قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي - الحلقة الأولى : المرأة في مرآة التاريخ

قضية المرأة في منظومة الفكر الباديسي – الحلقة الأولى : المرأة في مرآة التاريخ

المرأة في مرآة التاريخ إن الحياة الإنسانية كسائر أنواع الحياة الأخرى تقوم على قانون الزوجية : الذكر والأنثى،  الرجل والمرأة، يقول الله تعالى : < ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون> (1) .

وتمثل الأسرة في هذه الحياة الإنسانية الخلية الأولى لبناء المجتمع ، كما تمثل المرأة العمود الفقري في هيكل المجتمع لنهوضها بوظيفتها الطبيعية المزدوجة الأولى، الوظيفة التربوية (أما) والوظيفة الاجتماعية (زوجة) ، فهي (أم) تنهض بمهمة تربية الأولاد على مبادئ دينهم وتعاليمه وقيمه، تعلمهم مكارم الفضيلة وتحصنهم من أدران الرذيلة، وهي زوجة صالحة تقوم بشؤون زوجها ،ترعى مصالحه وتحفظه في عرضه و في أولاده و في ماله، وتحرص على ما يريح باله ويسعد حاله، وتحقق له بذلك السكينة المنصوص عليها في القرآن الكريم، و بهذا يكون للمرأة المضطلعة بوظيفتها التربوية الاجتماعية، كما يكون للأسرة الراشدة،يكون لكليهما عظيم الأثر في تماسك بنيان المجتمع وفي تلاحم بنية الأمة ومن ثم فإن من نهض بالمرأة وبالأسرة في ضوء قيم الأمة ومقوماتها ، يكون قد نهض بأمته على المنهج السوي والصراط المستقيم، ومن قصر في القيام بهذا الواجب ، فقد أخل بمسؤوليته نحو مجتمعه ونحو وطنه.

الأسرة المسلمة هدف قديم جديد لمخططات الغزاة : كان الغزاة الأوروبيون وهم يجهزون جيوشهم لاحتلال بلاد المسلمين في العصر الحديث يدركون هذه الأهمية لما تنهض به الأسرة الرشيدة في تماسك صرح المجتمع ، ولذلك كانت هذه الأسرة على رأس ما استهدفه أولئك الغزاة بالأمس في إطار هجمتهم التغريبية التنصيرية  وإن هذه الأسرة ذاتها  هي اليوم في مقدمة ما يستهدفه أولئك الذين يقفون في الوقت الراهن وراء العولمة في توجهاتها الاجتماعية والثقافية.

ويدخل في إطار هذه الهجمة القديمة الجديدة ما يدور هذه الأيام من جدل ونقاش في أكثر من بلد من بلاد المسلمين حول جملة من القضايا الاجتماعية يأتي في مقدمتها : المنظومة التربوية (المناهج، المقاصد والغايات) قانون الأسرة ، حقوق المرأة المزعومة .

وينسى أولئك المروجون لهذه الدعاوى أن محاولات من سبقهم على هذا الطريق قد باءت بالفشل، وستبوء- بحول الله- بأسوأ من ذلك محاولات أخلافهم اليوم ، وذلك بما جابهها وسيجابهها من المواقف المشرفة ، والجهود المخلصة لأعلام الأمة مصلحين ومفكرين وأدباء : غيرة عن الأسرة وذودا عن المجتمع ودفاعا عن الأمة، وكان ذلك بما غرس أولئك الأعلام في نفوس النشء من قيم ومكارم  وما نهضوا به في صفوف المجتمع من إرشاد وتوجيه، وما نشروه في أوساط من وعي وعلم ، وما رسموا أمامها من تطلعات وغايات .

وتود هذه الكلمة أن تقترب من جهود أحد أولئك الأعلام- الإمام ابن باديس- في هذا المضمار- وبخاصة ما يتصل من ذلك بقضايا المرأة والأسرة ، للاستئناس بآراء الإمام في هذا المضمار، وهي مرجعية ذات مصداقية عالية لأبناء الأمة في هذا الباب .

الإسلام أول شريعة أعطت للمرأة حقوقها : كانت الجاهليات الأولى (اليونانية والرومانية والعربية وغيرها) (2) قد أهانت المرأة و ظلمتها و حرمتها من حريتها و حقوقها  حتى جاء الإسلام ، فقال للناس : إن المرأة كالرجل { و إذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت }(3) فكانت هذه هي أول دعوة في العالم اعترفت للمرأة بإنسانيتها و أهليتها و منحتها حريتها ، وأعادت لها حق التصرف في جميع شؤونها .

و كان أول من صدق في التاريخ الإسلامي برسول الإسلام محمد صلى الله عليه و سلم ، وبرسالة الإسلام، امرأة هي (السيدة خديجة بنت خويلد ) أم المؤمنين رضي الله عنها (4) .

و لما دخلت الأمة الإسلامية في عصر الضعف ، وبدا مد حضارتها في التراجع على إثر ضعف الروح الدينية في نفوس بعض أفرادها  و تحجر العقل و انتشار الجهل، رجعت المرأة إلى بعض ما كانت عليه في الجاهلية الأولى، ثم جاء العصر الحديث فوجد المسلمين يعيشون أوضاعا هي امتداد لما كانوا يعيشونه في أعقاب فترة القرون الأولى المشهود لها بالخيرية من  نبيهم الصادق المصدوق عليه صلاة الله  وسلامه  ، و كان من نتائج ذلك ، أن سقط معظم البلاد الإسلامية  تحت قبضة الاحتلال الغربي و شاءت الأقدار أن تكون الجزائر من  بين شقيقاتها ، الضحية الأولى لهذا الغزو ، فظفر بها الاحتلال الفرنسي ، و عمل ما عمل على تكريس صورة ذاك التردي الذي هبط إليه المجتمع العربي الإسلامي يومئذ ، فعاش المجتمع الجزائري طوال فترة الاحتلال الفرنسي في ظروف اجتماعية سيئة ، وأخذت المرأة الجزائرية نصيبها من  ذلك ، و كان من أشد ما أصابها من ذلك و أضر بشخصيتها ، ما لحق بها من جراء الاحتلال من جهل بحقائق دينها و شؤون دنياها ، و جمودها و انزوائها في جحر دارها بعيدة عن كل إسهام فاعل في سير الحياة العامة فقعدت بذلك عن وظيفتها الأصلية بحسب ما تسمح لها به مواهبها   و خصائصها المتميزة .

و ظن بعض المتفرنجين لوقوعهم تحت تأثير الدعاية الأجنبية ، أن العامل الرئيسي في وضعية المرأة هذه ، إنما هو الدين الإسلامي. و ما ذلك في الحقيقة بصحيح ، و ما هو إلا محض افتراء و ضرب من البهتان ، ذلك أن المرأة ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك ـ ما عرفت في التاريخ الإنساني دينا حررها من ربقة المهانة و الإذلال  و منحها من الحقوق و من أسباب التكريم  مثل ما منحها الدين الإسلامي ، هذه الشريعة الإنسانية السمحة العادلة التي ضمنت للمرأة حقوقها كاملة غير منقوصة في الملكية و في الميراث ، في العمل و في تدبير شؤونها ، في التصرف في أملاكها وفي أموالها .

و أما ما عليه المسلمون اليوم ، من سوء المنقلب الذي هم فيه يتقلبون ، إنما جاءهم ذلك من التخلف الحضاري العام الذي أصاب مجتمعهم في جميع مظاهر حياته ، أثناء عصر التخلف والسقوط الحضاري  ، و كان من نتائج ذلك أن غزاهم مع مطلع هذا العصر الاحتلال الغربي ، فزاد أوضاعهم سوءا على سوء . فأخذت المرأة المسلمة  في إطار هذا التخلف الشامل نصيبها من ذلك ، فحسب المستغربون أن ذلك إنما هو ظاهرة عامة في التاريخ الإسلامي وفي المجتمع الإسلامي، وأن الدعوة إلى تحرير المرأة و إعطائها حقوقها لم يعرفها المسلمون إلا في هذا العصر بتأثير ما جاءت به المدنية الأوروبية من نظم و قوانين .

و يحضر في ذهن القارئ الكريم أمام هذه الدعاوى هذا السؤال : هل يمكن أن يكون هؤلاء المرجفون المستلبون يجهلون تلك الحقائق التاريخية أم أنهم كانوا يعرفونها ، و لكنهم يعمدون إلى قلبها والتعتيم عليها خدمة لأغراض مرسومة وأهداف معلومة ؟ و إذا لم يكن  الأمر كذلك  ، فبم  يمكن تفسير جهل أولئك المغرضين ، أن أصحاب تلك المدنية التي هم بها منبهرون و لنظمها يروجون لم يعرفوا في تاريخهم تلك الحقوق المزعومة ، ولم يسمعوا بها إلا بعد أن احتكوا بالمسلمين واقتبسوا تلك الأفكار النيرة من حضارتهم الرائدة في غير ما مكان و زمان ؟  ألم تكن المرأة عند أصحاب تلك المدنية الغربية ،  من قبل انبثاق فجر الدعوة الإسلامية  تعيش  مجردة من إنسانيتها مسلوبة الإرادة ، محرومة من أبسط حقوقها في التصرف بشؤونها الخاصة ، بله العامة ؟

الشريعة الإسلامية تكرم المرأة وتعيد لها إنسانيتها :  و إذن فإن ما عرفه المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر من دعوات تنادي بتحرير المرأة ، إنما هو نتيجة الصحوة التي عرفها المسلمون في هذا العصر ، على إثر ظهور الحركات الإصلاحية ، في العالم العربي الإسلامي ، فنقلهم ذلك من الأعصار المتأخرة  المظلمة إلى عصر النور والتنوير عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية التالدة.

وكان أعلام تلك الحركة قد أدركوا عوامل تخلف المسلمين فعملوا على تخليصهم من ذلك، برسم الطريق أمامهم نحو الرجوع إلى ينابيع دينهم، يستمدون منها أسباب القوة و المنعة في قلوبهم وفي عقولهم،  في أرواحهم و في أجسامهم ، في العقيدة و في الأخلاق، في الفكر و في العمل . فكانت قضية تربية المرأة وتعليمها و النهوض بها من بين القضايا التي عني بها المفكرون و الأدباء في العالم العربي الإسلامي (5)

 

الهوامش :

1- سورة الذاريات الآية : 49

2- ابن باديس حياته و آثاره 5 : 53 إعداد  د/ عمار طالبي ، دار اليقظة العربية دمشق 1968 ، و ينظر بطرس البستاني : أدب العرب في الجاهلية و صدر الإسلام ص 23 بيروت 1989

3 ـ التكوير : الآية 9

4ـ ابن باديس حياته و آثاره مصدر سابق 4 : 117

5 ـ  د/ فهمي جدعان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ص 459 و ما بعدها ط2 بيروت 1981 .

يتبع

 

 

آخر التغريدات: