إسهامات محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس في قضايا عصرهما

إسهامات محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس في قضايا عصرهما

لقد أسهم المفكران عبده وابن باديس في قضايا الأمة الإسلامية الحديثة بشكل لم يسبق له مثيل، على كافَّة المستويات الثقافية، والدينية، والاجتماعية، والسياسية الوطنية، وتركا للأجيال ثروة علمية وأخلاقية، وأدبية وتربوية، مازالت تشكل يُنبُوعا صافيا في الفكر العربي الحديث، والمعاصر حتى يومنا هذا. وقد أدَّى البحث والتنقيب والتحليل والمقارنة في آثارهما إلى نتائج هامَّة في مسيرة الأمَّة حتى الآن، ولعل هذه المقاربة الموجزة في فكر الرجلين، كفيلة بإعطاء نموذج مختزل عن تلك الإسهامات الكبيرة التي أضافاها إلى الثقافة العربية الإسلامية، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

 أدركنا من خلال هذه المقارنة أنَّ كليهما انطلقا في إصلاح مجتمعه من الانحطاط الداخلي، الذي أصاب الأمَّة لأسباب داخلية، أو لعوامل خارجية، وهما في ذلك يشبهان الكثير من قادة العالم، الذين غيروا مجرى التاريخ، ونقلوا شعوبهم من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى، فـ«محمد عبده»عندما ظهر كان المجتمع المصري يعاني من وطأة الديون الخارجية، ومن فساد الحكام، ومن جمود المؤسسات الدينية والثقافية، فبدأ ينظر بعين نحو الداخل ويرنو بأخرى نحو الخارج.

وقد برز ابن باديس على الساحة الجزائرية، والبلاد ترزح تحت وطأة أبشع نظام استعماري عرفته البشرية في ذلك الوقت؛ نهبٌ لخيرات البلاد، وإفقارٌ للعباد، واستهداف للعقائد، ونشر لعوامل الفساد، فجاء فكر الرجلين – على الرغم من أصالته المرجعية- رد فعل على الغزو الأجنبي، والتخلف الداخلي معا.

بدأت ملامح أفكار المصلح المصري محمد عبده (1849-1905) تتضح وتتبلور في مرحلته الطالبية، أي قبل الاحتلال الإنجليزي لمصر بحوالي عقد من الزمن، غير أنَّ جُلَّ أفكاره التي تحتوي معرفة نقدية للتراث من ناحية أخرى، قد اكتملت ونضجت في العهد الاستعماري.

وأمَّا عبد الحميد ابن باديس (1889-1940) فإنَّ نشأته في أسرة قسنطينية، تشترك مع الفرنسيين المحتلين في تسيير شؤون البلاد، كان من الممكن أن يوجه فكره وِجهة غربية لا شرقية، لولا تمسك والده بالقيم العربية الإسلامية، والتقاليد الجزائرية، مما جعله يوجه ابنه البكر توجها يختلف عن توجهات أمثاله من أبناء العائلات الكبيرة، المبهورة بالحضارة الفرنسية.

ومن هنا جاء فكر المصلح الجزائري متولدا بالدرجة الأولى من العصبية الثقافية، التي وقفت في وجه سياسة الفرنسة والتغريب التي استهدفت الجزائر، في حين يُعد فكر عبده استمرارا لفكر النخبة المصرية المثقفة، مع شئ من التجديد كنتيجة حتمية لتأثره بالحضارة الغربية.

وقد كانت ثقافة الرجلين، ثقافة عربية إسلامية متطورة، فهما فضلا عن تمسكهما بالينابيع الأولى للإسلام، وأخذهما بالميراث التقليدي للمسلمين عبر العصور، فإنَّهما استطاعا أن يُوجدا ثقافة عربية عصرية، راقية لغةً وأسلوبا وفكرا، تجاوزا فيها ثقافة كثيرٍ من علماء العصور الإسلامية ومصنفاتهم المعقدة أسلوبا، وقدما لأجيال عصرهما، بل وعصرنا أيضا، نصوصا سهلة التناول، شيقة الأسلوب، حلوة العبارة؛ سواء كانت نصوصا دينية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو حتى فكرية فلسفية، مما جعل قراءتها وفهمها واستيعابها ميسرا للجميع. وفي الوقت ذاته نقلا إلى قراء العربية دراسات علمية، وتربوية، وأدبية من الثقافة الغربية، مطبوعة بالطابع العربي الإسلامي، ولاسيما الشيخ محمد عبده الذي قرأ كثيرا من المؤلفات لكُتَّاب إنجليز وفرنسيين وروس، أمَّا ابن باديس في الجزائر فقد اتخذ من صحيفته «الشهاب» منبرا لنشر الآراء والأفكار العالمية؛ العربية منها والغربية، حيث كان ينشر مقالات كاملة، مترجمة عن صحف وكتب فرنسية لقراء العربية.

وبذلك أسهم المصلحان في إثراء الثقافة العربية ومعارفها المختلفة، فكان ما نقلاه إلى المجتمَعَين المصري والجزائري، من ثقافة الغرب بمضامين متنوعة، أكثر وأثمن مما نقلته النخبة المفرنسة في الجزائر مثلا إلى مواطنيها، لأنَّها كانت تجهل لغتهم وتنبذ عاداتهم، وتقاليدهم المحلية، واقتصرت على تكريس بعض القيم الأجنبية، التي كان المجتمع الجزائري أو المصري في غنى عنها.

أمَّا في الإصلاح الاجتماعي، فقد لاحظنا أنَّ كلاًّ من الرَّجُلَيْن، حاول أن يقدم حلولا مناسبة، لمجتمعه حسب ظروفه الخاصة ، فكلاهما راعى عنصرين أساسيين في اجتهاده، لإصلاح المجتمع هما:

1- قيم الإسلام.

2- روح الحضارة الحديثة.

والحق أنَّ الشيخ محمد عبده كان أكثر مسايرة لعصره، من الشيخ ابن باديس –كما يبدو من آثارهما – فالأول ذهب بعيدا -مثلا- في الدعوة إلى حرية المرأة، كالمطالبة بحقها في الطلاق، وفي سُفور الوجه، ومنع التعدد إلى درجة أنَّه ساهم في تأليف كتاب «تحرير المرأة»مع تلميذه قاسم أمين- كما ذهب إلى ذلك محقق أعماله محمد عمارة- كما أفتى بجواز ارتداء ملابس الغربيين كـ«البرنيطة»«chapeau»مثلا، وعلى المستوى الاقتصادي، أفتى بفوائد صندوق التوفير والتأمين الاجتماعي.

في حين أنَّ مساهمة ابن باديس في ترقية المرأة، لم تتعد حدود التقاليد الاجتماعية الجزائرية، التي كان يعيشها إلاَّ في إطار التعليم، فقد نادى بفتح الباب أمامها، للأخذ بكل المعارف الدينية والدنيوية، دون حدود أو قيود، كما دعاها إلى العمل في كل الميادين، باستثناء الرئاسة، أو القيادة، وفي إطار المظهر الشخصي للمرأة فقد رخص لها أن تخرج إلى الشارع سافرة الوجه، وربط ذلك بالبيئة الاجتماعية التي تعيش فيها، والوضع الذي تعود الناس رؤيتها فيه، وهو خلاف لِما أفتى به المصلح المصري؛ الذي طالب المرأة أن تكون سافرة الوجه، لا سيما في مواقع العمل، والمسؤولية، والشهادة.

أمَّا في مجال الإصلاح الديني، فإنَّ كليهما صحح العقائد الإسلامية، التي تسربت إليها البدع والخرافات من جراء بعض الممارسات الطرقية، وقاوما الجبرية، ودعوا إلى حرية الإرادة وحرية العقل، ولعل هذا من أبرز العناصر الإيجابية في حركتيهما، والذي يمكن أن يستمر مع الأجيال على الدوام، كما قاوما بعض الظواهر الاجتماعية، المرتبطة بالدين، مثل تقديس الأولياء في حياتهم، والتمسح بقبورهم بعد وفاتهم.

وقد استخلصنا من آثار الرجلين،أنَّهما حاولا أن يُبطلا بعض السلوكات أو الممارسات، حتى ولو كان مسموحا بها في السنة النبوية، كزيارة المقابر والأضرحة مثلا، وهما يبرران تلك المقاومة، بالابتعاد عن الحدود الشرعية، لأنَّهما كانا يخشيان أن تتحول تلك الزيارات إلى تقديس أصحاب القبور، فيؤدي بهم ذلك إلى الشرك.

غير أنَّ انشغالهما بمقاومة رجال الصوفية، والفقهاء التقليديين، قد جلب لهما انتقادات كثيرة؛ من الكتاب والسياسيين، الذين اعتبروا عملهما في هذا الحقل مضيعة للوقت، وخروجا عن رسالتهما الحقيقية، التي حصروها بالنسبة لابن باديس في التربية والتعليم، وبالنسبة لمحمد عبده في التعليم والتوجيه، والقضاء وإصلاح الأزهر.

ولكن أكبر عمل ديني وثقافي، ورثه المسلمون عن هذين المصلحين، هو تفسير القرآن الكريم، الذي يُعد من أجود التفاسير، وأثراها وأكثرها ملاءمة للعصر، ذلك أنَّ كل من يقرأ هذا التفسير، يشعر بطرافة الموضوع، ومتعة الأسلوب، وجمال اللغة، وبذوق فني رفيع، وبمعلومات تاريخية، وعلمية قيمة، بالإضافة إلى المعرفة الدينية، والأخلاقية، التي تربي المجتمع، وتجمع اللحمة بين أفراده، وتربي فيه قيم الحرية، ونبالة الضمير الإنساني.

أمَّا على المستوى السياسي، فإنَّ كليهما كان سياسيا بطبعه، ولكن ممارستيهما السياسية كانتا ممتزجتين بأعمالهما الأخرى، فكلاهما كتب في السياسة، وكلاهما قدَّم آراء ونظريات في أصول الحكم وإشكالياته، وكلاهما قدَّم مطالب سياسية إلى الجهات المعنية في عصره، وكلاهما ألقى خطبا سياسية، وربَّما ثورية أيضا، كالشيخ محمد عبده مثلا في وسط الثورة العُرابية، وكلاهما شارك في حوارات سياسية، ولكن لا أحد منهما يمكن أن نقول: إنَّه كان رجل سياسة بمعناها الاحترافي، أو بمدلولها العملي، لأنَّ انشغالهما بالمسائل الدينية، والتربوية، والقضايا الاجتماعية، والثقافية، قد طغت على إنتاجهما الفكري، وإن كانت جل نصوصهما لا تخلو من السياسة، غير أنَّ مواقفهما السياسية تجاه الاستعمار الغربي لم تكن ثورية عملا وسلوكا، وإن كانت مكثفة طبيعة وطموحا، باستثناء بعض المواقف التي سُجلت لهما في ظروف مختلفة، وإن كان ابن باديس أكثر ميلا للثورة من عبده.

ولكن يمكن القول: إنَّهما كانا أول من عبَّر عن الوطنية تعبيرا حديثا من العرب المسلمين، كلٌ في وطنه وفي عصره، وقدم فيها منظورا سياسيا عميقا، واعتبر في الجزائر الأساس الذي بني عليه الفكر الوطني بعد ذلك قاطبة.

أمَّا على الصعيد الفكري الفلسفي؛ فإنَّ المُصْلِحَيْنِ كانا مثقفين ثقافة فلسفية، كما كانا مثقفين ثقافة دينية، وتاريخية، وأدبية، واجتماعية، ولا يمكن في نظرنا أن نطلق على أحدهما أوكليهما لقب «فيلسوف»بالمعنى التقليدي للكلمة، لأنَّ اشتغالهما بموضوع الفلسفة كان اشتغالا عَرَضِيا في غالب الأحيان، اقتضته بعض الضرورات الدينية والسياسية التي انشغلا بها طوال حياتيهما.

وإذا أردنا أن نُقَيِّم عمل الرجلين من الناحيتين النظرية والتطبيقية، يمكننا أن نقول:إنَّ الرجل ابنُ بيئته، ذلك أنَّ مستوى عبده من الناحية النظرية كان أرقى وأخصب من فكر ابن باديس، انطلاقا من بيئته الثقافية والاجتماعية، وأنَّ جهد المصلح الجزائري من الناحية التطبيقية العملية في الميدان كان أعمق وأوفر إنتاجا من جهود المصلح المصري، ذلك أنَّ المجال الذي تفوق فيه المصلح الجزائري فعلا، حُسب له لا عليه، وظل يشكل المُنطلق الحقيقي للجزائر المستقلة، هو ميدان التربية والتعليم، الذي ضرب فيه بسهم وافر، واستطاع في ظرف أقل من عشرين عاما أن يُكَوِّن شبكة من المدارس وجيشا من التلاميذ والمعلمين والأساتذة، وهو ما لم يحققه أي مصلح في عهده؛ سواء في المشرق أو المغرب، كما كوَّن إطارات الثقافة العربية تكوينا معتبرا، جمع بين الثقافة العربية الإسلامية التقليدية، وبين الثقافة العصرية، فكانوا حجر الزاوية في بناء المدارس العربية في الجزائر، بعد استرجاع الاستقلال الوطني سنة 1962، لأنَّ رؤيته للمستقبل كانت أكثر عمقا وشمولية، من نظرة بعض السياسيين والمصلحين الآخرين، لاسيما أنَّه اختار العمل على صعيدين مكملين لبعضهما؛ الصعيد الفكري النظري، والصعيد الميداني الجماهيري.

ولعل الشيء المهم في حركة ابن باديس التعليمية، هو كون الشعب الجزائري في عصره، كان يعاني من الجهل والأمية، والتشريد نحو الجبال، وفيافي الصحراء.

إنَّ ابن ابن باديس لم يكن في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر مجرد رجل دين نادى بالإصلاح، وحدد مواقف تقدمية إزاء الدين واللغة والوطن؛ وإنَّما كان رجل فكر ونظر أيضا، أضاء بنظرته التقدمية كثيرا من المفاهيم السائدة في عصره، ولقاءاته مع الشعب، ومجادلاته لأساطين الاستعمار وأعوانه، وبذلك استطاع بالفعل أن يغير الجو الراكد بحيوية لم يسبق لها مثيل، منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي الجزائر، إذ استطاع الرجل أن يهزَّ الأساس التقليدي للبنية الثقافية العربية التقليدية، التي كانت سائدة في الجزائر، في النصف الأول من القرن العشرين.

وفي هذه المرحة الخطرة من تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، كانت المعرفة الثقافية حكرا على فئة مغلقة من مشائخ الطرق، والعلماء الرسميين التقليديين، ولكن منهاج التعليم والأفكار الجديدة التي جاء بها ابن باديس وجَسَّدَها في شعاره«انتقد ثمَّ اعتقد»، هدَّمت شعارين آخرين كانا سائدين هما «اعتقد ولا تنتقد» و«سلم تسلم»، وقضت على هذا الاحتكار تدريجيا، فانحل النظام الفكري القديم، واختفت بالتالي وحدانية التفكير، وتهاوت المصنفات الجامدة، وبرزت في المقابل أنماط فكرية تقدمية، شكلت فيما بعد خلفية ثقافية متينة، ورافدا نظريا رئيسا للثورة الجزائرية المسلحة.

كما قدَّم ابن باديس علاوة على ذلك كله إضافات جديدة إلى الفكر الإصلاحي، حين لم يكتف بالحدود النظرية، والتبشير اللفظي في حركته، بل تخطاها إلى التطبيق العملي، فعمل على تنظيم خطوات إجرائية في العديد من المجالات الحيوية في المجتمع.

وهذه المحاولة العملية التربوية لم يلجأ إليها حسب علمنا أي مصلح آخر، بل ولم ينجح فيها حتى كبار المصلحين من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، دعوة وتطبيقا عمليا وتنظيميا،وإقامة لمؤسسات تعليمية، ما عدا ما قد دار حول هذا الموضوع من نقاش بين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، الذي لم ينتج عنه قرار حاسم يقضي بتكوين جمعيات أو منظمات علمية وتربوية، أو سياسية للنهوض بالمجتمع الإسلامي من جموده وتأخره، واكتفيا بتأسيس جمعية سرية ذات منهج سياسي، ونظام داخلي صارم، هي «جمعية العروة الوثقى»، وإصدار مجلة في باريس بهذا الاسم.

وهكذا يكون المصلح الجزائري وإن لم يكن قد وجد حلولا جذرية لمشاكل مواطنيه، فإنَّه قد أعاد إليهم الثقة بالنفس والإيمان بالاعتماد على الذات، وهي عناصر أساسية في حياة الإنسان، كان المجتمع الجزائري قد فقدها منذ هزيمته الكبرى مع الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، فأعاد ابن باديس بعث الإرادة الصلبة، والطاقات الخاملة إلى الحياة من جديد، وبهذا شكَّلت آراؤه وأعماله الأرضية الأيديولوجية الصلبة للثورة التحريرية المسلحة.

وبهذا فكلا الرجلين عمل، واجتهد، وكتب، وفكر، وكتب، ودرَّس، وحاضر، وناظر، وانتقد الانحرافات الاجتماعية والسياسية والدينية، ودافع عن العروبة والإسلام، وبرأه من اتهامات الذين اعتبروه معارضا للتقدم والتطور، ومن معاداة العلم الحديث، وطلب من المسلمين أن يأخذوا بأسباب المدنية والتقدم، وأن يتركوا الكسل والاعتماد على الغير، وأن ينبذوا الجبرية والتواكل، وأن يُطْلِقُوا للعقل حريته، لِيَصُولَ ويَجُولَ، في المرئيات والمسموعات، والمحسوسات، والمجهولات من أسرار الكون و مظاهر الطبيعة.

لعلَّ أهمَّ ميزة تميزت بها حركتا عبده وابن باديس في رأينا، هي ميزة التسامح مع أصحاب الأديان المخالفة، وحتى مع خصوم الإصلاح أيضا؛ فبخصوص المسألة الأولى دعا المصلح المصري إلى الاتحاد، والتسامح والتعاون بين الأديان السماوية الثلاثة- اليهودية، والمسيحية، والإسلام- وبسبب وجود طوائف يهودية ومسيحية في مصر، ألغى محمد عبده عنصر الدين من مقومات الوطنية المصرية.

أمَّا ابن باديس في الجزائر فعلى الرغم من أنَّ وطنه كان مستعمرة فرنسية استيطانية، فإنَّه كان يرى أنَّ الديانات السماوية، بل وحتى المجوسية تستطيع أن تعيش في وئام وتسامح وإخاء مع بعضها، إذا كانت بعيدة عن الظلم والعنصرية، والأنانية، والخيانة، والإجحاف.

وفيما يتصل بالمسألة الثانية؛ فإنَّ كِلا المُصْلِحَين كان يدعو خصومه من الطرقيين، والفقهاء الرسميين الجامدين، إلى التفاهم والتسامح، والابتعاد عن التعصب والمغالاة، واتِّباع الدين من الطرق الميسرة، ومحاولة إفهامهم أنَّ الدين واحد، وأنَّ الرب واحد، فلماذا الاختلاف؟ ولماذا التعصب؟ ولماذا تقديس البشر؟

ومن هذه النتيجة نستخلص نتيجة أخرى وهي أنَّ العنف، والتطرف، والمغالاة في الدين الذي تميزت به بعض الجماعات في السنين الأخيرة لم يكن كما يدعي البعض نتيجة من نتائج الإصلاح الإسلامي، الذي دعا إليه ابن باديس في الجزائر ومحمد عبده في مصر، بل على العكس من ذلك فإنَّ كثيرا من زعماء الحركات المتطرفة في الجزائر هاجموا ابن باديس ووصفوه بالعلمانية ، وعابوا عليه أن يكون رجلا قوميا ووطنيا، مع أنَّ الإنسان لا يمكن أن يكون كامل الشخصية إلاَّ بهذه المقومات.

وبعد وفاة هذين المصلحين، تبنى تلاميذهما نظرياتهما وآراءهما في الإصلاح الاجتماعي، وشكلوا ما أصبح يعرف باسم المدرسة «العَبْدَوِيَة»، والمدرسة «البَادِيسِيَّة»، وبرز من رجال هاذين المدرستين كُتَّاب ، ومؤرخون، وأدباء، وفلاسفة، أصبحت شهرتهم عالمية في الشرق وفي الغرب، أمثال؛ “قاسم أمين”، و”سعد زغلول”، و”محمد رشيد رضا”، و”مصطفى المراغي”، و”الأحمدي الظواهري”، و”مصطفى عبد الرَّازاق”، و”عثمان أمين”، وغيرهم كثير بالنسبة لعبده في مصر.

أمَّا ابن باديس في الجزائر، فإنَّ بعض تلاميذه ما زالوا حتى الآن يعقدون في ذكراه السنوية الملتقيات العلمية، والندوات الأدبية، ويكتبون عنه في الصحف اليومية، وفي المجلات الشهرية والدورية، ومن أبرز هؤلاء الذين حملوا رايته بعد وفاته؛ المؤرخ الجزائري”مبارك الميلي”، والمجاهد الثائر”العربي التبسي”، والفقيه الكبير الشيخ “أحمد حمَّاني”، و الوزير السابق والرئيس الرابع(*)لجمعية العلماء الأستاذ “عبد الرحمن شيبان”، والأستاذ”محمد الميلي”، والشيخ”محمد الصالح رمضان”، والشيخ “فضيل الورتلاني”، و”أحمد بوشمال”، و”رضا حوحو”، و”عبد المجيد حِيرَش”، و”محمد الصالح بن عتيق”، وغيرهم كثير.

أمَّا نحن فنتمنى أن يواصل الباحثون، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، الدراسة والنظر في تراث هذين الشخصيتين بطرق علمية موضوعية، تتوخى الحقيقة التي ناضلا من أجلها طيلة ستين عاما، وأن يصنفوها تصنيفا يتطابق مع التفريعات الفكرية، التي ربَّما لم يتوصل إليها الباحثون السابقون، وأن يوضحوا العلامات الكبرى أو نقاط الاستفهام، التي تحدد المدى الذي يمكن للأجيال الحاضرة أو المستقبلة أن تستفيد منها؛ فيكتب المؤرخ عن الوقائع التاريخية، ويكتب عالم الاجتماع عن الجوانب الاجتماعية، ويكتب الفيلسوف في فلسفتهما، ويحرر عالم الدين في أعمالهما الدينية، ويُنشئ الأديب نصوصا بديعة في أدبهما، ويكتب السياسي عن أفكارهما السياسية. على أن يكون ذلك في إطار وحدات علمية أو رسائل أكاديمية تتوخى الموضوعية والعلمية، بهدف إبراز الأسس الفكرية الحقيقية أكثر عند الرجلين.              

 

(*) الرئيس الثالث هو الشيخ أحمد حمَّاني، حيث تولى رئاسة الجمعية بعد عودتها للعمل في 1991 حتى توفاه الله.


آخر التغريدات: