جمعية العلماء المسلمين تؤسس في الحجاز

جمعية العلماء المسلمين تؤسس في الحجاز

تذكر بعض المصادر التي استأنسنا بها أن فكرة إنشاء جمعية العلماء من طرف الشيخ عبد الحميد بن باديس قد راودته منذ بدايات القرن العشرين وبالتحديد منذ أن قام بأداء فريضة الحج عام 1913 حيث سنحت له هذه الفرصة بلقاء شيخه حمدان لونيسي بالبقاع المقدسة وإلقاء درس في حضرته كما التقى في هذه المناسبة برجال كثيرين من العالم الإسلامي فكانت هذه الرحلة بمثابة درس للشيخ عبد الحميد تمكن خلالها من مجالسة رجال الفكر والسياسة والدين والثقافة وتوجت زيارته بإجازة من الشيخ بخيت المطيعي الذي حمل إليه ابن باديس رسالة من شيخه حمدان لونيسي سلمها له بمنزله بحلوان بمصر.

 إلا أن أهم ما يمكن الوقوف عنده في هذه الزيارة المبكرة هو ما ذكره الشيخ البشير الإبراهيمي في ترجمته لنفسه والوارد ذكرها في مجلة الثقافة عدد: 87 والصادرة عام 1985 حيث قال : ” … كنت أسمر مع الشيخ باديس في منزلي طيلة المدة التي أقامها بالمدينة وهي ثلاثة أشهر وشهد الله أن تلك الليالي من سنة 1913 هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في 1931 ” إن مثل هذا الكلام الصادر عن البشير الإبراهيمي يجعلنا للوهلة الأولى نتحفظ من صياغته لأسباب موضوعية عدة سيأتي ذكرها في سياق كلامنا ولعل أبرز ذلك هو قول الإبراهيمي: ” … هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين … ” فالصياغة التي سبق ذكرها جاءت بصيغة المتكلم والتي تفيد أن واضع الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين هو البشير الإبراهيمي و لا توحي بأنها ثمرة تلك المسامرات الليلية التي كانت بينه وبين ابن بادبس ولا حتى بفعل التكليف الذي قد يفيد أن الطرفين قد اتفقا على أن يقوم البشير بتحبير تلك الأسس الأولى لنشأة جمعية العلماء المسلمين ، أو ربما قد يفهم من صياغة البشير أنه صاحب أهم الأفكار التي سترتكز عليها فيما بعد أسس جمعية العلماء المسلمين . إلا أن هذا الحدث الذي قد يبدو عابرا بالنسبة لجمعية إصلاحية بات اسمها عالقا بابن باديس أكثر من غيره نجد الإبراهيمي بعد عقد من الزمن يذكر شهادة ثانية توشك أن تناقض ما سبق وأن ذكره حيث جاء في سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين المنشور عام 1936 ، أي بعد سنة من انعقاد هذا المؤتمر صفحة : 46 – 47  قوله : ” زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس – وأنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي – زيارة مستعجلة في سنة أربع وعشرين ميلادية ( 1924 ) فيما أذكر وأخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم ” الإخاء العلمي ” يكون مركزها العام بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية ، وتكون خاصة بعمالتها تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم ، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير … وذهب يقص علي من فوائدها ما لم أنكره ذوقا وإحساسا وإن كنت استبعدته عملا وواقعا لاعتبارات ذهبت بذهاب وقتها … وفي تلك الجلسة عهد إلي الأخ الأستاذ أن أضع قانونها الأساسي فوضعته في ليلة وقرأته عليه في صباحها … ثم حدثت حوادث عطلت المشروع …” إن سياق هذا الكلام الذي ذكر وابن باديس على قيد الحياة نجد فيه إحقاقا للحق واضحا لا لبس فيه وسردا لأحداث يفترض أنها جرت على المنوال المذكور ولعل أبرز ما فيها هو عدم إشارتها إلى تلك المسامرات بالمدينة المنورة ولا إلى تلك الأسس التي وضعت من طرف الإبراهيمي لجمعية قد تكون آنذاك لم تخطر على بال ابن باديس في فكرة إنشائها لكن ما يفهم مما  ورد ذكره على لسان الإبراهيمي في سجل المؤتمر أن ابن باديس استطاع إقناع الإبراهيمي بفكرة إنشاء جمعيته قبل غيره وهو ما يؤكده كلام الإبراهيمي الذي يقول فيه : ” … ولم يزل كلامه يقنعني حتى شرح الله لي صدري للذي شرح له صدر أخي ” ثم يقول : ” ولما وصل – ابن باديس – إلى قسنطينة وعرض الفكرة على الجماعة الذين يجب تكوين المجلس منهم أيدوا الفكرة وقرروا القانون بعد تعديل طفيف ” لكن عوائق شتى حالت دون تحقيق الرجاء ولعل أبرزها تلك الأسباب التي كانت من وراء رغبة ابن باديس والتي أجملها البشير الإبراهيمي في هذه الكلمات المعبرة عن الوضع الثقافي الذي آلت إليه الجزائر في ذلك الوقت من عشرينيات القرن الماضي حيث كانت الكثرة الغالبة من علماء الجزائر يعيشون الشتات والفرقة والعداوة .

قسنطينة لا تحتفي بنجاح ابن باديس في الزيتزنة :

يقول البشير الإبراهيمي في معرض حديثه عن وضع علماء الجزائر عشية التفكير في إنشاء جمعية العلماء المسلمين ” … أن الكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت في الزوايا أو علمت العلم في الزوايا فمن الزوايا المبتدأ وإليها المصير وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات – الفرنسية – هذه معامل لتخريج الموظفين ، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين . أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك ” .

أما الوضع في مدينة كقسنطينة على سبيل المثال فكان كما وصفه ابن باديس ابن هذه المدينة في قوله عام 1914 حين سمح له بالتدريس في الجامع الأخضر قائلا :” … أما بداية تعليمي فيه فكانت في أوائل جمادي الأولى سنة 1332 هـ وذلك بسعي من سيدي أبي لدى الحكومة – الفرنسية – فأذنت لي بالتعليم فيه بعدما كانت منعتني من التعليم فيه بسعي من المفتي  – لدى الحكومة الفرنسية – في ذلك العهد الشيخ المولود بن الموهوب ” ويوضح ابن باديس أكثر قائلا عن بداية مشواره التعليمي هذا في جريدة الصراط عدد : 7 و 11 في 30 أكتوبر 1933: ” ابتدأت التدريس في قسنطينة بدراسة الشفاء للقاضي عياض بالجامع الكبير حتى بدا لمفتي قسنطينة أن يمنعنا فمنعنا فطلبنا الإذن من الحكومة – الفرنسية – بالتدريس في الجامع الأخضر فأذنت لنا وكان ذلك على يد أريب الكاتب العام للأمور الأهلية بدار العمالة ” ولما انتصب للتدريس بالجامع الأخضر بدا لعلماء قسنطينة أن هذا الطفل الصغير لم يأخذ شهادة التطويع عن علم وتحصيل إنما أخذها بالمال لغنى والده وثرائه ولما أراد الأستاذ الشروع في درس الحديث قبل صلاة الظهر تقدمت إليه لجنة من علماء قسنطينة بعشرات الأسئلة التي تولى إلقاءها الشيخ محمود بن الموفق وكان الأستاذ يجيب عن سيول الأسئلة المتدفقة وكثيرا ما كان يعترض على كيفية إلقاء السؤال وطالت المناظرة إلى أن وقع جمع الصلاتين ، هنا تأكد الجمع أن ابن باديس نال شهادته عن جدارة واستحقاق ” ولما تجاوز ابن باديس امتحان علماء قسنطينة بجدارة واقتدار شرع ابن باديس في تدريس أطفال الكتاتيب القرآنية إثر رجوعهم في آخر الصبيحة وأواخر العشية بمسجد قموش يوم كان يحتوي على غرفة واحدة وكان المتعلمون به عشرين تلميذا المعروف منهم لدينا  محمد الشريف بن الوزان ومحمد خباب.

خطرات ابن باديس في جريدة النجاح :

إنّ الأهم من كل ما سبق ذكره هو شروع الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1924 في كتابة سلسلة من المقالات بجريدة النجاح تحت عنوان ” خطرات الأسبوع ” بإمضاء مستعار هو ” العبسي ” والغريب في الأمر أن ابن باديس فرض على نفسه دفع مبلغ مالي إلى إدارة جريدة النجاح مقابل نشر مقالاته ولعله أراد من وراء ذلك تشجيع الجريدة التي كان يطبع منها آنذاك 400 عدد ولما شرع ابن باديس في نشر خطراته فيها أصبح يطبع من الجريدة 1200 عدد ويمكن التقاط بعض الموضوعات التي تطرق إليها ابن باديس في هذه الجريدة وبخاصة حول مدينة قسنطينة وعاداتها فقد ورد في افتتاحية عدد جريدة النجاح الصادر في 12 سبتمبر 1924 وتحت عنوان “خطرات الأسبوع” “تحت هذا العنوان رغب مني بعض الكتاب أن نفسح له مجالا يكون درسا للعبر والحوادث والانتقادات واللمع التاريخية وغير ذلك من الفوائد المتنوعة خدمة للعلوم والحقائق وسعيا وراء الواجب الذي يقضي بالعمل المتواصل وعليه فقد لبينا هذا الاقتراح الجليل تحت الإمضاء أسفله وإليك مستهل السلسلة الذهبية ” يفهم من هذه الافتتاحية أن ابن باديس شرع في كتابة هذه السلسلة تنازلا عند رغبة بعض القراء في قسنطينة فكان انطلاق هذه السلسلة الذهبية من المقولات في التاريخ الذي سبق ذكره وقد جاء في إحدى خطراته أن قال:  أن جريدة الممثل التونسية نشرت بعددها الأخير صورة رمزية تحت عنوان ” فظائع العيساوة ” وعلقت عليها بكلمات مرة فلم يقع من عيساوة تونس شغب ولو نشرت هذه الصورة في بلدنا لقامت الآخرة وركب الداب مولاه ذلك لأننا أهل قوة … وحمية … على الصالحين ” ويفهم من هذه الخطرة أن ابن باديس لم يكن يحبذ ما تقوم به فرق العيساوة في مدينته قسنطينة ولولا خشيته من ” أن يركب الداب مولاه ” كما تقول العامة لقال في العيساوة وأمثالها ما قالته جريدة الممثل التونسية والتي من حسن حظها أنها تصدر ببلد يسوده التسامح .

وذكر ابن باديس في إحدى خطراته ” أن جريدة القيروان اشتكت إلى الوزير التونسي من أهل ” طريقة السلامية ” اختطافهم الأبناء وزجهم في طريقتهم ومنعهم من التعلم . وماذا نقول نحن القسنطينيين فيمن يختطفون البنات ويدخلونهن ( الحضرة ) فيشطحن أمام الأجانب من السواحين ويخرقن خدودهن بالسفافيد، وإلى من نشتكي…؟

وقال ابن باديس في إحدى خطراته الموجعة لقسنطينة والقسنطينيين تحت عنوان ” من سدة الجامع إلى مسرح الكازينو ” لو وفد على قسنطينة أعظم مغن يهودي أو نصراني ما أقدم على ترتيل القراءة في البيعة والكنيسة ، ولا رضي أهلها بذلك أن اليهود والنصارى مع تفانيهم في السماع يفرقون بين محل لهوهم ومحل عبادتهم ويحترمون كتابهم أما إخواننا القسنطينيون فإنه ما وفد عليهم وفد له نغمة إلا طاروا به إلى سدة الجامع غير سائلين عن دينه و لا عن صفاته ففي مدة سابقة قدم عليهم مشرقي فطاروا به إلى السدة كعادتهم ثم تبين أنه نصراني ، وفي هذه المدة قدم عليهم معني المسارح فطاروا به إلى سدة الجامع الأخضر وامتلأ الجامع بالمصلين مؤقتا ودوى الجامع بالزعقات حتى خيل لمن بقي له شعور أن القوم ليسوا في صلاة ، ثم خرج القوم ، إلا بعضهم ، سكارى وما هم بسكارى يستعدون من هذه المقدمة ( الريكلامية إلى ليلة الأحد بالكازينو )”.

وعلق عبد الحميد بن باديس على أحد مقاديم الطريقة بقسنطينة قائلا في إحدى خطراته : ” بلغنا أن بعض السادة المقاديم من قسنطينة فتح فرعا بعنابة لما رأى فيها من نجاح ما تقدمه ويأمل أن يجد بها تربة صالحة لبذره الطيب فيدعو الناس ويدعو لهم ، ويملأ رؤوسهم وبطونهم ولا شك أن أصحاب  النية والتسليم يتمنون له قبول الأدعية وامتلاء الأوعية…لا آمين ؟ ”  .

ويواصل ابن باديس شاهرا سيف الحق على قسنطينة مدينة المشعوذين والدجالين قائلا في إحدى خطراته التي حملت عنوانا معبرا ” سلّم تسلم ” هذا هو سلاح الدجالين وحجة الجامدين المقلدين الذين يتقبلون كل يوم بدعة محدثة في الدين أسمع أحدهم ما شئت من أقوال تقشعر منها الأبدان ، وأره ما شئت من أعمال تهدم الأديان ( على شرط تكون منسوبة إلى من يعتقد فيها ) فلا تسمع منه إلا أنا مسلّم بتشديد اللاّم ، نعم أنت مسلم ولكنك لست بمسلم . ” ثم يحدد بعض الأمراض الاجتماعية المتفشية بقسنطينة مسجلا إحدى خطراته تحت عنوان استفهامي ” من المخترع ؟ ” قائلا : ” كثيرا ما يتنازع العلماء من الأمم الحية على اختراع مفيد أيّهما السابق به ونحن اليوم بقسنطينة عندنا نزاع قائم فيمن اخترع السموم واقتحام النار وتشويه الأبدان بالسفافيد والمسامير فقد ينسبون ذلك لمولى مكناس وهم أنصار الشيخ الهاشمي الشهير ومن جاء قبله ، وقوم ينسبون ذلك لمولى المدية وهم أتباع ، وقد قدم هذه الأيام من المدية لنشر هاته الدعاية، وثمّ قوم – والحمد لله – يتبرؤون من الجميع  … فممّن أنت يا أخي ؟ “. هكذا ظهر ابن باديس في بداية دعوته الإصلاحية لا يخشى لومة لائم وهو ما أدّى به أن تطاله يد الرقابة الفرنسية بإيعاز ممن تأذّوا بلسعاته النقدية في قسنطينة.


آخر التغريدات: