خطة الأستاذ الإمام لتحرير الجزائر بالإسلام

خطة الأستاذ الإمام لتحرير الجزائر بالإسلام

{مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } (الأحزاب – 23). الإسلام أعظم رسالة تحريرية مَنَّ الله بها على البشرية قاطبة، رسالة.. حررت الإنسان من الداخل ضمانا لحياة حرة كريمة يأبى أن يعيش غيرها في كل مراحل عمره القصير، فوق أديم هذه العاجلة، كما يطمح أن يلقى الله على ما يرتضيه له في تلك الآجلة وذلك مصداقا لما كتبه على نفسه فيما أنزله من كتابه عندما قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وفي قوله:} { فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} (الجن – 13)

 طريق الدعوة إلى التحرير

والدعوة إلى تكريم الإنسان ورفع الإصر عن كاهله وتمكينه من حمل رسالته التحريرية إنما تدل على التزام بنهج الله دون سواه، وهو ما اختاره الصديقون من حواريي الرسل والتابعين المقتفين لآثار النبوة في أطوارها المتلاحقة على مدار التاريخ من أولهم نوح -عليه السلام- على أرجح الروايات المعتمدة في كونه أول من حمله الله رسالته إلى قومه، إلى الرسول النبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- رسول الله للعالمين، الرحمة المهداة وكافة أنبياء الله ورسله -صلى الله وسلم عليهم أجمعين- ومما صح من حديث رسول الله الخاتم قوله:” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها “.

وبالنظر إلى التحولات التي تعاقبت على الأمة الإسلامية على مرّ القرن ظهرت دعوات إلى وصل العربة بقطارها الذي انطلق من أرض الوحي بالرسالة الخاتمة التي أرادها الله محررة هادية لكل العالمين من يوم نزول الوحي بـحراء إلى يوم قيام الساعة ولذلك لم يخل عصر من قائم لله بحجة، بهذا المنظور وجب تقييم هؤلاء الربانيين الرواد إن أردنا أن نجنب أجيالنا الناشئة الزلل، ومنعها من الوقع في الشطط أو الغلط.

شخصية متعددة الجوانب

إن الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس -عليه رحمة الله ورضوانه- أستاذ الأجيال، وأستاذي الذي أكرمني الله -عز وجل- بالانخراط في طلابه، إلى يوم رحيله عن هذه العاجلة، شخصية متعددة الجوانب، كانت السمة البارزة فيه شمولية النظرة التربوية انطلاقا من هدي الكتاب:} مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ{(الأنعام) ومن هذا المنطلق نفسه بدأ العمل الباديسي، فالآية الأولى من الكتاب المنزل المستهلة بـ (اقرأ) وما اشتملت عليه من أسس التربية والتعليم والرقي العلمي والسمو الأخلاقي والعقيدة الراسخة، كانت الملهمة لابن باديس عندما أسس مدرسة أسماها التربية والتعليم وعندما نصب نفسه لخدمة الإسلام لتبليغ القرآن وغرس هدايته لتعليم لغته وتفسير آياته وتطوير منهج تفرد به بين أقرانه في عصره لبناء جيل من العلماء ملتزم بالقرآن، ناطق بآياته، مناد لنهوض الأمة بالقرآن من القرآن، وجهاد أعداء الله والأمة بالقرآن كما جاء في القرآن:} فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا{ (الفرقان – 2).

وهكذا أمكن لابن باديس أن يثبت الوعي بالقرآن، وأن يقيم دولة للغة القرآن، وأن يثبت أن القرآن يملك الصلاحية لهداية الخلق في كل زمان وفي كل مكان إذا وجد رجال ينهضون بالمسؤولية في هذا الميدان.

وهذا بتعبيد نفسه لخدمة الأمة بدينها منذ اثني عشرة ساعة يوما لا يصرفه عنها صارف، وتخصيص درس للفتاة المسلمة تفقيها لها في دينها حتى تسير النهضة متوازية بين الرجال والنساء في عمل متكامل، والاهتمام بتجنيد الشباب المسلم في تشكيلات كشفية تؤخذ بالتربية الجادة المستمدة من الإسلام عقيدة وعملا وخلقا وسلوكا وتعاملا ثم متابعة الطلاب خارج حلقات الدروس مراقبة وإشرافا، وأشهد الله وأنا من الطلبة أننا ونحن نسير في شوارع قسنطينة نحس وكأن عين ابن باديس تلاحقنا بالنظرة الحادة في كل بقعة ومكان نظرا لتلك الهيبة التي أودعها الله في الرجل وتلك المحبة التي تغمر قلوبنا نحوه ممزوجة بهيبة الأبوة نحو البنوة، يضاف إلى ذلك كله اتصاله بالشعب في كل مناطق الوطن بالجولات المركزة التي ينشر فيها الهداية ويوقظ النفوس ويحرك العزائم ويحفز الهمم، وكنا ونحن نرى الإمام في نشاطه الدائب نشعر أنه يعد ليوم عظيم يوم يقوم الناس لدفع الضيم ورد العدو الزنيم إذ لا يعقل أن يثور المظلوم قبل أن يستيقظ ويوقظ من النوم وعندئذ فعليه أن ينفض عنه آثار النوم وما يتركه من خمول قبل أن يعد نفسه للعمل الجاد والمسؤول. 

ميادين العمل الباديسي

أولا: التعليم وذلك كما ذكرت اهتداء بالإسلام واقتداء بالنبوة وهو ما فعله شيخنا الإمام، فذلك التجنيد الذي أخذ به نفسه وبذلك التصعيد الذي امتد عبر تأسيس جمعية العلماء التي انتصب أعضاؤها عبر الوطن كل في المكان الذي خصص له وكذلك بواسطة طلابه الذين يعتبرهم جنودا للانتشار السريع في كل مناطق الوطن في أوقات عطلهم الموسمية السنوية وأن على كل واحد منهم عند استئناف العام الدراسي أن يقدم تقريرا عما أنجزه في فترة عطلته.

ثانيا: الصحافة كانت أول صحيفة صدرها الأستاذ الإمام هي المنتقد وهذا يحمل أكثر من معنى لأن القداسة بالسنة للمسلم يجب أن تكون لله والأسوة يجب أن تكون في رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن عداهما فهو بشر يؤخذ صوابهم ويرد خطؤهم وفي ذلك تحرير للعقل من سلطان الوهم وهيمنة الدجل وطغيان الاستكبار، ثم أنشأ جريدة الشهاب التي تحولت إلى مجلة الشهاب الشهرية التي تخصصت للدراسات الإسلامية والكتابة الجادة لخدمة الأمة والعمل لتحريرها.

جرائد جمعية العلماء

وعندما تأسست جمعية العلماء بسعي الإمام ورئاسته ظهرت جرائد لسانًا لحالها وهي على التوالي: السنة، الشريعة، الصراط، البصائر، وكانت كلها عرضة للإيقاف من طرف السلطة الحاكمة.

ثالثا: تجميع الطاقات الوطنية لوضع مخطط طويل المدى لاسترجاع حق الشعب وإحلاله المكانة التي يجب أن يعتليها وكل الجهود المبذولة في أي مجال إنما تستهدف هذه الغاية.  

مقولة خاطئة… يجب دحرها

بناء على ما قلت، وما لم يسعن قوله وهو كثير أقول: إن تقييم مواقف ابن باديس، ومعه جمعية العلماء يجب أن ينظر إليها برؤية إسلامية نابعة من الكتاب والسنة، ومن الاجتهاد المستند إليهما لا من آراء الأشخاص الذين تحركهم أهواء شخصية، أو نظريات أيديولوجية غريبة عن الإسلام ودعوته، وخطته لتحرير الإنسان وتزكيته، أو عن أغراض حزبية ضيقة، أو عن حزازات وأحقاد جاهلية معاصرة.

فالرجوع إلى الأصول الإسلامية المعتمدة التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن نتمسك بها في خطبة الوداع الجامعة التي شهدتها الجموع المسلمة الحاشدة، نذكر قوله للحاضرين وللأجيال المسلمة عبر العصور المتلاحقة:” تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة رسوله”.

اقتداء بالكتاب وبالسنة معا

إن مطالبة المغتصب باسترداد ما اغتصب من الشعوب هو ما تقتضيه طبيعة الأشياء، وعندما نُحاجج المغتصب بما ينسب لنفسه من نعوت الحضارة والتمدين وترقية الشعوب وتحريرها من أوضاع التخلف، ثم ندعوه إلى العمل بما يدعيه من كل ذلك في أرض الواقع.

فإننا نحاججه بدعواه، ونضربه بسلاحه ولا يختلف ذلك عمن ينادي بالاستقلال. وأن عمله ذلك يعد أيضا مطلبا، ثم إن هناك فرقا صارخا بين من يكتفي بالنداء ومن يعدّ له الأرضية، ويحرر العقل، ويتخذ العزيمة، ويثبت في النفوس العزة، وفي العقول الإنارة ؛ وبين الجيل الذي يأبى إلا أن يعيش حياة الكرامة والعزة والتحرر من الهيمنة، دافعا رأسه التي لا يطأطؤها إلا لربه في ركوعه وسجوده.

إن عمل الشيخ الرئيس ليس بدعًا. إنه كان يترسم خط النبوة: إن الله -عز وجل- أوحى إلى رسوله موسى -عليه السلام-، وإلى أخيه هارون أن يتوجها  إلى فرعون بقوله:} اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{(طه – 23).

وكان ذلك قبل إغراق فرعون وجنوده في اليم، وعندما حذف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- “البسملة” من وثيقة الحديبية بعد أن أملاها على كاتب الوثيقة على بن أبي طالب -عليه رضوان الله-، ولكن عندما قدت ساعة الحسم، رفض استقبال أبي سيفان في بيته، وقاد الزحف لفتح مكة وكان فتحا مبينا.

إمام يقود الزحف

على سبيل الإشارة موقفه مع دالادي خطابه في الملعب البلدي : إن شيخنا عبد الحميد وهو يطالب ترقية الشعب، إنما يحشد الزحف لليوم الموعود. كان دائم العمل والحركة. وحث العزيمة، وشحذ الإرادة، وهذا نداؤه إلى الشعب الجزائري.

” لقد عملت، وأنت في أول عملك، فاعمل، ودم على العمل، وحافظ على النظام، واعلم أن عملك هذا على جلالته ما هو إلا خطوة، ووكبة، وراءه خطوات، ووثبات، وبعدها إما الحياة وإما الممات ، وفعلا فقد انتهى الأمر بابن باديس إلى الاقتناع بضرورة المواجهة، فأعلن ذلك صريحا في بيان نشرته الشهاب هذا نصه:” هل آن أوان اليأس من فرنسا؟

جاء فيه:” أما نحن الجزائريين فإننا نعلم من أنفسنا أننا أدركنا هذا الإخلاف العرقوبي، وأدركنا مغزاه وأخذ اليأس بتلابيب كثير منا وهو يعم ولا تردد في أنه قد آن أوانه ودقت ساعته. ماذا تريد فرنسا من مماطلتنا؟ لقد أعلن شاعرنا في الجزء الماضي من الشهاب حيث قال:

ولعل من نظم السياسة أن نغس وأن نغر         ولعل منها أن يُدس لنا لنجلب للحفر

ولعل منها أن نماطل كي يساورنا الضجر         ولعل منها أن يبس لنا لنحلب كالبقر

كذب رأي السياسة وساء فالها. كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل، وإنما تدفعنا إلى اليأس الذي يدفعنا إلى المغامرة والتضحية.

أيها الشعب الجزائري أيها الشعب المسلم أيها الشعب العربي الأبي حذار من الذين يمنونك ويخدعونك، حذار من الذين ينومونك و؟؟؟، حذار من الذين يأتونك بوحي من غير دينك وملتك، وإبطال دينك وملتك. استوح الإسلام، ثم استوح تاريخك، ثم استفت قلبك، اعتمد على الله ثم على نفسك، سلام الله عليك” عبد الحميد بن باديس. الشهاب : 1356هـ/ أوت 1937م.

من هنا نعلم

من هنا نعلم أن ابن باديس قد أعده الله لهذه المرحلة بالذات، لإنهاض الشعب، وتربيته بالإسلام قرآنا وسنة، وهو ما طبقه حين ختم القرآن تدريسا والسنة بيانا – حين علم موطأ مالك – وختمهما في احتفال مشهود بكليهما، شهدته وفود من كل جهات الوطن، فكان بذلك الإمام الرائد، والأستاذ الراشد، الذي عمل جاهدا لإيقاظ النائمين، وهز الجامدين، وإعداد الأمة لاقتلاع جذور الخائنين، وحفز الشعب ثورة على الظالمين، كما سجل ذلك في نشيده الخالد:

شعب الجزائر مسلم         وإلى العروبة ينتسب

فضل نداؤه يدوي في سماء الجزائر إلى أن من الله عليها بالنصر المبين، بعدها جهاد عازم دوت أصداؤه في العالمين والحمد لله رب العالمين.

رحم الله ابن باديس في العلماء العاملين، والأطهار المجاهدين، وأثابه حسن ثواب الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

آمين.


آخر التغريدات: