ابن باديس مجدد الجزائر في القرن العشرين.. قضايا التحرير وإشكاليات النهوض

ابن باديس مجدد الجزائر في القرن العشرين.. قضايا التحرير وإشكاليات النهوض

مآثر الإمام ابن باديس من وحي النبوة رضعت، ومن سير المجددين نهلت. تنتظر مجدد جديد يطل على الجزائر في القرن الواحد والعشرين؟ امتثالاً للحديث المأثور: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها أمر دينها»، فمن هو الإمام عبد الحميد بن باديس؟ وما هي المدرسة الباديسية التي أطلت على الجزائر فأضاءت قرنها ثم ولت وتوارت وكادت أن تندرس؟

 يمتد نسب هذا الرجل إلى عائلة عريقة تنتمي أصولها إلى قبيلة صنهاجة الأمازيغية، المشهورة في تاريخ الشمال الإفريقي؛ فأحد أجداده هو الأمير «بلكين بن زيري بن مناد» المكنى بأبي الفتوح، الذي أسند إليه الخليفة الفاطمي «المعز لدين الله» السلطة على أفريقيا والمغرب الأوسط (الجزائر حالياً). كما أنجبت هذه الأسرة أيضاً «المعز لدين الله بن باديس» الذي تم على يده فصل المغرب الإسلامي عن الخلافة الفاطمية ووصله سياسياً بالقائم بأمر الله الخليفة العباسي، وحمله دينياً على المذهب المالكي بدل المذهب الشيعي الإمامي. وقد كان يحلو كثيراً للإمام ابن باديس الافتخار بهذا الجد، لما له من فضل على صياغة المغرب الإسلامي منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

يؤكد الكاتب الفرنسي «مارسيل أجريتو» في كتابه «الوطن الجزائري» أن الثقافة كانت منتشرة في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830، وأن العلماء فيها كانوا يتمتعون بقسط وافر من الاحترام داخل المجتمع. وقد لاحظ مؤرخون فرنسيون آخرون أمثال الجنرال «ولسن استرهازي» و»إسماعيل أوربان» أن الجزائريين الذين يكتبون ويقرأون كانوا في ذلك العهد أكثر عدداً من الفرنسيين؛ بحيث كانت تزيد نسبة المتعلمين في الجزائر على 55 في المئة، استطاع الجنود الفرنسيون الأميون الجهلاء تخفيضها إلى حدود بات معها الشعب الجزائري أقرب ما يكون إلى الأمية الشاملة، في أظلم حقبة زمنية مرت في تاريخه كله.

لقد تركزت السياسة الاستعمارية منذ البداية على تحقيق أهداف خمسة تكاملت كلها في رسم صورة بشعة ظهرت بعد مئة عام من احتلال الجزائر، دعت الإمام محمد البشير الإبراهيمي إلى القول ان ظهور جمعية العلماء المسلمين عام 1930 لو تأخر عشرين عاماً لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتها. أهداف خمسة ترمي كلها إلى سلخ أمة عن هويتها: التفقير، والتجهيل، والتنصير، والفرنسة، والتجنيس. وتنفيذاً لتلك الأهداف، استولى الاستعمار بعد شهرين من دخوله الجزائر على الأوقاف والمساجد والمدارس، فاغتصب الأولى، وحوّل الثانية إلى كنائس، واستبدل بالثالثة مدارس فرنسية الروح واللسان تاركاً هامشاً ضئيلاً للغة العربية لغة أجنبية. ويشير رئيس الحكومة الجزائرية الموقتة فرحات عباس في هذا المجال إلى التناقض في سياسة الثورة الفرنسية، التي أعدمت الرهبان وأحرقت الكنائس في موطنها، أما في الجزائر فقد حولت المساجد إلى كنائس مستخدمة أموال الأوقاف لتنصير أهلها عنوة، وهي في عملها هذا وذاك تعبث في قرارة نفسها بكلا الدينين.

أما التعليم العربي الحر الذي كان موازياً للتعليم الرسمي الفرنسي، فقد استهدفته السلطات الاستعمارية بقانون سنة 1904 الذي يحظر فتح أي مدرسة عربية من دون نيل ترخيص من المحافظ الفرنسي (الحاكم العسكري) تحت طائلة الحبس والغرامة. وكان منح هذه الرخصة يخضع لجملة شروط، القصد منها تفريغ هذا النوع من التعليم من روحه ومحتواه، كان منها على سبيل المثال:

 أن يقتصر التعليم في هذه المدرسة على حفظ القرآن دون سواه.

عدم التعرض إلى تفسير الآيات القرآنية، خصوصاً تلك التي تتعلق بالجهاد وتدين الظلم والاستبداد.

استبعاد تاريخ الجزائر والتاريخ العربي الإسلامي وجغرافيتهما من الدراسة.

استبعاد دراسة اللغة العربية وآدابها.

منع تدريس المواد الرياضية والعلمية.

في مثل هذه الظروف الخانقة التي تجعل من ابن البلد في وطنه أجنبياً، وتجعل من المحتل الأجنبي خارج أرضه مواطناً أصلياً، وفي مثل هذه الأجواء المكبّلة لثقافات أبناء الوطن الحقيقيين، تشاء الأقدار، استخفافاً بالمستكبرين، أن تجلو من حلكة هذا الليل البهيم الأليل فجراً، وأن تبعث من اشتداد الأزمة وضيقها فرجاً، فيظهر الإمام ابن باديس ويعمل في غفلة من المحتل ومعاونيه، بعدما سادوا على الأرض وملكوا السماء، وتحكموا في الأرزاق والأعناق، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكونوا سادة على الأقدار التي خبأت لهم إلى حين ما لم يكن في الحسبان.

لم تكن حركة ابن باديس الإصلاحية في الجزائر بدعاً من الحركات التجددية في العالم الإسلامي، فأنباء التأثر والتأثير في ما بينها واضح في مشارق الأرض ومغاربها؛ سواء تعلق الأمر بالجرائد والمجلات التي كانت تفد على الجزائر مما أصدره الإمامان الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعدهما الشيخ محمد رشيد رضا، أم تعلق بزيارات متبادلة بين المشارقة والمغاربة، نذكر منها زيارة الإمام محمد عبده بداية القرن العشرين إلى الجزائر والتقاءه بعلمائها، ورحلة ابن باديس إلى الحجاز، حيث قابل رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، في لقاء تاريخي تعارفا فيه وتدارسا شأن الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة العمل التي ستقلب الطاولة على الغزاة الفرنسيين.

تدرّج ابن باديس في تعليمه كما يتدرج أبناء العائلات المحافظة في الكتاتيب، وتتلمذ على من توافر له من أساتذة في مدينته قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، فحفظ القرآن الكريم ولمّا يتجاوز الثلاثة عشر عاماً، ولازم أستاذاً كان له الأثر الطيب في روحه وسلوكه، هو الشيخ حمدان لونيسي العالم المتصوف، الذي أوصاه «أن يقرأ العلم للعلم لا للوظيف ولا للرغيف». وما إن بلغ الإمام التاسعة عشرة حتى تشوفت نفسه لإتمام دراسته العالية في تونس، فيمّم شطر جامع الزيتونة المعمور، حيث مكث ينهل من علومه أربعة أعوام نال نهايتها شهادة العالمية، وعاماً خامساً بقي في الجامع مدرساً، ثم قفل راجعاً إلى وطنه سنة 1913.

لقد كانت تجربة ابن باديس في الزيتونة نقلة نوعية، أغنت محصلته بالعلوم العربية والشرعية، وأنضجت تفكيره في التربية والإصلاح، بدت ملامحها عليه باكراً، حينما عاب على مناهج الزيتونة العقم والجمود، ما حاول تلافيه في مناهج مدرسته التربوية التي أسسها في الجامع الأخضر في قسنطينة.
وتشاء الأقدار أن يرتحل ابن باديس في العام نفسه الذي حط فيه ابن عاشور الرحال في الجزائر، لكنّ هذه المرة الى البيت المعمور، فعرّج على المسجد النبوي وألقى فيه دروساً والتقى علماء ومفكرين، كان على رأسهم رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، العالم والأديب والكاتب الجزائري الذي آلت إليه رئاسة جمعية العلماء بعد وفاة ابن باديس في السادس عشر من نيسان/ أبريل سنة 1940.

لا نعثر في أحاديث ابن باديس الصريحة إلا على نتف تشير إلى علاقة حركته باستقلال الجزائر، نظراً لما كان يعلمه من نيات الاستعمار المبيتة له ولجمعيته بعدما ذاع صيتها وبان أمرها. ولعل أكثر كلماته صراحة في هذا المجال ما قاله حين عودة مصالي الحاج من فرنسا ومطالبته باستقلال الجزائر: «وهل يمكن من شرع في تشييد منزل أن يتركه من دون سقف؟ وما غايتنا من عملنا إلا تحقيق الاستقلال». إن هذا الكلام وغيره مما كان يخفيه ابن باديس ولا يبديه لحاجة في نفسه يريد قضاءها، تتصل بالبند الذي ورد في القانون التأسيسي للجمعية والقاضي بالبعد عن الشأن السياسي، وهو بند أراد أن يراوغ به الإمام الإدارة الاستعمارية لئلا تحول دون مشروعه الإصلاحي وهو لا يزال في المهد. والغريب أن يستدل بعض المغرضين بهذه الحكمة البالغة من الإمام ليقول إن جمعية العلماء لم تشترك في تحرير الجزائر!

لقد انطلق ابن باديس منذ أن عقد العزم على النهضة بشعبه من المسجد، فأسس في الجامع الأخضر في قسنطينة معهداً اتخذ له الرخصة الرسمية غطاء شرعياً تحول دون ملاحقات السلطات الاستعمارية، التي لم تعِ خطورة ما يفعله هذا الرجل على وجودها إلا بعد أن اتسع الرقع على الراقع. وظل ابن باديس معتكفاً على مشروعه حتى عام 1930، حين تقدم بمشروع عصرنة معهده ليغدو مدرسة تحتضن مكتباً للتعليم وملجأ للأيتام ونادياً للمحاضرات ومعملاً للصنائع وتمويلاً للإرساليات العلمية إلى الكليات والمعامل الكبرى.

ولم يكتف ابن باديس بهذا التطوير لمشروعه فقط، بل تحيّن فرصة تاريخية نادرة سنحت له في العام نفسه، وجدها ملائمة لإعلان حلمه الذي كان يراوده ورفيقه الإمام الإبراهيمي منذ أن التقيا في دار الهجرة.
في تموز (يوليو) من عام 1930 بلغ من عمر الاحتلال الفرنسي للجزائر مئة عام، أقامت فرنسا بمناسبته حفلاً صاخباً قدرت له أن يدوم ستة أشهر بالتمام والكمال، فدعت إليه الدنيا كلها، لكنها اضطرت إلى تقليصه في مدة شهرين نظراً لمقاطعة الشعب الجزائري لها وغضبه منها. في هذه اللحظة التاريخية تقدم ابن باديس إلى السلطات الاستعمارية بطلب الاعتماد لجمعيته، جمع فيها خيرة علماء الجزائر، ووجدت فيها فرنسا من جانبها مأرباً لتلطيف الأجواء بينها وبين الشعب الغاضب فوافقت على الفور.
اتخذ ابن باديس شعاراً اختصر أهداف هذه الجمعية كلها: «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»، وأعلن في قانونها الأساس «أنه يمنع بتاتاً كل بحث سياسي، وكذلك كل تدخل في أية مسألة سياسية داخل نطاق هذه الجمعية». وأخذت الجمعية على عاتقها محاربة استعمارين محاربة لا هوادة فيها: أولهما: استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي، يعتمد في وجوده على الحديد والنار. وثانيهما: استعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق الصوفية، المتاجرون بالدين، الناشرون للبدع والخرافات، المتعاونون مع الاستعمار الأول. وهذا الاستعمار الثاني أشد وطأة على الشعب من الاستعمار الأول؛ لأنه ران على العقول فعششت فيها الخرافات والأوهام، وحال دون القلوب وصفاء الدين.

تقاسم كبار علماء الجمعية الأدوار، وانتشروا في مشارق الجزائر ومغاربها، باذلين جهوداً مضنية تنوء بها الجبال الرواسي في نشر العربية وإحياء الدين، وسعوا إلى فتح مدارس في كل أرض تطأها أقدامهم؛ فبلغت مدارس الجمعية في غضون سنوات معدودات العشرات، ضمت ما يربو على خمسين ألف طالب وطالبة، تجري في دمائهم محبة الإسلام، وتنعقد إراداتهم على العمل من أجل العربية والجزائر.

شرح الإمام الإبراهيمي الطريقة التي انتهجت في تعليم هذا الجيل الرائد حينما كتب: «كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا في المدينة المنورة سنة 1913 في تربية النشء هي ألا نتوسع في العلم، وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا».

توجهت الجمعية إلى الجماهير العريضة – عبر المساجد والنوادي التي أنشأتها – فعبأتها، وبتاريخها المجيد ذكرتها. وكان من جملة تلك الأساليب إنشاء الصحف والمجلات، فكان لها أكبر الأثر في نشر الوعي الديني والسياسي؛ فأسسوا جريدة المنتقد والشهاب والسنّة المحمدية والشريعة المطهرة والصراط السوي والبصائر، وكلها صحائف متعددة لفكرة واحدة، كانت تصدرها الجمعية بحسب مقتضيات المرحلة ومتطلبات الظرف.

ومن اللافت حقاً، أن يتخذ الإمام ابن باديس، في بيئة مالكية أشعرية، المنهجية السلفية في حركته الإصلاحية لتصحيح العقائد وإحياء الثقافة الإسلامية. فقد وجد فيها الإمام خير سبيل لاجتثاث ما قدّس من أقوال المشايخ في النفوس وكل ما لا يمت إلى صحيح الدين بصلة؛ فربط الأفكار بمصدريها الكتاب والسنّة، وبنى مناهج مدارسه على هذين الأصلين، بل إنه عاب على الزيتونة عدم اهتمامها بالقرآن والحديث على رغم أنهما أصل كل العلوم الشرعية والعربية.

 

كاتب جزائري  – عن جريدة الحياة الصادرة بتاريخ :  2005-05-07.


آخر التغريدات: