المرأة في فكر رجال الإصلاح "ابن باديس نموذجا" 2/2

المرأة في فكر رجال الإصلاح “ابن باديس نموذجا” 2/2

تناولنا في الجزء الأولمن هذه المقالة الدور المحوري للمرأة في فكر ابن باديس كأحد رجال الإصلاح في العصر الحديث، وذكر بعض من ملامح رؤية ابن باديس لقضية المرأة وأشرنا إلىأن أبرز ما يميز هذه الرؤيةهو التوازن والشمول، فالمرأة عنده ملتزمة بدينها حريصة على حشمتها وحيائها، في الوقت نفسه هي عنصر مشارك وفاعل ومؤثر داخل المجتمع. وخلال الجزء الثاني سنتناول بقايا نظرة ابن باديس للمرأة، لنتعرف على مكانة المرأة في فكر هذا المجدد وموقعها في حركته الإصلاحية.

 دور المرأة في بناء الأمة:

دور المرأة المسلمة عند ابن باديس يكتسي أهمية خاصة في إعادة بناء الأمة من جديد، فهي عماد الأسرة التي تقوم بتشكيل الأفراد وتنشئتهم، وإعداد الأجيال لحمل الرسالة؛ لذلك فإن إعادة صياغة المرأة من خلال تربيتها تربية صالحة هو الطريق لبناء جيل المستقبل.

كان ابن باديس يرى أن مستقبل الأمة مرهون بدور المرأة داخل المجتمع، ومن ثم فقد اهتم بشكل خاص بتنشئة الفتيات تنشئة صالحة وإعدادهن علميا وخلقيا واقتصاديا واجتماعيا وجعل الفتاة: “أما صالحة، وزوجة صالحة جديرة بالشاب المتعلم الذي يرفض الاقتران بالفتاة الجاهلة، ويقبل على الزواج بالمرأة الأجنبية، على ما في هذا الزواج المختلط من خطورة على مستقبل الأولاد وكيان الأمة القومي والديني، من ناحية النظر إليها على أن تكون نصف المجتمع، وهي الوالدة للطفل والحاضنة له ومربيته، وبهذا الاعتبار فهي المدرسة الأولى في المجتمع بالنسبة للطفل، وعلى مقدار ما تبذله من عناية في تربيته يتوقف مستقبله“(2).

تعليم المرأة:

لذلك فقد جعل ابن باديس في مقدمة اهتماماته قضية التعليم، معتبرا أن أحد جوانب نهضة أي أمة يرتكز على نشر التعليم بين أفرادها، ولم يفرق في قضية أهمية التعليم بين الرجال والنساء؛ لأن “النساء شقائق الرجال في التكليف، فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن، وقد علمهن صلى الله عليه وسلم وأمرهن بأن يتعلمن ويعلمن غيرهن”، وقد قال لشفاء: علمي حفصة (رقية النمل)كما علمتها الكتابة“(3). 
لقد كان ابن باديس يرى أن الأمهات الجاهلات بأمور دينهن لا يستطعن بناء جيل محصن وقادر على النهوض بأمته، ولا سبيل لتربية الأمهات تربية إسلامية إلا من خلال تعليم المرأة شؤون دينها عندها يمكن للأمهات أن ينشئن جيلا يرتقي بأمته، ويضرب ابن باديس نموذجا لهذا الطرح بالشيخ محمد رشيد رضا، حيث يشيد بدور والدة رضا في تربيته وتعليمه ويصف البيئة التي نشأ فيها رضا، قائلا: “البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأصلي لتكوين الرجال، فإذا أردنا أن نكون رجالا، فعلينا أن نكون أمهات دينيات، ولا سبيل لذلك إلا بتعليم البنات تعليما دينيا وتربيتهن تربية إسلامية. وإذا تركناهن على ما هن عليه من الجهل بالدين، فمحال أن نرجو منهن أن يكون لنا عظماء الرجال، وشر من تركهن جاهلات بالدين إبقاؤهن حيث يربين تربية تنفرهن من الدين أو تحقره في أعينهن، فيصبحن ممسوخات، حيث لا يلدن إلا مثلهن“.(4). 
لقد أسس ابن باديس سنة 1930م “جمعية التربية والتعليم الإسلامية” ، بقسنطينة وتولى رئاستها بنفسه، وأولها العناية البالغة لتعليم المرأة الجزائرية.

ويذهب الشيخ ابن باديس إلى عدم اختلاط البنات بالذكور في التعليم؛ لأن في ذلك مفسدة لهم، وعليه: (فلا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعليم، فإما أن يُفْرَدْنَ بيوم… وإما أن يَتَأَخْرَنَ عن صفوف الرجال). 
ويميل الشيخ إلى أن يجعل لتعليم النساء يومًا خاصًّا، ويتكرّر هذا اليوم بقدر الحاجة، ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها. ومن قبل قال سحنون: (وأكره للمعلم أن يعلّم الجواري يخلطهنّ مع الغلمان، لأن ذلك فساد لهم)(5).

الوظيفة الأساسية للمرأة:

أكد ابن باديس على أن التعليم يساعد المرأة على أداء وظيفتها الأساسية كأم ومربية تبني للأمة الأجيال، ويؤكد ابن باديس في كتاباته على أهمية هذه الوظيفة، كما يشير إلى ضرورة عدم مزاحمة المرأة للرجال في الأعمال والوظائف التي يختص بها الرجال، حيث يقول: “المرأة خلقت لحفظ النسل وتربية الإنسان في أضعف أطواره، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، فهي ربة البيت وراعيته والمضطرة بمقتضى طبيعة الخلقة للقيام بهذا الدور، فعلينا أن نعلمها كل ما تحتاج إليه للقيام بوظيفتها ونربيها على الأخلاق النسوية التي تكون بها المرأة امرأة لا نصف رجل ونصف امرأة، فالتي تلد لنا رجلا يطير خير من التي تطير بنفسها، (6)، ويقصد بقوله تلد لنا رجلا يطير: أن قيادة الطائرات هي من المهن التي يختص بها الرجال، وبالتالي لا ينبغي للمرأة أن تقحم نفسها فيها.

وقد قسم ابن باديس الأدوار في الحياة إلى قسمين، ما يدور خارج البيت وهي أدوار منوطة بالرجال، وما يدور داخل البيت وهي الأدوار المنوطة بالمرأة، حيث يقول: إن تقسيم الحياة إلى قسمين ضروري من أجل بقاء النسل وحفطه، وتقسيم وظيفة الحياة بين الرجل والمرأة، وإعطاء كل واحد منهما القدر الذي يحتاج إليه في وظيفته، وهذا كله من بديع صنع الحكيم الخبير، فالله سبحانه وتعالى لو أعطى المرأة مثل ما أعطى الرجل من كمال القوى لما صبرت على البقاء في قسمها الداخلي، فأخلته فاختل النظام فحصل الفساد“(7).

رؤيته للمرأة في الغرب:

يرى ابن باديس أن إخلال المرأة بوظيفتها الأساسية داخل البيت: هي مقدمة لانهيار المجتمعات وفسادها، ويضرب ابن باديس بذلك مثالا بما هو واقع في المجتمعات الأوربية حيث: “نرى المرأة اليوم في المدنية الغربية ومقلديها لما خيل إليها أنها قوية مثل الرجل، هجرت وظيفتها وأهملتها! وخرجت تزاحم الرجل في وظيفته، فأضرت بالقسم الداخلي من الحياة بإهماله واضطرابه، وأضرت بالقسم الخارجي بمزاحمة الرجل وزحزحة قسم كبير منه عن العمل، وتعريضه للفتن والأمم الغربية تشكو من تفكك نظام الأسرة وانحلال رابط الأخلاق الزوجية“(8).

 

الهوامش

رابط الجزء الأول من المقالة http://binbadis.net/portal/categoryblog/240-benbadis.html

تركي رابح: فلسفة ابن باديس وجهوده في التربية والتعليم ص329، وانظر حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس”وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية “، عبد الكريم أبو صفصاف.

ابن باديس، الشهاب الجزء 7 ص66.

ابن باديس، حجة الإسلامالسيد محمد رشيد رضا “، الشهاب ، ج7 م11 ص449-453. وانظر”حركة محمد عبده وعبد الحميد ابن باديس”، وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية”، عبد الكريم أبو صفصاف.

انظر عبد الحميد بن باديس و جهوده التربوية ، الكتاب 57 من سلسلة كتاب الأمة

ابن باديس، المرأة ، الشهاب ج5 ، م7 ص150 .

ابن باديس، “الرجل المسلم الجزائري “، ص14.

ابن باديس، “النساء والكمال” ، ص 347.


 


 

آخر التغريدات: