الإصلاح الديني ومنهجه التغييري في فكر الشيخ الشهيد الشيخ العربي التبسي 2

الإصلاح الديني ومنهجه التغييري في فكر الشيخ الشهيد الشيخ العربي التبسي 2

عرضنا في المقال الأول لبعض مواقف “الكوكب التبسي” كما كان يسميه بعض علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من قضية الإصلاح لتغيير ما بالنفوس، وفصلنا القول في سعيه الدائب لإنجاز مشروع “الإحياء الحضاري” للشعب الجزائري بغرض تعبئته للثورة على فرنسا الباغية العاتية وقد علمت -فيما أحسب- بعد أن قرأت ما حبّرتـُه لك من القول المسطور عن ذلك أنه –رحمه الله وأرضاه- كان ذلك العالم الجاد الصارم الذي يأخذ ما أتاه الله من علم وفقه بقوة القديسين والحواريين لا يُجمجم ولا يُهمهم ولا يتلعثم ولا يتعكّم.

نماذج من بيانه الكتابي

وأريد –الآن- أن أنقل إليك بشيء من التفصيل نماذج من كتاباته في بعض جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتعلم أن الرجل كان ينافح عن دينه ووطنه المسلم وتاريخه ولغته بكل وسائل ووسائط المنافحة في غير ما لجلجة ولا رجرجة ثابتا ثبات الرواسخ الشوامخ على مبادئه لا تلهيه عنها دواعي شهوات الغي ولا دفعات الهوى والهُويّ.

كتب –رحمه الله وأرضاه- عن “الإصلاح والتقدم وأسباب النجاح” مقالا ضافيا نقتطف منه ما يلي: [ حقا إن بلايا الحياة كثيرة تتلوّن بتوالي الأيام وتداول العصور والأجيال، فعدّ بعضُ العلماء أن أولى البلايا اليوم هي “شرب الخمر” وثانيها هي “التدخين” وأنا أعدّ ثالثها هي “لعب الورق” (الكارطا والدومينو والقزة) ذلك الداء الفاتك الذي فتّ في ساعد هذا الشعب المسكين حتى انعكف أفراده على لعبها وعدم مبارحتها صباحا ومساء وكثيرا ما استدرج بذلك إلى المسير الذي لا يجهل أحد عاقبته].

ثم يقول: [ أقول ذلك لا عن تكهن أو ظن فقد رأيت بأم رأسي الأب يقاتل بنيه وهم في ذلك يتفحشون بالقول ولا ينطقون بسواه. هذا ما هو جار في قطرنا الجزائري، إليكم أيها المتهتكون المتغالون أبَلَغَ بكم الانهماكُ والولعُ بلعب الورق إلى حد كنتم به أحدوثة النوادي الأجنبية وسمر الذين يريدون إلصاق كل منقصة بكم؟ فطلبُ المعالي والحزم أولى…فلم تعد الأيام ترضى بمثل ما أرى وأسمع. وقد كان ما كان. وتجلت الحقيقة بهندامها الأصلي ولم يعد الخليقُ بنا إلا الإقبال على شؤوننا والتمسك بأذيال الحزم ومجاراة الذين يرومون العيش في نعيم وثراء… ! ].

ويستطرد –رحمه الله- فيقول: [ ومما ألفت نظر القارئ إليه بالخصوص هو منع الأبناء الصغار من تخطي مجالس هذه الفئة المتحدَّث عنها. فهم يُعرفون بأقوام “الكسل” الذين لا صنعة لهم إلا ” القهاوي” و”شرب الخمور”  وما شابه ذلك. وإذا سألت أحدا منهم عن مسجد أو مدرسة فلا يجيبك إلا بقول “الضالّ المضل”. هل تريد المُدام؟ !! …كلا إن ذلك لهو الضلال والداء الذي لا دواء له، فالناهض اليوم هو الرجل الذي يعمل ليل نهار لإصلاح شأنه ولفائدة بني جلدته أما الفريق المارق عن الجادة فهو الغبي

إنّا ها هنا نفكر -أيها السادة-  في من يريد ترقية البلد، هل هي هذه الطائفة الضالة المضلة أو الأغنياء الذي لا يهمهم إلا الدار والدينار والدرهم وليس الحرير وكنز الذهب والفضة التي لا ينفقونها في سبيل الله [فبشرهم بعذاب أليم] ؟!! هل رأيت من هذه الطائفة من شيد المساجد أو المدارس لأبنائه المنهمكين في اللهو واللعب ولفقرائه الذين يتلاطمون في الأزقة والشوارع ؟!! –يا للأسف- على هذا الشعب المسكين الذي كان ولا يزال وجهه مسودا وهو كظيم] هـ (1)

أنا أنقل هنا ما كتب بقلمه لا أنقص منه ولا أزيد فقد لاحظت معي –بلا شك- بساطة الكلمات والعبارات في بيانه المكتوب. وقد كان هذا دأبه –رحمه الله وأرضاه- في خطاباته وكتاباته، سهل العبارة –نعم- لكن في وضوح صارخ يفهم به العامي مقاصد كلامه

ويقول –بعد ذلك- متحدثا عن موقف جمعية العلماء من هذا الوضع: [ أما نحن فنتبع الذين يهمهم مستقبلُ الجزائر وحياتها في مختلف البلاد الخارجية،  ونقتبس الدروس الغالية التي نحن في أمس الحاجة إليها وما هذا إلا واجب متحتم علينا القيامُ به وإلا كنا أبناء غرباء عن الجزائر التي نضحي في سبيل حياتها بكل غال ورخيص بعدما نهضت من نومتها بعض النهوض لأننا نريد أن تكون عزيزة قوية الجانب. ولَكَمْ يُقطّع قلوبنا الأسى وتُمزّق أكبادنا الحسرة حين نعلم أنهم يقيمون في وجهها العقبات ويضعون في سبيلها الأحجار الضخمة ويحفرون بأيديهم الهوّات السحيقة وهم متخاذلون متمواتون تاركون ما نحن بصدده…ولا شك أن هذه السياسة المشؤومة لا يمكن أن تعود على البلاد إلا بالشقاء…وقاها الله شر المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ويسّر لها من أبنائها المخلصين من يخدُمها خدمة صادقة أنه قريب مجيب]هـ(2) 

وقد ذيّل مقاله هذا بهذه العبارة: [ الكوكب التبسي العربي بن بلقاسم التبسي]

هو -حقا- كوكب من كواكب الجزائر

وكذلك كان –رحمه الله وأرضاه- كوكبا من كواكب الجزائر العربية المسلمة المنيرة في سماء العروبة والإسلام يهتدي بأنوارها أبناؤُها وبناتها الذين واللائي آثروا وآثرن ما عند الله على ما في أيدي الفانين من ذوي السطوة والثروة

وانظر كيف وضع في مقاله البسيط –لا شك- في مبناه الإصبع على الجرح فأرانا أن أسّ البلايا عندنا إنما هو تقاعسُنا وتخاذلـُنا وإخلادُنا إلى الأرض مما مكن للعدو في ديارنا.

والتغيير إنما يبدأ بالانسلاخ عن الاتـّضاع بالارتفاع وعن الذلـّة بالعزّة وعن الجهل بالعلم وعن العصبية الجاهلية بالحمية الدينية والنفحات الإيمانية

والذي أراه أن هذا هو “المنهج التغييري الأقوم والأسلم ” لابد أن يتولاه العلماء الخبراء بالرحمان الحكماء الحلماء من خلال استراتيجية بعيدة المدى مؤازَرين برجال همُّهم الآخرة وديدنهم الإيثار لا الأثر.

وسيحشدون خلفهم جماهير لا تنتظر سوى “القيادة القدوة” البصيرة بأشواك وأحساك الطريق وهنا ينصرف بالي ويذهب خيالي إلى شعوب العروبة التي تثور هذه الأيام ثورتها المشهودة على الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والانحلال الخلقي في أنظمة حكمها التي ترعاها -بيقين- قوى البغي العالمية. فلابد لي –إذن- من وقفة مستبصرة.


الهوامش:
1.جريدة النجاح، عدد فيفري 1925

2.نفس المصدر


آخر التغريدات: