الإمام عبد الحميد بن باديس في النهضة الجزائرية

الإمام عبد الحميد بن باديس في النهضة الجزائرية

ذكرى يوم العلم، تفتح المجالَ أمام مفكرينا ومثقفينا، لتذكير الناس ما نسُوه، وتعريف الناشئة ما جهِلُوه عن المجهودات العظمى، التي بذلها أعلام الجزائر من أجل تحريرها، من قيود  الجهالات، التي كبلها بها الاستعمار الغاشم، وتلك الأعمال الجليلة التي اضطلعوا بها، في شتى المجالات الفكرية، والتربوية، والتعليمية، والثقافية، والدينية، والاجتماعية، إحياء لها، واستنهاضا لهمتها، لتتمرد وتثور على العبودية، وتنفض عنها أوضار التخلف، وتشق طريقها إلى مبتغاها، وتبلغ ما تصبو إليه من مسعاها، مهما تكن الحواجز والعقبات، أو الـحـُجُب والظلمات.

 حيث إن الأمر في ذلك موكول لإرادتها بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11) فالشعوب والأمم، إنما تعلو وتسفل، تَبَعا لاجتهادها أو تقصيرها. وأحسنُ من جسّم هذه الحقيقة شاعر الخضراء “أبو القاسم الشابي” حين قال:

إذا الشعب يوما أراد الحياة              فلابد أن يستجيب القدر

ولابـــــــد لليـل أن ينجلـي               ولابـــد للقيد أن ينكسـر

وإذا كانت الحضارة لا تأتي من فراغ، وإنما هي حصيلة تفاعل العناصر الثلاثة، كما وضح ذلك فيلسوف الجزائر مالك بن نبي -رحمه الله- في معادلته الـمشهورة: (الإنسان + التراب + الزمن = الحضارة)، فإن الجزائر اليوم، التي نحيا في ربوعها، هي الأخرى كانت حصيلة تفاعل علمائها، وساستها الوطنيين، مع ماضيها المجيد، وحاضرها الضنك الشديد في ظل الاحتلال الفرنسي الغاشم، ففجَّر فيهم ذلك العزمَ على تحقيق مستقبل حر عزيز كريم.

ولولا ذلك، لـما وجد شعبها من ينتشله من مستنقع اليأس والقنوط، الذي أوقعه فيه الاستعمار الفرنسي، ولا استطاع أن يغالب ضعفه، ويرفع التحديَ، ويثبت في الـميدان، ثباتَ الشجعان، الذين لا يغريهم ترغيب، ولا يخيفهم ترهيب.

بالعلم والإيمان تستقيم الحياة :

ومن أولئك الأعلام، الذين تشربوا ثقافتنا الإسلامية، وامتلأوا بحب الإسلام وأمجاده في هذه الأرض، رائد نهضتنا الوطنية الشاملة الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمة الله عليه- الذي تمر على ذكرى وفاته هذا العام، ثمانٌ وستون سنة، والذي جعلت الدولة من يوم وفاته، يوم 16 أفريل 1940م، مناسبة للاحتفاء بالعلم، إقرارا منها بأنه لولا العلم والإيمان، والعمل بمقتضاهما، لما تمكنت الجزائر من تحقيق استقلالها، واسترجاع سيادتها، واعترافا منها –كذلك- بأنه كان الأكثر جهادا واجتهادا في بذل العلم للناس، وتمكينهم منه، تحقيقا لقول الله تعالى في الآية 36 من سورة الإسراء:}وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً{، إذ يقول الإمام ابن باديس – رحمة الله عليه- في شأن هذه الآية:« العلم هو وحده الإمام الـمتبع في الحياة، في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات »، ولكن رُغم ذلك، وُجد في مجتمعنا، أيها السادة، من يتنكر لهذا الرجل وعطائه، وجَحَد فضله وجهاده، واستكثر عليه ذلك التكريم، وبلغت الجرأة ببعضهم، أن كتب في بعض صحفنا اليومية في الأشهر الأخيرة، عن علة اختصاص الدولة له بهذا التكريم، واتخاذها من يوم وفاته مناسبة للاحتفاء بالعلم، بل بلغت به الصفاقة، أن تساءل عن جدوى إدراج نشيده “شعب الجزائر مسلم” في مناهجنا الدراسية، وترديده في الـمناسبات الوطنية الـمختلفة.

وليس الإمام عبد الحميد بن باديس وحده الذي جُوبهَ بهذا التنكر والجحود، بل هذا الأمير عبد القادر، رمز مقاومة الاحتلال الفرنسي البغيض، ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، كوفئ هو الآخر على جهاده ذلك، بوصمه بالخيانة من قبل بعضهم.

ولهذا السبب قلت في مستهل كلمتي هذه، أننا في حاجة لـمثل هذه الـمناسبات حتى ” نذكر الناس ما نَسُوه، ونعرِّف الناشئةَ ما جهِلوه ” إذ أننا في خضم صراعنا السياسي لا نتورع عن التقاذف فيما بيننا -تحت تأثير الغضب والـمشاحنة- بأقوال ترتد سلبا على تاريخنا الوطني، وتدفع الناشئة إلى اتخاذ مواقف حادة، من هذا العالِمِ أو ذاك، استنادا إلى تلك الأطروحات التي سمعوها، أو النصوص التي قرأوها، في حين أنها باطلة وجاحدَة، ولا تُعبِّر عن حقيقة العالِم ومواقفه.

منهاج التحرير الوطني:

وبهذه الـمناسبة أقول: إن إمامنا عبد الحميد بن باديس –طيب الله ثراه- لو نظرنا إليه باعتباره مؤسسا لجمعية العلماء الـمسلمين الجزائريين، التي أخذت على عاتقها النهوض بالمجتمع الجزائري بواسطة بناء الـمدارس، وإنشاء الـمساجد، وتأسيس النوادي، وتكوين الـمنظمات الشبانية، الكشفية منها والرياضية والطلابية، وإصدار الصحف، لنشْرِ الحياة الفكرية، لكفاه ذلك وحده فضلا، فكيف لو اعتبرنا تفسيره للقرآن، وشرحه للموطأ. وكتاباته الصحفية التي نافح فيها عن الإسلام والعربية، وعن الوجود التاريخي والسياسي للجزائر، وقبل ذلك وبعده، وضعه منهاجا لتحرير الوطن في نشيده “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب” الذي دعا فيه شباب الجزائر إلى أخذ العدة للكفاح الـمسلح الناجح، ذلك النشيد الذي قال فيه:

“يــــا نَـشْء أنتَ رَجَاؤُنا                   وبِكَ الصبَـــــــــاحُ قد اقتربْ

خُذْ للحيـــــاةِ سِلاحَـهَا                   وخُضِ الخطـــــوبَ ولاَ تَهَبْ

وارفع منار العـــدل والـ                    إحسان واصدِم من  غصبْ

وأذِقْ نُـفُوس الظالـميـ                    ـنَ السُّمَ يُمـْزَجُ بِالرَّهَــــبْ

واقْـلَعْ جُذورَ الخـــــائنيـ                   ـن؛ فـمنهمُ كُلّ العَطَـــــبْ

واهْـزُزْ نُفوسَ الجامدِيـ                    ـنَ، فرُبَّمـــا حَيي الخشَبْ

دستور الاستقلال:

كما أنه وضع للجزائر التي آمن بأنها ستستقل -بحول الله- دستورا تسير على هداه، استلهمه من أوَّلِ خطاب ألقاه أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- أوَّلُ خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما هو منصوص عليه في مقال له تحت عنوان:(أصول الولاية في الإسلام) الذي ورد في الجزء الخامس من آثاره ص361، إذ يقول في الـمادة الأولى منه: « لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة، فالأمة هي صاحبة الحقِّ والسلطة، والولاية والعزل، فلا أحد يتولى أمرها إلا برضاها، فلا يُورَث شيء من الولايات…وهذا الأصل مأخوذ من قوله (وليت عليكم) أي قد ولاني غيري وهو أنتم« ألا يستوجب كل ذلك رفعه إلى أسمى مقامات التقدير والإجلال، بدل التنكر والجحود؟!

وأما الأمير عبد القادر فيكفيه أنه قاد الجهاد ضد فرنسا طيلة سبعة عشر سنة، واستطاع أن يوحد الصفوف ويُجيِّش الجيوش، ويهزمها في معاركَ شتى، وإن كان قد استسلم لها في نهاية الـمطاف، فما فعل ذلك إلا لعدم مواتاة الظروف الدولية له لـمواصلة كفاحه، ولو وجد حليفا ومناصرا، لـما ألقى السلاح، ولا جنح للسلم، وهو في موقفه ذاك كما قال حافظ إبراهيم:

لا تلم كفي إذا السيفُ نبا              صحَّ مني العزمُ، والدهرُ أبى

ربَّ ساع مبصرٍ في سعيه               أخـطـــــــأ التوفيقَ فيما طلبا

الأمم بأعلامها:

إنما الأمم برجالها علماءَ كانوا، أو ساسة، أو قادة، إنهم هم الذين يجسدون روحها التواقة إلى الكمال، وجلائل الأعمال، وهم النبراس الذي ينير لها الطريق إلى الحياة الحرة الكريمة، وهم الذين يحركون فيها الشوق إلى غد أفضل، ومجد أكمل، فهم النموذج الـملهم، الذي ينبغي أن نقدمه لناشئتنا، لتتأسى به، وتنسج على منواله، في خدمة هذه الأمة والتمكين لها.

ولا أراهم يوفقون في خدمتها على الوجه الأمثل، إلا إذا تسلحوا بالفهم الصحيح لحقيقة الإسلام التي عبر عنها الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- عند تمييزه بين الإسلام الوراثي والإسلام الذاتي، كما جاء في مقاله الـمنشور في الشهاب ج. 8، مج. 13، شعبان 1356هـ/ أكتوبر 1937م قائلا:
».. هذا الإسلام الوراثي حفظ على الأمم الضعيفة الـمتمسكة به –وخصوصا العربي منها- شخصيتها ولغتها وشيئا كثيرا من الأخلاق ترجَحُ به الأمم الإسلامية إذا وزنت بغيرها، لكن هذا الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم لأن الأمم لا تنهض إلا بعد تنبُّهِ أفكارها، وتفتُّحِ أنظارها، والإسلامُ الوراثي مبني على الجمود والتقليد فلا فكر فيه ولا نظر«

»أما الإسلام الذاتي، فهو إسلام من يفهم قواعد الإسلام، ويدرك محاسن الإسلام في عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه وأعماله، ويتفقه –حسب طاقته- في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويبني ذلك كلَّه على الفكر والنظر، فيفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه، وما ليس منه بقبحه وبطلانه، فحياته حياة فكر وإيمان وعمل. ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية، بحكم العقل والبرهان، كما هي بمقتضى الشعور والوجدان«.

وهذا الفهم الواعي للإسلام، هو الذي يعينهم على إدراك علاقة الإسلام بالحياة ومعناها، كما عبَّر عنها هذا الإمام الجليل في الشهاب، ج. 8، مج. 14، ربيع الثاني 1357هـ/ مارس1938م، بقوله :» الإسلامُ دين الحياة والعلم والفنِّ، والحياةُ قوةٌ وإيمانٌ وجمالٌ، والعلمُ يـمثِّلُ القوَّةَ، والفنُّ يـمثِّل الجمالَ«

وتوافقونني، سادتي سيداتي، على أن مثل هذا الفهم هو الذي يعيد للإسلام قدرته على تفعيل الحياة تفعيلا ينهض بالأمم الراكدة، ويجعل منها أمما منتجة واعدة.

على خطى سلفنا الصالح:

وختاما؛ نسأل الله تعالى، أن يوفق الجزائر شعبا وقيادة، إلى العمل والسير على خطى الإمام ابن باديس، وجميع أسلافنا الـميامين، الصالحين الـمصلحين، الذين قال في وصفهم، بحق، شاعر النهضة الجزائرية، وحسان الحركة الإصلاحية، الـمرحوم الشيخ محمد العيد آل خليفة:

نحن جندُ الإلهِ في السر والجهـــــ                 ـــر وجُند الإله ليس يـضامُ

نبتغي نـصرَ دينه الحق  يحدو                      نــا ولاءٌ لــدينــه وذمــامُ

علــموا الـمرءَ كل ما فيه مجدٌ                      وشــفـوفٌ لـقدره واحترامُ

وجـهوا وجـهَ شعبكم للمـعالي                     فهي أهدافُه ونحن السهامُ

واجـعلوا الــدين رائـدا وإمــاما                       لــيس كـالدين رائدٌ وإمامٌ

كــل مـا يـشـرع ابـنُ آدم يــفنى                   ولـما يــشرع الإلـهُ الدوامُ

سوف تهوي مبادئ الكفر صرعى                  فانـيات، ويـخلد الإسلام

وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 


– نص محاضرة ألقاها الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالـمركز الثقافي الإسلامي يوم الأربعاء11  ربيع الثاني 1429هـ الـموافق لـ 16 أفريل 2008م بمناسبة الاحتفاء بيوم العلم، الـمرتبط بذكرى وفاة العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- في 16 أفريل 1940.


آخر التغريدات: