ابن باديس يسجل اعترافاته ...

ابن باديس يسجل اعترافاته …

هو حوار تشخيصي لحال امتنا المتأكل، صغناه وفق رؤيتنا التوفيقية لما نراه ونحسه، لو أن باديس العظيم مُــكن من العودة مرة اخرى إلى عالمنا المتداعي ماذا تراه يقول :يبدأ الراوي في سرد تاريخ الجزائر وإبراز محطاته الفاصلة، قبل الحوار المسرحي، الذي من خلاله يتم استدعاء ابن باديس من قبره، وتمكينه من مكاشفة حال الأمة الآنية، وقد استردت سيادتها وعزتها المسلوبة قسرا ــ آنفا ــ من قبل الغاشم الفرنسي ، ليرى ويعاين ويستطلع حال النشء الجديد الوريث لجيل باديس الجد.

الراوي  :

ــ يُــــــحكى أن الوطن المسلوبَ ، قَضَى رَدْحًا من زَمَن وهو أسير النكبة والعار ، ومَضَى العُمْرُ وهو يصرُخ ويـَــــــئِنُ لقبضَةِ ذاك الجبار ، وتعالت أصواتُ العويل ، وتتابعت الصََرخات ، فحَمل الأبناء المعاول والفؤوس ، وشَحَذوها لساعة الحسم ، وتفَرقوا في الشِعَاب ، وترصَدوا الغاشم في كل الزوايا ولاحقوه حتى في التـــَــكــــــَايا ، وحَاولوا جاهدين استئصال شافة الفاسدين والباغين ، وقَبلهم المارقين ، وأنساهم َضيْق المجال الإجهازَ على بقية أبناء المُــندسين من شاكلة فلان وعلان …

ــ وأخذت وتيرة التصعيد والتنفير تعرف طريقا في الصفوف ، وتوافد الأتباع وكثـُــــر الأصحاب ، وامتلاءت الساحات بالذائدين عن الِحمى والأعراض ، واستبسل الأحرار استبسال الحُسين في واقعة كر بلاء ، وخالد في يرموك الفخر ، و صلاح الدين في حِطِين العز وسعد في قادِسية المجد ، وكانت الجُولات الداميات ، المُفحمات لسَطوة المارد وعُتو العَاتي ، فأيَقن النمرود أن أوان دَق العُنق قد آن ، وأن القَيامة قد أِزفت ، فاستجمع هَياكله وعدَّ جُنده ، وأحْصى عَدَده ، وأطلق زفيره في الأرجاء ، أني هاهنا مِسكين جبان ، لا أقدر على مُقارعة جند الله في الميدان ، فأمِدوني يا حِلف البُغاة بأعوانكم وفِلذات أكبادكم ، وكُلَ من تثقون في ولائـِـــــه وعَطائه ، قبل أن تقتلع مَعَاوِلُ الاجتثاث رأسي ، وتُــــــعَلق على خِلاف أطرافي ، فإني ورب القدس شريد في هذي الديار ، هالك لا محالة ، إذا جَدَّ جِدُّ الوغى في كل الأمصار ، وسَــتُسمع أنــــَّــاتي العالية لفِيحاء الغَاب ، وتـُــترك بقايا الجسد العاري لذواتِ الناب ، من وحوش وسباع وكلاب .

سُمعت الصرخات وعــَـويل الطلقات ، فجاءت زبَانية الموت إلى حتفها مـُـخَيرة ، وراحت تَصْقُلُ السيف ولا تدري أن الطعنات ووقع الضَربات هي َصنِيع ذات الحديد .

انتشر الأزلام في ساحات الميدان وعمــــــــَّروا المَكان قِيحًا وَصديدًا وآثام ، وأعْيَاهم الــجُبن أن يـــُـقارعوا الأسُود في مغَاور البُطولة والإقْـــــــدام ، فَركنوا إلى الصَغار وإلى الدنية من أفعال الصِغار، وعَادوا القُهْقَرى يُطاردون الِولدان والمُقعدون والمُقعدات ، من الذين سقط عنهم التكليف ، وخطَّ المَشيب على كواهلهم ثوبَه وعَجْزَه ، فأرُوهم الويلات ونـــَـكَّلوا بهم ، نِكايةً بالأبناء الأبطال الذين قهروهم في الوغى ، وحَتى يَضعــــُف المجاهد الِصنديد ، إذا ما تَرامى إلى مَسَامعه ، أن صِلته بالأحياء من أقربائه قد توارت ، وتلاشت أسماء أهله وناسه ، مِن على خارطة المكان والزمان ، و أزاحُوا كُلَّ عناصر مَاضيه وحَاضره ، ولكن هيْهَات أن تموت الشجرة ، وقد غارت جُذورها في الأعماق ، وهيهات أن يَعرِفَ الـــــــــجُبن طريقه إلى الأحرار ، وقد رَضَعوُا حَليب الوطنية الَحــقَّة مع حليب أمهاتهم ، وعَرفوا فِيمَا عَرَفُوا، أن الموت أهْوَنُ من أن تُدَاس الكرامةُ والعزةُ والأنفة ُ، فَزادهم ما حصل لعَواَئلهم وأولادهم َووَالديهم بَذْلا وعَطاء ، وظَلُوا ثاَبِتين ولَقـــــــُــــــوا تأييدَ ربهم لهم في باقي أيامهم الخالدات ، حتى لاقُوا الله وهو عنهم راضٍ ، ونحسبهم أبطالا شُجعانا مخــــــَّــلدون في الرِضوان .

و أشرقت شمسُ الصباح على جزائرنا وُدحــــــِــر ذاك النمرود الفَرنسي الغاشم البَاغي وتقطَّعت أسبابه ، وما تبقَّى من شِرذمته لاذت بالفرار، واستراح الجميع وعاد الأملُ والرجاءُ والإخاءُ والصفاء إلى حياة الناس ، وأخذت الأشياءُ تعرفُ مسلك التواجُد والتَكَدُس ، وجاءتنا المدنيةُ الجديدةُ ونحن عنها غُرَباء، فَبـــُـهِرناَ بصَنَائعها وِبمَبَاهِجهاـ وتــِـــــــهْناَ بين دُروُبِها ومَحَطاتها ، وأنْسَاناَ البريقُ ، أن نُحافظ على مَوْرُوث الأجداد والأباء ، وحتى رُحــــنا نُطبل مع المطبلين ، ونتنصل مع المتنصلين ، ونتنكر لسلف أمتنا الخالــد المتين .

فهل هي ذات الجزائر ، التي أرَتِ النجوم لذاك العربيد في وضح النهار؟ ، أم أن الجزائر بالأمس غير جزائر اليوم؟.

ماذا يقولُ عنا ابن باديس إن سجَّل حُضُورَه فِينا ، و أجَال ناِضريه بين أرجاء المَكان ، وتكشَّفت له الأشياء والأرزاء في الأنحاء ، وهو سَنَمٌ كبير ورُكن شامخ من أركان فخرنا وعلمنا وأصالتنا ، أيقول : أبارك أبنائـــي وأحفادي على هذا الصنيع ؟ ، أم يقول: تَبًا لكم جميعا ، فقد أخلفتم ضَـــنِي ونقَضْتُم عهدي ومسختم كتابي ، فالأسطرُ ليست أسطري والبيان ليس بياني ، وعــِــــــضَتِي الواعية وَعَـــــتهْاَ قلوب غُلف ، وميثاقي الغليظ من العلم والشرف الغالي أضحى عـــــُرضة للدس والجس والحبـــــــس ، أ لهذا أفنيتُ شَبَاب عُمري وأبلِْيت عُودَ سَناَمي وأرْخَيْت للأيــــام سُدولي .

ربما نكون أجْدرَ بالثقة من هذا الخاطر المــــــُفزع ، بيد أننا لا نملك ُوسْعًا غير أن نستدعي باديسَ من قبره ، ونبعثه َمبْعَثهُ الأول قبل مبعَــثِه الأخير ، لنُمَكِنـَــهُ من تسجيل اعترافاته ، ولمَــْـــلَمَةِ أوراقه الضَائعة ، والحُكم على ورثة العهد وورثة الميثاق ، قبـــل التخاصم عند رب الأرزاق …

باديس يـــُبعث من جديد ، ُيلملمُ ذاته ، يخرج من أجداث الرمس ، يَرى ويتفحص الأشياء، يُعاينُ المواقعَ والَمواضعَ والمباضعَ ، يزور الأحبابَ والأصحاب ، تنقُلـــُـهُ خُطاه إلى أحفاده الصِغار من ناشئة الوطن ، والحـُـــــرقة تملأ قلبه ، أليس هو القائـــل :

يا    نشء    أنت    رجاؤن * * * وبك   الصباح   قد   اقترب

خذ      للحياة     سلاحه * * * وخض الخـــطوب و لا تهب

وأرفع    منار   العدل    *  *   *   والإحسان  وأصدم من غصب

ماذا يــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرى ؟..

باديــــــــــــــــــــــــــــــــــــس يتكلم …

باديس : ينهض يستند على عَصا ، يلبسُ برنو سه ، ويُحاول أن يخطو خطواته الأولى في المكان ، وتظهَرُ عليه سيماءُ العَياء ، يرى أمامه فتاة صغيرة تتوسط المكان ، يَتَجِه نحوها ، ويبادرها بالسؤال :

ــ يبدأ الحوار المسرحي بين الجد باديس والحفيدة :

باديس : من أنتِ يا ابنتي ، ومن هؤلاء الحاضرين ؟

الحفيدة : أنا حفيدتك يا جدي ، وهؤلاء هم خلفك ..

باديس : وِلمَا اجتمعوا في هذا المكان ، وهل تركتهم فَرَ نْسَا دون أن تُضَيِّق عليهم الخِـــــناق ؟

الحفيدة  : إيـــــه على فرنسا يا جدي ، فقد تَوارى نجمها ، وأفلت سَطوتها ، وأُزيحت عن بكرة أبيها من على ثـَـــرى بلادنا .

باديس : أوا تقولين صدقا يا ابنتي !.

الحفيدة  : نعم يا جدي ، هو عين الصدق .

باديس : حمدا لله ، على الِمــــنة والنصر .

باديس : (وسيماء البشر تملأ مُحياه) قولي إذن يا ابنتي : لماذا اجتمع هؤلاء الناس في هذا المكان ؟

الحفيدة  : جاءوا ليُحيوا ذِكراك ، ويُجددوا العهد بعلمك وفضلك .

باديس : أيُّ ذكرى يــــُــــحيون ؟

الحفيدة  : ذِكرى موتك ، وانتقالك إلى الرفيق الأعلى .

باديس : وما علاقة موتي ، بتجديدكم العهد مع علمي وفضلي ؟

الحفيدة  : هكذا جرى الترتيبُ ، واعتـــــُـــمِل التسطير .

باديس : (يبدو عليه الغيظ الشديد) أليس الأحرى بكم يا ابنتي ، إن كنتم حقاً تُراعون فضلي وعلمي وأدبي ، أن تُجددوا العهد بي بتاريخ ميلادي، لا بتاريخ وفاتي، فوفاة الرجل إيذان بانقطاعه عن هذه الدنيا الفانية ، وارتفاعُ عطائــــه وبذلـــه.

الحفيدة  : ولكن يا جدي روحك الطاهرة وآثرك الزكي ، يظــَــــلُ الترياق والبلسم الشافي العَافي من كل الأرزاء ، وما الجسد إلا تراب عَادَ إلى أصــــله.

باديس : ولكن يا ابنتي ، أليْسَ من اللباقةِ أن نُحيي ذكرى شخص بالرجوع إلى تاريخ ميلاده ، فالميلاد هو الشارة الحقيقية ، وهو الاعتراف الحق بالفضل الحق ، وهو التـــبركُ المحمود بأفضليات وخِــلال ومـُـــــثل الشخص.

الحفيدة  : تقاطعه الحفيدة قائلة : نتبرك بك والله يا جدي !!.

باديس : ألستم مسلمين ؟. ألا تحتفلون في أعيادكم الدينية بميلاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

الحفيدة  :نحن مسلمون يا جدي ، ونحتفل بذكرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

باديس : ولماذا إذن لاتتخيرونَ يوم وفاة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، لتجعلوا منه عيدا ؟ ، ولماذا لا يتخير المسيحيون يوم وفاة المسيح عيسى عليه السلام حسب زعمهم ، ليجعلوا منه عيدا ؟، أم أن تصاريف أيامكم لاتنزل بالسوء إلا على شخص باديس ؟

الحفيدة  : حاشا والله يا جدي ، لا نملك في هذا الذي كان قرارا ، فالذي صار أننا جُـــــــبِلناَ على توقيركم وإكرامكم نزولا لحَثِ أساتذتنا عليكم ، أما أمرُ التأريخ فمتروك لأصحابِ التاريخ .

باديس : ماذا يقول أساتذتكم عني ، وهل في كُتُبِكم ومُقَررَاتِكُم ما يــُـــــنِوه بفضلي وبذلي ؟.

الحفيدة  : أي نعم ، فيشهدُ الله أنهم جعلوا منكم زعماء إصلاحيين وقادة كبار للتغيير ، قـَـلَّ أن َيجوُد الزمان بمثلهم ، وحفـَّــــظونا نصــوصا ، وأَرُونا مواقفكم وتصويباتكم وتوجيهاتكم في كل أمر .

باديس : ماذا تحفظين من نصوصي ومواقفي ؟ .

الحفيدة  : الكثير ، الكثير ، يا جدي !!. ، فقد درَّسنا أستاذنا في العربية ، الكثير منها ، ومن جملة ما قاله لنا : أنك عُدت من رحلتك إلى الحجاز ، فوجدت البلاد تسبح في دياجير ظــَـــــلام ، ولسان الأمة يجتهد فيه الأعداء أن يُحــَــــوِروه ويجعلوه فَرنسيًا ، والإسلام أخذ يَتوارى خلف سُجوف كثيفة من البِدع والانحراف ، والأعداء مُتكالبون على الأمة : المستعمرون بـِــــحديدهم ونارهم ، والرَجْعِيوُنَ بما أشاعوه بين العامة من خُرافات بإِرتمائهم في أحضان المستعمر ، فعَمَدتَ إلى تغيير حال الأمة ، وبـَـــــعْثِها من جديد ، وعَـــــزَمتَ العزم الأكيد أن تربي نشْأً إسلاميا جديدا كله طهارة ، تغرسُ فيه العربية الصحيحة وتدرسه مبادئ القرآن ، فيتخلق بأخلاق الإسلام ويتحلى بحميته ، فيغدوا بذلك سلاحا لا يَفَله الحديد والنار .

ــ اتجهتَ مع رهط من أصحابك الأتقياء الأصفياء إلى تأسيس ماعرف ــ بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ــ وكنتَ فيها العــَـلَم البَارزَ ، رُحتَ تزرع بين صفوف العامة أهداف وشعار التأسيس ، الذي يَنـــُم عن إسلامية التَوَجُهْ وعربية اللسان وقُطرية المكان ، فلخَصْتها في قولك : [ الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا ، والجزائر وطننا ] ، َنهضتَ تُقَارِعُ فُــــــلُولَ الطـُـــــرُقِيَة وتَجْتَثُهاَ من أصولها ، لَمــــــَّــا تبـــــَّين أنها تحمل ِإرثا سَقيما من الُخرافة والدَجَل ، أنشأتَ المدارسَ في الُمدن والقُرى ، ناديتَ بالأُخوةِ بين جميع المسلمين توحيدا لكلمتهم أمام الغاصبِ ، أنشأتَ الجرائدَ والمجلاتِ السَّيَارةِ ، التي كان لها الوقع الطيِّبُ على نفوس الجزائريين الشُرفاء ، وكان لبياناتها وبيانها أعظم النفع ، اشتهرتَ بمواقِفِكَ الثابتة والصلدة في الدفاع عن الجزائر والإسلام ، في المُنتديات والمحَافل الرسمية ، كنتَ رافضاً لِماَ عُرِفَ بِفِكَْرةِ الاندماج أو التزاوج الفرنسي الجزائري، وكنت تُؤمن بفكرة الثورة ، وقد حفِظ لك التاريخ قولتك الشهيرة : ( والله ، لو وجدتُ عشرةً من عقلاء الأمة الجزائرية ، يوافقونني على إعلان الثورة لأعلنتها) ، أُصيبتَ بمرضٍ خبيث ، فلم تكترث لِحَالِ الجسدِ الفاني ، بل كانتْ ُهمومُ بلدك هي التي تؤرقُ مضجعَك ، أفنيتَ أيامكَ ولياليكَ في التدريسِ والتعليمِ والوعظِ والإرشادِ ، حتى اللحظةِ الأخيرةِ من عمركَ ، وكنتَ ترددُ دومًا : فإذا هلكتُ فصيحتي … تحيا الجزائرُ والعرب .

باديس : (محركا رأسه) : أتعرفين كل هذا عني يا ابنتي ؟ .

الحفيدة  : وأكثر يا جدي .

باديس : خَبـــِّـــريني عنكم يا ابنتي، وعن حال الجزائر الجديدة، أمَا تـَــزال طَيِّبةَ الأعْرَافِ، ُحلْوة المَعْشَرِ ؟

الحفيدة  : أما عن حالنا نحن الحفدة ، فقد ألـــــَزمنا أنفسَنا أن نَشِب عن الطـــُـــوقِ ، وأن نكون الحُداة الــــُوعاة ِلماَ نقرأ ونحفظ من إرثكم الزاهر ، أما عن حال الجزائر ، فَحاَلُهَا كحال بلاد العـــُـــــــــــــرب والإسلام ، أصبحنا لُقمَة سائغة بيد أعدائنا ، تتقاذفنا قِوَى الشَّرِ والطُغْيانِ ذات اليمين وذات الشمال ، نَسْتَجْدِي الرغيفَ ، ونحن أصحابُ الرغيف ، نَطلبُ الصَفْحَ والسماحَ ، ونحن المظلومين الصِحاح ، نَبغي الحضارة ولم نسلك مَسالكها ، نتدرجُ في طلبِ المنافعِ من الغاياتِ ، وإنْ تقاضَاناَ إلى ذلكَ إهدارُ ماءِ الوجه وتَضْييعُ الأماناتِ ، ضاعتْ في أُمَةِ العـــــُرب والإسلام النَخْوَة الصحيحة و الَمجْدُ التليد ، ونحن أصحاب العِزِ والفخر العتيد.

كنا أُسُودا يــَــــهابُنا القاصي قبل الداني ، وَصِرْناَ ــ يا جدي ــ أَجْبَنَ مِنْ وَائـــــِـــل.

باديس : يكفيني ما سمعتُ يا ابنتي .

الحفيدة  : خَفـــِف عنك وَقْع المُصاب ، يا جدي .

باديس : لا أرى لي بين الناس مكان ، ولا أتمنى هذه الحال الُمشينة لأُمَتي وأمَة الإسلام ، وأحْتَسِبُ أمْرَ الَهوَان و الـــِذلَةِ إلى صاحب التصريف ، فهو القادر تعالى على كل تكليف ، أما عَنكِ ياابنتي فقد أثلجتِ صَدري ، وأرحتِ بــَــــــالي ، وأعَـــــدْتــِــِني إلى فـُــــتُـــــــوَتي الأولى أيام كنت على الَحقِ أذُودُ .

ـــ ولِلَأمــَـــــــانةَ ــ ابنتي ــ أنْقُليِ عن جَدِكِ الشيخ ، السَلام الَحار والتحيةَ الخالصةَ إلى أستاذكِ في العربية ، وقُولي له : باركَ الله لك هذا الصنيع ، ودُمــــتَ وأمثالكَ أعواناً للعربيةِ الصحيحةِ السليمةِ ، وأثــــَـــابني وأثابكم الله جميعًا بعُقبى الدار ، وأَقــْــرِئيِ الحَاضِرينَ عَنِي السَلام ، وقولي لهم : الاحتفال بِعيد ذِكرى الشيخ باديس ، لا يكون في السادس عشـر من أبريل ، بل اجْعَلوُه في الرابع من ديسمبر من كل عـــــام … وداعًا ــ وداعًا ــ يا ابنتي …

الحفيدة  : طابَ مَثواكَ جدي ، ولقاؤناَ ــ بإذن الله ــ في دار الخُــــــــلْد .

ــ الحفيدة  : (تخاطب الحاضرين ) : فيا أحفاد باديس ، ويا وعد أمتنا الصادق ، ويا جيل النصر والتحدي ، ويا شيوخنا الكبار ومربينا الأجــــــلاء ، سنعاهدكم بأن نكون الأمل الوضَّاح ، وَنخُطَ مسارا وهَّاجا ، تتفيأ ظله أمتنا ، التي ُنمنيها بالخير ــ كل الخير ــ ، ونُجهِد في البذل وفي العطاء ، حتى نُمَكنها من بُلوغ الغايات وإدراك المقاصد النافعـــــات …

ــ فالجزائـــــر ، هذه الأم التي أرضعتنا حليبها ، ونتشرف بالانتساب إليها ، والدفاع عن عِزتها وكرامتها وكيانها ، وَكُل ما يتصل بماضيها وحاضرها ، ونَزْهو زَهْونا الكبير ونحن نستحضر معا أمجاد ومآثر أمتنا ، ونجعلها بيننا مثارا للتقليد المحبب ، ولا نغالي إن قلنا : للتقديس المـُـــرغَّب .

فهذي الجزائر يا أحباءنا الصغار ، ويا شيوخنا الكبار ، تفتح قلبها وذراعيها للجميع ، ولا تحمل الضغينة لأحَــد ، مهما أسأنا إليها ، ومهما كنا عاقين لأمنا ، فالأم تحنوا على أبنائها ، ولا تُضمر السوء لهم ، بل تبيت لياليها تتفقد الجميع ، ولا يَغمط لها جفن ، حتى ينعم جميع الحاضرين بالراحة والسكينة والهدوء التــام .

ــــ فتتحسَسُّوا معنا وقع هذه الكلمــات المعبرة، وغنوا لجزائر الأمل، جــزائر الشهداء والأبــــطال …

 

 

آخر التغريدات: