قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي - الحلقة الخامسة : منهجية ابن باديس في تعليم المرأة

قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي – الحلقة الخامسة : منهجية ابن باديس في تعليم المرأة

الأسرة هي المدرسة الأولى : يمكن القول أن البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأساسي لتكوين الرجال (1)  و من ثم كانت الأسرة الخلية الأولى في بناء المجتمع ، وكانت المرأة العمود الفقري في بناء صرح هذه الأسرة لقيامها بوظيفتها الطبيعية وهي العملية التربوية، تسهر على تربية الأولاد، تعلمهم الفضيلة وتجنبهم الرذيلة، وتنمو على يديها قدراتهم الشعورية و العقلية، وعن طريقها يخطون أول خطواتهم إلى العالم الخارجي، ويشكلون من مفهومها للحياة مفهومهم البسيط لظواهرها..

 

ولهذا فإن أثر الأسرة الصالحة عظيم على الأمة ولا تفوز أمة بأسباب الارتقاء  إلا إذا كان ذلك قد شمل أسرها ، ومن ثم كانت العناية بالأمة تنطلق من العناية بالأسرة ومن خدم الأسرة فقد خدم أمته (2) . مما يبرز أهمية التربية والتعليم في تكوين المرأة ، ومن ثم دور المرأة المتعلمة في عملية النهوض  بالمجتمع تربويا و تعليميا. و كان ابن باديس انطلاقا من هذه القناعات قد ركز في مشروعه التربوي على تربية المرأة و تعليمها ، لتكون بذلك قادرة على النهوض بدورها الأسري  و الاجتماعي ، وكان عمله في هذا الإطار مزدوجا عمليا و نظريا .

1ـإسهاماته في الميدان العملي :

و قد اضطلع بهذه المهمة في الميدان بتخصيصه درسا يوم الجمعة من كل أسبوع يلتقي فيه بالنساء اقتداء بالرسول الأعظم (محمد عليه الصلاة و السلام) ، يعظهن و يعلمهن ، و كان قد أقبل على هذه الخطوة بجرأة كبيرة ، فقد استشار بعض أصحابه في الموضوع فأشاروا عليه بخطورته ، و مع ذلك أقدم عليه متوكلا على الله ، مستعينا به ، و كان لذلك أثره المبارك على المجتمع (3) ، كما سعى في هذا الإطار إلى تأسيس قسم في مدرسة التربية و التعليم التي كان يرأسها و أسقط على البنات دون البنين الرسوم المدرسية ، تشجيعا لهن على الالتحاق بالمدرسة » لتكون منهن بإذن الله المرأة المسلمة المتعلمة « (4)

وقد تطلع في هذا المجال إلى أبعد من هذا ، ففكر في إرسال بعثة طلابية من البنات إلى سورية ، و راسل في هذا الشأن في أواخر الثلاثينات مدرسة (دوحة الأدب للبنات) بالشام يعرض على إدارتها رغبته  في إرسال بعثة طلابية من البنات للتعليم بها ، و اتصل بأوليائهن لهذا الغرض و استطاع أن يقنعهم بالفكرة  وهم بإنجازها لو لا اندلاع الحرب العالمية الثانية التي أحالت بينه  و بين تنفيذ هذه الأمنية (5) .

و تمضي الأيام و يثور الشعب الجزائري و يجاهد و يضحي و ينتصر ، و تكون سورية الشقيقة البلد العربي الوحيد ، الذي استقبل في مدارسه و جامعاته ، أول بعثة طلابية من البنات الجزائريات تذهب إلى الشرق في تاريخ الجزائر، وتتحقق بذلك ـ بمشيئة الله ـ أمنية الإمام الفقيد . و لعل هذه واحدة   من إكرام الله عباده الصالحين المصلحين ، بتحقيق بعض أمانيهم في خدمة الصالح العام بعد رحيلهم  من عالم الشهادة إلى عالم الغيب .

2 ـ إسهاماته في الحقل النظري :

قام الشيخ نظريا بدعوته العامة إلى تربية المرأة و تعليمها ، كما خصص لذلك في مجلته (الشهاب) ركنا قارا بعنوان (رجال السلف و نساؤه) أوقفه على الترجمة لبعض الصحابة و التابعين ، تحدث فيه عن بعض الصالحات من نساء السلف الصالح، وأوضح ما أتاحت لهن المعرفة من القيام بدورهن التربوي الأسري  يقدم عن طريقهن النموذج الأمثل للقدوة الصالحة، و أحسب أن العنوان بمزاوجته بين النساء والرجال يحتوي على دلالة موحية لما يهدف إليه الكاتب من وراء هذه السلسلة من التراجم والسير التي نشرها تحت هذا العنوان. و قد زاوج فيه بين الرجال و النساء ، من خيرة الرجال و النساء ، إنهم أعلام من الصحابة و التابعين، وبذلك كانوا نماذج أسوة و إقتداء. و في هذه الدلالة  الدينية من وجوه الإيحاء ما يصور ما يجب أن تكون عليه صور هذه المشاركة و المزاوجة بين الجنسين ، مما قد يزيد في عملية الإقناع بالفكرة التي يدعو إليها الكاتب بشأن تربية المرأة و تعليمها .

دعوة شجاعة في مجتمع محافظ :

و يظهر أن الكاتب كان يشعر بصعوبة هذه المهمة التي يضطلع بالدعوة إليها في مجتمع محافظ ، و لذلك عمد للاستعانة في دعوته هذه ببعض النصوص القرآنية و الأحاديث الدينية ، كما استعان ببعض البراهين المنطقية و الدلائل التاريخية لحمل الناس على الاقتناع بأفكاره و الاستجابة لدعوته ، وقد اتصل شخصيا بأولياء البنات في هذا الشأن و حاول إقناعهم بإرسال بناتهم إلى (مدرسة التربية و التعليم) وقد نجح بعض النجاح ، فالتحق بالمدرسة كوكبة من البنات ، كما التحق بمدرسة (دار الحديث) بتلمسان ، و (مدرسة الشبيبة الإسلامية الجزائرية) بالعاصمة مثل ذلك .

مشروعية تعليم المرأة :

و يستدل الإمام من التاريخ الإسلامي ومن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على مشروعية تعليم المرأة ، فقد كان بعض نساء المسلمين في صدر الإسلام يحسن الكتابة ، ومن بعضهن ، بعض أمهات المؤمنين : (عائشة و حفصة) عليهما رضوان الله ، و منهن (الشفاء القرشية) رضي الله عنها ، و قد أمرها الرسول عليه الصلاة و السلام أن تعلم (حفصة ) رقية النملة (6) كما علمتها  الكتابة » ألا تعلمين هذه- حفصة- رقية النملة كما علمتها الكتابة « (7) .

و يقف في هذا الباب عند الأثر الشائع في بعض الأوساط و الذي يشير إلى منع المرأة من الكتابة و هذا نصه  » لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة ، وعلموهن الغزل و سورة النور« (8) فيؤكد على ضعفه و يحذر منه وكان (مصطفى بن الخوجة ) قد وقف أيضا هذا الموقف من هذا الحديث (9) ، كما وقف منه كذلك بعض الدارسين (10) .

و يود الشيخ أن يزيد موضوع تعليم المرأة تأكيدا فيستدل على ذلك بالحديث الشريف الذي رواه أبو سعيد الخذري رضي الله عنه » قالت النساء للنبي صلى الله عليه و سلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك . فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن و أمرهن فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار ، فقالت امرأة : و اثنتين فقال : و اثنتين « (11) رواه البخاري .

و انطلاقا من هذا الإيمان و اقتداء بسيرة معلم الإنسانية الأول محمد عليه الصلاة و السلام ، أولى الكاتب عناية كبيرة بتعليم المرأة ، لاعتقاده أن التخلف الملاحظ في رجالنا إنما مرده إلى » جهل الأمهات و قلة تدينهن « (12) . و ذلك بسبب » عدم التربية الإسلامية في البيوت «  (13) ، و ليس هناك من علاج ناجع أحسن من » أن نكون أمهات دينيات و لا سبيل لذلك إلا بتعليم البنات تعليما دينيا و تربيتهن تربية إسلامية » (14)

تعليم المرأة على أساس دينها :

و يظل الإمام  يلح على هذه الفكرة ، فيؤكد مرة أخرى على تعليم المرأة تعليما يقوم على أساس دينها و قوميتها » علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا و بناتنا ، في رجالنا و نسائنا على أساس ديننا و قوميتنا « (15) و كان يركز في دعوته هذه إلى تعليم المرأة على ناحيتين اثنتين : الناحية الدينية و الناحية الاجتماعية بما يحفظ عليها شخصيتها في إطار طبيعتها النسوية و يساعدها على القيام بوظيفتها الاجتماعية الإنسانية ، و هي حسن رعاية الأسرة و تربية الأولاد تربية صالحة لتكون منهم رجالا صالحين » فعلينا أن نعلمها كل ما تحتاج إليه للقيام بوظيفتها و تربيتها على الأخلاق النسوية التي تكون بها المرأة امرأة لا نصف رجل و نصف امرأة ، فالتي تلد لنا رجلا يطير خير من التي تطير بنفسها « (16) . وكان أعلام الإصلاح يشاركونه الرأي في توجهه ، هذه الوجهة السليمة في تعليم البنت تعليما دينيا (17) .

و يرى الشيخ أن هذا التعليم الديني للبنت بما يقوم عليه من تعليم العربية والإسلام ، عظيم الأثر على الأمة لأن المرأة النابتة في تربة هذا التعليم تنشأ على حب دينها و أمتها ، فينتقل منها ذلك إلى الناشئة فيشب عناصرها على ذلك الحب و ذلك الولاء للدين و للوطن و للأمة ، فلا ينكرون أصلهم و لا يتنكرون لقومهم، فعلينا أن نربي المرأة على ذلك » لتلدا أولادا منا و لنا ، يحفظون أمانة الأجيال الماضية للأجيال الآتية ، ولا ينكرون أصلهم و إن أنكرهم العالم بأسره ، ولا يتنكرون لأمتهم ولو تنكر لهم الناس أجمعون « (18) .

ويحذر الكاتب بالمقابل من  مخاطر التعليم الأجنبي ، تلك التي لا تتوقف عواقبها الوخيمة على المرأة فحسب ، وإنما تتجاوزها  إلى الذرية و إلى المجتمع. وذلك بما تنقله المعلمة بذلك التعليم  إلى عقول ونفوس الناشئة من سموم المسخ والنسخ  تلك التي سرعان ما تتحول إلى نكران و تنكر للذات و للملة  وللأرومة .

ويبلغ الأمر بالكاتب أمام هذا المصير الخطير ، أن أصبح يفضل أن تبقى البنت جاهلة على أن تتعلم ذلك النوع من التعليم الذي حاول أن يمسخها ويؤدي بالنشء  إلى تلك النهاية المؤسفة و ذلك العقوق النكير. » فالجاهلة التي تلد أبناء للأمة يعرفونها مثل أمهاتنا ـ عليهن الرحمة ـ خير من العالمة التي تلد للجزائر أبناء لا يعرفونها «  (19) .

 

الهوامش :

1 ـ ابن باديس حياته و آثاره 4 : 201

2 ـ  آثار الإمام 1 : 373

3 ـ  محمد الصالح بن عتيق : أحداث و مواقف في مجال الدعوة الإصلاحية و الحركة الوطنية بالجزائر ص 168

4 ـ ابن باديس حياته و آثاره 3 : 186

5 ـ و قد سمعت هذه الرواية من الشيخ محمد الصالح رمضان ببيته بتاريخ 25 مارس 1995

6 ـ  النمل : بثور صغار مع ورم يسير … ينظر الجوهري : الصحاح 5 : 1836

7 ـ 8 ـ آثار الإمام 3 : 61 ، 62

9 ـ  الاكتراث في حقوق الإناث ص 83

10 ـ د / فهمي جدعان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ص 461

11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 15  آثار الإمام 2 : 157- 3 : 88 ـ 89 – 2 : 161

16 ـ ابن باديس حياته وآثاره 3 : 469 ، و ينظر مالك بن نبي شروط النهضة ص 176

17 الإبراهيمي : عيون البصائر ص 324 ، 428 – و ينظر: محمد صالح المراكشي ، تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار ص 348 ، (1898 ـ 1935) الجزائر 1985

18 ـ 19 ـ  ابن باديس حياته وآثاره 3 : 469 ، 470 و ينظر محمد عبده : الأعمال الكاملة 2 : 76

يتبع

آخر التغريدات: