النشاط التعليمي التربوي للإمام عبد الحميد بن باديس

النشاط التعليمي التربوي للإمام عبد الحميد بن باديس

مما كتبه العلامة الفاضل بن عاشور عن عبد الحميد بن باديس قوله : “إن فضل النهضة الجزائرية على العالم الإسلامي فضل عظيم، وإن أثر الشيخ عبد الحميد بن باديس في تلك النهضة أثر إنساني رئيس..” عبد الحميد عالم معلم. استفاد في طفولته وشبابه، وأفاد في رجولته. فأحدث الأثر الذي يفسح له مكانه بين العظماء.

 والعظيم يعطي ولا يطلب، ويمنح ولا يمنّ ؟ أراد أن تعود للجزائر عهود ازدهارها، وأراد لها أن ترى نور المستقبل بعين واعية. والتعليم خير وسيلة، وهو الهدف من التعلم. ولا خير في علم لا ينفعه علمه في خدمة امته. والتعرف على جهود ابن باديس ونشاطه في الميدان التعليمي – التربوي يحسن بالمرء أن يعود إلى وضع التعليم في الماضي، حتى تتبين جهود الرجل..

التعليم خلال العهد الاستعماري

احتلت فرنسا بلادنا، فبادرت بمسح كل ماله علاقة بشخصيتنا القومية والوطنية، من لغة، وين، وقيم، وتراث.

كان التعليم منذ الاحتلال إلى الاستقلال نوعين : تعليم رسمي، وتعليم حر.

– التعليم الرسمي تتحكم فيه فرنسا تحكما كاملا، وقسمته إلى قسمين : قسم خاصّ بالأوروبيين، وقسم خاص بالأهالي. فالأوروبيون يحق لهم أن يتعلموا ما طاب لهم من العلوم، وان يتعلموا ما به يستطيعون اعتلاء الدرجات العليا في الحكم، حتى يكونوا الحاكمين، لأنهم في الفلسفة الاستعمارية “جنس متفوق” وأما الأهالي فيكفيهم أن يتعلموا الجزء القليل الذي “لا يسمن ولا يغني من جوع”. لأنهم أيضا في الفلسفة الاستعمارية” جنس منحط”، بل وأكثر من هذا، فقد اعتبر التعليم الاستعماري الجزائريين عموما ناقصي عقل، ومن الخطأ إضاعة الوقت في افنفاق على تعليمهم، لأنهم غير قابلين للتطور. قال بيار مورلان : “لا يجب أن ننظر إلى المواطن الجزائري، وكأنه ذو عقل شبيه بعقلنا. وإذا فكرنا في أن التعليم يستطيع أن يغيره تغييرا كاملا فإننا نخالف بذلك، بل نتجاهل قانون التطور الثابت” 1

لم تتورع فرنسا عن إقحام المدرسة التي أنشأتها ضمن وسائل الاحتلال كما اعترف بذلك ألفرد رامنو : “لقد تحقق الاحتلال الأول بفضل السلاح، وتحقق الاحتلال الثاني بإرغام الأهالي على قبول إدارتنا وعدالتنا. أما الاحتلال الثالث فسيتم عن طريق المدرسة، ويجب أن تضمن تفوّق لغتنا على مختلف اللغات المحلية ” 2

لقد ارتكبت فرنسا جرائم بشهادة شارل روبير آجرون المؤرخ الذي كتب : “منذ عام 1830 حتى عام 1848 ارتكبت الإدارة الفرنسية في حق التعليم الوطني جرائم فظيعة : استحواذ على أوقاف المساجد والتعليم. تدهور الكتاتيب والمدارس من جراء ذلك. هروب الأساتذة، ومن لم يهرب وجد نفسه عاطلا. تخريب الزوايا ، وبعثرة مخطوطاتها دون الاستفادة منها” 3. نعم إنه إجرام، لقد “كان يوجد في قسنطينة وحدها في عام 1837 وهو العام الذي دخل فيه الاحتلال الفرنسي إليها 79 كتابا ومدرسة قرآنية، يتردد عليها حوالي 150 طفلا وطفلة” 4

وعلى هذا الأساس، فإن نسب الأطفال الجزائريين الذين التحقوا بالمدارس الفرنسية كان ضئيلا، لا يتجاوز في أحسن الحالات 10%. بالإضافة إلى المحدودية المفروضة في برامج أبناء “الأهالي” في المواد والوسائل والهداف. وهناك من الجزائريين من وجد طريقه لمواصلة التعليم الثانوي والقلة القليلة منهم هي التي تمكنت من الوصول إلى الدراسات الجامعية، وهي قلة تنتمي في معظمها لعائلات، لها علاقة طيبة مع الإدارة الفرنسية. وبلغ بعض هؤلاء درجة محترمة من الوعي والنشاط في مختلف المجالات.

– التعليم الحر : وهو تعليم يتمثل في الكتاتيب القرآنية، والمساجد والزوايا، غير انه تعليم عقيم، لم يستطع الصمود أمام التعليم الفرنسي العصري الحديث، الذي يغري الطفل على الإقبال على التعلم، في حين أن التعليم الحر منفّر، لعجزه عن مواكبة التطور التعليمي – التربوي.. وكيفما كانت نوعية هذا التعليم، فإن الجزائريين اكتفوا به على ما به من نقائص. تمسكا بالأصالة، ونفورا من ثقافة القهر والاستعلاء.

كيف كان موقف الجزائريين من السياسة التعليمية الفرنسية ؟

الموقف الأول : في المرحلة الأولى من تواجد الفرنسيين بالجزائر، قاطع الجزائريون الثقافة الفرنسية بما فيها المدرسة ( ابتدائية . ثانوية وغيرهما ) مقاطعة كاملة في إطارين : إطار رئيسي : نبع من الطبيعة الجزائرية في “حسّ الرفض” أو حساسية رفض كل ما هو أجنبي، وخاصة إذا كان صادرا من مستعمر غير مسلم .. وإطار ديني : يعتبر الفرنسيّ كافرا اعتمادا على الأثر القائل “من تشبّه بقوم فهو منهم” هذه المقاطعة كانت عامة نسبيا في المدن، ولكنه في الأرياف كان كاملا، وكأن المقاطعين تلقّوا أوامر من تنظيم معيّن. امتدت المقاطعة أزيد من خمسين عاما. كان عدد الأطفال المتمدرسين بالمدارس الفرنسية غير مستقر.

الموقف الثاني : بعد انتفاضة المقراني – بلحداد أي بعد عام 1871 شعر الجزائريون بأن منع أولادهم من الالتحاق بالمدرسة الفرنسية، وتركهم فريسة التجهيل خطرّ.

وتأكدوا بأن التعلم ولو بلغة فرنسية أفضل من الجهل. ولهذا لوحظ التحاق نسبة كبيرة من الأطفال، تفوق نسب العشريات الفارطة. ارتفع العدد من 13439 عام 1883 إلى 68000 عام 1930. وحرّك الاهتمام بالتعليم والتمدرس نواب المجالس المالية، وأعيان الجزائر لأن يطالبوا ويلحوا في عرائضهم واتصالاتهم وخطبهم على موضوع التعليم “الأهلي”، وبلغ الأمر إلى إرسال الوفود إلى فرنسا، والبعض من هؤلاء النواب ألحّ على إدراج تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في المدارس الفرنسية. ومن هذا البعض : الشيخ محمد بن رحال في الغرب الجزائري، والدكتور/ محمد بن العربي في الوسط، ومحمد بن سليمان في الشرق .. وممّن أدرج قضية التعليم في تقرير القاضي حميدة بن باديس.

الموقف الثالث : موقف التحدي.. تبلور هذا الموقف بصفة واضحة بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة اليأس من تحقيق المطالب التعليمية رغم نداءات جول فيري الذي تبنى مبدأي المجانية والإلتزامية. هنا بدأت تعلو أصوات تنادي بتعليم حر لا يعتمد على الإدارة الفرنسية .. ولكن هذه النداءات لم تتحول إلى واقع في الميدان. وبذلك أصبحت البلاد في حاجة إلى من يحقق أمنيتها..

فمن هو المؤهل لتحقيق بديل ؟..

الشخصية .. والأحداث

اشتركت في عجن شخصية عبد الحميد بن باديس عدة عوامل، منها العوامل الطبيعية الفطرية كالذكاء الذي عرف عنه، والذكاء وحده لا يكفي عن لم يكن هناك استعداد لدى الشخص. والاستعداد الداخلي في الطفل والشاب تبدو آثاره في تصرفاتهما مع النفس ومع الغير، ومما روي عن عبد الحميد أن سلوكه العام كان في طفولته سلوك رجل راشد. وكلما تقدم في السن إلا وتولد لديه شعور بالمسؤولية الغامضة في بدايتها.

ومما غذى هذا الشعور هو إمامته لأداء صلاة التراويح وسنه لا تتجاوز الرابعة عشر. ثم فرض رغبته للالتحاق بالزيتونة في تونس، حيث احتك بعلماء أجلاء كانوا معجبين بشخصيته. فشجعوه على تدعيم الشخصية بالثناء والتقدير. وانطلاقا من استعداده الواضح، ومن بروز ملامح الشعور بالمسؤولية راح المشائخ في الحجاز ومصر يوجهونه الوجهة التي أحسوا بأن الشاب مؤهل لها.

هذه الشخصية وجدت بيئة ساعدتها على النماء والتفتح على حقائق ودقائق الأشياء والأمور، وما هو أهم من ذلك، أنها وجدت عائلة اكتسبت من المجد ما أغناها من التعريف. أنجبت العديد من الرجال العظام في الحكم، والسياسة، وخاصة في ميداني الفتوى والقضاء، حتى أصبحنا حكرا على الأسرة الباديسية في عهد من العهود.

ومن أبرز العوامل في تكوين شخصية الرجل أحداث عصره، وقد كانت مثيرة ومؤلمة. في مقدمتها :

أولا : قوانين الأنديجينا وهي قوانين تسلطية جائرة، وضعت عام 1897 إمعانا في امتهان كرامة الفرد بعد انتفاضة المقراني – الحداد في حالة قيام الفرد الجزائري بما يعتبره المستعمرون مخالفة. منحت المعمرين وللحكام حق محاكمة الأهلي في حال ارتكابه مخالفة من المخالفات التي كانت في بداية المر تفوق الأربعين. وبعد ذلك وضع الوالي العام ريفوال محاكم خاصة للجزائريين.

ثانيا : قانون المحاكم الإسلامية : هذا القانون في الحقيقة غنما وضع من أجل أن تدعم السلطة شريحة معينة من الأوروبيين المستبدين المتسلطين. بعد أن تقرر إلغاء القضاء الإسلامي المعمول به في الماضي، أيضا على يد الوالي العام الأميرال دوغيدون ( 1871 – 1876).

وإذا كانت العناصر الوطنية اهتمت بمسألة القضاء، لأن ذلك في رأيهم يعود إلى قدسية العدالة في بناء المجتمعات النظيفة، فإن ابن باديس اهتم بقضية القضاء لعلاقتها بالماضي العائلي.

ثالثا : التجنيد الإجباري : أصدرت فرنسا عام 1912 مرسوما يقضي بإجبارية تجنيد الجزائريين. استقبله الجزائريون بالرفض والتمرد المسلح في بعض المناطق، واعتبروه كارثة وطنية، وإهانة تفوق كل الإهانات التي سلطت عليهم. وظاهرة التجنيد الإجباري اتسمت بإيجابية وهي الإجماع الشعبي على رفض المرسوم.

رابعا : الزحف التبشيري : تعد حركة التبشير المسيحي من أخطر الحركات التي واجهها العالم الإسلامي. وخطورتها في ارتباطها الوثيق بالنظم الاستعمارية. وليس التبشير إلا مواصلة المعركة الصليبية تحت غطاء غير مباشر.. المسيحية في حقيقة أمرها دين، استعملها لأغراض استعمارية. قال الأب يونس : ” يجب على فرنسا إذا شاءت أن يدون نفوذها، وترسخ قدمها في هذه الأقطار أن تنصر أهالي شمال إفريقية ” 5.

وأخطر مبشر عرفته الجزائر هو الكاردينال لافيجري. وخطورته في “أن تنصيره للأطفال، بل ولكل المسلمين سيعمل على تثبيت الوجود الفرنسي في الجزائر، لأن التبشير يخلق قوة سياسية جديدة تتمثل في الأهالي الأوروبيين الذين سيعملون على إخماد الثورات”6 استغل هذا الكاردينال الكوارث التي حلت بالبلاد لاختطاف الأطفال الصغار وتنصيرهم. وشعورا منه بقوته أو بوقاحته أجاب نابليون الثالث الذي عرض عليه أسقفية ليون بقوله : ” إن القضية ليست بعث مملكة عربية، بل هي قضية إدماج عن طريق التنصير” 7.

هذه الأحداث كان لها أثرها في شخصية عبد الحميد بن باديس، فأولاها اهتمامه كتابة وعملا..

شعر ابن باديس أن هناك فراغا، في الكثير من ميادين الحياة الجزائرية .. هناك أحداث. ما هو موقف الجزائريين منها؟.. وهناك بدع منتشرة لوثت الوجه الإسلامي المشرق، فما هي الوسيلة الناجعة لتطهير الإسلام من هذه البدع الدخيلة؟.. وهناك جهل أغرق الجماهير في سبات عميق، فما هو العلاج؟..

استفاد عبد الحميد من دراساته التي تلقاها في الزيتونة، ومن جولته في الشرق العربي، فعرف في النهاية أسباب التخلف، والسبب الأول في نظره هو الجهل .. وأدرك أن واجب العلماء أن يتصدوا لمحاربة الجهل، بوصفهم مسؤولين أمام الخالق عز وجل.

وواجب المجتمعات أن تشجّع العلم والتعليم لنفض غبار التخلف عنها.. ومن هنا اختار أن يكون الرائد الذي يقول ويعمل..

كيف كان عبد الحميد ريادة للتعليم الحر ؟

لو طلب من شخص ما، أن يتقدم بتعريف مختصر لابن باديس أو لو سئل : من هو ابن باديس؟ لأجاب : ” إنه التربية والتعليم “. وهو فعلا ذلك، لأن الشخص لم يعش لغيرهما .. نذر حياته للتربية والتعليم، فوفى بنذره متطوعا حتى آخر رمق من حياته بكل صدق وإخلاص وأمانة. لأن العلم أساسي في حياة الشعوب، وليس بالأمر الكمالي، ولكن ما الوسيلة للتعليم كعلاج؟..

قال محددا دور العلماء : “والعلاج في رأينا وسيلتان لا ثالث لهما : إحداهما المستنيرين المتسلحين بالإيمان الصادق، والوطنية الصحيحة، بتأسيس جمعية عامة، أو على الأقل تأسيس جمعية في كل عمالة من العمالات الثلاث، فيدعمون تلك الجمعية والجمعيات ببرنامج محكم، يتناول في طالعة مواده ودوب تأسيس المدارس الابتدائية في البلدان والقرى لتعميم التعليم الابتدائي الحر الفرنسي والعربي. ومحددا دور المجتمع .

“وثانيتهما : تتكفل كل بلاد بمفردها بالقيام بالواجب نحو أبنائها. بيد أن الأمر في هذه الحالة يتوقف على تأسيس جمعية إرشادية علمية مؤلفة من العمالات الثلاث، وعلى كل بلاد أن تختار مندوبين أكفاء يمثلونها في كل اجتماع .. ” 8

دعوة ابن باديس هنا صريحة موضوعية، لها أبعاد وطنية بعيدة المدى بما احتوتها :

–      تحميل المثقفين المسؤولية، ودعوتهم لأن يكونوا الطليعة.

–      أولوية العمل الجماهيري هي التعلم والتعليم.

–      التفتح في عدم التمييز بين اللغتين : الفرنسية والعربية.

–      شمولية الدعوة، بطلب تعميم الاهتمام على العمالات الثلاث.

وحتى يكون للدعوة تأثير راسخ، أضفى على التعليم الطابع الديني، قائلا : ” كان مما ربى عليه الإسلام هذا الشعب الجزائري الكريم أن يطلب العلم للعلم، وان يسعى إليه في كل أرض، وأن يتعلمه بكل لسان، وأن يتناوله شاكرا من كل أحد ” 9

ومن ريادة ابن باديس في قضية التعليم انه خرج بمطلب التعليم من مطالب أفراد، إلى جعله مطالب شعب، وتحديده للغرض التعليمي في استخدام العقل، وأفاض في ذلك أثناء تفسيره للآية الكريمة : ” ولا تقف ما ليس لك به علم..”، بل نجد أنه نعى على المسلمين إسلامهم الوراثي لأنه مبني على الجمود والتقليد، مشيدا وداعيا إلى الإسلام الذاتي ” أما الإسلام الذاتي فهو إسلام، ويدرك محاسن الإسلام في عقائده وأخلاقه وأدابه وأحكامه وأعماله، ويبني ذلك كله على الفكر والنظر. فحياته فكر إيمان وعمل. وحبته للإسلام محبة قلبية بحكم العقل والبرهان، كما هو بمقتضى الشعور والوجدان ” 10. وبدعوته إلى تنشيط الفكر ردّ مفحم على الادعاء الاستعماري بأن الجزائريين ناقصو عقل، عيمو التفكير، وعلى التحامل على الإسلام بأنه دين جمود وخمول..

عبد الحميد والأسلوب العملي لبناء صرح تعليمي حر

اتجهت كتابات ابن باديس إلى الحث على التعلم والتعليم. وحمّل الشعب مسؤولية طلبه للعلم كي يتغلب على تعاسته وبؤسه، ولكي يتجاوب مع طبيعته الإسلامية، فقد كتب : “ما من شك في أن الشعب الجزائري شعر بسوء الحالة التي وصل إليها من جميع نواحيه. وما من شك في أنه قد آلمه ما شعر به، فأخذ يعمل للتخلص من تعاسته، والنهوض من كبوته بكل ما يستطيع.

“الشعب الجزائري شعب مسلم طبعه الإسلام على تعظيم العلم، وحب التعلم، واحترام المتعلمين. فلما دبّت فيه الحياة وهبّ للنهوض اندفع للتعلم اندفاعا أدهش قوما، وحيّر آخرين” 11

وعبد الحميد يختلف عن غيره من رجال الإصلاح من حيث أنه شخص مغرم بالتعليم، وبالتعليم الهادف إلى ترقية الشعب، لا إلى تأكيد المعلومات لدى صفوة مّا.

حتى أن الدكتور/ محمد فتحي عثمان ذكر هذه الظاهرة في عبد الحميد مقارنا إياها بنظيرتها لدى محمد عبده حيث قال : ” وكان ابن باديس في مشروعاته التعليمية يعمل بروحه الشعبية المتوهجة، وبطابعه ( الحركي) الانتشاري النشط، مما يميّز اهتماماته التعليمية عن مثيبلتها لدى محمد عبده .. كان التعليم عنده جزءا لا يتجزأ من برنامج شامل لحركة شعبية، ولا ينعزل عن العمل بين جماهير المسلمين. وكان التعليم عنده إعدادا لأكبر عدد ممكن من أبناء المسلمين، بينما عند محمد عبده نشاطا محدودا هادئا، مقصودا لذاته ولنتائجه بعيدة المدى، بل ربما استهدف إعداد الصفوة أو الرواد.. ” 12

حقيقة كان التعليم جزءا من حياته. وبما أن قراره الأول والأخير هو الاهتمام بالتعليم فقط كوسيلة لترقية الأمة.

ويلاحظ المتتبع لنشاط ابن باديس ان لديه تنظيما محكما، وخطة مستقبلية كان حريصا على تنفيذها. تهتم :

أولا بالاتجاه العام للحركة التعليمية، ويتمثل في تعليم اللغة العربية، والدين الإسلامي. ونشر الثقافة العربية – الإسلامية.

ثانيا : تحديد الفئات المعنية بالحركة التعليمية – التكوينية.. طلبة العلم من حفظة القرآن. وقد استمرت حلقات الشيخ زاخرة بهم منذ عام 1914 إلى منتصف 1940. وحدد الأهداف من تعليمهم في: تكوينهم للتعليم، والتوعية، ونشر الثقافة العربية – الإسلامية، عن طريق توزيعهم على مختلف المدن والقرى الجزائرية بعد تخرجهم.

إلا أن الشيخ بدأ منذ عام 1922 يهتم بتعليم الناشئة، اهتمام من لم يتفرغ لذلك، لكثرة الأعباء وثقل المسؤولية، ولقلة عدد من يساعدونه. ومع ذلك فقد عين مبارك الميلي ومحمد الشريف الصايغي في سيدي بومعزة، وعين الفضيل الورتلاني، ومحمد العابد الجلالي، وبلقاسم الزغداني في الجمعية الخيرية، التي عين مجلسها الإداري عبد العالي الاخضري. محمد الطاهر الحركاتي.

ثالثا : الاهتمام بالعامة.. وجمعهم كل مساء لاستماع دروس الوعظ والإرشاد المستمدة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وقد اقتصر في البداية على عنصر الرجال، ثم خصص دروسا للنساء.. ومن هؤلاء العوام كوّن النواة الأولى وهيّأها لاقتحام مجال العمل.

رابعا : دعم المسيرة التعليمية بالصحافة منذ عام 1925، بعد أن تخرج على يديه عدد معتبر من الطلبة، يستطيع الاعتماد عليهم في التعليم، والخطابة، والكتابة، ونشر الفكرة الإصلاحية.

خامسا : الاتجاه نحو تعليم مدرسي عربي حر. مادام ان هناك خريجين يمكنهم القيام بمهمة التعليم بكفاءة. ومن هنا بدأ يفكر في بناء مدرسة من مال الشعب لتجمّع عنصرين لديه : عنصر الخريجين، وعنصر رواد الإصلاح.

مدرسة التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة

حرص ابن باديس وحوله المصلحون الأوائل على أن ينشئوا مدرسة حرة، تريحهم من توزيع التلاميذ هنا وهناك. والمدرسة الحرة تعتمد على الشعب، ولا تنتظر من الإدارة الاستعمارية عونا. يمولها الشعب ويسهر عليها. وفعلا استطاعت المجموعة بفضل الإقبال الشعبي، وبفضل الدروس الحية التي كان الشيخ يحرك بها مشاعر الجماهير، أن تجمع الأموال، وتمكنت من بناء مدرسة، أطلق الشيخ عليها عنوان “مدرسة التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة “

وتعتبر ” أم المدارس” بفضل قانونها الأساسي الذي تضمن مواد توضح رؤية الشيخ للتعليم الشامل، وإلى التكفل بالطفولة تكفلا كاملا. وهي :

المادة الثانية : مقصد الجمعية هو نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف العربية – الفرانساوية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين.

المادة الثالثة : تسعى الجمعية لمقصدها هذا : أولا بتأسيس مكتب للتعليم. ثانيا : بتأسيس ملجأ للأيتام. ثالثا : بتأسيس معمل للصنائع. رابعا : بتأسيس ناد للمحاضرات. خامسا : بإرسال التلامذة على نفقتها إلى الكليات والمعامل الكبرى.13

تحولت هذه المدرسة إلى قلعة ثقافية معتبرة بدءا من تجنيد الأنصار والسكان لشراء الدار، التي أصبحت تجسّد التعليم المدرسي العربي الحر بكل ما تحمله الكلمة من معان نبيلة شريفة.

فقد دعم الشيخ المؤسسة بـ :

–      وضع القانون الأساسي الذي فتح المصاريع لفتح مدارس أخرى.

–      تكوين مجلس إداري برئاسة الشيخ عبد الحميد.

–      تدعيم المجلس بمجلس خاص بالشبان، وقد قام هذا المجلس بتقديم خدمات جليلة للمدرسة وللطلبة.

–       تكوين لجنة الطلبة لمساعدة الطلبة، حتى يواصلوا دراستهم في جو مريح.

–      توثيق العلاقة بين المدرسة والجامع الأخضر.

–      تنظيم محاضرات للشبان، يلقيها معلمو المدرسة كل مساء وغالبا كل أحد.

–       اختيار المعلمين الممتازين، يحترمهم ولا يتدخل في اختيارهم لطرائق التعليم. وقد كان في مدرسة التربية ثلاثة معلمين، يتبنى كل واحد منهم طريقة تختلف عن طريقة الآخرين: محمد بن العابد الجلالي. محمد الصالح رمضان. محمد المنصوري الغسيري..

–     اختيار عبد الحميد غرفة للمبيت فيها. وهذا دليل على مدى ارتباط الشيخ بالمدرسة.

–     استقبال الضيوف العلماءئ الزائرين من المغرب أو تونس، ورجال جمعية العلماء بالمدرسة.

عوامل نجاح ابن باديس في التعليم

ما أكثر العلماء الذين مروا بقسنطينة والذين أقاموا بها، وحتى في عهد ابن باديس كان هناك عدد من المعلمين، لم ينجح أحد منهم نجاح ابن باديس للعوامل الآتية :

–      الإيمان بالله، والثقة في المستقبل.

–      الأمل الكبير في الأجيال الصاعدة.

–       العمل بوضوح حتى مع أنصاره والمحطين به. ويؤكد على أن يفهم كل منهم الآخر، والدليل ما قاله لهم في خطاب له بالمدرسة عنوانه ” لمن أعيش؟. جاء في هذا الخطاب “ينبغي لكل قوم جمعهم عمل أن يفهم بعضهم بعضا، كما ينبغي أن يفهموا العمل الذي هم متعاونون عليه ليكونوا في سيرهم على بصيرة من أنفسهم وعملهم. فقد يجتمع قوم على عمل مع اختلاف منازعهم، فيأخذ كل واحد يجذب إلى ناحية، فتقع الخصومة بينهم، وينقطع حبل عملهم. وربما انتهى بهم الأمر إلى افتراق وعدوان، ولو أنهم في أول الأمر تفاهموا لما تخاصموا”.

والآن – أيها الاخوة – وقد فهمتموني وعرفتم سمو فكرة العيش للإسلام والجزائر.

فهل تعيشون مثلي للإسلام والجزائر.؟ “

أجاب الجميع : نعم ! نعم ! ( بصوت واحد )

فلنقل كلنا : ليحيا الإسلام. لتحيا الجزائر!!.14

– الشجاعة الأدبية. وتتجلى في استعمال التجهيزات والوسائل التعليمية العصرية. وفي الإقدام على تعليم البنت إلى جانب أخيها الطفل. وإلزامهما معا بممارسة الرياضة البدنية كل في فناء خاص به. تلقين الأناشيد الوطنية بالنوتة عن طريق ملحن على آلة العود. الأمر الذي يهضمه الجامدون بتحريض من الطرقيين الذين اعتبروا كل ذلك كفرا.

لقد كان ابن باديس ظاهرة لا تتكرر. وإني أختم بكلمة هامة قالها مصطفى الاشرف عن ظاهرة ابن باديس “وكأنها ظاهرة بكر عديمة التمثيل. لا تأتي إلا مرة واحدة في القرن الواحد. وقلما تتكرر عبر الأجيال “.

 

الهوامش:

1 جابريال إيسكير . تاريخ الجزائر . ص92.

2 نقلا عن فاني كولونا . معلمون جزائريون 1883 – 1939. ص 24.

3 شارل روبي آجرون . الجزائريون المسلمون وفرنسا . ج1 . ص    .

4 الأستاذ تركي رابح . الشيخ عبد الحميد  بن باديس . ص 124.

5 أنور الجندي . عبد العزيز الثعالبي . ص41.

6 خديجة بقطاش . الحركة التبشيرية في الجزائر ( 1830 -1971).

7 محمد الطاهر وعلي . التعليم التبشيري من سنة 1830 إلى 1904 . ص 110.

8 ابن باديس . الشهاب . ج1. م6. فبراير 1930.

9 ابن باديس . البصائر . 21 أكتوبر 1938.

10 ابن باديس . الشهاب . ج3. م14. فبراير 1938.

11 البصائر . س3. ع 136. 21 اكتوبر 1938.

12 د.محمد فتحي عثمان . عبد الحميد بن بايس رائد الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة. ص83

13 النشرة الخاصة بمدرسة التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة.    

14 الشهاب ج10. م12. يناير 1937.

 

آخر التغريدات: