الإمام ابن باديس ذلكم الطود الشامخ...!

الإمام ابن باديس ذلكم الطود الشامخ…!

اتخذت الجزائر من السادس عشر من شهر إبريل من كل سنة، الذي يصادف تاريخ وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس، مناسبة للاحتفاء بالعلم، وأطلقت عليه اسم » يوم العلم »، وقد يتساءل البعض لماذا اختير هذا الرجل وتاريخ وفاته للاحتفاء بالعلم، بل أن البعض الآخر رأى في ذلك غمطا لحقوق الآخرين من العلماء، الذين يستحقون هم الآخرون توقيرهم وتقديرهم والتنويه بهم، وتمادى البعض الآخر في بغضه للرجل إلى درجة الاحتجاج على إدراج نشيده المشهور » شعب الجزائر مسلم » في المناهج الدراسية، ولعل موقفهم منه ترتب عن كونهم قصروا نظرتهم إليه على الجانب العلمي المعرفي منه، ولذلك ساووا بينه وبين الآخرين، ولهؤلاء وأولائك نقول:.

 إن ابن باديس عليه – رحمة الله – لم يكن مجرد عالم استوعب العلوم الشرعية وحذقها فحسب، ولو كان كذلك لجاز أن نسوي بينه وبين الآخرين، ولكنه إلى جانب تمكنه من العلوم الشرعية، تميز عنهم يفكر نير نقاد، أحسن توظيف القديم لتوليد الجديد المبتكر الذي لم يسبق إليه، في حين أن من سبقه قبل القديم على علاته دون أن يميز بين غثه وسمينه، وهذه الميزة التي تفرد بها عن أقرانه من العلماء المعاصرين له داخل القطر الجزائري وخارجه ، تبرز واضحة فيما سجله الباحثون في آثاره خاصة في تفسيره للقرآن، وموطأ الإمام مالك بن أنس.

وابن باديس – رحمه الله – إلى جانب كونه عالما كان عاملا بعلمه، إذ وظفه في تصحيح المعتقد وضبط المعاملات، ومحاربة الفساد ، ومواجهة الظلم، والدعوة إلى النهضة ، وشتان بين من يعلم ولا يعمل، وبين من يعلم ويعمل بعلمه. وابن باديس – عليه رحمة الله- كان إلى جانب ذلك معلما مربيا، وما اقتصر دوره قط على مجرد نقل ما يعلم إلى من لا يعلم، بل حرص كل الحرص على أن يتشبع طلبته بفكره ويمتلئون بمبادئه، ويسلكون وفقا لما يعلمون، وبذلك خرج للجزائر رجالا هم الرجال تحدوا لأجلها الأهوال، ومكنوها من تحقيق ما كانت تراه بعيد المنال، ومنهم الشيخ الفضيل الورتلاني، والشيخ الغسيري …

وابن باديس – عليه رحمة الله- كان وطنيا لا يساوم، ومناضلا لا يقاوم، إلى درجة أن فرنسا اعتبرته العدو الأكثر تهديدا لسيادتها في الجزائر، كما شهد بذلك محمد عدون في كتابه المسمى » شهادة مناضل «الصادر عن دار دحلب، ومقاله « كلمتنا الصريحة » الذي رد به على الزعيم فرحات عباس الذي كتب قالا نشره في جريدة الدفاع بالفرنسية، ينكر فيه وجود الجزائر يثبت ذلك، ومقاله الآخر الذي نشره بعد رجوعه من فرنسا التي ذهب إليها ضمن الوفد الذي كلفه المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في سنة 1936 برفع مطالبه إلى الحكومة الفرنسية، والذي كتبه بعنوان «هل آن أوان اليأس من فرنسا » نشره في جريدة البصائر يكشف عن مدى جرأته في الدفاع عن حقوق وطنه ومواطنيه.

وابن باديس – عليه رحمة الله- كان سياسيا لا يشق له غبار، يعرف ما ينبغي أن يقال، ولمن يقال، ومتى يجب قوله، وكيف يقال، ومقاله الموسوم بـ: «عش كريما أو… « الذي وجه فيه الخطاب للأمة الجزائرية والذي نشر له في « الشهاب في سبتمبر سنة 1936 يؤكد ذلك ويثبته. وابن باديس – عليه رحمة الله- كان إعلاميا متميزا أصدر الجرائد وأنشأ المجلات، كتب في جميع المجالات، فأجاد وأفاد، إذا كتب في السياسة قلت لا يحسن غيرها، وإذا كتب في الدين قلت إليه انتهى علمه، وإذا كتب في الاجتماع، قلت إليه انتهت فلسفته، وإذا التفت إلى التاريخ قلت أنه يملك منه جميع المفاتيح، وهو يكتب في كل ذلك بأسلوب بديع رائع آسر، يملك عليك جوامع نفسك فلا تملك الفكاك منه، إذ جمع فيه بين جودة المعنى وقوة ومتانة المبنى دون إطناب ممل، أو إيجاز مخل.

ذلكم هو ابن باديس – عليه رحمة الله – الذي لو بعث علماء الجزائر الذين تقدموه أو الذين تأخروا عنه من أجداثهم، لما ترددوا هنيهة واحدة في تقديمه على أنفسهم، راضين مبتهجين تسليما بعلمه، واعترافا بفضله وإقرارا بسبقه، يشهد على ذلك أن العلامة محمد البشير الإبراهيمي تقدم منه في الاحتفال العظيم الذي أقيم في تلمسان بمناسبة افتتاح دار الحديث وسلمه مفاتيح ذلك الصرح العلمي الجليل قائلا له: )لو علمت في القطر الجزائري بل في العالم الإسلامي رجلا له يد على العلم مثلكم، وفضل على الناشئة مثل فضلكم، لآثرته دونكم،ولكني لم أجد….(، وكذلك الجزائر لم تجد من هو فوقه علما وعملا وإخلاصا وتفانيا، ولذلك اختارته رمزا لعلمائها، حتى يستلهم منه أبناؤها ما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم من صلابة في المبدأ، وإخلاص في العمل، وحسن تقدير للمسؤولية، وتشبث بالهوية، وغيرة على الوطن. إن ابن باديس – عليه رحمة الله- كان وسيبقى بحق لا لأعلام الجزائر وحدها، بل لأعلام البلاد العربية والإسلامية، هو الطود الشامخ الذي لا يطاول، والعالم الحق الذي لا يقاول…!


آخر التغريدات: