التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس (4) العثور على نصوص مجهولة من تراث الإمام وأخرى له  وهي منسوبة لغيره، وثالثة ليست له

التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس (4) العثور على نصوص مجهولة من تراث الإمام وأخرى له وهي منسوبة لغيره، وثالثة ليست له

أولا- النصوص المجهولة : إن قيام صاحب هذا البحث بالرجوع إلى آثار الإمام في مظانها الأساسية وفي مصادرها المعتمدة بعين النقد والتمحيص والمقارنة قد أدى بهإلى العثور على مجموعة أخرى من آثار الإمام  في الشهاب بدون إمضاء، وقد تمكن الباحث بشيء من النظر بعين التحقيق والتمحيص في الموضوعات المعالجة، ومقارنتها بما عرف عن الإمام من اهتمامات، وبماتميزت به شخصيته و ثقافته و أسلوبه من سمات، أن يقوم  بترجيح صحة نسبة بعض تلك الأعمال للإمام ، و من بينها :

1-(كلمة في رثاء الشيح محمد بن أبي شنب) : ( مجلة الشهاب : ج 2 م 5 (شوال 1347/ مارس 1929) ص29).

2- (تقديم ديوان أبي اليقظان) : ( مجلة الشهاب : ج10 م7(جمادى الثانية 1350/ أكتوبر 1935) ص 656 ) .

3-(انتصار الإصلاح على الخرافة والجمود) : ( الشهاب : ج4 م11(ربيع الثاني1354/ جوليت 1935) ص212)

4- ويروي الشيخ محمد الصالح رمضان أن للإمام بعض الأمالي في اللغة و الأدب ما تزال مجهولة

5- و يشير إلى مثل ذلك الدكتور عمار طالبي ( النسخة الأولى-1: 96) .

6- ويذكر الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه : (تجارب في الأدب و الرحلة ص 100) أن لابن باديس تقريظا لرسالة الشيخ الطاهر العبيدي (النصيحة العزوزية في نصرةالأولياء و الصوفية)

7- ويذكر الشيخ حمزة بوكوشة في مقال له عن الشيخ المجاوي ( مجلة  الثقافة ع 10 ( رجب 1392 / سبتمبر 1972)- ص 13)، أن لابن باديس خطبة و قصيدة في رثاء الشيخ عبد القادر  المجاوي .

8- يعثر صاحب هذا العمل على ثلاث رسائل مجهولة للإمام ، وردت اثنتان منها في كتاب محمد الطاهر فضلاء (قال الشيخ الرئيس ص 414 ، 416 )، كان الإمام قد أرسل أولاهما إلى والد الكاتب فضلاء : الشيخ السعيد البهلولي . وبعث ثانيتهما إلى أخيه : الأستاذ محمد الحسن فضلاء  رحمة الله عليهم جميعا . و وردت الثالثة في كتاب الدكتور مازن صلاح مطبقاني ( عبد الحميد بن باديس : العالم الرباني و الزعيم السياسي ص64  ) كان الإمام قد أرسلها إلى الأميرة الأستاذة بديعة حفيدة الأمير عبد القادر مديرة مدرسة (دوحة الأدب بدمشق سوريا) .كما يعثر الباحث على فقرة نسبها  الدكتور أحمد بن نعمان للإمام في كتابه ( التعريب بين المبدأ والتطبيق ص 290) .

ثانيا – نصوص الإمام المنسوبة لغيره :

يصادف الباحث – وهو يواصل طريقه في هذه  العملية من التنقيب والتحقيق والجمع في تراث الإمام – أن الأستاذ أحمد توفيق المدني قدنسب إلى نفسه في كتابه (حياة كفاح ج 2 : ص 62) إحدى مقالات الشيخ ( كلمة صريحة ) المنشورة في  (النسخة الثانية ( من تراث الإمام ( ينظر ج 5 :ص292 ). إلا أن بعض المعاصرين من تلامذة الشيخ و إخوانه في الحركة ،لم يسكتوا عن ذلك و أجمعوا على أن هذا النص للإمام و  ليس لغيره ، وتتضافر جملة من العوامل على ترجيح هذا الرأي من أهمها :

1- أن توفيق المدني نفسه يشير في (حياة كفاح ج 2 : ص62 ) إلى أن المؤرخ الفرنسي ( شارل أندري جوليان ) قد نسب هذا المقال لابن باديس.

2- يعثر الدارس في النسخة الثانية من آثار الإمام على مقالين اثنين هما : (حول كلمتنا الصريحة) (ينظر ج5 :ص 301) و(كلمة مرة لأنها صريح الحق ولباب الواقع) (ينظر ج 5 : ص 355). وإن المتأمل في محتواهما وفي صياغتهما يلمس أن صلة قوية تربطهما بالمقال الآنف الذكر ، وكان الإمام قد نشرهما في وقت لاحق، و بهما بعض ما جاء في ذلك المقال نصا و روحا، و لم يرد في آثار توفيق أدنى إشارة إلى هذين المقالين، فبم يمكن تفسير ذلك ؟ و لماذا لم ينسبهما توفيق إلى نفسه ،كما فعل ذلك بسابقهما ؟ فهل كان ذلك لمافيهما من أفكار، كحديث الإمام عن الاستقلال ، مما لا يستطيع أحد أن يجهر به آنذاك أو يدعيه ؟ ولا يستطيع أن ينسب ذلك لنفسه يومئذإلا رجل كان في مثل عزم الإمام ، و صدقه ، وشجاعته ..؟

3ـ ليس في المقال ملامح شخصية توفيق، و لا أسلوبه الذي يتميز بشيء من الحماس و المبالغاتوما إلى ذلك من سمات الأسلوب الخطابي، بينما يصادف الباحث في المقال بعض ما يتميز بهأسلوب ابن باديس من قوة و وضوح، ودقة و قصد ، ويسر وإحكام ..

4- إن المتأمل فيما تضمنه المقال من أفكار وأساليب يلمس فيه روح ابن باديس الصادقة،  وشخصيته القوية، وشجاعته الكبيرة، وحكمته وذكاؤه. ويدرك أن تلك الطوابع سمات مبثوثة ومتواترة في معظم أعماله بصورة واضحة .

5- نخلص إلى القول في ختام هذه  الفقرة أن هذه الروايات المتصلة بالشيخ و بآثاره ، و هذه النصوص المجهولة من تراثه التي يعثر عليها الباحث هنا وهناك ، تؤكد بقوة أن لا مجال للزعم من أن البحث يكون قد استوفى جوانبه حول آثار الشيخ وبلغ في ذلك إلى ما يطمئن إليه الدارس من وجوه الإحاطة والشمول، وأحسب أن ذلك مطمح ينبغي ألا يدعيه باحث، ولا سيما من كان حقل عمله في الدراسات المعاصرة، هذه الدراسات التي تحتاج أكثر من غيرها إلى نصيب أوفر من الوقت ، وحظ أعظم من الصبر ، ليستكمل من يتصدى لها شروط البحث والتقصي والتحقيق و الاستقراء وغير ذلك ، مما يساعد على الوصول في ذلك إلى نتائج تكون أكثر دقة ، وأوفر إحاطة، و أعظم قيمة .

ثالثانصوص مبثوثة في تراث الإمام  وهي ليست له :

يمكن القول في ضوء ما تقدم إن آثار الشيخ التي بين أيدينا لم تكن – بالرغم من الجهود المبذولة – لا جامعة ، ولا مانعة ، ذلك أن بعض الأعمال ، مما هو ليس منها قد انزلق إليها ودس فيها ، ويمكن التمثيل لذلك بما جاء بخاصة من نصوص في النسخة الأولى (الجزء الخامس )  ومن بينها:

1- (البحر الأبيض المتوسط  ص 229 ).

2- (الأزمة المالية و سقوط الوزارة  ص 231 ).

3- (هيريو كيف صعد وكيف نزل ؟  ص 233 ).

4-(وزارة الاتحاد المالي ص 241 ).

5-(المعاهدة الإيطالية الأسبانية ) ينظر : ص 255 .

6- (إلى ماذا تسير أوروبا ؟  ص 271 ) .

ونلحظ أن هذه النصوص من حيث  مكان نشرها ، قد نشرت كلها في الشهاب ، ومن حيث زمان نشرها قد ظهرت خلال سنة واحدة، وذلك  (من جوليت إلى أكتوبر 1926)

وأما من حيث موضوعاتها فهي تتطرق جميعها إلى بعض الجوانب من قضايا السياسة العالمية التي ليست لها صلة قوية بالجزائر ، و لا بما يتصل باهتمامات الإمام وأمثاله ، و ليس فيها روحه، ولا أسلوبه .

ويرجح الشيخ أحمد حماني أن هذه المقالات هي أقرب ما تكون لواحد من اثنين :

فهي إمالأحمد توفيق المدني الذي عرف بهذه الميول السياسية في هذه الفترة ، وفي فترة الأربعينات في السلسلة الثانية منالبصائر ، أو أنها للدكتور الزبير ابن باديس أحد إخوة الإمام ، و قد عرف هو الآخر بهذه الميول .  ينظر ( النسخة الثانية ج 6 : 11)

الخاتمة :

ونخلص إلى إيجاز القول في خاتمة هذا البحث  بأن الجهود المبذولة فيه لم تقتصر في معالجة جوانب الموضوع المدروس على الرجوع إلى مصادره الموضوعية الأساسية، ولا على استنطاق آثاره النظرية وتمحيصها فحسب ، و إنما اتجهت العناية فيه بالإضافة إلى ذلك- إلى إجراء بعض الاتصالات والمقابلات مع بعض  المعاصرين لمرحلة النهضة الوطنية قصد الاستئناس بآرائهم فيما قد يعترض طريق الباحث من إشكال حول بعض القضايا ، و قد ساعدت الدارس هذه الواسطة  إلى جانب غيرها من الوسائط المتصلة بهذا البحث في عملية التقصي والاستقراء لنصوص آثار الشيخ و البحث عن المجهول منها ، و توثيقها وتحقيق  بعض الآراء المتصلة بها و بصاحبها.

وبعد فإن الهمم العالية والعزائم المتعاضدة والجهود المتعاونة قد توصل أصحابها – بعون الله وتوفيقه – إلى أبعد مما وصلت إليه المحاولات السابقة في عملية جمع تراث الإمام ونشره ، مما يساعد على الوصول إلى ما قد يكون ما يزال مجهولا ومغمورا في أحضان بعض الدوريات وغيرها من المصادر الدفينة هذه وتلك في دهاليز بعض المكتبات الخاصة والعامة، أو لدى بعض الأشخاص الذين يكونون يجهلون قيمة نصوص هذا التراث، أو يعرفون ذلك ولكنهم لا يدركون كنه فاعليتها في حياة الأمة : ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، فجعلهم ذلك يزهدون في إحياء تلك النصوص والتعامل معها من نحو، ويعزفون من نحو ثان في فتح الطريق أمام غيرهم من الباحثين للوصول إلى مظانها والعكوف على جمعها وتحقيقها وإبراز قيمتها ونشرها، والعمل على تفعيلها في حياة الوطن والأمة حاضرهما ومستقبلهما .

وإن الأمل كبير بعد، أن يضاف هذا الجديد  من نصوص تراث الإمام  الذي وصلت إليه الجهود الدائبة المستجدة إلى جانب ما سبق استدراكه من نصوص على الطبعات المنشورة من هذا التراث ويضم هذا وذاك بعضه إلى بعض في طبعة جديدة من تراث الإمام ، تخرج للناس في حلة قشيبة يكون مضمونها وتكون صورتها أكثر إحاطة ، وأحكم خطة ، وأدق تحقيقا، وأقوم منهجا  ، وأعظم شمولية ، وأجمل تنظيما، وأحسن تبويبا.

 

آخر التغريدات: