فلسفة ابن باديس في مجال التربية و التعليم

فلسفة ابن باديس في مجال التربية و التعليم

المعروف عن نشاط الشيخ بن باديس أنه نشاط متعدد الجوانب كثير الاهتمامات، وأبرز هذه الجوانب وأقواها الجانب التربوي التعليمي الذي كرس له 27 عاما من حياته إلى جانب المهام الأخرى التي كان يرى أنها مهام مكلمة للنشاط لتعليمي أو هي امتداد له، النشاط الذي جعله الأساس لكل عمل إصلاحي و المدخل لكل تغيير اجتماعي وثقافي، ونهوض فكري و سياسي. من هنا يمكن القول إن لابن باديس فلسفة تربوية بينة المعالم، واضحة الأهداف، سليمة الاتجاهات، بعيدة المقاصد.

 ونستطيع استخلاص عناصر هذه الفلسفة وأبعادها من آرائه و أفكاره التي عالج فيها قضايا التربية، ومسائل التعليم، وأبرز من خلال ذلك أهمية التربية وضرورتها بالنسبة إلى المجتمعات التي تسعى للنهوض من كبوتها، وتشمل هذه الفلسفة الآراء التي تحدد مفهومه للتربي والتعليم، والمبادئ التي طرحها لتكون أساس المشروع التربوي، والأهداف والغايات التي رسمها لكل جهد تعلمي، وكذلك المعارف والعلوم التي تجب العناية بها، كما تشمل نظرته إلى التعليم والتعلم وعلاقتها بالتربية والخطة التي بنى عليها تنفيذ مشروعه، والطرائق التي اعتمدها وأوصى بها والأساليب التي انتقدها.

ونركز في هذه الكلمة على الأفكار والأقوال التي شرح بها هذه  الفلسفة والتي جعلها مرتكز العمل الإصلاحي في جوانبه المختلفة التي جعلت منها جمعية العلماء إطارا لنشاطها التعليمي وسياستها الإصلاحية سواء في حياته أو مماته.

والملاحظة التي يمكن ذكرها في البداية أن الشيخ ابن باديس يعطي الاهتمام الأكبر للبعد التربوي ويجعله الغاية الأساس من كل عمل تعليمي، وهذا ما يبين فلسفة ابن باديس في هذا الميدان فهو دائما يربط بين التربية والتعليم ويعتبرهما شيئا واحدا أو عمليتين متكاملتين. ثم أنه يحرص أشد الحرص على توسيع مجال نشاطه التعليمي ليشمل كل الفئات والأعمار، باعتبار التعلم حقا من الحقوق الأساسية لكل مواطن.

وكان المسعى من وراء ذلك هو تجاوز النظرة التي تحصر أهداف التعليم في الاستجابة للحاجات الآنية إلى النظرة التي تقدم من تفكير في لإيجاد قاعدة بشرية متينة، وتكوين جيل قادر على تغيير الواقع المتدهور والانطلاق نحو المستقبل ليمكن للأمة أن تستعيد دورها و تتبوأ مكانتها بين الأمم الراقية، يقول في هذا الصدد ( الشيخ عبد الحميد بن باديس )… علينا أن ننشر العلم في أبنائنا و بناتنا، في رجالنا ونسائنا، على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من ظن العلم الذي تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم.

ولم يقتصر الشيخ على إقرار حق المسلمين في تعلم دينهم ولغتهم، ووجوب تعليمهما، بل أكد أن –يهتم- على وجه الخصوص بالعلوم العصرية التي انصرف عنها المسلمون في القرون المتأخرة و هذا لا يتنافى مع ما يدعو إليه القرآن.

ولاشك في الدعوة إلى فهم القرآن فهما صحيحا عن طريق ربط الفروع بالأصول هو تأكيد على وجوب اعتماد المسلمين في نهضتهم أصول الإسلام، كما أن دعوته إلى تعلم اللغات الأجنبية والعناية بالعلوم العصرية هي دعوة إلى التسلح بالعلم الحديث الذي سادت به أوروبا.

ومما سبق يتأكد أن ابن باديس كانت نظرة متطورة في مجال التربية، نظرة يمزج فيها بين الحقائق العلمية الموروثة، و بين الاتجاهات العلمية المعاصرة.

وسنحاول إثارة جملة من القضايا و المعلومات التربوية التي نجد لها سندا في تفكير ابن باديس وفي أقواله.

ونذكر بصفة خاصة على النقاط التالية :

–      مكانة العمل التربوي في نشاطه الإصلاحي

–      آرائه التي تتصل بتنظيم الجهد التربوي

–      المبادئ والأهداف المستخلصة من هذه الآراء

أولا: مكانة العمل التربوي في نشاط ابن باديس 

إن المتتبع لجهود ابن باديس  ونضاله يلمس المكانة البارزة التي تحتلها التربية ضمن أعماله الفكرية وجهوده الإصلاحية. وهذا يدل دلالة واضحة  على الأهمية التي أعطاها للنشاط التربوي، باعتباره الأساس الذي يقوم عليه كل تغيير فالتربية عنده هي حجر الأساس في كل عمل بنائي، لذلك أعطاها كل جهده ووقته، وجند لها رفاقه و تلاميذه من العلماء الذين شدوا أزره، وساعدوه في تنفيذ المشروع الذي صممه واستنهضوا معه همة الشعب و نخوته ليقوم بإنشاء المدارس تمويل المشاريع التعليمية و ليلتف حول جمعية العلماء ، ويسند جهدها في نشر العلم وبث العلم وبث الوعي الوطني و الديني و السياسي.

إن أصالة التفكير التربوي عند ابن باديس تبرزها نظرته الواقعية للأشياء، وتوظيفه للتاريخ والأحداث السياسية ومعرفته بحقيقة النفس البشرية، وطرائق توجيهها وتربيتها عن طريق التخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل.

إن هذه الخصائص التي تميز تفكيره جعلته ينهج نهجا تربويا قائما على الالتزام بالجمع بين السير على النهج الذي سار عليه أئمة السلف في تعاملهم مع حقائق الإسلام، وبين العمل بما تقتضيه الظروف المتميزة التي  كان يعيشها الشعب الجزائري التي تفرض أن يكون العمل التربوي في خدمة قضايا المجتمع الملحة، و مناهضة الوضع الاستعماري، وتهيئة الأجيال بمواجهة الصراع السياسي الذي هو مقدمه للكفاح المسلح.

إن هذه الروح هي التي دفعته إلى جعل أهداف التعليم تتجاوز تلقين المعلومات إلى محاربة مظاهر الجمود والخضوع للأجنبي، والاستسلام لليأس والظروف المحيطة، وتهيئة العقول، والأنفس لمجابهة الأوضاع، وإعداد قاعدة شعبية متينة تكون مهيأة نفسيا وفكريا وسياسيا لخوض المعارك التي يتطلبها تحرير الوطن.

هذه هي الروح التي دفعت ابن باديس إلى تفضيل الاتجاه التربوي على غيره من اتجاهات النضال الأخرى.

ثانيا : آراء ابن باديس وأفكاره التربوية 

سنحاول فيما يلي استعراض بعض آراء ابن باديس وأفكاره المتعلقة بأهم الجوانب التي تجسد المشروع الذي انتصب لتنفيذه منذ رجوعه من الحجاز وتوليه عملية التدريس.

ولنبدأ بأفكاره المحددة لمفهوم التربية والتعليم والأسس التي بنى عليها تصوراته، ثم نحاول استخلاص عدد من المبادئ التي نراها الأساس الذي يقوم عليه المشروع التربوي، أو الموجهات للجهد التعليمي والتثقيفي.

والتي منها نستخلص الأهداف التي رسمها لنشاطه في هذا المجال والغايات المنتظرة من كل جهد يبذل في هذا الصدد.

المفهوم الذي يعطيه ابن باديس للتربية والتعليم :

التربية في تصور ابن باديس وكما يستخلص ذلك من أقواله هي :

جهد إنساني هادف يوجه لرعاية الفرد والمجتمع، ويسعى لبناء الفكر وتثقيف العقل ، وتقويم الأخلاق وتقوية البدن من أجل تحقيق الغاية التي يتطلع إليها الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، وهي بلوغ الكمال الإنساني وبناء الشخصية المتكاملة التي يركز الاهتمام فيها على الجوانب العلمية والعملية والأخلاقية.

هذا مضمون التصور الذي نجده في ثنايا أقوال ابن باديس عند تناوله موضوع التربية والتعليم.

يقول في هذا الصدد عند تحديد المهمة التي أنشأت من أجلها جمعية التربية والتعليم الإسلامية :

بنى القانون الأساسي للجمعية من الوجهة التربوية : على تربية أبناء المسلمين وبناتهم تربية إسلامية بالمحافظة على دينهم ولغتهم وشخصيتهم، (أي تحقيق كينونة الفرد وكينونة الجماعة)، ومن الوجهة التعليمية على تثقيف لأفكارهم بالعلم (المعرفة) باللسانين : العربي والفرنسي أي إكسابهم الجوانب المعرفية النظرية (ومن الوجهة العملية التطبيقية) تعليمهم (الحرف الصنائع أي إكسابهم القدرة على توظيف المعارف المكتسبة ، وتطبيق النظريات ، وتدريبهم على المهارات اليدوية) ومن الوجهة المالية : تعويد الأمة على التبرع المنظم ، في المشاريع التي تعود عليها وعلى أبنائها بالنفع العام، ويقصد هنا (الوجهة السلوكية ، والخلقية والاجتماعية وتربية الناس على البذل والعطاء ، والتكافل الاجتماعي…الخ.

والتربية من جهة أخرى (في نظره) هي سعي متواصل إلى تحقيق ما نستطيع من كمال في حياتنا أي أن العمل التربوي ينبغي أن يستهدف ترقية أفكارنا وإثراء خبراتنا وإذكاء وعينا ، وتهذيب سلوكنا، تقوية إرادتنا، ليحقق في ذواتنا وفي مجتمعنا ما نتطلع إليه من قوة ورقي، ويؤكد هذا المعنى في النص التالي : “إن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل لذلك هو حياة محمد (ص) في سيرته الطيبة”.

ولكي يتحقق للإنسان الكمال الذي يتطلع إليه يجب أن يسمو العمل التربوي في نظر ابن باديس –إلى درجة يصبح مضمونه خدمة الإنسانية ومساعدة الفرد على النمو في هذا الاتجاه ، ويقول ابن باديس : “إن خدمة الإنسانية في جميع شعوبها، والحدب عليها في جميع أوطانها، واحترامها في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها هو ما نقصده ونرمي إليه، ونعمل علة تربيتنا وتربية من إلينا عليه”.

لعل القصد هنا هو التربية من تعود إلينا المسؤولية عليه). والكمال الإنساني عند ابن باديس متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل .

ويذكر ابن باديس أن حياة الإنسان مبنية على الإرادة والفكر والعمل أي على الجوانب التي تشكل شخصية الإنسان حيث يقول :”حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاثة : الإرادة، الفكر والعمل وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لابد منها فالعمل متوقف على البدن والفكر متوقف على العقل والإرادة متوقفة على الخلق، في التفكير الصحيح من العقل الصحيح ، والإرادة القوية، من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم فلهذا كان الإنسان مأمور بالمحافظة على هذه الثلاثة : عقله وخلقه، وبدنه، ودفع المضار عنها ومن هذا النص سنستخلص أن ابن باديس يرى أن التربية الحقة هي التي تتوجه العناية بالعقل والوجدان والنفس والبدن والسلوك وكل الجوانب التي تتألف منها شخصية الإنسان.

التعليم ووظيفته :

هذه هي نظريته إلى التربية أم التعليم عنده وعند غيره من المفكرين المسلمين فهو عمل العلماء الذي أوجبه الله عليهم، لهداية الناس وإرشادهم إلى النهج الذي رسمه الإسلام، ونشر العلم والمعرفة بينهم، وبث الوعي في نفوس أبنائهم وتوريثهم القيم والأفكار التي تصلح أحوالهم، وترفع شأنهم، تنهض بأمتهم.. ومن المعلوم أن التعليم هو أساس النهضة والطريق إليها، وقد ذكر ابن باديس أركان النهضة فقال : العروبة والإسلام والعلم والفضيلة “هذه أركان نهضتنا، وأركان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي هي مبعث حياتنا ورمز نهضتنا.

ثم يشيد بالرسالة التي اضطلعت بها الجمعية –منذ نشأتها- في هذا المجال فيقول :” فما زالت هذه الجمعية منذ كانت تفقهنا في الدين، وتعلمنا اللغة، وتنيرنا بالعلم، و تربطنا بوطنيتنا الإسلامية العالية، وتحفظ علينا جنسيتنا، وقوميتنا السامية، و تربطنا بوطنيتنا إسلامية الصادقة…”.

إن التعليم في نظر ابن باديس تتجاوز الاقتصار على تلقين المعرفة وتعليم وسائل اكتسابها، إن تربية الإنسان تربية شاملة يلقن فيها العلم وتربي قدراته، و تنمي مواهبه، و يؤكد ابن باديس هذا الاتجاه فيقول :” إن الأمم لا تنهض إلا على صوت علمائها، فهو الذي يحل الأفكار من عقولها ويزيل على الأبصار غشاوتها ويبعث الهمم من مراقدها، ويدفع بالأمم إلى التقدم في جميع نواحي الحياة فالتعليم إذن هو الحياة وهو التقدم، هذا ما آمن به ابن باديس و سعى له، و عمل طوال حياته.

غير أن التعليم الذي يحقق هذه  الغاية هو التعليم الذي ينطلق من تصحيح العقيدة وتقويم السلوك، ويراعي أحوال الناس الحاضرة، ويبني مناهجه على أساس الربط بين العلوم الموروثة والحقائق الحضارية المعاصرة.

ويبدو من تحليل ابن باديس لوظيفة العلم والعلماء، ودور التعليم في بعث اليقظة الفكرية وإحياء مجد الأمة أنه مدرك تمام الإدراك الدور الخطير الذي يؤديه التعليم المنظم، والأثر الذي يحدثه في شخصية الفرد، وشخصية المجتمع، سلبا أو إيجابا، لذلك رأى أن صلاح التعليم أساس الإصلاح، وبما أن العلماء هم الذين يوكل إليهم تعليم الناس و تثقيفهم وهدايتهم ،فإنهم  لن يستطيعوا القيام بهذه الرسالة الإنسانية النبيلة المنوطة بهم، إلا إذا كانوا على وعي تام بها ولم يكونوا من أهل التحجر و الجمود في تفكيرهم، وفي أعمالهم، وفي نظرتهم إلى الدين وارتباطه بالحياة، يقول ابن باديس: ”لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فإن العلماء من الأمة بمثابة القلب، إذا صلح الجسد كله، وإذا فسد الجسد كله، وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام، وعملهم به و إنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علمائهم أهل جمود في العلم، و ابتداع في العمل، فكذلك المسلمون يكونون، فإذا  أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علمائهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته…

المبادئ التي يمكن استخلاصها من أقوال ابن باديس، من بين المبادئ التي يمكن استخلاصها من أقواله والتي تعتبرها أساسا وموجهات للعمل التربوي والتثقيفي ما يلي :

التربية حق للجميع

إن التربية في نظر ابن باديس من الحقوق الأساسية التي يجب أن يمكن منها جميع المواطنين، هي الوقت ذاته واجب على المجتمع.

لذلك كان اهتمامه موجه لتعليم جميع المواطنين صغارا و كبارا ذكورا وإناثا لأنه لم يكن من أنصار التعليم الموجه لصفوة من الناس أو خاصتهم، وإنما كان من الداعين إلى نشر التعليم على أوسع نطاق لتمكين أكبر عدد من أبناء الوطن من تعلم لغتهم ودينهم وتاريخهم، والعلوم التي تهيئهم للحياة التي تنتظرهم، وتعدهم ليكونوا جنود الوطن وحماته.

ونستشف هذا التوجه من النص الذي سبق ذكره و الذي يقول فيه:

”علينا أن ننشر العلم في أبنائنا وبناتنا، ونسائنا ورجالنا على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم إلخ”.

وقد ورد في القانون الأساسي  لجمعية التربية والتعليم الإسلامية التي هو رئيسها والتي كانت بمثابة هيئة عليا للتوجيه التربوي ما مفاده أن الجمعية تدعو جميع الجزائريين في كل جهة من جهات القطر إلى تأسيس فروع لتربية أبنائهم وبناتهم، وأن يسعوا لذلك السعي المتواصل…

فإنهم أي -المواطنين- لا بقاء لهم إلا بالإسلام ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم ويشر هنا إلى البند الأول من قانون الجمعية الذي ينص على تربية أبناء المسلمين وبناتهم تربية إسلامية عربية تحفظ  عليهم دينهم ولغتهم وشخصيتهم، وتهذب أخلاقهم وتثقف أفكارهم رأي ابن باديس في إقرار  التربية للجميع مستمد من الإسلام الذي يدعوا إلى طلب العلم.

الأولوية للبعد التربوي :

يرى ابن باديس أن التعليم وسيلة للتربية لذلك يعطي اهتماما أكبر عند ممارسة النشاط التعليمي للبعد التربوي، لأن الاقتصار على تلقين المعارف التي لا تمتد إلى تنمية تفكير الإنسان وبناء وجدانه و تهذيب سلوكه لا يحقق رسالة تربوية فالتعليم كما هو معروف عند كبار المربين سبيل التربية، وأداة من أدواتها، ومتى فقد التعليم هذه الروح فقد القدرة على التغيير.

وابن باديس حين يتحدث عن التعليم لا يفصله عن التربية، ولا ينظر إليه على أنه نشاط غايته ذاته، بل يجعله أحيانا مرادفا للتربية، وهو المفهوم الذي استعمله القرآن في أكثر من الآيات التي يفهم منها ذلك.

التكامل بين العلم والعمل وبين النظرية والتطبيق :

إن حرص ابن باديس على جعل العلم أساس العمل وجعل العمل متكاملا مع العلم واضح في جميع أقواله التي طرح فيها المسائل المتعلقة بالعلم والعمل .لأنه ربط النظرية بالتطبيق من صميم التربية في الإسلام وحقيقة من الحقائق الكبرى التي يقوم عليها الفعل التربوي المتطور لأن قيمة العلم ليست قيمة مطلقة إنما قيمته في تطبيقات والممارسات التي تترجم الحقيقة العلمية وتجسدها للعيان ، وتجعلها فعلا حيا بين الناس يبنون به حياتهم فالعلم الذي يبقى مجرد متعة فكرية لا يفيد وكذلك العمل فهو ليس قيمة مجردة عن المنفعة التي يحققها والأساس العلمي الذي يقوم عليه.

يقول ابن باديس في هذا الصدد “من دخل في  العمل بلا علم لا يؤمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال” (الشهاب ج 12م8) وينبه ابن باديس المسلمين إلى ضرورة أخذ أسباب الحياة والعمران والتقدم وإلى التمسك بما يدعوهم إليه الإسلام في هذا المجال والأخذ بأسباب التقدم يعني العناية بالعلوم بصفة عامة والعلوم التطبيقية بصفة خاصة فالتركيز على المجالات الدراسية ذات الطابع العملي التطبيقي بينهم مع مواريثنا الثقافية والحضارية، ومع قيمنا الإسلامية التي تمقت الكسل والتواكل وتستحث العقل على التدبر، وتدعوا إلى العمل، وتعلى من شأن العلم الذي يرقى في الإسلام إلى مستوى العبادة هو العلم التطبيقي الذي ينفع العبادة، ويرفع من شأن البلاد، و يحقق النهضة المنشودة.

وابن باديس حين يحدثنا عن ربط العلم بالعمل جدير أن يذكرنا بأن معظم العلماء  الذين ازدهر بهم تاريخ الحضارة العربية الإسلامية كانوا علماء يجمعون بين الفكر النظري والتطبيق العملي لذلك انتفعت البشرية بعلمهم و تطورت الحضارة بإنتاجهم.

والنصائح التي قدمها ابن باديس للطلاب الذين تعلموا في المدارس القرآنية نصب في هذا الاتجاه فقد قال لهم ذات مرة بعد أن حاورهم حول العلاقة التي تربطهم بأمتهم ”عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنتشلوها مما هي فيه بما عندكم من علم و ما اكتسبتم من خبرة محافظين على مقوماتها سائرين بها في موكب المدنية الحقة… وبهذا تخدمون أنفسكم و تخدمون الإنسانية بإنهاض أمة عظيمة من أممها، ثم لا يمنع هذا من أخذ العلم عن كل أمة وبأي لسان و اقتباس كل ما هو حسن مما عند غيرنا.

يريد من هؤلاء الشباب أن يوظفوا معارفهم في خدمة بلادهم، والسعي إلى النهوض بها، كأنه يقول لهم ما فائدة العلوم التي اكتسبتموها إن لم تترجموها إلى إنجازات عملية تفيدكم و تفيد بلادكم.

–      المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة في العمل التربوي من بين المبادئ التي تجسد فلسفة ابن باديس التربوية جعل العمل التربوي يسير في اتجاهين متكاملين :

أ‌.      يرسخ القيم والاتجاهات الوطنية والدينية في نفوس المتعلمين.

ب‌.   اتجاه يوجه الاهتمام لمعايشة حقائق العصر، والأخذ بأسباب التقدم، إذا كان يحث الشباب على السير في الاتجاهين، التمسك بهويتهم، والارتباط بقوميتهم ومسايرة العصر والتفتح على العلوم الحديثة لأن تكون أجيال متوازنة في ثقافتها متمسكة بمقومات أمتها، ومتفتحة على علوم عصرها هو التوجه التربوي الصحيح الذي يجب الأخذ به.

ولتوضيح آراء ابن باديس التي تصب في هذا الاتجاه نورد بعض النصوص التي تبرز حرصه على الجمع في تفكيره بين عناصر الأصالة ومتطلبات المعاصرة من ذلك حواره مع الشباب المتعلم تعلما أجنبيا ، أولئك الذين بدا له من خلال حواره معهم أنهم مغرورون بما وصلوا إليه من مستوى علمي، غير مكترثين بالحالة التي عليها أمتهم.

وتجده في نص آخر يوجه نصائحه إلى الشباب المسلم لكي يكون أصيلا ومعاصرا يقول حافظ على حياتك ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك، وجميل عادتك.

وإذا أردت الحياة لهذا كله فكن ابن وقتك وتسير مع العصر ، الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل ، كن عصريا في فكرك وعملك وفي تجارتك وصناعتك وفي فلاحك وفي تمدنك ورقيك.

وفي مجال التفتح عبر الحياة المعاصرة نبه إلى أهمية تعلم اللغات الأجنبية وأوضح ذلك من خلال ذكر قصة زيد ابن ثابت (رضى الله عنه) كاتب النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي أمده في تعلم اللغة العربية نظرا للحاجة إلى تبادل المراسلات بين الرسول –صلى الله عليه وسلم- وبين يهود المدينة المنورة وفي هذا الاتجاه كتب ابن باديس مقالا بعنوان : تعلم اللغتين ضروري لنا.

ثالثا :الأهداف والغايات :

التربية كما هو معلوم ليست مفاهيم فلسفية أو مبادئ واتجاهات فكرية فحسب، ولكنها أهداف ومضامين وطرائق عملية كذلك لأن أي مشروع يتعلق ببناء الإنسان وتطوير ظروف عيشه، وتنظيم أمور حياته يجب أن يستند إلى أهداف واضحة وغايات محددة، ويعتمد وسائل ملائمة وإلا فقد المشروع قدراته على التغيير والتطوير وعند الرجوع إلى آراء ابن باديس وأعماله في مجال التربية تجده يحدد للعمل التربوي حملة من الأهداف والغايات التي يرى أنها كفيلة بمعالجة الوضع المتدهور وإثارة الطريق أمام المشتغلين في حقل التربية والثقافة سواء أكانوا ممارسين للعمل أم مشرفين عليه ، والأهداف التي يجددها ابن باديس على النوعين :

–      أهداف  آنية تسعى لتحقيق الإصلاح العاجل

–       أهداف  بعيدة المدى تتطلع إلى تحقيق الغايات المنتظرة من المشروع.

الأهداف الآتية :

من بين الأهداف الآتية التي اعتبرها ابن باديس إطار موجها للجهود التربوية مايلي :

العناية بإعداد الفرد تعليما وتربية إن الاهتمام بتنشئة الفرد واضح في فلسفة ابن باديس وتركيز على الجانب الخلقي في هذه التنشئة هو جوهر التربية في نظره. لأن بناء الفرد هو المسلك العملي لبناء المجتمع، ومن هنا فالتوجه نحو بناء المجتمع من غي أن يكون المنطلق لذلك هو بناء شخصية الفرد لا يؤدي إلى بناء مجتمع سليم قوي ومتوازن لأن صلاح المجموع مرهون بصلاح الأفراد ويوصي ابن باديس المربين بأن يجعلوا مهمتهم إعداد الأفراد للحياة التي تنتظرهم على أساس الحقائق الإسلامية ومتطلبات الحياة يقول : على المربين لأبنائنا وبناتنا أن يعلموهم يعلموهن هذه الحقائق الشرعية ليتزودوا وليتزودن بها، وبما يطبعونهم ويطبعوهن عليه من التربية الإسلامية العالية لميادين الحياة فيكونوا ويكن مثال الطهر والعفاف الصون.

تصحيح العقائد وتقديم الأخلاق :

من الأهداف التي ترتبط في إعداد الفرد تصحيح العقائد وتهذيب الأخلاق لأن بناء العقيدة وتقويم السلوك الفردي ثم الاجتماعي بعدالة العملية التربوية، وعليه يتوقف نجاح كل حركة تغيير وإصلاح.

إن إعداد الفرد وفق التصور الإسلامي يتطلب العناية بمختلف مكونات شخصية الإنسان (أي بالبناء الداخلي والخارجي) على أن تكون نقطة البداية في هذا الإعداد هي بناء وجدان المتعلم بتزكية نفسه وتصحيح عقيدته وتقويم خلقه، لأن إصلاح الباطن هو الذي يقود إلى إصلاح الظاهر، وهو الأصل في كل إصلاح خلقي أو ديني أو اجتماعي (وهذا ما تعنيه الآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

إن هذا النص عبارة عن توصية عامة وجهها ابن باديس إلى المربين في أعقاب حديثه عن السفور والحجاب إنها توصية لا ترتبط فقط بهذا الموضوع بل هي توصية عامة تشمل كل الجوانب الحياتية التي يعيشها الجزائري والتي يجب أن يعد لها إعدادا كاملا يمكن فيه من معرفة الحقائق الشرعية ومقتضيات التطور الذي يفرض عليه أن يكون تعامله مع جوانب الحياة تعاملا إيجابيا يحرص فيه على التوفيق بين عقله ودينه، تعاملا لا يضحى فيه بقيمه ولا يتخلى عن مواكبة عصره.

السعي لتحقيق الكمال الإنساني:

من بين الأهداف التي يرى ابن باديس أنها متممة لتنشئة الفرد ومحققه لشخصيته، السعي لتحقيق الكمال على المستوى الفردي والجماعي لأن إيصال الإنسان المتعلم إلى ما يصبو إليه ، وما يستطيعه من كمال إنساني في حياته غاية من غايات التربية  وبعد من أبعادها ويوضح ابن باديس هذا البعد فيقول: “إن كل ما تأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية والمثال الكامل في ذلك هو حياة محمد –صلى الله عليه وسلم- في سيرته الطيبة.

-تكوين الشخصية المتكاملة أهم صفات الكمال أن بناء شخصية الفرد وإعدادها إعدادا متكاملا يشمل الجوانب العقلية والوجدانية والجوانب العقلية والوجدانية والجسمية والاجتماعية والخلقية من أهم الأهداف التي كان ابن باديس يلح عليها ويدعوا إلى الاهتمام بها لأن تكاملا لشخصية وتوازن عناصرها أبرز صفات الكمال ولا يتحقق الكمال في نظر ابن باديس إلا إذا اهتمت التربية بتنمية فكر الإنسان وتربية وجدانه وتهذيب سلوكه وتقوية بدنه وفي هذا الصدد يقول :

إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإدارة وقوة العمل فهي أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد أي يكون هناك تعادل وتكامل بين هذه القوى ويوضح ابن باديس هذا التكامل بين العلم والعمل والأخلاق فيقول :”حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاثة (الإرادة  الفكر العمل ) وفي موضع آخر يحدث عن الإيمان بدل الإدارة وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخري لابد منها للإنسان والعمل متوقف على البدن والفكر متوقف على العقل والإرادة متوقفة على الخلق ، فلهذا كان الإنسان مأمور بالمحافظة على عقله وخلقه وبدنه.

تثقيف عقول الناشئة بالعلم وتحريرها من الجمود :

من الأهداف الأساسية التي تضمنها القانون الأساسي لجمعية التربية والتعليم الإسلامية الذي حرره ابن باديس : تثقيف أفكار الناشئة بالعلم لأن العلم –كما يقول هو الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات، وهو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمم وسيادة الشعوب، لذلك دعا إلى الاهتمام بالعلم بتعلمه ونشره وتحمل المشاق في سبيله، وحذر من جعله مطية للشهر والجاه، أو لنيل الوظائف وتقلد المناصب ونبه إلى أهمية استشعار الرغبة الذاتية في طلب العلم للعلم، لكونه الوسيلة التي يحقق بها الإنسان كماله، ويرقي تفكره ويزيل عن عقله غشاوة الجهل، التي تحجب عنه حقائق الكونية المحيطة بنا وظواهر الحياة التي تعيش معنا وفينا إذ بالعلم يكتشف الحقائق ويبتكر الوسائل التي تأهل الإنسان للعمل النافع، الذي يفيد البلاد ويصلح أحوال العباد ، ثم إن طلب العلم واجب ديني ومطلب اجتماعي وقيمة أخلاقية.

–      الأهداف بعيدة المدى والغايات المنتظرة من بين الأهداف الاستراتيجية التي تشك الغايات المتطورة من المشروع مايلي:

تكوين جيل متشبع بالفكر الإصلاحي ، إن الغاية التي كان يتطلع إليها بن باديس من وراء جهوده ونشاطاته هي تكوين جيل مسلم بالعقيدة المتينة والوطنية الصادقة، والمعرفة العلمية الصحيحة جيل متشبع بالفكر الإصلاحي قادر على مقاومة الانحراف ومظاهر الجمود والخنوع واليأس المتفشية في المجتمع.

خدمة الإنسانية ومساعدة الأفراد على النمو في هذا الاتجاه، إن تفكير بن باديس لم يكن تفكير قطري أو إقليميا ضيقا بل كان تفكيرا عربيا وإسلاميا وإنسانيا في الوقت ذاته، لذلك يرى أن الجهد التربوي يجب أن يتجه إلى خدمة الإنسانية ومساعدة المتعلمين على النمو في هذا الاتجاه، وله رأي واضح في هذا المعنى فلنستمع إليه :”إن خدمة الإنسانية في جميع أوطانها واحترامها في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها وما نقصده ونرمي إليه ونعمل على تربيتنا وتربية من غلينا عليه.

إن إدراج هذه الغاية ضمن غايات التربية يعني في المنظور الباديسي أن التربية مدعوة إلى جعل الغاية من تربية الأجيال تنمية الشعور الإنساني في نفوسهم وجعلهم يدركون الحقيقة الإنسانية المجردة عن الزمان والمكان، ونبذ روح التعصب العرقي، أو الكراهية ضد الأجناس والديانات والثقافات، وبث المحبة والتفاهم بين البشر قاطبة يقطع النظر عن اعتبارات الجنس والعرق والمعتقد.

– المحافظة على الشخصيات العربية الإسلامية في الجزائر تعد المحافظة على الشخصية الجزائرية بجميع مقوماتها اللغوية والدينية والتاريخية والجنسية أهم الأهداف الإستراتيجية الكبرى التي ظل بن باديس يعمل في كل الواجهات من اجل إيجاد الشروط لتحقيقها.

ترقية التعليم وإصلاحه :

التعليم في نظر ابن باديس هو الدواء الشافي من الأمراض الاجتماعية والفكرية التي تعانيها الأمة في ذلك العصر وهو العلاج الناجح لمشكلاتها السياسية والثقافية والاقتصادية إذ لا مخرج لها من الأزمة التي تتخبط فيها إلا بالتعليم الذي يؤسس وفق حياتها ويبني مناهجه على أسس سليمة تراعي فيها أحوالها وأوضاعها وتستلهم النهج الذي خطه رسول الأمة وسار عليه أئمة السلف والعلماء الذين فهموا الروح التي قام عليها فكانوا يعلمهم وعملهم منارة هدي للأمة .

والمشكلة في رأيه هي إصلاح التعليم الذي يؤدي إلى إصلاح العلماء لينتهي الدور على إصلاح أوضاع التعليم دعا إلى عقد مؤتمر لدراسة قضايا التعليم ساهم فيه أعضاء جمعية العلماء وقدمت فيه تقارير مختلفة.

تحقيق النهضة في الجزائر :

تعد هذه  الغاية محصلة الغايات والأهداف التي كان ابن باديس يخطط لتحقيقها وتحقق النهضة وفق المنظور الباديسي بالعمل على تقرير الانتماء إلى العروبة وإحياء مجد اللغة العربية الرمز المعبر عن هذه العروبة والرجوع إلى الإسلام في منابعه الصافية التي كان ينهل منها سلفنا ونشر العلم والمعرفة والتخلي بالأخلاق الفاضلة.

وقد حدد ابن باديس أركان هذه النهضة في محاور أربعة هي : العروبة والإسلام و العلم والفضيلة، قال : هذه أركان نهضتنا وأركان جمعية العلماء، التي هي مبعث حياتنا ورمز نهضتنا فمازالت هذه الجمعية منذ كانت تفقهنا في الدين وتعلمنا اللغة العربية وتنيرنا بالعلم، وتحلينا بالأخلاق العالية، وتحفظ علينا جنسيتنا وقوميتنا السامية وتربطنا بوطنيتنا الإسلامية الصادقة، يريد ابن باديس أن يبنين لنا أن النهضة يجب أن تبنى على هذه العناصر المذكورة.


آخر التغريدات: