التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس (3) النسخة الثانية من تراث ابن باديس

التراث العلمي للإمام عبد الحميد ابن باديس (3) النسخة الثانية من تراث ابن باديس

استطاعت  النسخة الثانية  من تراث الإمام ابن باديس التي قامت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بإعدادها ونشرها أن تصل في جمع تراث الإمام إلى أبعد مما وصلت إليه النسخة الأولى وغيرها من المحاولات السابقة عليها في هذا الحقل،  فقد وصلت هذه النسخة في ذلك إلى  نشرستة أجزاء  من تراث الإمام، كان أولهاقد ظهر ( 1982)، وآخرها قد ظهر (1994)، ويعني هذا أن العمل في هذه النسخة قد استغرق وقتا طويلا، حوالي اثنتي عشرة سنة .

وقد اشتمل الجزء الأول من هذه النسخة على تفسير الإمام ، وما يتصل به كمحاضرته ( العرب في القرآن)، وخطبته في حفل تكريمه بمناسبة ختمه عملية تفسيره القرءان الكريم سنة 1938 .

وتضمن الجزء الثاني شرح الحديث والسنة و ما يتصل بهما من مقالات وخطب، و يبدو من خلال مادة هذين الجزأين أن هذه النسخة قد اعتمدت في تقديم تراث الإمام على المنهج الموضوعي ، ومن ثم فقد استطاعت أن تستدرك ما كنا قد رأينا أنه قد فات النسخة الأولى من هذه الناحية ، بنشرها ضمن هذين السفرين ما يرتبط بهما موضوعيا من آثار الإمام .

وأما الجزء الثالث فقد تضمن هذه الأقسام : تراجم السلف ، تراجم الخلف ، القصص ، الفتاوى . ويبدو من هذا التقسيم أن هذا الجزء قد انتهج خطة جديدة في معالجة المادة بعرضه إياها وفق ما ظهرت فيه من أشكال فنية (المنهج الفني) .

وجاء الجزء الرابع على النحو التالي : التربية والتعليم ، الخطب ، الرحلات ، وبهذا قد جمعت هذه النسخة في هذا الجزء ما بين الخطة الموضوعية و الخطة الفنية.

وجاء الجزء الخامس على الخطة التالية : الإصلاح  ، السياسة ، الاجتماعيات ، التاريخ ،  البرقيات ، الاحتجاجات ، الفواتح والخواتم.

وإن الناظر في تسلسل هذه العناصر في هذا الجزء يدرك أن هذه النسخة ، قد تخلت أو تكاد عن المنهج الفني القائم على الأطر الشكلية للمادة الفكرية والأدبية الذي انتظمت فيه المادة في الجزء الثالث ، ورجعت هذه النسخة من جديد إلى المنهج الموضوعي الذي استهلت بهعملها في الجزء ين : الأول والثاني .

وجاء الجزء السادس والأخير على شاكلة جديدة ، وطريقة مغايرة لكل ما سبق في الأجزاء الأخرى ، ذلك أن هذه النسخة لم تلتزم في هذا الجزء لا بالمنهج الموضوعي، و لا بالمنهج     الفني، وإنما انتظمت المادة فيه على اختلاف حقائقها الموضوعية وأطرها الفنية وفق المنهج التاريخي ، فجاءت أعمال نتاج كل سنة : مقالات وخطب وغيرها، إلى جانب بعضها البعضابتداء من تاريخ بداية نشرها في الصحف سنة 1924، وانتهاء ذلك بعام 1939 .

ونلحظ أن الموضوعات في هذا الجزء قد تداخلت ، كما توزعت مادتها على معظم ما اختاره الإمام  لموضوعاته وأفكاره فيها من أطر وأشكال وقوالب .

تحقيق وملاحظ :يمكن القول بأن المتأمل فيما اصطنعته هذه النسخة من صور متعددة لخطتها المعتمدة في إخراج تراث الإمام ، يدرك مدى اختلاف وجوه الصورة التي ظهرت عليها من جزء إلى آخر . ويمكن في ضوء  ذلك تسجيل  الملاحظ التالية:

1-استطاعت هذه النسخة أن تجمع أكبر قدر من آثار الإمام ، فوصلت في ذلك إلى أبعدمما وصلت إليه الجهود السابقة عليها في هذا المجال .

2- حفل كل جزء من هذه النسخةعلى خلاف سابقتها – بمقدمة ، عنيت بالتعريف بما يتضمنه الجزء المعني من موضوعات ، و ما يرمي إليه من مقاصد .

3-حاولت أن تصحح ما ورد في بعض النصوص من أخطاء مطبعية .

4-لم تلتزم هذه النسخة في عرض تراثالشيخ خطة واحدة ، و إنما توزعت المادة في أجزائها ما بين عدة مناهج ، و قد ترتب عن ذلك أن جاءت أعمال الإمام متداخلة ، مضطربة ومكررة، و كانت المادة في الموضوع الواحد مبثوثة في أكثر من جزء ، كما كانت الأطر النثرية موزعة ، على معظم الأجزاء ، فقد جاءت خطب الإمام – وقد خصصت لها النسخة محورا في الجزء الرابع – متناثرة في هذه الأجزاء الأربعة التالية : (1 ، 2 ، 5 ، 6) ، و كذلك جاءت محاضراته و رسائله موزعة ما بين هذه الأجزاء  الثلاثة التالية : (4 ، 5 ، 6) .

5- جاءت بعض النصوص في هذه النسخة مكررة في أكثر من جزء ، و يمكن التمثيل لبعض ذلك بما يلي :

أ- ( رسالة الشيخ  إلى الطلبة) نشرت في الجزء ين : (4 : 101) و ( 6 : 124).

ب-(رسالته إلى شعب الجمعية) : نشرت في الجزء ين: (5 :127 ) و ( 6 : 125).

ج – (مقالته الزوايا و غاياتها)  نشرت في الجزء ين : (5 : 167) و ( 6 : 277).

د- ( نداؤه إلى رئيس المؤتمر) : نشر في الجزء ين 🙁 5 : 355) و ( 6 : 170).

هـ- (دعوة و بيان إلى عموم الشعب) ( 5 : 332) و : ( 6 : 172).

و- (مقالته حول قانون 8 مارس المشؤوم ،كيف فهمت الأمة معاكسته لتعليم الدين و العربية ؟) نشرت في الجزء ين : (4 : 143)  و  ( 6 : 355 ).

ز-(ماذا في جبال الأوراس : محاربة القرآن و تعذيب السكان ؟) (5: 404) و ( 6 : 242 ).

ح- (مقالته حول كارثة سوف الأليمة ثم سكوت ) نشرت في الجزء ين: ( 5 : 394 )  و( 6 : 221).

ط- ( كلمة قالها الرئيس) نشرت في الجزء ين : ( 5 : 306) و ( 6 : 151 ).

كما سقطت من هذه النسخة  فقرة من مقال الإمام وهي:(حق النساء في التعليم) (2 : 158) وقد وردت في النسخة الأولى ( ابن باديس حياته وآثاره 2 : 199).

6- كان من المتوقع أن تستدرك هذه النسخة ما فات غيرها ، و تتسم بقدر أكبر من الدقة  والإحكام والتنظيم  و حسن التبويب ، وذلك لما استغرقته من وقت وتوفر لها من  إمكانات ، إلا أنها لم تستطع أن تفعل ذلك و تفيد مما توفر لها من الأسباب الإفادة المطلوبة ، مما جعلها تظهر بذاك المظهر  المضطرب غير المنتظم  وغير الدقيق .

7- بيد أن من ينظر إلى صعوبة هذه المهمة التي تصدت للقيام بها هذه النسخة ، يحسن به أن يقدر طبيعة الملابسات التي اكتنفتها، و صدق الجهود المبذولة للنهوض بها ، ذلك أن الإمام كان ينشر أعماله في صحف عديدة ، وكانت هذه الصحف بالأمس  معرضة بين الحين و الآخر إلى المصادرة ، وهي اليوم متناثرة في أكثر من مكان ، مغلقة عليها الأبواب في أكثر من مبنى ، القليل منها داخل البلاد ومعظمها خارجها ، مما يجعل عملية جمع وتحقيق ما نشر على صفحاتها من أعمال يتطلب غير قليل من الجهد والتحقيق والتوثيق .

8- و كان الإمام – للظروف التي  كانت تحياها الجزائر يومئذ تحت نير سلطة فرنسا (دولة القانون ، والحرية ، والحقوق الإنسانية ، والمدنية ، ..؟ !) – يضطر أحيانا ليوقع أعماله بأسماء مستعارة ، وقد نشر بعضها أحيانا غفلا من أي توقيع .

ويمكن أن يتضح مما تقدم أن عملية جمع تراث الشيخ بالصورة التي يوجد عليها في الدوريات  والقيام بتحقيقه، لم تكن بالعملية السهلة التي قد يتوقعها من لم يمارسها، وإنما كانت تستدعي جهدا كبيرا وصبرا عظيما للقيام بما يتطلبه العمل في هذا الحقل من بحث وتنقيب و جمع     وتحقيق . وحسب القائمين على نشر تراث الشيخ أنهم بذلوا في هذا المضمار مخلصين، ما وسعهم الجهد ،  فاستطاعوا أن يجمعوا أكبر قدر من ذلك التراث، ويمكن أن تصل الجهود المتعاضدة على هذا الطريق إلى ما قد يكون ما زال مغمورا مجهولا من ذلك التراث .

ومما قد زاد في صعوبة هذه العملية أن الإمام كان ينشر أعماله تارة باسمه الصريح عبد الحميد بن باديس ، وتارة ينشرها بتوقيعات أخرى عديدة هي : ابن الإسلام ، العبسي ، الجزائري ، القسنطيني ، الصنهاجي ..

ويروي بعض المعاصرين  من بينهم هؤلاء الشيوخ : (أحمد حماني ، حمزة بوكوشة، محمد الصالح رمضان، وغيرهم) أن ما قد  نشر من آثار  في الصحف الوطنية بواحد من هذه التوقيعات السابقة، إنما هو بالتأكيد  لابن باديس  وليس لغيره، وقد أكد الإمام نفسه على ذلك بإقراره  أنه كان يوقع نتاجه بواحد من هذه الإمضاءات ،  وهو (القسنطيني) ، و لما وقف في بعض الصحف على من يوقع بهذا التوقيع أعلن أنه رفع يديه عن هذا اللقب (ينظر الشهاب : ع 58 -27 سبتمبر 1926) .

و يمكن القول في ضوء هذا الإجماع إن المقالات الممهورة بواحد من الإمضاءات المذكورة آنفا ، لا يشك في صحة نسبتها إلى الإمام ، و إنما يبقى شيء من الإشكال قائما فيما يصادف الباحث من آثار  غفلة من التوقيع ، فإن تحقيق ذلك و الوصول فيه إلى ما يطمئن إليه المنهج العلمي يحتاج إلى غير قليل من النظر والتمحيص والتحقيق ، و قد وصل بشيء  من ذلك بعض من تقدم ذكرهم ممن تصدوا لجمع ونشر تراث الإمام إلى نسبة كثير من تلك الأعمال له ، و قد سار على هذا الطريق أيضا الدكتور محمد ناصر فاجتهد في نسبة بعض ذلك إلى الشيخ . (ينظر المقالة الصحفية الجزائرية 2 : 239 ـ 275) .

 

آخر التغريدات: