عبد الحميد بن باديس

عبد الحميد بن باديس

المجتمع لا ينهض إلا بالجنسين الرجل والمرأة مثل الطائر لا يطير إلا بجناحيه، إن أبناءنا هم رجال المستقبل، وإهمالهم قضاء على الأمة؛ إذ يسوسها أمثالهم، ويحكم في مصائرها أشباههم.. ونحن ينبغي منا أن نربي أبناءنا كما علمنا الإسلام، فإن قصرنا فلا نلومنَّ إلا أنفسنا، ولنكن واثقين أننا نبني على الماء ما لم نعد الأبناء بعدة الخلق الفاضل، والأدب الديني الصحيح، قلِّبْ صفحات التاريخ العالمي، وانظر في ذلك السجل الأمين، هل تجد أمة غلبت على أمرها، ونكبت بالاحتلال، ورزئت في الاستقلال، ثم نالت حريتها منحة من الغاصب، وتنازلاً من المستبد، ومنة من المستعبِد؟ اللهم كلا… فما عَهِدْنا الحرية تُعطى، إنما عهدنا الحرية تُؤخذ.. وما عَهِدْنا الاستقلال يـُمنح ويُوهب، إنما عَلِمْنا الاستقلال يُنال بالجهاد والاستماتة والتضحية.. وما رأينا التاريخ يُسجل بين دفتي حوادثه خيبة للمجاهد، إنما رأيناه يسجل خيبة للمستجدي.

هذه قطوف من بعض الشعارات والمبادئ التي رفعها “عبد الحميد بن باديس” في وجه المستعمر، وهو يخوض معركتين معاً، (المعركة الأولى) هي: تعريب الجزائريين، وتعليمهم اللغة، وتفسير القران، ومقاومة الحملات التبشيرية الفرنسية، (والمعركة الثانية) هي: طرد المستعمر من بلاده… إنه ابن باديس باعث الشخصية الجزائرية، ومفجر مكامنها في أعماق المواطن الجزائري، والمتحدي بها تجاهل الدخيل وجهل المواطن، المؤمن بعراقتها في التاريخ، والمستعمر يجردها من كل ماض تاريخي، ويجعلها من خلقه وتكوينه، الموقن بحاضرها المنبعث، والدخيل يعتقدها ضاعت من الإسلام والعروبة إلى الأبد.

نشأة طيبة مباركة

ولد “عبد الحميد بن باديس” في 5ديسمبر 1889م بقسنطينة من عائلة ميسورة الحال تعود أصولها إلى بني زيري التي ينتمي إليها مؤسس مدينة الجزائر “بولكين بن منّاد”، وكان والده بارًا به، فحرص على أن يربيه تربية إسلامية خاصة، فلم يُدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة، بل أرسل به إلى الشيخ المقرئ “محمد بن المدَّاسي” فحفظ عليه القرآن وتجويده وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة! وتلقى تعليمه الأول بمدينة قسنطينة على يد الشيخ “حمدان لونيسي”، ثم انتقل ابن باديس سنة 1908 إلى تونس لمواصلة تعليمه بجامع الزيتونة، وبه تتلمذ على يد الشيخ “الطاهر بن عاشور”، وتحصّل بعد أربع سنوات على إجازة الزيتونة، ومن تونس رحل إلى الحجاز؛ لأداء فريضة الحج واستقر بالمدينة المنورة، وهناك واصل تلقي العلم حتى حاز درجة “العالم”، وفي طريق عودته إلى الجزائر عرّج على القاهرة وبها تتلمذ على يد الشيخ “رشيد رضا

واقع الأمة في عصره

كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث استهدف طمس هوية الجزائر ودمجها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعها، فتعددت وسائله، وإن جمعها هدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، لتكون لغة التعليم والثقافة والتعامل بين الناس.

غير أن الأمة الجزائرية لم تستسلم لهذه المخططات، فقاومت بكل ما تملك، ودافعت بما توفر لديها من إمكانات، وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله: “إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري

مهمته الإصلاحية

استقر الشيخ ابن باديس فور عودته من رحلته العلمية بقسنطينة وبدأ مهمته الإصلاحية بعد أن نضج وعيه الإسلامي وتأثر بأفكار الجامعة الإسلامية، وأدرك أن طريق الإصلاح يبدأ بالتعليم؛ لأنه لا يمكن للشعب الجاهل أن يفهم معنى التحرر ومحاربة الاستعمار، لذلك باشر ابن باديس تأسيس المدارس وتولّى بنفسه مهمة التعليم، وركزّ على تعلم الكبار بفتح مدارس خاصة بهم لمحو الأمية، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات إذ أنشأ أول مدرسة للبنات بقسنطينة سنة 1918، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع، لكن تعليم المرأة لا يعني تجاوز التقاليد والأخلاق الإسلامية. ووسع بن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة من الوطن بتأيد من شيوخ الإصلاح أمثال “البشير الإبراهيمي” و”مبارك الميلي” وغيرهم… كما ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي بالعاصمة، وساعد على تأسيس الجمعيات المسرحية والرياضية.

ساعة اليقضية

لم تنقطع نداءات ابن باديس لجمع الطاقات وتوحيد الصفوف وتكاتف الجهود معتمدًا في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- اللذين هما الأساس لكل نهضة تتطلع لها الأمة وفي هذا يقول: “إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة، ولدفع المضرة متساندة في العمل فكرة وعزيمة ” فانسابت أشعة الفجر الجديد من تلك النداءات المباركة فأيقظت الأصوات بعد سكوتها، وحركت الهمم بعد سكونها. ويصف لنا الأستاذ مالك بن نبي (- رحمه الله -) تلك اليقظة بقوله: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة”. ومفهوم الإصلاح عند ابن باديس هو: “إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من فساد“.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر في سنة (1349هـ= 1930م) فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها.

وقد نجحت الجمعية في توحيد الصفوف؛ لمحاربة المستعمر الفرنسي، وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس، وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم.

وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام (1352هـ= 1933م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

ابن باديس والصحافة

كان رحمة الله – تعالى -عليه من مؤسسي جريدة “النجاح”، ثم تخلى عنها، وأسس سنة 1925 جريدة “المنتقِد”، وتولى رئاسة تحريرها وأسند إدارتها للشهيد “أحمد بوشمال”، وكان من كتابها الشيخ “مبارك الميلي”، والشيخ “الطيب العقبي”، – رحمهما الله -، وقد نشرت في عددها السادس مقالاً “للميلي” تحت عنوان: «العقل الجزائري في خطر»، كما نشرت في عددها الثامن قصيدة “للعقبي” تحت عنوان «إلى الدين الخالص» ومثل هذه القصيدة وذلك المقال يعد جراءة كبرى في ذلك العهد لتناولهما العادات المألوفة بالنقد والتجريح. وسارت على خطتها حتى عُطلت بقرار بعدما برز منها ثمانية عشر عدداً؛ فأصدر بعد ذلك جريدة “الشهاب” على خطة المنتقد ومباديه، فلاقت في سبيل ذلك ما لاقت من العناء والصعوبات قلم تلن قناتها لغامز، وتحالفت قوى الرجعية وكل هامز لامز على عبد الحميد حتى أصبح مهدداً في حياته

المناقب

كان ابن باديس مدرسة أخلاقية بسلوكه وتصرفاته ومعاملاته، وكانت أقواله ونظرياته صورة صادقة لواقع حياته، وعصارة خالصة لأعماله ومعتقداته، وكان – رحمه الله – نموذجًا صادقًا وصورة حية لتلك المبادئ التي طالما نادى بضرورة العودة إليها، من أجل إنقاذ شعبه وإسعاده.. وكان أسوة في التواضع والتسامح ونكران الذات، وكذلك كان في الصرامة والشجاعة والثبات

فاشتهر – رحمه الله – بالزهد والانصراف عن متاع الدنيا ورغم أن عائلته كانت من سراة قومه إلا أنه في شخصه كان متقشفًا مخشوشنًا متواضعًا تواضع العلماء العارفين. يروى أنه خرج من مقصورته بجامع “سيدي قمرش” بقسنطينة ذات يوم فطلب من أحد أصدقائه أن يبحث له عمن يشتري له نصف لتر من اللبن وأعطاه آنية، فرآها ذلك الصديق فرصة لإكرام الشيخ، فذهب بنفسه إلى الشَّوَّاء واشترى له صحنًا من اللحم المختار، وعاد إلى الشيخ وهو يكاد يطير من شدة الفرح، ولما قدمها إليه استشاط غضبًا، وقال له في لهجة شديدة صارمة: “ألا تعلم أنني ابن مصطفى بن باديس، وأن أنواعًا مختلفة من الطعام اللذيذ تُعد كل يوم في بيته ولو أردت التمتع بالطعام لفعلت، ولكن ضميري لا يسمح لي بذلك، وطلبتي يستفون الخبز بالزيت وقد يأكله بعضهم بالماء“.

وعن حلمه وتسامحه يروى أن إحدى الجماعات الصوفية المنحرفة التي ضاقت ذرعًا بمواقف ابن باديس أوعزت -بتنسيق مع سلطات الاحتلال- إلى نفر من أتباعها باغتيال الشيخ عبد الحميد ظنًا منها أن في اغتياله قضاءً على دعوته، غير أن الغادر الذي همَّ بهذه الجريمة لم يُفلح في تنفيذها، ووقع في قبضة أعوان الشيخ، وكانوا قادرين على الفتك به إلا أن أخلاق الإمام العالية جعلته يعفو، وينهى أصحابه عن الفتك به متمثلاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).

ولئن كان الشيخ ابن باديس في كثير من مواقفه لينًا من غير ضعف فهو في الحق صارم.. وحين تخور العزائم فهو شجاع شجاعة من لا يخاف في الله لومة لائم، ولا غطرسة ظالم متجبر، تجسد ذلك في مواقف عدة منها: موقفه مع وزير الحربية الفرنسي “دلادييه” أثناء ذهاب وفد المؤتمر الإسلامي إلى باريس في 18 يوليو 1936؛ حيث هدد الوزير الفرنسي الوفد الجزائري وذكرهم بقوة فرنسا وبمدافعها بعيدة المدى قائلاً: “إن لدى فرنسا مدافع طويلة”، فرد عليه ابن باديس: “إن لدينا مدافع أطول فتساءل “دلادييه” عن أمر هذه المدافع؟ فأجابه ابن باديس: “إنها مدافع الله“.

ولقد كان – رحمه الله تعالى -آية في حسن استغلاله للوقت، وكان مدركًا قيمة الوقت وضرورة استغلاله والاستفادة من لحظاته، وتظهر نظرته تلك واضحة في تفسيره لقوله – تعالى -: ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر ِإِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء آية 78]، فيقول: في ربط الصلاة بالأوقات تعليم لنا لنربط أمورنا بالأوقات ونجعل لكل عمل وقته، وبذلك ينضبط للإنسان أمر حياته وتطرد أعماله ويسهل عليه القيام بالكثير منها، أما إذا ترك أعماله مهملة غير مرتبطة بوقت فإنه لابد أن يضطرب عليه أمره ويشوش باله، ولا يأتي إلا بالعمل القليل ويحرم لذة العمل وإذا حرم لذة العمل أصابه الكسل والضجر فقل سعيه، وما كان يأتي به من عمل على قلته وتشوشه بعيدًا عن أي إتقان“.


آخر التغريدات: