رحلات الإمام عبد الحميد بن باديس إلى تونس وفرنسا

تعتبر رحلات الإمام عبد الحميد بن باديس إلى تونس وفرنسا من أبرز الرحلات الجزائرية. وتتميّز عن غيرها بكون صاحبها سافر شرقا وشمالا بينما العديد من الأعلام الجزائريين رحلوا في اتجاه واحد إما شطر العالم العربي والإسلامي وإما نحو أوروبا. وقد بلغت في مجموعها سبعة رحلات: خمسة منها في اتجاه تونس بين 1908 و1937، ورحلتان إلى فرنسا في 1936 و1938.

وفي هذا السياق، ناقش الطالب عبد الرزاق توميات رسالة الماجستير في التاريخ المعاصر حول هذا الموضوع بقاعة المناقشات بجامعة الجزائر 2 (بوزريعة)، وذلك يوم الأربعاء فاتح ديسمبر 2010 أمام لجنة مكوّنة من الأساتذة الدكاترة: جمال قنان (رئيسا)، مولود عويمر (مشرفا ومقررا)، محمد القورصو (عضوا)، عبد القادر مولاي (عضوا). وقد تزامنت هذه المناقشة العلمية مع ذكرى ميلاد الشيخ ابن باديس الذي ولد بقسنطينة في 4 ديسمبر 1889. وهذه هي الطريقة التي اخترتها مع الطالب توميات لإحياء ذكرى رائد النهضة الجزائرية الحديثة، بدراسة سيرته والتعريف بأعماله الجبارة.

 

وسأحاول في هذا المقال الحديث عن هذه الرحلات دون التطرق إلى العناصر الأخرى التي تضمنتها هذه الرسالة الجامعية.

الرحلات إلى تونس:

كانت الرحـلة الأولى في عام 1324هـ-1908 م لطلب العلم في جامع الزيتونة أحد أبرز حصون الدين والثقافة في العالم الإسلامي. فقضى إبن باديس في رحابه أربعة أعوام منكبا على تحصيل العلم على يد صفوة العلماء نذكر منهم: البشير صفر (1864-1917م)، محمد النخلي (1867- 1924م)، محمد الخضر حسين (1867- 1958م) ومحمد الطاهر بن عاشور (1879- 1973م) وغيرهم. كما اطلع على تطور الحياة الثقافية في تونس. ولما عاد إلى الجزائر في عام 1912 شرع بدوره في تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية ونشر الثقافة الإسلامية والوعي الحضاري بين أبناء وطنه طيلة 28 سنة فساهم بذلك في إنشاء جيل جديد مشبّع بالعاطفة الوطنية ومتمسك بانتمائه العربي الإسلامي.

وعاد الشيخ ابن باديس إلى تونس في محرم 1339هـ/ سبتمبر 1921م بعد انقطاع دام نحو عشر سنوات، واستغل هذه الفرصة للوقوف على الحالة العلمية للطلبة الجزائريين، ودعاهم إلى الأخذ بأسباب العلم والتقدم.

أما الرحلة الثالثة فكانت قصيرة إذ دامت أربعة أيام فقط من11 إلى 15 شوال 1355هـ/ 25 إلى 29 ديسمبر 1936م، نظرا لارتباطاته والتزاماته المتعددة داخل الوطن. واستقبل بحفاوة كبيرة، وأقيم احتفال على شرفه بالجمعية الخلدونية، أين ألقى خطابا علميا وسياسيا مؤثرا في الحضور. كمـا توقف على مدى التطور الحاصل في جامع الزيتونة نتيجة حركة الإصلاح التي شملته. والتقى أيضا بالعالم المصلح الشيخ محمـد الصالح بسّيس (1910-1978م)، وتحدثا عن ضرورة الاتحاد والعمل لما فيه مصلحة الجزائريين والتونسيين.

وزار ابن باديس تونس في 15 ربيع الأول 1356هـ/ ماي 1937م للمساهمة في إحيـاء الذكرى العشرين لوفـاة أستاذه البشير صفـر. ونوّه الشيخ ابن باديس في كلمته بهذه الشخصية الإصلاحية ذات التكوين المزدوج، وذكر بخدماته الجليلة للأمة التونسية والطلبة الجزائريين. واستغل المصلح الجزائري الكبير أيضا هذه المناسبة للمشاركة في تظاهرات ثقافية نظمتها الجمعيات الطلابية والعمالية الجزائرية الناشطة بتونس ومنها: جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين والجمعية الودادية الجزائرية، فتحدث في كل مرة عن أمله في وحدة المغرب العربي انطلاقا من التعاون الفكري والعلمي، وبالعمل على إفشال الإستراتيجية الفرنسية الرامية إلى قطع الصلة بين هذه الدول ذات التاريخ الواحد والمصير المشترك. كما ولج في السياسة لتنبيه الرأي العام التونسي إلى معاناة الجزائريين من فقر وظلم في ظل الاحتلال الفرنسي.

أما الرحلة الخامسة فكانت في جمادى الأولى 1356هـ/ جويلية 1937م قصد منها إبن باديس المشاركة في الاحتفالات التي أقيمت للأستاذ عبد العزيز الثعالبي ( 1876- 1944م) بمناسبة عودته إلى تونس من منفاه الذي دام أربع عشرة سنة. فهنّأه إبن باديس باسمه الخاص ونيابة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (صورة الرجلين منشورة في الشهاب، ج7، مج13، سبتمبر 1937). واستغل الفرصة لإصلاح ذات البين ورأب صدع الخلاف القائم بين أركان الحزب الدستوري التونسي جراء النزاع حول الزعامة بين قدماء الحزب والزعماء الجدد.

إن الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها الشيخ عبد الحميد بن باديس خلال رحلاته المختلفة من قبل العلماء والسياسيين التونسيين ومن طرف المؤسسات العلمية والثقافية والصحافة التونسية تؤكد على تقديرهم لهذا العالم الفذ واعترافهم بجهوده الإصلاحية وأفكاره التجديدية. وهذه المكانة المرموقة ستعمق فيما بعد العلاقات العلمية بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والنخب الإصلاحية التونسية، وتساهم في قبول إدارة جامع الزيتونة اعتماد معهد إبن باديس بقسنطينة كفرع له في الجزائر.

رحلتان إلى فرنسا 1936 و1938م:

وإذا كانت رحلاته نحو تونس تراوحت بين الفكر والسياسة، فإن رحلتيه إلى فرنسا اتخذتا أبعادا سياسية. فقد سافر ابن باديس مع وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري إلى باريس في ربيع الثاني 1355هـ/ جويلية 1936م للمطالبة ببعض الحقوق كحرية التعبير والتنقل والسماح بفتح المدارس العربية وبناء المساجد والاحتكام إلى القضاء الإسلامي…الخ.

لقد نوقشت هذه المطالب وغيرها مع كافة الأطياف المشكلة لحكومة الجبهة الشعبية، فكانت البداية مع وزير الدولة والوالي العام السابق موريس فيوليت ثم مع رئيس الوزراء ليون بلوم، وتلاها اجتماع ثالث مع وزير الحربية إدوارد دالادييه المحسوب على التيار اليميني، إضافة إلى ممثلي الأحزاب والصحافة الفرنسية وكذا ممثلين عن حزب نجم شمال إفريقيا وبعض المثقفين الجزائريين. وتلقى الوفد وعودا بالنظر ” بعين الإنصاف ” في مطالبهم، باستثناء إدوارد دالادييه الذي رفض مناقشة المطلب المتعلق بالحالة الشخصية الإسلامية وعلاقتها بالجنسية الفرنسية.

بيد أن أهم أثـر خلفتـه هذه الرحلـة يتمثل في توسيع نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى فرنسا. وكلف ابن باديس تلميذه ومساعده الأيمن الفضيل الورتلانـي (1900-1959م) لتأسيس النشاط الإصلاحي في المدن الفرنسية الكبرى بفتح العديد من نوادي التهذيب للاهتمام بالجالية الجزائرية والإسلامية في المهجر ( فرنسا ). وقد سبق لي وأن كتبت دراسات في هذا الموضوع بالعربية والفرنسية في عامي 2001 و2004، وقدمت حوله محاضرات في عدة مناسبات ثقافية في الجزائر وفرنسا. كما أشرفت على رسالة ماجستير في الموضوع نفسه ناقشها الطالب الباحث سعيد بورنان في 30 جوان 2009 أمام لجنة من الأساتذة برئاسة أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله.

لم يتوقف نشاط ابن باديس السياسي بعد فشل مساعي الوفد الأول للمؤتمر الإسلامي، فتوجه إلى فرنسا سنة 1357هـ/ 1938م ضمن وفد جديد برئاسة فرحات عباس (1899-1986م) للإصرار على المطالبة وتحصيل حقوق الجزائريين المشروعة. وجرت مقابلة مع رئيس الوزراء الجديد إدوارد دالادييه وقدم له أعضاء الوفد صورة شاملة عن الظلم والفقر الذي ضرب أطنابه في ظل هيمنة المعمرين ومؤيديهم في مختلف المؤسسات الإدارية والسياسية الفرنسية لكنهم وجدوا المسؤول الفرنسي فظا غليظا لا يتجاوب مع همومهم ومطالبهم.

لقد تأكد لدى ابن باديس بعد هذه الرحلة أن مطالب المؤتمر الإسلامي لن تتحقق في ظل الظروف القائمة، فغيّر إستراتيجيته في التعامل مع العدو، فتحوّل من شخصية هادئة سعت إلى تحقيق مطالب الجزائريين وفق منطق المراحل إلى شخصية ثائرة أعلنت عداءها الصريح لفرنسا جراء استنفاذ كافة الحلول السلمية للقضية الجزائرية في ظل تعنت الحكومات الفرنسية المتعاقبة، وإمعانها في إذلال الشعب الجزائري المسلم، وقال ابن باديس في هذا الشأن: “الحكومة التي اضطهدتنا في ديننا ولغتنا وكرامتنا وحرمتنا من كل حق لنا، وقلنا لها إننا لسنا فرنسا، ولسنا أعداء فرنسا، ولكن فرنسا تجاهلت أقوالنا وعطلت أعمالنا، فالمدارس مغلقة والمعلمون مطاردون والمتعلمون مشردون والمساجد موصدة في وجوهنا وحقوق الأمة معطلة في أبسط مطالبنا، فكيف نعلـن ولاءنا لها ؟”

ودامت مناقشة هذه الرسالة الجامعية حوالي ثلاث ساعات قدم خلالها الأساتذة ملاحظات مفيدة وتوجيهات قيمة للطالب الباحث، وأثنوا كذلك على مجهوده في إنجاز هذا العمل الأكاديمي. وبعد المداولة بين أعضاء اللجنة، منح الطالب عبد الرزاق توميات شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر بتقدير العلامة 15/20. فهنيئا له على هذا المكسب العلمي، وتمنياتي له بدوام التوفيق ومزيد من النجاح في المستقبل.

وفي الأخير، أهدي هذا المقال إلى الدكتور عمر بن قينة عرفانا بدوره الريادي في دراسة الرحلة الجزائرية المعاصرة.

 

آخر التغريدات: