قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي - الحلقة الرابعة : قضيـة الحجـاب والسفـور

قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي – الحلقة الرابعة : قضيـة الحجـاب والسفـور

لقد أسالت أقلام الباحثين مفكرين وأدباء في العالم الإسلامي – وما تزال – حبرا غير قليل حول قضية السفور والحجاب المتعلقة بالمرأة.  وإن الناظر في توجيهات الإسلام في هذا الباب يدرك أن الإسلام أمر النساء أن يلتزمن بالحجاب الشرعي، وهو: “ستر الحرة ماعدا وجهها وكفيها”(1) إلا أن الذي يبدو عليه بعض النساء المسلمات في الوقت الحاضر غير ذلك، فكثيرات هن النساء اللواتي تراهن يدرجن في مسارح الحياة المختلفة دون أن يلتزمن بما فرض الله عليهن من الحجاب، وأقل من ذلك اليوم، ممن وقفن عند ما أمر به ديننا الحنيف في هذا الموضوع، غير أن عدد هؤلاء المستقيمات المستجيبات لأمر الله في هذا الباب يزداد – بفضل الله وحمده – يوما بعد يوم.

ومما يمكن أن تفسر به تلك الظاهرة، ظاهرة الإعراض عن الالتزام بالحجاب الشرعي من بعضهن، أنها تعود إلى ضعف فاعلية الروح الدينية في بعض النفوس المريضة وانتشار الجهل وسيطرة التقاليد، إلى جانب محاولات الاحتلال الذي كان ـ ولا شك ـ يدرك أن الأسرة الصالحة القوية من أهم الركائز التي تقوم عليها عملية بناء جيل قوي، محب لوطنه غيور على شخصيته وحقوقه، فحرص لذلك على إجهاض هذه العملية بمحاولة ضرب الأسرة والعمل على تفكيك عرى الأواصر بين أفرادها وإفساد أخلاق المرأة خليتها الأولى، وإفشال دورها في بناء المجتمع.

دعاة التجديد الزائف:

وكان بعض المستغربين من تلامذة المدرسة الأجنبية، وبعض المنبهرين بحضارة الغرب من دعاة التجديد الزائف يمالئون الاحتلال في مخططه ضد الأسرة المسلمة، فيدعون بدعوته إلى السفور وتمزيق الحجاب والمطالبة بالمساواة في الميراث، ورفض تعدد الزوجات، وحرية الطلاق وجعل العصمة بيد الرجل وغير ذلك.

وقد تصدى أعلام الإصلاح ورجال الفكر والأدب في العالم الإسلامي: مشرقه ومغربه من أمثال محمد عبده، محمد رشيد رضا، شكيب أرسلان، الرافعي، ابن باديس، الإبراهيمي، مالك بن نبي، شوقي، حافظ، الرصافي، محمد العيد، وغيرهم.. لقد تصدى هؤلاء وأضرابهم إلى هذه المحاولات الهدامة، يسفهون أحلام أصحابها ويبصرون الأمة بأخطارها، ويوضحون الرأي الصائب في الموضوع، فماذا عن موقف ابن باديس من ذلك؟

كان الشيخ يرى أن السفور نوعان:

1- سفور إسلامي: وهو كشف المرأة وجهها دون شعرها وعنقها عند أمن الفتنة مع عدم إظهار الزينة(2).

2-  سفور إفرنجي: وهو كشف الشعر والعنق والأطراف مع التبرج والزينة وما إليها(3).

موقف الإمام من السفور: دعا ابن باديس بصدق وحرارة إلى مقاومة هذا النوع من السفور ومنعه » فعلينا ـ معشر المسلمين ـ أن نوجه قوتنا كلها إلى منع السفور الإفرنجي الذي قد طغى حتى على نساء أمراء الشرق المسلمين ووزرائه«(4).

ويرى أن الحجاب هو: “ستر الحرة مع وجهها وكفيها وجمع ثيابها عند الخروج بالتجلبب، وبما حرم من تطيب المرأة وقعقعة حليها عند الخروج وخلوتها بالأجنبي واختلاط النساء بالرجال”(5).

ومما يمكن تأكيده في هذا الباب، أن الكاتب كان معتدلا ومرنا في موقفه من هذا الموضوع وكان مع التمسك بالحجاب الشرعي، بيد أنه كان يحتاط من أمر كشف الوجه فيراه مقبولا في الريف لأمن الفتنة وجريان العادة على ذلك هناك، ولا يراه كذلك في المدينة للخوف والفساد(6).

موازنة:

وكان الإمام في موقفه هذا يراعي – على أية حال – ملابسات البيئة الزمان والمكان، وإن كان يختلف في ذلك مع بعض الكتاب الجزائريين من أمثال الشيخ أبي يعلى الزواوي والشيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي اللذين أبديا بعض التحرر في أمر الحجاب، مما أثار الرأي العام في المجتمع الجزائري(7).

وإن من يوازن بين رأي هذين الكاتبين في هذا الموضوع ورأي ابن باديس فيه، يقف على اعتدال موقف الشيخ، الذي لا يكاد يغادره في جميع آرائه ومواقفه، وبذلك فهو يقف من الموضوع موقفا وسطا بين إفراط المتفرنجين الداعي إلى سلخ المرأة من جلدها، وبين تفريط الجامدين الذين أوصدوا الأبواب في وجهها، وإن كل ما ألصقه المغرضون بالإسلام من وصمات، إنما هو من تصرفات هؤلاء وأولئك(8).

ويعلل بعض الباحثين تفريط هذين الطرفين في موضوع المرأة بدوافع الغريزة الجنسية(9).ويرد الإمام بطريقة غير مباشرة على دعاة السفور المنادين بنزع الحجاب، موضحا أن هذا الحجاب لم يضر المرأة وإنما الذي أضرها وأخرها، إنما هو حجاب الجهل، ولذلك فعلى الذين يريدون أن ينهضوا بالمرأة أن يبادروا برفع C1 » حجاب الجهل عن عقلها «(10) قبل أن يطالبوا » برفع حجاب الستر عن  وجهها «(11).

موقف الإمام من الحجاب:

ويرى الإمام أن الحجاب المادي قد لا يؤدي الغرض منه إذا لم يلازمه حجاب من نوع آخر، حجاب يقوم على التربية والعلم والفضيلة. ويستدل الشيخ على ذلك بما يجري في الواقع المعيش وبما يجري في التاريخ، فكثيرات هن اللواتي تراهن في الواقع متحجبات، ولكنهن غير ملتزمات في الوقت ذاته بحجاب الخلال الحميدة من طهر وعدم زينة، وعدم اختلاط، فماذا كانت النتيجة؟

إن ذلك الحجاب الشكلي لم ينفع المرأة ولم يمنعها من التردي في مهاوي الرذيلة والفساد، بينما يشهد التاريخ أن الملتزمات بالحجاب الشرعي من بنات المسلمين في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية لم يمنعهن ذلك من أخذ العلم والإسهام في تقدم الأمة والإنسانية.

وكان الإمام قد تصدى في هذا الإطار إلى محاولات المحتلين الرامية إلى إفساد المرأة الجزائرية، ومن ثم إفساد الجيل الذي يشب في حجرها، وكان بعض المتفرنجين يقفون من وراء ذلك يغذون هذه المكائد ويستعجلون النتائج ويفترون على الله الكذب بترويجهم لما يذيعه بعض أساتذتهم من افتراءات في بعض الأوساط تزعم أن الإسلام قد حد من حرية المرأة، ومن ثم وجبت بزعمهم المناداة بتحريرها.

وقد سبقت الإشارة في صدر هذه الدراسة إلى زيف هذه الدعاوى وتهافتها، وإن في ذلك – في ما نحسب – ما يكفي في توضيح الحال من ذاك المقال؛ ولذلك فإننا لا نقصد الرجوع إلى الموضوع بهذه الإيماءة، وإنما نود بذلك فقط أن نطرح هذا السؤال: فمم يريد هؤلاء أن يحرروا المرأة؟

فإذا كانوا يريدون أن يحرروها من دينها ولغتها وحضارتها، فهم وأسيادهم على ذلك ساهرون وعلى إنجازه متواطئون، ولكنهم في أمانيهم تلك بالخيبة والخسران آيبون.

وإن كانوا يريدون بذلك تحريرها من الاحتلال وما نجم عنه من جهل وجور وعدوان، فإن الطريق إلى ذلك قد وضعت أسس قواعده الحركة الوطنية بجميع فصائلها، ويسهر على قيادة موكب الأمة على جنبات هذا الطريق رجالها العاملون ولا يكون ذلك إلا على درب بناء الإنسان في روحه وفي جسمه، في قلبه وفي عقله، بناء قويا عن طريق التربية والتعليم والتثقيف والتوجيه، وفي هذه الغايات أولئك المستغربون زاهدون، ولمن يتطلع إليها من أبناء الأمة، أسيادهم يمانعون ويلاحقون، ويغرمون ويسجنون!

موقف ابن باديس من ظاهرة الاختلاط: وقد تصدى الإمام لبعض هؤلاء المستلبين، يفند مزاعمهم، وممن وجه لهم من هؤلاء انتقاده المباشر في هذا المجال: الطاهر الحداد صاحب كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي أنكر عليه ابن باديس دعوته إلى الذهاب بالمرأة “في تيار المدنية الغربية إلى ما يخرجها عن حدود دينها ووظيفة أنوثتها”(12)

وإن خروج المرأة للقيام ببعض شؤونها في الحياة العامة، قد يجعلها تصطدم في وسط المجتمع بظاهرة الاختلاط. فماذا عليها أن تفعل إذن؟ وماذا عن موقف الشيخ من ذلك؟

نبادر بالقول: إن ظاهرة الاختلاط بين النساء والرجال أصبحت أو تكاد في الوقت الحاضر من الظواهر المتفشية في بعض البيئات الإسلامية، وقد وقف الكاتب عند هذه الظاهرة أكثر من مرة، فأكد على ضرورة الالتزام بعدم الاختلاط، وجعل ذلك شرطا ضروريا من شروط الحجاب الشرعي(13).

كما تحدث الإمام في هذا المجال عن قضية أخرى تتصل بالمرأة وهي:

قضية الزواج: تحدث ابن باديس عن مشروعية الزواج وأهميته الاجتماعية، وأوضح في هذا الصدد أن التزوج وطلب النسل سنة، رغب فيه ديننا وحث عليه، ولذلك أبان الإمام أهمية الزواج في بناء الأسرة وتكثير سواد الأمة، ونهى عما نهى عنه الشرع من التبتل لما فيه من مخالفة الشرع وانقطاع النسل(14).

قضية تعدد الزوجات: يعثر الباحث في آثار الإمام على إيماءات سريعة تفيد أنه كان يعارض ما ينادي به بعض المستغربين من منع (تعدد الزوجات)، وقد جاء ذلك في جوابه عن سؤال وجهه له أحد الفرنسيين في الموضوع، فقال له: “إن الشريعة كل لا يجوز للمسلم تجزئته فتقبل كلها أو ترد كلها”(15).

ولم يفته في هذا المجال أن يلفت النظر إلى أمر هام آخر يتعلق بقضية الزواج، وهو ضرورة الأخذ بعنصر الاختيار في هذه العملية، وأن يكون أبرز جانب يعتمد في ذلك، إنما هو جانب الدين. وفي ما يتصل بدفاعه عن حقوق المرأة والنهوض بها، لم يفته أن يدعو إلى العناية بالرعاية الاجتماعية لها وذلك بحثه الهيئات المختصة على تقديم المساعدات المالية اللازمة للنساء الحوامل والمرضعات الفقيرات بما يخفف عليهن من الأعباء الأسرية.

ويمكن أن يستخلص الدارس من خلال ما تقدم في هذه الكلمة تلك المكانة الرفيعة التي تحظى بها المرأة في الحياة، وذلك الدور الهام الذي يمكن أن تنهض به في بناء الأسرة وفي إصلاح المجتمع، ومن ثم كانت العناية بها ماسة من حيث تربيتها وتعليمها وتثقيفها، لتتمكن من القيام بدورها الأسري أحسن قيام كأم ناهضة بحسن تربية الأولاد، وزوجة صالحة قائمة بحقوق الزوجية، وربة بيت مقتصدة حسنة التدبير، وعضو نشيط في حركة المجتمع تعيش قضاياه، وتسهم في تطويره في حدود ما خلقت له، ولا يمكن أن تنهض أمة وتأخذ مكانتها بين الأمم، ويكون نصف أفرادها معطلة قواهم، مهدورة قدراتهم، ومن ثم فإن من أهم ما يساعد على ترشيد قيام المرأة بدورها في المجتمع، ويصون لها شخصيتها ويحفظ عليها كرامتها ويحررها مما يحد من حريتها، إنما هو الدين والعلم والفضيلة. وليس من سبيل أمام بلوغها هذه المقاصد السامية أحسن من التربية والتعليم؛ ولهذا كانت عناية المصلحين في الجزائر وفي غيرها من بلاد العالم الإسلامي بالمرأة كبيرة من هذه الناحية، فماذا عن إسهامات ابن باديس في ذلك؟

 

الهوامش :

1 آثار الإمام ج1، ص: 127

2 ابن باديس حياته وآثاره ج2، ص: 207.

3 المصدر نفسه.

4 المصدر نفسه.

4 آثار الإمام ج1، ص: 127.

6 ابن باديس حياته وآثاره ج4، ص: 207. وينظر آثار الإمام ج1، ص: 441.

7 د / محمد ناصر : المقالة الصحفية الجزائرية ج1، ص: 245 الجزائر 1978.

8 آثار الإمام ج6، ص: 23.

9 مالك بن نبي: شروط النهضة ص 175.

10 ابن باديس حياته وآثاره ج3، ص: 464 – 465 – 475.

11 المصدر نفسه.

12 المصدر نفسه.

13 آثار الإمام ج1، ص: 127. وينظر ج2، ص: 158.

14 ابن باديس حياته وآثاره ج1، ص: 494 – ج3، ص: 357- ج1، ص: 495.

15 المصدر نفسه.

يتبع

 

 

 

آخر التغريدات: