد البشير الإبراهيمي  – الذي كان موجودا بالقاهرة – توالت بياناته المؤيدة للثورة من يوم 2 نوفمبر إلى يوم 11 نوفمبر  إلى يوم 15 نوفمبر … وما بعد ذلك(2).

لقد كانت الثورة وهي في أوهن مراحلها، وأصعب فتراتها في أمس الحاجة إلى شخصية أو هيئة ذات مصداقية لدى الشعب الجزائري لتزكيها أمامه، فكانت تلك البيانات الإبراهيمية «روحا »نفخها الله ﻷفي جسم الثورة، مما جعل الشعب الجزائري يطمئن إلى القائمين بهذه الثورة، ويثق في توجههم، إذ «ليس لديه إمكانية أخرى للتعبير عمّا يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقد أنّه طبقا لعقيدته الإسلامية »(3).

لم تكن تلك البيانات الإبراهيمية المساندة للثورة في أيامها الأولى – وقبل أن يسمع بها كثير من أدعياء الوطنية ومحتكريها – بالنسبة للشعب الجزائري مجرد بيانات عادية؛ بل اعتبرها – وهي كذلك – فتوى دينية شرعية بوجوب النفور إلى الجهاد بالمال وبالنفس، ويؤكد الصبغة الدينية لتلك البيانات ما ذكره ضابط المخابرات الفرنسية  «جاك كاري »في كتابه «جمعية علماء الجزائر ( ص 27) من أنّ الإمام الإبراهيمي طلب في 12 نوفمبر 1954 من شيخ الجامع الأزهر أن يؤذن في المسلمين بالجهاد نصرة للثورة الجزائرية ودعما لها.

كما كانت تلك البيانات الإبراهيمية جواز مرور للمسؤلين عن الثورة إلى قادة الشعوب العربية والإسلامية، فإذا كان قادة هذه الثورة مجهولين عند الشعب الجزائري؛ بل حتى عند الأغلبية من مناضلي الحزب المنتمين إليه، وهو حزب «الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية »فكيف تكون حالهم عند قادة الشعوب العربية والإسلامية؟

إنّ الذين يطلقون ألسنتهم الحِداد في الإمام الإبراهيمي، ويحاولون تشويه صورته، وتزييف موقفه؛ إنّما يفعلون ذلك «حسدا من عند أنفسهم »، وظنا منهم «أنّ التاريخ لن يبوح بوثائق الإبراهيمي وأمثاله، ولن يكشف عن آراء ومواقف جزائريين لا يقلون إيمانا بالثورة عن الذين أصبحوا معروفين أنّهم صانعوها »(4).

ولنحاول أن نتصور الحال التي ستكون عليها الثورة لدى الشعب الجزائري، ولدى قادة الشعوب والدول العربية والإسلامية، ولو أنّ الإمام الإبراهيمي  «نذر صوما»، أو خَذَّل عن الثورة، ودعا إلى معارضتها… ولهذا فإنّ وصف الإمام الإبراهيمي بـ «روح الثورة »ليس من باب إرسال الكلام على عواهنه؛ بل تعبير دقيق عن بعد عميق.

وأحب في الأخير أن أنبه إلى أنّ إيمان الإمام الإبراهيمي بالقوة لاسترجاع الجزائر لم يكن وليد ثورة أول نوفمبر؛ بل لقد عبّر عنه في مقاله «الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي »المنشور في العدد 37 من جريدة «البصائر »، الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 1936، الذي جاء فيه «… وإنّ الحقوق التي أخذت اغتصابا لا تسترجع إلاّ غلابا »(5)، وعبّر عنه في باريس على مسمع ومرأى من الفرنسيين، حيث ألقى خطابا في وفود الدول العربية والإسلامية التي شاركت في دورة الأمم المتحدة جاء فيه «… وإنّ وراءهم لشباب سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوءه، وإنّ بعد اللسان لخطيبا صامتا هو السنان، وإنّنا لرجال، وإنّنا لأبناء رجال، وإنّنا لأحفاد رجال،… وإنّ فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإنّ فينا لبقايا مدّخرة سيجليها الله إلى حين »(6). وقد شهد الدكتور فاضل الجمالي «رئيس الوفد العراقي إلى تلك الدورة- بما صرح به الإمام الإبراهيمي في باريس في حفل عام بمناسبة استقلال ليبيا في عام 1951، وهو: «إنّ الجزائر ستقوم قريبا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية»(7)

 

(1) انظر: مولود قاسم: ردود الفعل الأولية داخلا وخارجا على غرة نوفمبر.. ص 60 وما بعدها.

(2) عن هذه البيانات انظر: «آثار محمد البشير الإبراهيمي »ط دار الغرب الإسلامي. بيروت ج 5.

(3) باول شميتز: «الإسلام قوة الغد العالمية»تعريب: محمد شامة. مكتبة وهبة. القاهرة. ص 145.

(4) لا يوجد حاشية في الهامش ؟

(5) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 1، ص 283.

(6) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 2، ص 466.

(7) فاضل الجمالي: «الشيخ البشير الإبراهيمي كما عرفته»، مجلة الثقافة- الجزائر – ع 87. (ماي- جوان 1985)، ص 123.


آخر التغريدات: