محمد البشير الإبراهيمي : أمير البيان؛ كرائِم اللّغة وفصاحة اللّسان

محمد البشير الإبراهيمي : أمير البيان؛ كرائِم اللّغة وفصاحة اللّسان

«الشيخ البشير الإبراهيمي، قبل أن يكون مفكّراً مصلحاً، وسياسيّاً محنّكاً: كان أديباً شاعراً، وخطيباً مفوَّها؛ عالماً فقيهًا في العربيّة، خبيرًا بأسرارها، متضلّعاً في آدابها وفنونها». (عبد الرحمن شيبان).

تقدير وتنويه

ما كان أشدَّ سعادتي حين شرّفني بالدّعوة الصديقُ الأديب الأستاذ الهادي الحسني، مفوّضاً عن جمعيّة العلماء، وذلك من أجل الإسهام في أوّل ندوة دوليّة تعقد عن محمد البشير الإبراهيميّ بالجزائر. ولم تكن سعادتي، في الحقيقة، بالدّعوة إلى الحضور وتقديم كلمة عن الموضوع المطروح للمُقادَحة والمحاورة، أقلَّ من سعادتي بمبادرة جمعيّة العلماء المسلمين، برئاسة أستاذي الجليل الشيخ عبد الرحمن شيبان، إلى تنظيم هذه النّدوة الكريمة؛ ذلك بأنّ هذا الرجل الكبير لَمّا  يتبوّأْ مكانته الحقيقيّة، في رأينا، في مجالات الفكر والإصلاح والأدب ما هو حقيق به في حياتنا العامّة. وقد تعود العلّة إلى أنّنا نحن الجزائريّين لم يَهَبْنا اللّه أَلسنةً تُجيدُ مدْحَ الرجال، ولو كانوا أهلاً للمدح والتقدير؛ فكلّ عبقريّ جزائريّ يوشك أن يَغْتَمِرَ في الظلام! وإلاّ فكيف يمضي على وفاة أكبر أديبٍ عرفتْه الجزائر طوال القرن العشرين أربعون عاماً، دون أن تُنظَّم عنه ندوةٌ كبيرة تليق بمكانة هذا الفذّ العملاق. وأسوأُ من ذلك سُوءاً، أنّه لا دَيّارَ فكّر في أن يسمِّيَ باسمه جامعةً من الجامعات المنبثّة في معظم الولايات… بل وقع الاجتزاءُ بإطلاق اسمه على بعض الشوارع الصغيرة، والمدارس المغمورة! وقد وَدِدْنا لو أنّ هذا الرجُلَ نُزِّل منزلته الفكريّة في حياتنا العامّة، لأنّ في تَبْوِئَتِه ذلك إنّما هو تبوئَةٌ لمنزلة شعبنا بين الشعوب… فليس الرجالُ العظماء قِطعَ غِيَارٍ تَتْلَفُ فنعوِّضَها بأصْنائها، ونبدّلَها بأمثالها؛ ولكنّهم فلَتاتٌ من الدّهر لا تمثُل في التاريخ إلاّ لِماماً…

والحقّ أنّي كنت كتبت عن الإبراهيميّ كثيراً حتّى أصبحتُ إبراهيميًّا، أو كدت… غير أنّه لم يُتَحْ لي أن أتوقّف قطّ لدى خصائص النسْج اللّغويّ في كتابته على حدَة، وفي دراسة مخصوصة، فيما عدا «رواية الثلاثة» التي كنت كتبت عنها بحثينِ اثنينِ1؛ فواتتْ هذه النُّهْزةُ ، اليوم، لأُعيدَ شيئاً من العرْض والتّطْريَة لسيرة الكتابة الأدبيّة الرّفيعة عند أمير البيان، ومفخرة الجزائر عبر الأزمان، محمد البشير الإبراهيميّ…

والشكور الحميم كلُّه يُزْدَجَى إلى الذين تكَأَّدُوا التّأْوِيبَ في الْحُزُون والشِّعاب، وأرِقُوا في اللّيالي الدَّآدِ، في هيئة جمعيّة العلماء، ابتغاءَ تنظيمِ هذا اللّقاء الكبير.

وقد ارتأينا أن نتوقّف لدى نماذجَ قليلةٍ يسمح بعرْضها الحجمُ الْمُفَرَّدُ لهذه الدراسة، وهي:

أوّلاً: مذهبُ الإبراهيمي في الكتابة ؛

ثانياً: لغةُ السعادة والسرور لدى الإبراهيميّ ؛

ثالثاً: لغة الحزن والشَّجَن لدى الإبراهيمي ؛

رابعاً: لغة السخريّة والغضب لدى الإبراهيمي.

فلعلّ تكلُّفَنا تحليلَ طائفة من اللّوحات الفنّيّة من كتابة الشيخ ، في هذا المقام، أن تقدّمَ صورة مصغّرة لخصائص الكتابة الأدبيّة لديه. ولْيَعْذِرْني الشيخ الجليل إذْ لم أَسْطِعْ تقديمَ إلاّ غيْضٍ، من فيْض؛ ونُطْفة، من لُجّة؛ ممّا كان ينبغي لي أن أقدّمه عنه، وأن أعطِّرَ ذِكْرَه به؛ فهو جهْدُ الْمُقلّ! «غير أنّ قليلنا لا يقال له قليل»، على حدّ تعبيره…

أوّلاً. مذهب الإبراهيمي في الكتابة

لم يكن محمد البشير الإبراهيميّ يكتب ما يكتب بمعزل عن تمثُّل أسُسٍ وضعَها لتُفرِّدَ طريقته في الكتابة الأدبيّة، وتُميّزَ أسلوبَه في نسْج اللّغة؛ فكان يمضي عليها في زَخْرفَة القول، وتَحْلِيَةِ الكَلام، فلم يكن يكاد يتجَانَفُ عنها فتيلاً. ولعلّ ذلك أن يبدُوَ من خلال أسلوبه في الكتابة الذي لم يكن يتغيّر أو يتبدّل مهما تكن الموضوعاتُ المعالَجة، والقضايا المتناوَلة؛ فسواءٌ عليه أكان يكتب عن قضايا اجتماعيّةٍ، أم سياسيّة، أم أدبيّة، فإنّ مستوى اللّغة ظلّ لديه هو هو، كما أنّ طريقة النسج باللّغة الرّفيعة ظلّتْ هي هي؛ حتّى إنّ الخبير بالأسلوبيّات يدرك بسهولة إذا قرأ نصّا غير معْزُوٍّ إليه، أنّه لمحمد البشير الإبراهيمي، لا لِسَوائه من الكتّاب. وأكبر أَمَارةٍ على عظمة المنزلة الأدبيّة لكاتب من الكتّاب، أنّه حين يغتدي معروفاً بأسلوبه بين الناس فتراهم يقولون: هذا أسلوب فلان، أو شبيه بأسلوبه، إذا حاكاه مُحَاكٍ في الكتابة، كشأن أبي عثمان الجاحظ، وبديع الزمان الهمذاني، وابن الخطيب الأندلسيّ، وسَوائِهم من عماليق البيان العربيّ الآسِر.

ولذلك نقرأ في «البصائر» الثانية كثيراً من المقالات، غيرَ معزُوَّةٍ  لأيّ كاتب، فنعرف أنّها كانت لمحمد البشير الإبراهيمي، ولو لم يوقّعها باسمه؛ لأنّ نسْج اللّغة المتفرّدَ هو الذي كان يدلّنا على انتمائها إليه، ولو دُسّتْ لِكاتب آخرَ، على سبيل المغالَطة أو على سبيل التّمويه، لكنّا قضَيْنا، حتماً، بأنّها ما كانت إلاّ من بناتِ عُذْره. وإنّما ندرك ذلك من طبيعة كرائمِ اللّغة المنتقاة، ومن سحْر النسج الأسلوبيّ الْمُسْتَمِيزِ بشدّة الحركة، ورِفْعة اللّغة، وجمال الإيقاع، وتقابُل الجمل متسلسلةً منسابةً كالماء الزّلال، الصادر من الينبوع الثّرثار، لدى عرْض الألفاظ وتركيبها…

ونحن نعتقد أنّ الإبراهيميّ، بما أُتيح لذاكرته من عُلُوقٍ مُدْهِشٍ بغريب العربيّة وألفاظها البعيدة عن التناوُل اليوميّ، لم يكن يصطنع في كتابته من تَالِكَ اللّغةِ المخزونةِ في ذاكرته العجيبة إلاّ نسبةً ضَئيلة قد لا تُجاوزُ الرُّبع ممّا يختزن؛ وذلك لإدراكه بأنّه لو استعملها كلَّها، كما كانت عالقةً بحافظته، لَمَا كان فهِمَ عنه كتابتَه إلاّ قليلٌ من المتلقّين، حتّى لا يقالَ عنه: لِمَ لا تكتُبُ ما يُفْهم؟…

ويثْبُتُ هذا الافتراضُ حين نستخلص من نصّ كتبه الإبراهيميّ، عن كثرة محفوظه من الشعر الجاهليّ عرَضاً، وهو في سنّ الثانية والعشرين.2 فلقد ذكر الشيخ أنّه التقى بالعلاّمة الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز الرشيد الكويتيّ بالمدينة المنوّرة، فظلّوا شهراً كاملاً بها لا يفترقون إلاّ للنوم، قائلاً: «وكنّا للأُلْفة التي انعقدتْ بيننا، نتجاذب أطراف الحديث من مسابقات في حفْظ الشعر الجاهليّ…».ولنتمثّلْ رجُلاً يسابق أحمد أمين الشنقيطيَّ في حفظ الشعر الجاهليّ وهو في ريْعان الشباب!…

وكان الإبراهيمي كثيراً ما يُهيب بالكتّاب الجزائريّين أن يَشْمَخِرّوا، ولو قليلاً، بلغتهم وأساليبهم، حتّى يكونوا في مستوى أسلوب «البصائر» ولغتها، أو قل على الأصحّ: في مستوى أسلوب محمد البشير الإبراهيمي ولغته، ولكنْ هيهات! ولذلك نُلفيه يحدّد لكتّاب «البصائر» مجالَين اثنين يضطربون فيهما، فمن خرج عنهما أسَفّ وتدنّى، فيقول: «للبصائرِ طرَفان: أعلى، وهو معْرِض العربيّة الرّاقيةِ في الألفاظ والمعاني والأساليب. وهو السُّوقُ الذي تُجلبُ إليه كرائمُ اللّغة من مأْنوسٍ صيّره الاستعمال فصيحاً، وغريبٍ يصيِّره الاستعمال مأنوساً؛ وهو مَجْلَى الفصاحة والبلاغة في نمطهما العالي. وهو أيضاً النموذج الذي لو احتذاه الناشئون من أبنائنا الكتّابِ لفَحُلَتْ أساليبُهم، واستحكمتْ ملَكاتُهم، مع إتقان القواعد ووفْرة المحفوظ. ولهذا الطّرَف رجالُه المعدودون. وهو نمَط إعجابِ أدباء المشرق بهذه الجريدة».4

فأسُس الكتابة الأدبيّة الراقية لدى محمد البشير الإبراهيمي تمثُل في طائفة من الأسُس، من أهمّها:

1. رُقيّ الألفاظ والمعاني والأساليب. ولا يتأتَّى هذا الرّقِيُّ في نسْج الكتابة الأدبيّة، لكاتب من الكتّاب، حتّى يكونَ ألَمَّ على محفوظٍ غزير من النّصوص الأدبيّة راقٍ؛ إذ لا يُعقل أن ينبُغَ كاتبٌ كبيرٌ وهو لا يحفَظ نصوصاً أدبيّة كبيرة. وجِمَاع الشّأن في هذه المسألة هو ما يُطلِق عليه الشيخ «معرِض العربيّة الراقية». وواضح أنّ بعض المتأدّبين اليوم قد لا يقتنعون بمصطلح «العربيّة الراقية»، وهو مجرّد توهّم منهم ومُغالطة، وإقرار بالقصور؛ لأنّ كلّ اللّغات الإنسانيّة الكبيرة فيها مستوياتٌ متدرّجةٌ من التعبير. فلو أخذْنا اللّغة الفرنسيّة مثالاً في ذلك لألفينا لغةَ أناطول فرانس، وأندري جيد، وسَوائهما من عمالقة الكتّاب الفرنسيّين غيرَ لغةِ أيّ كاتبٍ صَحَفيّ فرنسيّ بسيط، أو أيّ روائيّ مبتدئ محروم. وإذن، فلا سواءٌ لغةٌ عالية سائلة تُمْتَحُ من ضِئْضِئِ الْمَعين، ولغةٌ بَكِيئةٌ تُؤْخَذُ من نهاية الساقية. فأيّ كاتب كبير إنّما يسْتميز باصطناع ألفاظٍ من اللّغة لا يصطنعها سَواؤُهُ من وجهة، وتكون هذه الألفاظ نفسُها بديعةً قشيبة عالية من وجهة أخرى، قبل أن نتحدّث عن الأفكار التي هي مطروحة في الطّريق، على حدّ مذهب أبي عثمان الجاحظ الذي عرَض في بعض كتاب «البيان والتبيين» تحدّث فيه عن كَلَفِ العامّة بصنف من الألفاظ لا تصطنعها الصفوة الصافية، مثل «البُرْمة» مكان «القِدْر»، والحنطة مكان «البُرّ»، و«الخِيار» مكان «القثّاء»،5 وهلمّ جرّاً…

ولو جئنا نبحث في اللّغة التي يصطنعها اليوم الإعلاميّون العرب لوجدناها أحَطَّ ما تكون نسْجاً، وأسَفَّ ما تكون ألفاظاً، إلى درجة أنّ بعض الكلمات يصطنعونها فيحسبونها من العربيّة وما هي من العربيّة في شيء، مثل قولهم: «طال» بمعنى امتدّ إلى…، أو أتَى على… وإنّما هو «طاَوَلَ يطاوِل»، وليس «طال يطال»، التي لا وجود لها في العربيّة… كما أنّ كثيراً من الجرائد اليوميّة في الجزائر تكتب الثاء، مثلاً، تاءً!… ولا تلتفت إلى اسم «إنّ» فترفعه إلى ما فُوَيْقَ قُنَنِ الجبال! بل ترتكب أخطاء إملائيّةً في العناوين، حتّى تعملَ بمبدأ «كذْبة المنبر بلقاء»، فتكتب ما هو بالضاد، بالظاء! واللّه المستعان على ما فرّط النّاس في مكانة العربيّة، على عهدنا هذا!… ونحن نَعجب من القائمين على هذه الجرائد كيف يتجرّءون على إيذاءِ العربيّة، والإساءة إليها، من خلال عبثِهم بقواعدها وإملائها؟… وكيف لم يفكّروا في توظيف أناس يعرفون العربيّة يصحّحون لجرائدهم اللّغة قبل القذْف بها إلى المطابع، ثمّ إلى القرّاء؟6

وإذا كان النّاس أصبحوا يتحمّسون لتأسيس جمعيّات لحقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل… فما كان أولى للغَيَارَى على العربيّة أن يؤسّسوا جمعيّة لحقوقها!…  

وبحكم أنّ الإبراهيمي كان رئيس تحرير جريدة راقية، تمثّل مدرسة لغويّة وأدبيّة، فقد كان يومئ، فيما يبدو، إلى بعض هذه الكتابات الرّديئة التي كانت تَرِدُ على «البصائر» فحدّدَ مذهب هذه الجريدة العجيبة في الكتابة… فلْينظرِ النّاظرُ أين كنّا بالأمس،  من شأن العربيّة الإعلاميّة، وأين صرْنا اليوم؟ والإبراهيميّ بتحديده مستوى الكتابة الراّقية، حدّد تلقائيّاً مستوى الكتابة الدّنيا، وهي كما يقول: «ما ينحطّ عن تلك المنزلة، ولا يصل إلى درجة الإسفاف. وبين الطّرَفين أوساطٌ ورُتَبٌ تعلو وتنزِل. وهي مُضْطرَبٌ واسعٌ يتقلّب فيه كتّابُنا: من سابقٍ إلى الغاية مستشرِفٍ لبلوغها، ومُقْصِرٍ عن ذلك».7

2. وقد تمثَّل الإبراهيمي اللّغةَ معرضاً قائماً في سُوق أنيقة تُعرض فيها كرائمُ الألفاظ؛ وهو بذلك يكون قد حدّد، تلقائيّاً، مواصفاتِ هذه السّوق الرّفيعةِ التي ليست كأيِّ شيءٍ من الأسواق، تُعرَض فيها أيُّ بضاعة من البضائع الْمُزْجَاة؛ بل هي سوق تُجْلب إليها كرائمُ ألفاظِ العربيّة الْمُؤْتَنِقة، وعقائِلُ المفردات الْمُؤْتلقة…

وقد يكون الإبراهيمي أوّلَ من أطلق صفة الكرائم على الألفاظ العربيّة الراقية، فشبّهها ببنات الأكارم والأكابر من النساء؛ فإنّما تطلق الكريمة والعقيلة على المرأة الشريفة الحسيبة. فالكريمة تطلق في العربيّة على أرقَى الشيء وأجودِه مكانةً، وأشرفِه منزلةً. ولَمّا فكّر الإبراهيمي في صفة بديعة تظاهره على أن يصفَ بها ألفاظ العربيّة العالية لم يجد شيئاً غيرَ صِفَةِ «الكرائمِ» فوصَفَها بها، تعظيماً من شأن اللّغة، وتشريفاً لمنزلتها؛ وذلك بحكم أنّها مفتاح المعرفة، وأنّها الأداةُ الأولى للتواصل بين الناس في المجتمعات المتحضّرة. وأنّها، بالإضافة إلى ذلك، وبالقياس إلى المسلم، هي مفتاح الإيمان بتمكينه من فهْم نصّي القرآن والحديث، وهما أرقَى وأعلى ما في نسْج العربيّة على الإطلاق… وبمنْحِ هذه الصفة الكريمة لضرْبٍ من ألفاظ اللّغة خرج عن ذلك، منها، كلُّ ما لا يمكن أن ينضويَ تحتها من الألفاظ السّوقيّة، والكلمات التي ابتذلها الاستعمال فأفقدها ما قد يكون كان في أصلها من بهاء وجمال.

3. نجد محمّداً البشير الإبراهيمي يصطنع مصطلحيْن اِثنينِ في هذا المقام وهما: «المأنوس»، و«الغريب». فأمّا الغريب فهو معروف عند النّاس. وأمّا المأنوس فمصطلح من مصطلحات الشيخ لم نعثرْ عليه في المعاجم العربيّة بالمعنى الذي اصطنعه هو عليه. ولقد اصطنعه ليكون مقابلاً للّفظ الْحُوشيّ. فاللّفظ المأنوس هو الذي يستأنس له القرّاءُ أو المتلقّون فتقبَلُه أذواقُهم، ولا تنبو عنه أسماعُهم؛ وذلك على الرغم من أنّه كان في أصله غريباً حوشِيًّا. فالاستعمال الكثير لمثل هذه الألفاظ، في تمثّل الشيخ، هو الذي يصيّرها مأنوسةً مألوفةً لدى المتلقّين.

في حين أنّ الغريب إنّما يراد به إلى غرائب العربيّة ممّا يقلّ في الاستعمال، ويندر في الكلام بين النّاس، ولا يقع إلاّ بين الذين يعرفون اللّغة. بيد أنّ الإبراهيمي لا يُقرّ بوجود غريبٍ أصلاً، وذلك بحجّة أنّ الغريب ليس غريباً إلاّ على مَن لا يعرف العربيّة؛ وكأنّ من واجب الكتّاب الكبار أن يُلمّوا بهذه الألفاظ من العربيّة، ثمّ يصطنعوها في كتاباتهم حتّى تغتديَ مألوفةً مأنوسة، ومتداوَلةً مفهومة. ولو حُقَّ لنا أن نمثّل بمصطلحات من السياسة والاقتصاد والإعلام، لألفينا كثيراً من الكلمات جرتْ على ألسنة العوامّ، على هذا الزمان، بفضل استعمالها في اللّغة الإعلاميّة اليوميّة… وهذه مأثُرةٌ تُحسبُ لرجال الإعلام، بعد الذي كنّا قسَوْنا عليهم في اصطناع اللّغة المنحطّة! فكأنّ الشيخ كان يومئ إلى بعض هذا بقوله: «وغريب يصيّره الاستعمال مأنوساً».

4. وبحكم هذه المبادئ التي وضعَها الإبراهيميّ للغة الكتابات التي كان يمكن أن تُقبَلَ للنّشر في «البصائر»، فقد كان يُضطرّ إلى إهمالها إذ يقول عن ذلك: «ولكنّ بعض الكتّاب، هداهم اللّه رُشدَهم، بالَغوا قبل أن يبلُغوا، فهم يوافوننا بمقالاتٍ دون الطّرَف الأدنى، فنُضطرُّ إلى إهمالها اضطراراً، فيلوذون بحقّ «التشجيع». (…) ولْيفْهَموا أنّ الاعتماد على التشجيع، مُعْطش ومُجيع»!8

وبفضل هذه الصرامة اللّغويّة أصبحت جريدة البصائر مدرسةً أدبيّة، مثارَ إعجاب المشارقة والمغاربة جميعاً؛ فكان أدباءُ ومثقّفون منهم يحفظون نصوصاً من مقالات الإبراهيمي فيستظهرونها استظهاراً؛9 فلم يتكرّر ذلك في تاريخ الصحافة الوطنيّة، حيث إنّ لغة جرائدنا اليوم هي أقرب إلى العامّيّة منها إلى الفصحى!… حتّى أصبح الواحد يخشَى على لغته -بالإقدام على قراءتها- مِن لغتها!…

ثانياً. لغة السرور لدى  الإبراهيمي

إنّ الذي يعود إلى افتتاحيّة «البصائر» الثانية التي دبّجها يراعُ محمدٍ البشير الإبراهيمي يندهش لذلك الفيْض الفائض من العربيّة التي كانت تنثال على قريحته انثيالاً، وتُقْبل عليه أرسالاً أَرْسالاً، فتحسّ كأنّه كان يدفعها عنه فلا تندفع، ويُبعدها عن يراعه فلا تبتعد… لقد كان في نفْس الشيخ شيءٌ ولو ظلّ خفيًّا من الأريحيّة والسعادة والسرور وهو يدبّج تالِك الافتتاحيّةَ العجيبة للعَدد الأوّل من جريدةٍ، كالخَريدة؛ وصحيفة، كالأَنِيفَة،  وجميلة، كالْبَتِيلَة؛ ظلّت متخفّيةً قريباً من سبعِ سنواتٍ عجافٍ، على الرغم من تطلّع كثير من النّاس إلى قراءتها أثناء تغيّبها؛ وكأنّ الشيخ أحسّ بشيء خارجيّ يتهدّد ذلك المشروعَ الإعلاميّ الجميل، فالْتمس من اللّه تعالى وهو يجأَر له بالدعاء أن يكلأ مشروعه الكبير، وأن يثبّته فلا يتعثّر، وأن يبارِكَ فيه فلا يتبخّر؛ فتكونَ تلك الابتهالاتُ، كما يقول الشيخ نفسُه، بمثابة «عُوذَةٍ للجريدة في طَوْرها الجديد»، حين كتب هذه اللّوحة:

«اللّهمَّ يا ناصرَ المستضعَفين انصُرْنا وخُذْ بنواصِينا إلى الحقّ ؛

واجعلْ لنا في كلّ غاشيةٍ من الفتنةِ رِدْءاً من السّكينة ؛

وفي كلّ داهمةٍ من البلاء دِرْعاً من الصبر ؛

وفي كلّ داجيَةٍ من الشّكّ عِلْماً من اليقين ؛

وفي كلّ نازلةٍ من الفَزَع واقيَةً من الثبات ؛

وفي كلّ ناجمةٍ من الضَّلال نُوراً من الهداية…».10

فهذا الابتهال لا يعبّر عن حزن أو غضب أو قلق، بمقدار ما يعبّر عن أمل وتحفّز وتطلّع؛ فكأنّ العزم كان معقوداً، وكأنّ المسار كان مرسوماً، وكأنّ الخطّ كان مسطوراً، فلم يكن بقيَ لتحقيق الغاية إلاّ الْتماسُ العوْن من ربّ السماء…

وواضح أنّ العالِمَ بالأسلوبيّات يُدرك، من أوّل وهلة، البنية النّسْجيّة التي تتحكّم في تركيب هذه اللّغة، وسَوْق هذه الألفاظ. ومن أجل ذلك عرضْناها على طريقة الكتابة الشعريّة التي تظاهر على تبيُّن بنية نسْجها، وطريقة عرْضها. وكان من الأَوْلى أن تُكتبَ في الأصل كذلك. فالإبراهيمي يبني أحياناً نسْجه اللّغويّ على ما نُطلق عليه نحن «الوتَد الأسلوبيّ» في نسْج الأساليب العربيّة العالية؛ وذلك بوضْع مُرتَكَزٍ من الجملة في مستهلّ الكَلام يقوم عليه ما بعدَه فيتكرّر، ويظلّ هو واحداً لا يتعدّد، كقول أبي حيّان التوحيديّ، مثلاً، في إحدى عجائبيّات رسائله:

«كتبتُ إليك:

والربيعُ مُطِلٌّ، والزمانُ ضاحكٌ، والأرض عَروسٌ، والسماءُ زاهرٌ، والأغصانُ لدْنة، والأشجارُ وَرِيقَة،  والغُدْرانُ مترَعة، والجبالُ مبتسمة، والرياضُ مُعْشَوْشِبة، والْجِنان ملتفّة، والثّمارُ متهدّلة، والأوديةُ مطّردة…».11

فالوتَد الأسلوبيّ في كلام أبي حيّان، كما هو بادٍ من طريقة تقديمه في الكتابة، هو قولُه: «كتبت إليك». فواوُ الحال المتكرّرة هنا كأنّها تتضمّن تَكرارَ قوْلتِه الوَتَدِيّةِ الأولى، مع كلّ تشكيلة نسْجيّة في أسلوب هذا الكلام.12

وكذلك نسْجُ الكلام في أسلوب الإبراهيميّ، فالوتَد الأسلوبيّ الذي يقوم عليه لاحِقُ الكَلام هو قوله:

 «اللّهمّ يا ناصرَ المستضعَفين انصرْنا وخُذْ بنواصينا إلى الحقّ»، وهو الوتَد المركزيّ. وأمّا الوتد المباشر الذي يرتبط به نسْج الكلام فهو قوله: «واجعلْ لنا…» حيث إنّ بعدها تأتي تشكيلاتٌ نسْجيّة متماثلة يتكرّر فيها ضمنيّاً هذا الوتَد: «وفي كلّ داهمة…؛ وفي كلّ داجية…؛ وفي كلّ نازلة…؛ وفي كلّ ناجمة…».

ونلاحظ أنّ المادّة اللّغويّة التي نُسِجَ منها هذا الكلام متماثلةٌ بحيث نجد قيَماً لغويّة واحدةً هي التي تتكرّر متماثلةً لِتتشاكلَ فيما بينها، فتكوِّنَ نسْجاً عجيباً متناسقاً يشبه منغومةً موسيقيّة متجانسة، إلى درجة أنّه يمكننا تقديمُها في شكل معادلة، أو جدول تتماثل فيه القيم:

في

كلّ

غاشية

من

الفتنة

ردءاً

من

السكينة

في

كلّ

داهمة

من

البلاء

دِرعاً

من

الصبر

في

كلّ

داجية

من

الشّكّ

عِلْما

من

اليقين

في

كلّ

نازلة

من

الفزَع

واقية

من

الثبات

في

كلّ

ناجمة

من

الضلال

نُوراً

من

الهداية

وببعض هذا التّفكيك يتبيّن لنا أنّ هذا النّصّ يقتصد في اصطناع اللّغة فلا يختلف فيها إلاّ خمسُ سِمَاتٍ لفظيّة في كلّ نَسيجةٍ أسلوبيّة، تتنوّع أربعَ مرّات، لكنّها في بنيتها النّسجيّة لا تمثّل الاختلاف، ولكنّها تمثّل الائتلاف؛ لأنّها مستويَةُ القيم الإيقاعيّة المتقابلة، فيتكرّر ذلك في النّسائجِ الخمسِ المعروضة للتشريح، كما يمثُلُ ذلك في الجدول الآتي:

غاشية

داهِمة

داجية

نازلة

ناجمة

الفتنة

البلاء

الشك

الفزع

الضلال

ردءاً

دِرعاً

عِلْماً

واقيَة

نُوراً

السكينة

الصبر

اليقين

الثبات

الهداية

في حين أنّا نجد النّصّ يصطنع أدواتٍ أخرى من الكلام فتتكرّر بنفسها متقابلة على سبيل التشاكل اللّفظيّ، وهي:

في = وتتكرّر خمسَ مرّاتٍ؛

كلّ= وتتكرّر خمسَ مرّات؛

مِن + من = وتتكرّر هي أيضاً خمسَ مرّات.

فهذه الأدوات تتردّد، بحكم ذلك، عشرين مرّة عوض مرّةٍ واحدة، في بقيّة السمات اللّفظيّةِ التي وقع منها، أو بها، تدبيجُ النّسائجِ الخمسِ.

غير أنّ الاختلاف الذي حدث في بقيّة السّمات اللّفظيّة لم يكن إلاّ صوريّاً، لأنّ كلّ سمة لفظيّة تشاكل صِنْوتَها اللّفظيّةَ الأخرى كما قدّمناها. كما أنّها تتشاكل من حيث معناها فنجدها تتقارب فيما بينها، كما يبدو ذلك من خلال عرْضها في الجدول السّابق.

فكلّ تشكيلة من السّمات، كما عُرِضتْ في الجدول، تُفضي إلى معانٍ متقاربة تجعلها تتشاكل فيما بينها من وجهة، وتتباين حين تتقابل من وجهة أخرى:

الفتنة؛ البلاء؛ الشكّ؛ الفزع؛ الضلال: وتجسّد هذه، فيما بينها، التشاكلَ المعنويّ؛

السكينة؛ الصبر؛ اليقين؛ الثبات؛ الهداية: وتجسّد هذه السماتُ اللّفظيّة أيضاً التشاكل المعنويّ فيما بينها. فكأنّ هذه القيم اللّغويّة يوازيها السّلّم الرياضيّاتيّ: أ+ أ+ أ+ أ+ أ= 5 أ

لكنّنا إن قابلناها، ولا بدّ من ذلك –لأنّ في الاختلاف تثبت الدّلالة- تتولّد عنها قِيَمُ التباين، إذ:

الفتنة تقابلها السكينة؛

البلاء يقابله الصبر؛

الشّكّ يقابله اليقين؛

الفزع يقابله الثبات؛

الضلال تقابله الهداية.

من حيث يوازي هذه القيمَ اللّفظيّة المختلفة المعاني ما يمكن تقديمه على هذا النحو:

(أ+ ب) + (أ+ب) + (أ+ب) + (أ+ب) + (أ+ب)= 5أ + 5ب

غير أنّ كلّ ذلك لا يكشف عن سرور الإبراهيمي ولا استفزاز السعادة لنفسه؛ ولكنّ الذي يكشف عنه ما في بعض الفقرة الآتية من المقالة الاستهلاليّة نفسِها، وذلك حين يقول:

«وهذه جريدة «البصائر» تعود إلى الظهور بعد احتجاب طال أمده؛ وكما تعود الشمس إلى الإشراق بعد التّغيّب، وتعود الشجرة إلى الإيراق بعد التّسلّب؛ فلا يكون اعتكار الظلام، وإن جلّل الأفق بسَواده، إلاّ معنىً من معاني التشويق إلى الشمس. ولا يكون صُرُّ الشتاء، وإن أعرى الأشجارَ باشتداده، إلاّ خَزْناً لقوّة الحياة في الأشجار. والشمس موجودة وإن غابتْ عن نصف الكون، والشجرة حيّةٌ وإن أفقدها الصُّرُّ جمالَ اللّون. كذلك صحيفة البصائر احتجبتْ صورتُها عن العِيان، وإن كانتْ حيّةً في النفوس ممثَّلة في الأفكار».13

لكي نتحسّس جمال النسْج، وأسرار الصّناعة الأسلوبيّة في هذا الكلام، علينا أن نعيد تقديمه نسائجَ نسائجَ، حسَبَ ما كان في أصل الصناعة الكلاميّة، مع ضرورة النَّبَهِ إلى قيام كلام عامّة كبار الكتّاب في العربيّة على التُّكَأَةِ على ما نطلق عليه «الوتَد الأسلوبيّ» الذي هو كلام غير متناسق نسْجيّاً مع ما بعده من الوجهة الإيقاعيّة؛ ولكنّه يظلّ مُرْتَكزاً ضروريّاً لقيام الدّلالة:

1. الوتد الأسلوبيّ:

«وهذه جريدة البصائر تعود إلى الظهور بعد احتجاب طال أمدُه»:

2. عرْض النّسائج الناشئة عن هذا الوتد:

النّسيجة الأولى:

 -«وكما: تعود الشمس إلى الإشراق، بعد التّغيّب؛

-وتعود الشجرة إلى الإيراق، بعد التّسلّب.

النسيجة الثانية:

 -فلا يكون اعتكارُ الظّلامِ: وإن جلّلَ الأفقَ، بسَواده، إلاّ معنىً من معاني التشويق إلى الشّمس؛

-ولا يكون صُرُّ الشّتاء: وإن أعرى الأشجارَ، باشتداده، إلاّ خَزْناً لقوّة الحياة في الأشجار.

النسيجة الثالثة:

-والشمس موجودةٌ، وإن غابتْ عن نصْف الكون؛

-والشجرةُ حيّةٌ، وإن أفقدها الصّرُّ جمالَ اللّون.

النسيجة الخامسة:

 -كذلك صحيفة البصائر: احتجبتْ صورتها عن العِيان؛

– وإن كانت حيّةً في النفوس، ممثَّلةً في الأفكار».

لقد قطّع الكاتب الكلام تقطيعاً يشبه تنغيم مفاتيح الموسيقى؛ فلم يوضَعْ لفظٌ من المنسوجِ به خارج النّظام الأسلوبيّ المحكم؛ بل كلّ لفظة وُضِعت متماثلةً مع صِنوتها، ومتقابلةً مع مثيلاتها. وإذا كنّا فكّكْنا الكلام في هذه الفقرة المطروحة للتحليل إلى خمسِ نسائج14، فلأنّنا أقمناه على التقطيعات الداخليّة والخارجيّة لنسج النّص، ولأنّنا جئناهُ من باب تيسير تمثّل النّسْج الأسلوبيّ في هذا الكلام. خذ لذلك مثلاً النسيجة الأولى، تجدْها قائمةً على سِتِّ سماتٍ لفظيّة تتقابل فيما بينها لتكوّن التشاكل، أو التّآلف، الإيقاعيّ الداخليّ والخارجيّ معاً. فأمّا الإيقاع الخارجيّ فواضحٌ، وهو ما يُطلَقُ عليه في البلاغة العربيّة، ظُلْماً، «السجع»، وهو الماثل في قوله على سبيل التتالي والتماثل: «التّغيّب»؛ «التسلُّب». في حين أنّ الذي يعنينا في تحليل هذا النسْج الإيقاع الدّاخليّ؛ فهو الذي يحقّق جماليّة النسج الأسلوبيّ، أكثر من الإيقاع الخارجيّ، فإذا القارئ، أو المتلقّي، لا يدري أهو يستمتع بالموسيقى الخارجيّة للنسج، أم بالموسيقى الداخليّة له؟ والسّماتُ اللّفظيّةُ السِّتُّ التي تكوّن النسيجة الأولى من الوجهتين النّسجيّة، والإيقاعيّة معاً -كما يبيّن ذلك الجدولُ البيانيّ الآتي- هي:

تعود

الشمس

إلى

الإشراق

بعد

التغيّب

تعود

الشجرة

إلى

الإيراق

بعد

التّسلّب

ويُفضي بنا هذا التفكيك المجدْوَلُ إلى استخلاص ثلاثِ سماتٍ لفظيّة فقط، من أصل سِتٍّ، لأنّها تتكرّر بنفسها، فتتشاكل مُؤْتَلِفة، وهي:

تعود+ تعود؛ إلى+ إلى؛ بعد+ بعد.

في حين أنّ السّماتِ اللّفظيّةَ التي تكوّن النّظام الدّلاليّ بحكم اختلافها، في هذه النسيجة، يبلغ عَدَدُها سِتّاً، ولكنّها تختلف فيما بينها فتتقابل فتظلّ قائمة بنفسها، وهي:

الشمس، مقابل الشجرة؛

 والإشراق، مقابل الإيراق؛

 والتغيّب، مقابل التّسلّب.

وتمثّل الشمس القيمة الباقية، أو القائمة الوجود، ولو اختفت بفعل اللّيل إذا كَفَرَها، أو بفعْل السَّحاب إذا غَشِيَها، والإشراق هو الذي يُعيد إظهار هذه القيمة، وإبراز نفْعها؛ في حين أنّ الشجرة، بالمقابل، تظلّ هي القيمة الحيّة التي تقابل الشمس، والإيراق هو الذي يعيد إظهار نفْعها وجمالها. وأمّا سمتا «التّغيّب» و«التّسلّب»، فهما معْنَيَان غيرُ نافعيْنِ، وإنّما الذي يُفضي إلى دفْع أذاهما هو الإشراق في حال، والإيراق في حال أخرى.

ونلاحظ أنّ السّمات اللّفظيّة يتشاكل بعضُها، ويتباين بعضها الآخرُ. غير أنّ التشاكل بأنواعه المختلفة، لدى نهاية الأمر، هو الذي يتحكّم في نسْج هذا الكلام: فمِن تشاكُلٍ ينهض على تَكرار الألفاظ نفسِها، كما مَثُلَ ذلك من خلال تفكيكنا للّغة المنسوجةِ بها اللّوحةُ الكلاميّة، إلى تشاكُل معنويّ، وإيقاعيّ… فمن حيثُ التشاكلُ المعنويُّ نجد معنى الإشراق يلائم الشمس فيتشاكل معه على سبيل التلاؤم والتلازم، في حينِ نجدُ معنى الإيراق يتشاكل مع الشجرة فيكوّنانِ زوْجاً متشاكلاً. كذلك معنَيَا الشمس والشجرة، فهما يُحِيلانِ على الضياء والإشراق. والشجرة لا تكون شجرةً إلاّ بفضل توافُر الرطوبة والحرارة أيضاً، لها، فمعناها مُلازم، من بعض الوجوه لمعنى الشمس. وهناك تشاكُلٌ آخرُ يكمُن في الدّالّيّة لا في المدلوليّة، وهو الإيقاع الجامع بين الإشراق من وجهة، والإيراق من وجهة أخرى.  وأمّا سمتا التسلّب والتّغيّب فإنّهما يتشاكلان بحكم دلالة كلٍّ منهما على معنى السقوط والغياب والتّخفّي. وببعض رصْد هذه العلاقات السيمَائيّة نجد التشاكل يتغلّب على التباين في تدبير هذه النسيجة. 

ولو جئنا نحلّل هذه السّماتِ في عَلاقاتها الانتشاريّة والانحصاريّة لزاد الكلام اتّساعاً، بحيث إنّ معنى الشمس يغتدي منتشراً، مثله مثل الإشراق الذي يعني انتشار الضياء، فيتشاكل اللّفظان على سبيل الانتشار المعنويّ في تمثّل الدّلالة، أي إنّ تشاكلهما يغتدي مركّبَ العلاقة، بعد الذي كنّا رأينا من تشاكُلهما بحكم التلازم والتلاؤم. في حينَ أنّ الشجرة ذاتُ معنىً انتشاريّ بحكم امتداد أغصانها في الفضاء، وانتشارِ فروعها في الهواء. وأمّا الإيراقُ فهو حالةٌ تبتدئ صغيرة قليلة ثمّ تنتهي كبيرة كثيرة، بفضلها ينتشر الظّلّ في الأرض، وتنتشر الخضرة في الفضاء؛ فالسّمتان اللّفظيّتان معاً متشاكلتا العَلاقةِ الدّلاليّة، بالإضافة إلى ما كنّا رأينا من تشاكلهما التلاؤميّ من قبل. وأمّا التّغيّب والتّسلّب فهما يمثّلان الانحصار، ذلك بأنّ التغيّب يعني وقوع الشيء خارج الرؤية، وربما العلم، فهو في حُكم المنحصر. ومثله معنى التّسلّب الذي يعني هنا تساقط الأوراق ويَبَسِها وتلاشيها في الفضاء السحيق، فهي في حُكم المنعدم. وينشأ عن هذين المعنييْن تشاكلٌ يُقرأ انحصاريّاً. غير أنّنا بتعويم السّمات اللّفظيّة في إجراء التشاكل، انتشاراً وانحصاراً، يغتدي كلّ الكلام متشاكلاً، إمّا على سبيل تكرار الألفاظ، وإمّا على سبيل مُلاءَمِتها.

وحين نعود إلى متابعة السّمات اللّفظيّة التيس وقع منها نسْج الكلام السعيد نلفيها دالّةً على ذلك، تدرُج في مُضْطَرَبِها، وذلك كالشمس، والظهور، والإشراق، والإيراق… وأمّا السّمات اللفظيّة الدّالة على نقيضها، فلم يكون ذِكْرُها إلاّ نفياً لها لتبرير وجود ألفاظ السعادة والأمل والإشراق…

وعلى أنّا لا نودّ أن نحلّل النسائجَ الأربعَ الباقية، لأنّنا لو جئنا على ذلك لَمَا أمِنّا أن يمتدّ حجم هذه الدراسة إلى شكل كتاب، وذاك ما لم نرد إليه؛ وإنّما نريد أن ننتقل إلى كلام آخر لمحمد البشير الإبراهيمي، لننظرَ هل يختلف عمّا استشهدنا به في هذا الموطن… ولعلّ القارئ إن تقبّل ما نهضنا به من إجراءات التّحليل أن يستطيع النّسْج عليه إن شاء، ولو على سبيل المحاكاة…

وقبل أن ننزلق إلى الحديث عن لغة الإبراهيمي حين يحزن، نودّ أن نقف وقفة أخرى، عند كتابة أخرى، حين يستفزّه السرور، ويستخفّه الاغتباط؛ وذلك في كلمة كتبها عن الملك محمد الخامس عام 1948 تقديراً لمواقفه الوطنيّة من أجل استقلال بلاده. ولو جئنا نقرأ نفسيّة الإبراهيميّ التي حملتْه على أن يكتب ما يكتب، بالطريقة اللّغويّة الدّافقة التي كتب بها عن تلك الشخصيّة الكبيرة، لزعمْنا أنّ الجزائر يومئذ كانت تئنّ تحت أغلال الاستعمار، فلم يكن لها زعيمٌ مسلَّم، ولا قائدٌ محنَّكٌ، يُقرّ له الجميع بالفضل والسَّبْق، بل كانت الجزائر أحزاباً متصارعة، وأهواءً متنازعة، والشعبُ يئنّ تحت الذّلّ، ويرسف في قيود المهانة الاستعماريّة، والأملُ لا يزال بعيداً في التّخلّص من بلايا الاحتلال الغاشم، والأجنبيّ الجاثم؛ فلمّا جاء يكتب عن الملك محمد الخامس، كأنّه جاء يكتب عن الأمير عبد القادر، أو عن أيّ زعيم كبير يمتلك قوّة التحكّم وفرْض الشخصيّة والموقف في الوطن، فأسقطه على الملك إسقاطاً… فهو في هذه الكلمة كان كالمتنبي، لا ينبغي أن يؤْخَذَ كلامُه على ظاهره بالبساطة التي ينظر بها السّذّجُ إلى كتابات الكتّاب؛ ولكنّها كلمة كُتِبت الْتِماساً لرجل كبير في الجزائر، أو حتّى في المغرب العربيّ يومئذ، يقود الأمّة، ويخلّصها من الذّلّ والغُمّة… وليس معنى كلّ هذا أنّ محمدا الخامس لم يكن أهلاً لهذا التقريظ، ولا جديراً بهذا التّقدير؛ فقد كان وطنيّاً كبيراً، وضحّى بعرشه من أجل وطنه، وهو شأن قلّ أن يقوم به الرؤساء بلْهَ الملوك؛ ولكنّ الشيخ كان في نفسه ما زعمْنا، فخاطب محمداً الخامس، من حيث كان يبحث هو، في الحقيقة، عن محمّدَيْن خامسَيْنِ أحدِهِما في المغرب، وأحدِهما الآخَرِ في الجزائر، فكتب ما كَتب…

وأمّا حين نأتي لنبحث في شأن الطريقة النسجيّة التي كان يدبّج بها لغته حين يستفزّه السّرور، فإنّها في الغالب تحتفظ بعامّة الخصائص التي رأينا، فالإبراهيمي حين تستخفّه السعادة، أو حتّى حين يستفزّه الغضب، تنثال عليه العربيّة انثيالاً، فينسج منها لوْحاتٍ تكون أطواراً كالشعر أو أجملَ منه… وللّذِين سيدّعون أنّ بعض ما سنستشهد به مجرّد أسجاع، نقول لهم: لا، واللّه! ما كان الإبراهيميّ يبحث عنها فيتكلّفها، ولا كان يلتَمسها فيتصنّعها، كبعض ضعفاء الكتبة في العهود المنحطّة من تاريخ الأدب العربيّ، ولكنّ الرجل كان يُمْسك بمزبره، ويصرِف وهْمه إلى الكلام، فإذا الألفاظُ تنهال عليه انهيالاً، وإذا المعاني تنثال عليه انثيالاً، وإذا اللّغةُ تُقْبل عليه أرْسالاً أرسالا، كما كان الجاحظ يعبّر في وصْف الخطيب العربيّ حين كان يَصْرِف وَهْمَه إلى الكلام فيخطبُ النّاسَ في المآقط، ويكلّمُهم في المحافل… فكأنّ الإبراهيمي مشمولٌ في أولئك العرب الفصحاء البلغاء الذين كان يعنيهم الجاحظ، في مقالته، حقّا… ولأولئك نقول، تارة أخرى: إنّه لا سَواءٌ كاتبٌ يذهب إلى ألفاظِ اللّغة فيراودُها عن نفسها، ويخفِض لها جناح الذّلّ من الاستخْذاء، وهي عليه، مع ذلك، متأبّية متدلّلة؛ وكاتبٌ آخرُ اللّغةُ هي التي تُقْبل عليه لتُغْرِيَه بها، وتتمثّلُ له لتدعُوَه إليها، وتَزْدَلفُ منه لترغّبَه فيها، فتتزيّنَ له متبرّجةً، وتتجلّى له متعطّرةً متكسّرةً… فشتّانَ، إذن، بينَ الكاتبَيْن!

فلا عجبَ أن يعبّر الإبراهيميّ عن وجدانه الطّافح وهو يتناول شخصيّة محمد الخامس على نحو ما يأتي:

«وذِكْرَياتٌ من المجدِ التّليدِ تُثار،

وآفاقٌ من الفخْر الطريف تُنار؛

وسِمَاتٌ من مَخايِل البطولةِ تُشْهَر،

وصفحاتٌ من تاريخ العظمة تُنْشَر؛

ولمحاتٌ من الشَّرَف العلويّ الفاطميّ تُشِعّ، فتَشيع،

ونفحاتٌ من الغُرّ -الجلائل، من أعمال الأوائل-: تضوع، وتَذيع؛

وذخائرُ، من أخلاق الطّيّبين الأخايِر: تُجْبَى لوارِثِها؛

ومَفاخرُ، ممّا ترك الأوّلُ للآخِر: تُجْنَى لِهَمَّامِها وحارِثها15؛

وصورٌ من عِزّ الْمُلْك تُجْلَى، وسُوَرٌ من مكارم الأبوّة تُتْلَى؛

وشمائلُ من باني البيتِ إسماعيلَ تجلّتْ في محمد».16

نلاحظ أنّ الإبراهيميّ كأنّه يريد أن يرسم لوحة زيتيّة آسرة،  لا أنّه يكتب كلمة أدبيّة مزخرَفة؛ فهو يضع ألواناً معينة يمزجها بألوان معيّنة أخرى، حتّى تنسجمَ وتتناسق فيما بينها. من أجل ذلك تراه يبني ما نطلق عليه «النسائج» فيعرضها لقارئه ألواحاً ألواحاً، وكأنّه يكتب مفاتيح من أنغام الموسيقى، لا ألفاظاًَ من اللّغة، فتتناسق وتتناغم متتابِعةً ومتوازية ومتقابلة معاً، كما يتجسّد ذلك من خلال هذا الجدول المبيِّن أدناه:

وذكريات

من

المجد

التليد

تثار

وآفاق

من

الفخر

الطريف

تُنار

وسِمات

من

مخايِل

البطولة

تُشهَر

وصفحات

من

تاريخ

العظمة

تنشَر

فالكلام، في هذه اللّوحة، مقدَّر بالتقدير، ومفصَّلٌ بالمقصّ القلَميّ القدير؛ فكلّ سِمَة لفظيّة تقابل صِنْوَتَها: فهناك قيم تشبه القيم الرياضيّاتية تتوارد في هذا الكلام على سبيل الانسجام: (أ+ ب+ ج+ د+ هـ)، ثمّ تتكرّر القيم نفسُها. ولا يوجد في إحدى النّسيجتين الاِثْنتين سمةٌ لفظيّة تزيد، أو تنقص! فكأنّنا نقرأ شعراً، لا نثراً فنّيّاً. فاللفظة الواردة نكرةً تقابلها لفظة نكرة أخرى، على سبيل التعاقب والتوازي معاً: (وذكرياتٌ؛ وآفاقٌ؛ وسِمَاتٌ؛ وصفحاتٌ؛ ولمحاتٌ؛ ونفحاتٌ؛ وذخائرُ؛ ومفاخرُ؛ وصُوَرٌ؛ وسُوَرٌ؛ وشمائلُ).

ثمّ تعقبها تشكيلات نسْجيّة أخرى متقابلة متماثلة:

من المجد التليد، من الفخر الطّريف؛

من مخايل البطولة، من تاريخ العظمة؛

ولا تكاد عبقريّة النسْج تختلف بعد ذلك إلاّ قليلاً.

وهذا كلّه والشأن منصرف إلى النسج الإيقاعيّ الدّاخليّ، أمّا النسْج الإيقاعيّ الخارجيّ فهو دقيق إلى حدّ الميزان العروضي:

تُثارْ، تُنارْ؛ تُشْهَرْ، تُنشرْ؛ تَشيعْ، تَذيعْ؛ وذخائرْ، أخايِرْ؛ ومفاخِرْ، للآخِرْ؛ تُجْلَى، تُتْلَى.

أمّا ختْم اللّوحة بجملة دون إيقاع فكان مقصوداً به تفْريدُ الشخصيّةِ المتحدَّثِ عنها، فلا تكون جزءاً من سيرة الكلام لِلَفْتِ الانتباه، ولتكسير الإيقاع، وليس عجْزاً أو إِقصاراً عن الإتيان به.

وعلى أنّنا لا نريد أن نعرض لتحليل هذه اللّوحة الكلاميّة تحليلاً انتشاريّاً وانحصاريّاً، كما لا نريد أن نحلّلها في تشاكُلها وتبايُنها، مخافةَ أن يُفضي ذلك إلى تطويل نحن ملتزمون سلَفاً بعدم الوقوع فيه… ولعلّ ما كنّا نهضنا به من تحليل للوحاتٍ كلاميّة سابقة، ممّا دبّج يراعُ الإبراهيميّ، أن يقدّم صورة مصغّرة للقارئ الكريم إن شاء أن يحاكِيَه أو ينسج عليه.

ثالثاً. لغة الْحَزَنِ والشَّجَن لدى الإبراهيميّ

لم يكن محمد البشير الإبراهيميّ أديباً كبيراً، ولا مفكّراً رصيناً، ولا سياسيّاً محنَّكا، ولا خطيباً مفوَّهاً، ولا راجزاً رُؤْبِيّاً، فحسْبُ؛ ولكنّه كان شهْماً كريماً، ووفيّاً أسِيفاً؛ فقد كتب عن كثير من الرجالات كتابةَ الوفيّ الصادقِ الودِّ. ولعلّ أصدق مدْحٍ لمآثر الرجال الكبار هو ما يكون حين يُتَوَفَّوْن. وذلك ما جاءه الإبراهيميُّ فأجرى قلمه السّيّالَ في مآثرِ طائفة من أخايِر الرجال، كان يعرفهم أو يصادقهم، فلمّا تُوُفُّوا –أو حتّى وهم أحياء- وفّى لهم الودّ، وأوسع لهم في المدح، وأكثر لهم من الثناء، ما كانوا له أهلاً؛ ومن أولئك الرجالاتِ محمدٌ بهجة البيطار، ومبارك الميلي، والملكُ محمد الخامس، والفضيل الورتلاني، وعبدُ الحميد بن باديس…

ولم يكن الشيخ ابن باديس، بالقياس إلى الإبراهيميّ، صديقاً حميماً فحسب، ولا رفيقاً في النضال من أجل العروبة والإسلام فحسب، ولا ظهيراً في الاجتهاد والإصلاح فحسب، ولا زميلاً في الكتابات الإعلاميّة والأدبيّة فحسب؛ ولكنّه كان كلَّ ذلكم جميعاً. فلمّا توفَّى اللّهُ ابنَ باديس –في 16 أبريل 1940- كان الإبراهيميّ منفيّاً في قرية آفلو فلم تسمح له الإدارة الاستعماريّة بالظَّعَنِ إلى قسنطينةَ لشُهُود تشييع جنازة الشيخ الفقيد، فزاد ذلك في أشْجَان الإبراهيميّ وحسراته، وحُرُقَاتِه ولَوْعاته. وجاءت الذكرى الأولى لوفاة ابن باديس والإبراهيميُّ لا يبرح رهينَ المنفَى في حيثُ كان، فكتب كلمةً ربما تكون من أجمل ما كتب الإبراهيميّ على وجْه الإطلاق؛ فقد كنّا أدرجناها في جنس المقامات، كما كان عدّها قبلنا الأستاذ محمّد الغسيري في تقْدِمته لها في «البصائر»؛17 ولكنّها، في الحقيقة، يمكن أن تندرج ضمن أنواع مختلفة من زُخْرُف القول، وأصناف متعدّدة من تدبيج الكلام، فهي فيها من خصائص الرسالة، بمفهومها في عهود العربيّة الزاهية، نفَسُها وفنّيّاتها؛ وهي فيها من جنس المقامة سجعُها ولغتُها؛ وهي فيها من جنس الشعر الرثائيّ إيقاعُه وبكائيّته، وعاطفتُه ووِجدانُه؛ وزادت على ذلك كلّه بأن اعتمدتْ سبيلاً في النّسْج تنهض على صنعةٍ تُعنَى بالْتماس الإيقاع التركيبيّ داخليّاً وخارجيّاً، على نحو طافح…

ونودّ أن نتوقّف لدى فقرة من هذه الْبُكائيّة العجيبة، التي كتبها الشيخُ يرثي بها صديقه ورفيقه ابن باديس، لننظرَ كيف كان يكتب الإبراهيميّ حين تحزُن نفسُه على الأحبّة، ويشتدّ ألمه لفُقدان الأصحاب؛ بل حين كانت تَفيض عليه شآبيبُ الوِجْدان، وينهال عليه منها ما يطفَح به الفيَضان:

«يا قبر!

أيدري مَن خطَّك، وقارَبَ شطَّك: أيُّ بحرٍ ستضُمُّ شافتاك؟ وأيُّ معدِنٍ ستَزِنُ كفَّتاك؟ وأيُّ ضِرْغامَةِ غابٍ ستَحْتَبِلُ كفّتاك؟18 وأيُّ شيخٍ كشيخِك، وأيّ فتىً كفَتَاك؟ فويحَ الحافِرين ما ذا أوْدعُوا فيك حين أودعوا؟! (…) إنّهم لا يَدْرُون أنّهم: أوْدعُوا، بنَّاءَ أجيالٍ في حُفْرة، وودَّعُوا، عامرَ أعمالٍ بقَفرة، وشيّعوا، خِدْنَ أسفار، وطليعةَ استِنفار، إلى آخرِ سَفْرة!

(…) قُولا لصاحب القبر عنّي:

– يا ساكنَ الضَّريح! نَجْوَى نِضْوٍ طَلِيح، صادرةٍ عن جَفْنٍ قَريح، وخافقٍ بين الضُّلوع جريحٍ؛ يتأوّبُه في كلّ لحظةٍ خيالُكَ وذِكْراك، فيَحمِلانِ إليه على أجنحة الخيال من مَسْراك، اللّهَبَ والرّيح؛ وتؤدِّي عنهما شُؤونُه الْمُنْسَربة، وشجونُه الملتهبة، وعليهما شهادة التّجريح.

إنّ مَن تركتَ ورَاك، لم يَحْمَدِ الكَرَى فهل حمِدْتَ كَرَاك؟ وهيهات: ما عانٍ كمُستريح!»19

إنّا لنأسَف أشدّ الأسف أنّ مساحة هذه الدراسة لا تسمح بالإتيان بنصّ هذا الأثر الأدبيّ العجيب بجذاميره، هنا، لأنّ الاستشهاد بمجرّد فقرة منه، أو فقرتين اثنتين، قد لا يقدّم الصّورة الحقيقيّة لجماليّة هذا العمل الأدبيّ الكبير، وروعة هذا الأسلوب البديع، وتأجُّج عاطفةِ صاحبه، وعظَمة وفائه، بالقياس إلى الذي لم يُلْمِمْ عليه قَبْلاً…

فالشيخ يخاطب رفيقين اثنين، كدأْب الشعراء العرب في الخطاب، ثمّ يحمِّلُهما رسالةً يَقْرَآنِها على الأصاحيب، ويقدّمانها إلى الثّاوي في الضريح، من مُحبّ طليح، بلغة الشيخ الحزين الجريح… فيَصول ويجول، ويأتي بالدُّرَر البديعة التي لم نقْتَرئْ لها مثيلاً لدى معاصريه في المشرق والمغرب…

ولا يسلك الإبراهيمي في أسجاعه الطريقةَ المشرقيّة القائمة على المزاوجة بين خاتمتيْ جملتين متعاقبتين؛ ولكنّه يعمِد إلى طريقة قلّ أن رأينا لها مثيلاً في الكتابة الفنّيّة، فلم نكد نعثر لها على نظير حتّى في أسجاع «الذخيرة، في محاسن أهل الجزيرة»، وهو من أكبر الْمَعارض للكتابة المسجوعة في الأدب العربيّ على الإطلاق؛ فالإبراهيميّ لا يجتزئ بخارجيِّ الإيقاع، ولكنّه يغالي في الْتِماسه في داخليّ النّسْج، فإذا أنت لا تدري أَإِلى خواتمِ الْجُمَلِ كان يقصد، أم إلى داخلها كان يريد، أثناء بناء الكلام؟ وكأنّ هذه الطّريقة مستوحاةٌ من طبيعة الموشّحات الأندلسيّة التي برَع فيها لسان الدّين بن الخطيب وسَواؤُه من الوشّاحين الأندلسيّين؛ وذلك بالتّعويل تعويلاً كاملاً على الْتماس الإيقاع في داخل النّسْج وخارجه، لتغذيَة النّسْج باستمرار بما يجعل القارئ يوزّع عنايته بين الدّاخل والخارج فيتنازَعَانِهِ معاً فلا تستولي عليه الرّتابة التي يسبّبها السّجع التقليديّ الثقيل؛ وذلك كقول الإبراهيمي في مطلع هذه الكلمة، على الطريقة التي ارتأينا أن نفكّك بها نصَّه:

 «سلامٌ:

 يتنفّس عنه الأَقاحْ، بأزهاره وإيراقِهْ؛

ويبتسم عنه الصّباحْ، بنُوره وإشراقِهْ.

وثناءٌ يتوهّج به من عنْبر الشجَرِ عبيرُهْ،

 ويتبلّجُ به من بدر التَّمامْ، على الرَّكْبِ الخابِط في الظَّلامْ، مُنِيرُهْ».20

فالشيخ، كما نستخلص من الفِقرة التي كنّا استشهدنا بها من قبل، يبدأ كلامه معوّلاً على حرْفِ الحاء في خواتِمِ جُمَله، وهي طريقة السجع التّقليديّة التي كانت جارية في بلاد المشرق. لكنّ طريقته المزدوجة في الْتماس الإيقاع لا تني أن تَتَنازَعَه فيتّخذَها له في الكتابة سبيلاً، كما يبدو ذلك من هذا التّفكيك الذي نمارسه على النّصّ، تارة أخرى، من أجل تِبْيان طريقة نسْج الكلام عند الشيخ الإبراهيمي:

1. يا ساكنَ الضريحْ، نَجْوَى نِضْوٍ طَليحْ:

 صادرةٍ عن جَفْن قَريحْ، وخافقٍ بين الضلوع جريحْ؛

2. يتأوّبُه في كلّ لحظةٍ خيالُكَ وذِكْراكْ،

 فيَحْمِلان إليه على أجنحة الخيال من مَسْراكْ:

 اللّهَبَ والرّيحْ؛

3. وتؤدّي عنهما شُؤونُه الْمُنْسربَهْ،

 وشجونُه الملتهبَهْ:

 وعليهِما شهادةُ التّجريحْ؛

4. إنّ مَن تركْتَ ورَاكْ،

 لم يَحْمَدِ الكَرَى فهل حمِدْتَ كَرَاكْ:

 وهيهاتَ: ما عانٍ كمُسْتريحْ!»

فهذه اللّوحة الفنّيّة من الأنغام الملفوظة تنهض على إيقاعٍ خارجيّ ثابت، هو المقطع الصوتيّ: «ـِـيحْ»، فنجده يتكرّر في النسائجِ الأربعِ فلا يتجانف عنها ولا يَرِيمُ؛ في حين أنّ النّسْج الإيقاعيّ الدّاخليّ تتنوّع أنغامه ليمنحَ الكلام رشاقةً وتجدّداً، ويُميطَ عنه الرّتابة والكَلال. فنجد النسيجة الأولى، وهي المركزيّة، تنهض على إيقاع داخليّ يتكوّن كلُّه من الإيقاع المركزيّ وهو «ـِيح» (الضرِيحْ + طَلِيحْ + قرِيحْ + جرِيحْ). في حينَ أنّ الإيقاعة الدّاخليّة، للنسيجة الثانية في اللّوحة المعروضة لتحليل جماليّة الإيقاع فيها، تتكوّن من المقطع الإيقاعيّ «آكْ» فيتكرّر مرّتينِ اِثنتينِ: (ذِكْرَاكْ + مَسْرَاكْ)، قبل أن يعودَ إلى نظام الإيقاع الخارجيّ وهو «ـِيحْ»، فيكون لفظ: «الرّيحْ». وأمّا النسيجة الثالثة فتنهض إيقاعتُها الدّاخليّة على مقطع «بَهْ»، فتتكرّر هي أيضاً مرّتين اثنتين: (الْمُنْسَرِبَهْ + الْمُلْتَهِبَهْ)، قبل أن يعود نظام الإيقاع الخارجيّ إلى سيرته الأُولى في اللّوحة الحائيّةِ الإيقاعِ الخارجيِّ، وهو «ـِيحْ» فإذا هو لفظ: «التَّجْرِيحْ».

وتعود سيرة الإيقاع الدّاخليّ إلى مقطع «آكْ» الذي يتواتر مرّتين اثنتين، وهو الحدّ الأدنى لتكوين إيقاعة نسْجيّة من اللّغة: (ورَاكْ + كَرَاكْ)، قبل أن يقع ختْمُ اللّوحة بالإيقاع الخارجيّ المتحكّم، وهو «ـِيحْ»، فيكون قوله: «كَمُسْتَرِيحْ».

ونلاحظ أنّ الإيقاع الخارجيّ لهذه اللّوحة العجيبة ينهض على ما يسمَّى في مصطلحات البلاغة العربيّة: «لزوم ما لا يلزم»، حيث إنّ النّصّ لا يجتزئُ بتكرار الحرْف الأخير من اللّفظة التي تُنسَجُ بها الإيقاعةُ الخارجيّة للنسيجة، ولكنّه يتكلّف اصطناعَ مقطعٍ صوتيّ كامل، وهو: «ـِيح»؛ فإذا كلُّ نسيجة من النسائج الأربعِ المتعاقبة تنتهي بمقطع «رِيحْ»: (جريحْ + الرّيحْ + التّجريحْ + كمستريحْ).

ولأمرٍ ما كان حرف الحاء موجوداً في العربيّة في ألفاظ دالّة على معانٍ معيّنة في كثير منها ذات صلة بالْجَنان والوجْدان، والألم والحنان، منها: الجرح، والحرقة، ومنها الاحتراق والحقد، ومنها الحبّ والحزن… ولأمرٍ ما أيضاً ينطق الكائن البشريّ بمقطع «أحّْ» كلّما انتابه ألمٌ أو تعرّض لوجعٍ مُؤْذٍ… فكأنّ الإلحاحَ على الإيقاع الحائيّ في مثل هذه اللّوحة الفنّيّة، وفي سَوائها أيضاً من هذه البكائيّة، دلالةٌ أخرى، داخل دلالة، على ما كان في وجدان الإبراهيمي من حرقة ولوعة، وحزن ووَجْد، على أعزّ فقيد، عبدِ الحميد…

والطريقة التي اصطنعها الإبراهيميّ في تدبيج القول بالاشتغال على الإيقاع الدّاخليّ، والخارجيّ معاً، هي طريقة نصادفها في بعض الأشعار الكبيرة التي تلتمس الإيقاع الغنيّ لها في نسْجها الدّاخليّ، مثلما تلتزم به في إيقاعها الخارجي… ولعلّ ذلك أن يعود إلى وفرة المحفوظ من ألفاظ اللّغة العربيّة التي تنهال على القريحة الْمِنْتَاقِ بالأَرْسال، فتُغْرقُها بالألفاظ ذات الأجراس. وذلك نفسُه ما يمثُل كثيراً في نسْج اللّغة الإبراهيميّة، كما نجد ذلك في لوحة أخرى من بكائيّة ابن باديس، مثلاً:

«يا قبْر، عزّ على دفينِك الصبْر، وتعاضَى21 كسْرُ القلوب الحزينة على مَن فيكَ أن يُقابَلَ بالجبر؛ ورجع الجدال، إلى الاعتدال: بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر. يا قبر، ما أقدرَ اللّهَ أن يَطويَ علَماً ملأ الدّنيا في شِبْر!»22

فقوله «ورجع الجدال، إلى الاعتدال» ليس مقصوداً لنفسه في البناء الإيقاعيّ العامّ، ولكنّه توارد على الكاتب عفْوَ الخاطر، فكوَّنَ إيقاعةً داخليّة عارضة لم تستطع أن تُنسي المتلقّي الإيقاعة المركزيّة القائمة على مقطع: «ـَبْرْ»، وهو إيقاع قائم على مقطع صوتيّ مزوجِ الجرس: «بْ»+ «رْ»، يتردّد ستَّ مرّاتٍ. بل إنّ قوله أيضاً: «بالاختيار» يظاهر، من الوجهة الإيقاعيّة الدّاخليّة، قوله: «الجدال»، و«الاعتدال»؛ فهي سمات لفظيّة متماثلة النّهايات من حيث الامتداد الصوتيّ:  آلْ؛ آلْ؛ يارْ.

كما لا ينبغي أن يُفلت منا ملاحظةُ أنّ اللّفظين المتوازيَين في هذه النسيجة، وهما: «القائلين»، و«والقائلين»، وإن كانا قد وردا على النّاصّ على سبيل الاِنْثيال اللّغويّ إلاّ أنّهما أسهما في تشكيل اللّوحة الإيقاعيّة الدّاخليّة، فلم يكد يبقى عنصر لغويّ وحده في مكوّناتها النّسْجيّة، بل كُلاَّ اتّخذ له قريناً ونظيراً في الكلام. ولذلك نقترح أن نقدّم هذه اللّوحة كما يجب أن تُقرَأَ إيقاعيّاً، وكما هي في أصل الصناعة الأسلوبيّة لدى الإبراهيمي، وذلك على هذا النحو:

«يا قبْرْ،

عَزّ على دفينِك الصبْرْ،

 وتَعَاصَى -كسْرُ القلوب الحزينة- على مَن فيكَ أن يُقابَلَ بالجبْرْ؛

ورجع الجدالْ، إلى الاعتدالْ:

 بين القائلين، بالاختيارْ؛ والقائلين، بالجبْرْ.

يا قبْرْ،

 ما أقدَرَ اللّهَ أن يَطويَ علَماً ملأَ الدّنيا في شِبْرْ!»23

ويطّرد هذا اللّعِبُ باللّغة، وهو ناشئ عن وفرتها والتّحكّم العالي في نسْجها، في كتابات الإبراهيمي الفنّيّة؛ فإنّا لم نكد نلاحظ ذلك في كتابات سابقة في الأدب العربي وقد خالجْنا نصوص المقاماتِ من أوّلها إلى آخرها عبْر عصورها الطِّوال، وفي معظم نصوصها الثِّقال؛24 كما لم نعثُر عليها لا في أسجاع كِتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، ولا في كتاب «الإحاطة، في أخبار غرناطة»، وما ورد فيهما من أعلى ما كتب الأندلسيون من الكتابة الأدبيّة المسجوعة… كما نلاحظ ذلك في قوله أيضا:

«(…) إلى الوادي الذي طرَّزَ جوانبَهُ آذار؛

وخلَع عليه الصانعُ -البديع، من حلْيِ التّرصيع، وحُلَل التّفويف والتّوشيع- ما تاهَ به على الأوديَةِ فخَلَعَ العِذَار!».25

فقوله: «الصانع البديعْ، من حلْي الترصيعْ، وحُلل التَّفويف والتّوشيعْ» لم يكن هو المقصودَ في النسج الإيقاعيّ لدى الإبراهيمي، وإنّما لكثرة اللّغة في مخزونه المحفوظ انهالت عليه كالسيل فأبدع في الإيقاع الدّاخليّ، قبل أن ينتهيَ إلى إقامة الإيقاع الخارجيّ الذي كان مقدَّراً له أن يقوم على مقطع: «آرْ»: آذارْ؛ عِذَارْ.

رابعاً. لغة السخريّة والغضب لدى الإبراهيمي

كثيراً ما كان الإبراهيميّ، حين كان يسخر أو يغضب، يتحلّل من الطريقة، التي حلّلنا أطرافاً منها في الفقرة الفارطة المتمحّضة لبكائيّة ابن باديس، وذلك حين كان يُحسّ بأنّه يخاطب عدداً أكبرَ من القرّاء، أو كأنْ قد!… فكأنّه كان يفخّم من لغته ويغالي في تجويد تنميقها في المواقف الفخمة، وعن الشخصيّات الكبيرة، حتّى يتلاءم الكلام مع المقام؛ حتّى إذا ما كتب عن قضايا عاديّة، أو موضوعات صحفيّة جارية، تحلَّل من الطّريقة التي جئنا عليها، وأقبل على الكتابة بلغة في كلّ الأحوال، تنهلّ عليه وتنهال، فيكون فيها أسجاع، ولكنْ لا تكون من نوع لزوم ما لا يلزم، ولا من نوع النسْج القائم على الإيقاعين الدّاخليّ والخارجيّ إلاّ قليلاً. وفي هذه الحال لا يعوّل الإبراهيميّ في الْتِماسِ التّأثير في المتلقّي على اصطناع الإيقاع الغنيّ للّغة، ولكن بجزالة ألفاظها، ورشاقة تعبيراتها. وفي مثل هذه الكتابات لا يعوّل الشيخ، ابتغاءَ التّأثير في المتلقّين، على التزام الإيقاع الذي لا يعْدوه؛ ولكن باصطناع السخريّة فيُمْتع ويُبدع. ومع ذلك، فقد يحنّ الشيخ إلى دأْبه الجميل فيضمّخ كتابته ببعض تالك الإيقاعات المزدوجةِ التركيبِ. كما قد يصادفنا ذلك، مثلاً، في المقالة التي كتبها عن الشيخ عبد الحيّ الكتّاني؛ فقد كتب في مطلعها، بعد أن فلسف كيف كان العرب يسلكون طرائقَ واسعةً في استعمال اللّغة، والذَّهاب في دلالتها بعيدا، قبل أن يفلسف تَكنِّي الشيخ عبد الحيّ بِكُنىً مهينة «ممّا هو غالب في كُنَى العبيد» -يقول26:

«وإذا أنصفْنا الرجُل، قلنا: إنّه مجموعة من العناصر: منها العلم، ومنها الظلم؛ ومنها الحقّ، ومنها الباطل. وأكثرُها27 الشرُّ والفسادُ في الأرض: أُطلِقَ عليها لكثرتها واجتماعها في ظَرف هذا الاِسْمِ المركَّب الذي لا يلتقي مع الكثير منها في اشتقاق ولا دلالة وضعيّة، كما تُطلَق أسماءُ الأجناسِ المرتجَلَة، وكما يُطْلِق علماء الكيمياءِ على مركَّباتهم أسماءً28 لا يلمَحون فيها أصلاً من أصولها.  ومن الأسماء ما يوضَع على الفال والتخيُّل، فيطيش الفال، وتكذِب الْمُخَيِّلَة29؛ ومنها ما يوضَع على التّوسّع والتّخيّل، فيضيق المجال، وتَضيع الحيلة! وإنّ اسم صاحبنا لم يصدُق فيه إلاّ جزؤُه الأوّل. فهو عبدٌ لعدّةِ أشياءَ جاءتْ بها الآثارُ، وجرتْ على ألسنة النّاس؛ ولكنّ أمْلَكَها به الاستعمار. أمّا جزؤه الثاني فليس من أسماء اللّه الحسنى، ولا يخطر هذا ببال مؤمنٍ يعرف الرجُل، ويعرف صفاتِ عباد الرّحمان، المذكورةَ في خواتيمِ سورة الفرقان؛ وإنّما هو بمعنى القبيلة، كما يقال: كاهنُ الحيّ، وعَرّاف الحيّ، وعَيْرُ الحيّ! وقبّح اللّه الاشتراكَ اللّفظيّ! فلو علِم العرب أنّه يأتي بمثل هذا الالتباس لطهَّروا منه لغتَهم، وتحامَوْهُ فيما تحامَوْا من الْمُسْتَهْجَنات. ولو أدرك نُفَاةُ الاشتراكِ في الاستعمالات الشرعيّة زمنَ عبدِ الحيّ، أو أدرك هو زمنَهم وعرَفوه، بما30 عرفناه؛ لكان مِن أقوى أدلّتهم على نَفْيه، ولارْتفع الخلاف في المسألة، وسجّل التاريخ منْقَبةً واحدة لعبد الحيّ؛ وهي أنّ اسمه كان سبباً في رفْع خلاف!…».31

فالإبراهيميّ هنا يلعب على السخريّة القاسية، وعلى النّسْج الرشيق الخفيف المتوالي الجمل، المنثال اللّغة، عوضاً عن الأسلوب القائم على الجمل الطِّوال، والإيقاعات الثقال… بل لكأنّه كان يريد أن يلذَعَ المكتوبَ عنه بألفاظ اللّغة لذعاً، وأن يلدغَه لدغاً. فقد عمَد الإبراهيميّ إلى أوّل شيء يُعرف به المكتوبُ عنه، والْمَسْخُورُ منه، وهو اسمُه وكنيتُه فجاء إليهما الشيخُ يَرُوغُ عليهما سَخْراً؛ فشرع يحلّل دلالة اسم الشيخ عبد الحيّ وكنيته بجزْأَيْهما الأوّلِ والآخِر، فجاء بالعجب؛ إذا لم نكد نجده، هنا، يلعب على الْتِماس الإيقاع الدّاخليّ إلاّ في قوله:

«ومن الأسماء ما يوضَع على الفال والتّخيُّلْ:

 فيَطيش الفالْ، وتكذِبُ الْمُخِيلَهْ؛

ومنها ما يوضَع على التّوسُّع والتّحَيُّلْ:

 فيَضيق الْمَجالْ، وتضيعُ الحيلَهْ».

ولقد ذهب، في قسوة مدهشة، إلى أنّ اسم «عبد الحيّ» لا يصدق منه إلاّ أوّلُه، وهو «عبْد»، إذْ كان عبداً لجملة من القيم المنحطّة التي عُرف بها الشيخ، فيما يزعم الإبراهيميّ. أمّا آخره، وهو «الحيّ» فليس ينبغي أن يذهب الوهمُ إلى أنّ المقصودَ منه هو أحدُ أسماء اللّه الحسنى؛ ولكنّه ينصرف إلى معانٍ أُخَرَ كأن تكون: عرّاف الحيّ، أو عَير الحي، أو كاهن الحيّ! ونحن نعلم أنّ هذه الكتابة التي تجسّد هذه الآراء لم يكن يريد بها الشيخُ إلى الإساءة إلى عبد الحيّ الكتّاني، كما يقرّ بفضله في جملة من فقرات هذه الهجائيّة نفسِها، بمقدار ما كان يعبّر عن رغبةٍ طافحة في مثل هذه الكتابة الساخرة وإبداء ما في عبقريّته من قدرة عجيبة على تناوُل أيِّ موضوع يُلاصُ عليه في الكتابة الأدبيّة الرّفيعة، كما كان لاحظ ذلك ابن أبي الحديد قديماً عن أبي عثمان الجاحظ في كتابه «العثمانيّة»، وهو ينتصر طوراً للبكريّين على العلويّين، وطوراً للعلويّين على البكريين، في أسلوب آسر، ولغة تنهال على القريحة كالشُّؤبوب الماطر.

فالأسلوب في هذه الهجائيّة لا يعوّل على السجع بالضرورة، بلْهَ «لزوم ما لا يلزم»، كما رأيناه في بكائيّة «مناجاة مبتورة، لدواعي الضرورة» حيث كان، هناك، مُثْقَلاً بالعواطف الجائشة، والمشاعر الطّافحة، والوجْدانات الصادقة، فعبّر عنها بلغة مثقلة، هي أيضاً، بالإيقاعات الباكية، واللّغة النّادبة. هو هنا لا! إنّما يريد أن يكتب كتابة ساخرة، وأكاد أقول: ضاحكة. وهو كان يعلم سلفاً مدى التّأثير الكبير الذي ستُحدثه كتابتُه هذه في أنفُس قرّاء «البصائر» الذين كانوا يُدمنون قراءتها مشرقاً ومغرباً، فكتب من أجل أن يُمْتِعهم، أساساً، بجمال الكتابة عن هذه الشخصيّة الثقافيّة الكبيرة، بغضّ الطّرْف عن الحقائق التي لم يكن الشيخ يودّ الوقوف لديها، لأنّه كان عجِلاً عنها إلى تصوير هذه السخريّة من شخصيّته، «فكَرْكَتَها»32 على نحو لم يخطر على خلَد أحدٍ…

والشيخ لم يتوقّف لدى اسم عبد الحيّ المسكين، فراغ عليه ضرْباً باليمين فحسب، كما كنّا أومأنا إلى بعض ذلك من قبل؛ ولكنّه توقّف أيضاً لدى كنيته فنحل أثْلَتَها، وبيّن سَوْأَتَها، فأبدع وأمتع. أم أليس هو الذي يقول عن كنية عبد الحيّ:

«من سنن العرب أنّهم يجعلون الاسم، سمة للطفولة، والكنيةَ عنواناً على الرُّجولة. لذلك كانوا لا يكْتَنُون إلاّ بنتاج الأصلاب، وثمرات الأرحام، من بنين وبنات؛ لأنّها الامتداد الطّبيعيّ لتاريخ الحياة بهم. ولا يَرْضَوْن بهذه الكُنَى والألقاب الرَّخوة إلاّ لعبيدهم. وما راجتْ هذه الكُنَى والألقابُ المهلهلة بين المسلمين إلاّ يوم تراختِ العُرى الشادّةُ لمجتمعهم؛ فراجَ فيهم التّخنُّث في الشمائل، والتأنّثُ في الطّباع، والارتخاء في العزائم، والنِّفاق في الدِّين. (…) وفاتتْهم العظمة الحقيقيّة فالْتمسوها في الأسماء والكنى والألقاب. ولقد كان العرب صخوراً وجنادلَ، يومَ كان من أسمائهم صخْرٌ وجندلة؛ وكانوا غُصَصاً وسُموماً، يوم كان فيهم مُرّة وحنظلة؛ وكانوا أشواكاً وأحساكاً، يوم كان فيهم قتادة وعوسجة. فانظر ما هم اليوم؟!»33

إنّ كلّ هذا الذي جاء به الإبراهيمي، وقد أفاد وأجاد، لم يكن مقصوداً لذاته فيؤخَذ على أنّه كان ضرْباً من التعليم للمتلقّي من شيخ عالم جليل، ولكنّه جاء به من أجل أن يُثبت أنّ عبد الحي الكتّاني لم يتكنَّ بأحد أبنائه الأفاضل، ولكنّه تكنّى بكنية فيها أنوثة وخُنوثة!…

كما وظّف الشيخ هذه المسألة فاتّخذ منها تُكَأَةً للإِنحاء باللّوائم على العرب حين انحطّوا وتخلّفوا، فغيّروا من الأسماء القويّة الْمخيفة التي كانوا يُطلقونها على أبنائهم، فأصبحوا يسمّونهم بأسماءٍ لا تليق، في كثير منها، إلاّ بالبنات! ويتوقّف لدى لقب «سيّدي» فيدينه ويرْفُضه، ويذكّر أنّ النّاس ما كلِفُوا بكلمة «سيّدي» إلاّ يوم ضاع منهم السّؤدد! ولو قالها أحد في عهد عمر ابن الخطّاب رضي اللّه عنه لكان ضربه بدِرّته، قائلاً عن هذه الكلمة المتداولة بين الناس في الإدارة والتعامل على سبيل اللّياقة طوراً، والنّفاق طوراً آخر: «ما راجتْ بيننا، وشاعتْ فينا، إلاّ يوم أضعنا السيادة، وأفلتتْ من أيدينا القيادة. ولما ذا لم تَشع في المسلمين يوم كانوا سادة الدّنيا على الحقيقة؟ ولو قالها قائل لعمرَ لهاجتْ شِرَّتُه، ولبادرَتْ بالجواب دِرَّتُه».34

وعلى الرغم من أنّنا كنّا زعمنا أنّ الإبراهيمي ربما تغاضى عن طريقته الأثيرة لديه في الكتابة، فعزف عن اصطناع الإيقاع، وأنّه   لم يكن يريد أن يؤثّر في متلقّيه بمجرّد سَوْق أسجاع جميلة له يستمتع بها، وإنّما أراد أن يكتب كتابة عالية خارج إطار الأسجاع، فكانت هذه اللّوحات الفنّيّة التي تجعلك تستمتع بكتابته، ليس لأنّه كان يصارع شيخاً عالماً جليلاً هو عبد الحيّ الكتّاني، ولكنْ لأنّه محمد البشير الإبراهيميّ وقد امتشق قلمه فأراد أن يكتب، فكتب! فهو يمتع به إذا هجا، وهو يمتع به إذا رثى، وهو يُمتع به، أيضاً، إذا أثنى: نقول، على الرغم من كلّ ذلك فإنّ الشيخ، في الحقيقة، لم يكن يكاد يتخلّص من لغته المنهالة عليه فكانت تمثُل له كتابةً قائمة على الإيقاع…

وإلاّ فإنّا نصادف مقاطعَ كثيرةً تقوم على الإيقاع الداخلي والخارجيّ، كما في قوله:

«من سَنَن العرب أنّهم يجعلون:

 الاِسْم، سمةً للطُّفولَهْ،

 والكُنيةَ، عنواناً على الرُّجولَهْ.

 لذلك كانوا لا يكْتَنُون إلاّ بِنَتاجِ الأصلابْ،

 وثمرات الأرْحامْ:

 من بنين وبناتْ».

فبعد أن جاء بالوتَد الأسلوبيّ المعوَّلِ عليه في نسْج الكلامِ القائم على الإيقاع، وهو الماثل في قوله: «من سَنن العرب أنّهم يجعلون»، انطلق يدبّج كلامه في تشكيلات إيقاعيّة ليست غنيّة بالأجراس، كما كنّا رأينا في بعض الكتابات الأخرى الكبيرة، ولكنّ القارئ، مع ذلك، يحسّ أنّ هناك صناعةً نسجيّة في الكلام، كما حاولنا تِبيان تقطيع الكلام على جهة القراءة الإيقاعيّة؛ إذ يوجد لفظ «الطفولهْ» الذي يقابله لفظ «الرجولهْ»؛ ولفظ «الأصلاب» الذي يقابله لفظ «الأرحام»، الذي يثنّيه الإيقاع المماثلُ الوارد بعدَه في لفظ «بنات»: (الطّفولَهْ، الرجولَهْ؛ الأصلابْ، الأرحام؛ بنات).

ونلاحظ أنّه على الرغم من معنى الطّباق البلاغيّ الماثل في ثنائيّة الطفولة والرجولة باعتبارهما متعارضَين في الدّلالة التقليديّة، إلاّ أنّهما من المنظور السّيمَائيّ يظلاّنِ متشاكلين من حيث البنية، ومتشاكلين من حيث إنّ كُلاًّ منهما ينتمي إلى الإنسان؛ فهما ليسا متباينيْن إلاّ باعتبار اختلاف السِّنّ. في حين أنّ الثلاثيّ الإيقاعيّ الآخَر: (الأصلابْ، الأرحامْ، بناتْ)، يتّسم بالتشاكل أكثر من اتّسامه بالتباين، وذلك بحكم أنّ ما يقع في الأرحام يأتي من الأصلاب، وأنّ نتيجة ذلك هي نجْلُ البنين والبنات… فالكلام متشاكلٌ من حيث معناه، ومتشاكل أيضاً من حيث التماثلُ الإيقاعيّ: ـلاَبْ؛ ـحَامْ؛ ـنَاتْ (من قوله: الأصلاب، والأرحام، وبنات).

وتالِكَ نسيجةٌ في هذه اللّوحة، أمّا النسيجة الثانية فيها فإنّها تتّخذ سيرة أخرى من البنَاء النسجيّ، والسَّدَى الإيقاعيّ، ما يجعلها لا تختلف عن سابقتها، إلاّ لتكوّن بناء إيقاعيّاً ونسجيّاً يوَكِّدُ حرْص الإبراهيميّ على صناعة الكلام، وزَخْرَفة القول، في أعلى مستويات المعارض الأسلوبيّة العربيّة، كما نلاحظ ذلك في هذه النسيجة الثانية:

«ولقد كان العرب صخوراً وجنادل، يومَ كان من أسمائهم صخْرٌ وجندلَهْ؛

 وكانوا غُصَصاً وسُموماً، يوم كان فيهم مُرّةُ وحَنظلَهْ؛

 وكانوا أشواكاً وأحساكاً، يوم كان فيهم قتادةُ وعوسجَهْ.

 فانظر ما هم اليوم؟».

وإذا كان ما قبل هذه اللّوحة ندّ قليلاً عن النّسْج الإيقاعيّ الغنيّ فوقع الاجتزاء بإيقاعٍ خفيف يحافظ على بنية الكتابة لدى الإبراهيمي، دون أن يستأثر بالاهتمام، فقيل:

«فراجَ فيهم:

 التّخنُّث في الشمائل، والتأنّثُ في الطّباع، والارتخاء في العزائم، والنِّفاق في الدِّين. (…) وفاتتْهم العظمة الحقيقيّة فالْتمسوها في الأسماء والكنى والألقاب»؛ (بحيث وقع النّسج الإيقاعيّ لظواهر الجمل وبطائنها من ألفاظ متلائمة دون أن تكون متماثلة تماثُلاً تامّاً في كلّ الأطوار:

التخنّثْ ويقابله التّأنّثْ؛ والارتخاءْ ويقابله الدّينْ، داخليّاً؛ مع تكرار قيد «في» أربع مرّات للربْط بين السمتين المنسوج منهما الْجُمل؛

 والشمائلْ ويقابله الطّباعْ، والارتخاءْ ويقابله النِّفاقْ، خارجيّاً. ثم وقع ختْمُ النسيجة بجملة طويلة لا ترتبط إيقاعيّاً لا بما بعدها، ولا بما قبلَها، لتكون خاتمة الكلام، إلاّ من حيث «في الأسماء» حيث وقع إشباعها بلفظين آخريْن لتكون هذه الجملة وتَداَ بَعْدِيّاً: فإنّ السيرة الإيقاعيّة تختلف في النسيجة التي جئنا بها كلّ الاختلاف؛ فقد عاد الشيخ إلى دأْبه، وآبَ إلى عِتْرِه، فصنع من الألفاظ لوحة إيقاعيّة تصدَحُ بالموسيقى اللّفظيّة المتغافصة الأنغام، والمتراقصة الأصوات. لقد أقام الشيخ صناعة لوحته على ثلاثِ نسائجَ تكوّن لحمتَها، ووتَدٍ أسلوبيّ آثرَ أن يكون آخراً، لا أوّلاً:

«ولقد كان العرب صخوراً وجنادلْ،

يومَ كان من أسمائهم صخْرٌ وجَنْدَلَهْ؛

 وكانوا غُصَصاً وسُمومَا،

 يوم كان فيهم مُرَّةُ وحَنْظَلَهْ؛

 وكانوا أشواكاً وأحْساكَا،

 يوم كان فيهم قَتادةُ وعَوْسَجَهْ.

 فانظر ما هم اليوم؟».

غير أنّ العجب ليس في هذه القدرة الخارقة في التحكّم في اللّغة من أجل أن يقع بها صنعُ كلام يحاكي الأنغام الموسيقيّة البديعة؛ ولكن في ربْط معاني الألفاظ المصنوعِ بها الإيقاعاتُ ربْطاً تشاكليّاً لفظاً، وربْطاً تشاكليّاً آخرَ معنىً، ليقع تركيب الشّكل مع المضمون، وليقع ملاءمةُ الدّالّ مع المدلول. أرأيت أن قوله:

«لقد كان» يقابله: «يوم كان»؛

و«صخورا» يقابلها: «صخْر»؛

«وجنادل» تقابلها: «جندلة»؛

و«غُصَصاً» يقابلها: «أشواكاً»؛

«وسُموماً» يقابلها: «أحساكاًً»؛

و«مُرّة» يقابلها: «قتادة»؛

«وحنظلة» يقابلها: «عوسَجة»؛

«وكانوا» يقابلها: «وكانوا»، وذلك من حيث الدَّالِّيَّةُ.

في حين أنّ الكلام يتقابل في معظمه متشاكلاً من حيث المدلوليّة، كما نلاحظ ذلك في سيرة: الغصص والسموم والمرارة، والصخور والجنادل، والأشواك والأحساك، والقتاد والعوسج، وهي الدّوالّ التي صنع منه الإبراهيميّ هذه اللّوحة في وجهها المدلوليّ أيضاً.

ونودّ أن نتوقّف، أخيراً لدى مقالة قصيرة أرسل فيها الشيخ شواظَ سخريّته المحرقة على شخصٍ مغمور يدعى «التهامي»، كتب إلى «البصائر» رسالة ينتقص فيها من الجريدة، وأنّها تحيّزتْ لحزب سياسيّ مغربيّ معيّن، على حساب حزب سياسيّ آخر؛ من حيث كان أولى لها أن تظلّ محايدةً لا تنحاز، فكتب الشيخ يخاطب ذلك الكاتب المغمور الذي أرسل عليه شُواظاً من نار ونحاس، فأحرقه بها فأمسَى حتماً سُخْرَةً في فاس، فكتب كلمةً قصيرة تقع في عموديْن من أعمدة «البصائر»، ما يعنينا منها، خصوصاً، هو خاتمتُها التي يقول الإبراهيميّ فيها: «لا عفا اللّه عنك يا تهاميّ! لكأنّ فيك، واللّه، شُعبةً من سَمِيِّكَ! ولو كنتَ عاشرَ عشرةٍ ممّن يحمل هذا الاِسم، وينطِق بهذا الإثم، لاطّردَتِ القاعدة، وتواتر القياس؛ وهُجِرَ هذا الاِسمُ كما هُجر «عبد العزّى» في الإسلام، وانتقل النّاس بأبنائهم من تِهامةَ إلى نَجْران!

إنّنا لا نعلم منزلتَك في النّباهة، ودرجتَك في الحزب؛ فإن كنت تستحقّ هذا العتاب فهو تأديب لك، وإن كنت لا تستحقّه -لخمول قدْرك، وخُسوف بدرك- فأرجعْهُ إلينا مشكوراً، واردُدْه علينا معذوراً».35

تنهض هذه اللّوحة الأدبيّة على نسيجتين اِثنتين: الأولى وهي تعوّل على السخريّة، دون الاِلْتِحاد إلى اصطناع الإيقاع، وتقطيع الكَلام، من أوّل أمرها إلى آخره، لكنْ دون التفريط في ذلك تفريطاً كاملاً؛ والأخرى، وتعوّل على صناعة الإيقاع وتوظيفه في التّأثير الجماليّ لدى المتلقّي، تعويلاً تامّاً.

غير أنّ النسيجة الأولى لا تقِلّ قوّةً في السّبْك، ولا رصانةً في النسْج، حتّى إنّ الضّارب يمكن أن يضرب بها الجدار المتين فيَهُورَه! كذلك نرى قوّة هذا الكلام!

-«لا عفا اللّه عنك يا تهاميّ! لكأنّ فيك، واللّه، شُعبةً من سَمِيِّكَ»!

فهذا الدّعاء على الشخصيّة المطروحة للهجاء والإنحاء عليها باللَّوَائم ليس انكأَ منه شيءٌ! فهو يصطنع «لا» الدّعائيّة فيُدْخلُها على العفو إيغالاً في صناعة الكلام، وإبداءً للقدرة الخارقة على التحكّم في العربيّة العالية ونُسوجها العِجاب، كما وردت في أعلى نماذج البيان العربيّ… والأنكَأُ من الدّعاء على هذه الشخصيّة هو ربْطُها بشخصيّة مغربيّة اشتهرتْ بالغدْر والخيانة، وذلك حين قبِلتْ أن تحِلّ محلّ الملِك الشرعيّ للبلاد. بيدَ أنّ الإبراهيميّ لم يعيّر الشخصيّة المهجوّة، ولم يَلُمْها بالطريقة الرّكيكة المباشرة؛ ولكنّه اصطنع في ذلك «لكأنّ» التي لا تدلّ هنا على الشكّ، بمقدار ما تدلّ على اليقين. وألحقها بعبارة تقلّل من دلالة الانتماء ظاهراً، في حين أنّ النّصّ كان يريد إلى عكسها (فكأنّ ذلك كان من باب قول الحطيئة:

*واقعدْ فإنّك أنت الطّاعِمُ الكاسي!)

وهي لفظة: «شُعْبة». فعوض أن يعبّر النّصّ بصورة مباشرة فيتّهمَ الشخصيّة المهجوّة بأنّها خائنة للوطن، أو على الأقلّ متحزّبة تحزّباً أعمى، اصطنع ما يوحي بذلك أوّلاً، ثمّ يُوَكّده آخراً: «لكأنّ فيكَ، واللّهِ، شُعبةً من سَمِيِّك». والذي يُحيل هذا الكلام من معنى التشبيه المشكوك، إلى معنى اليقين المحتوم، هو القسَم -واللّهِ- الواقعُ على سبيل الاعتراض. لأنّ القسَم لا يكون إلاّ على شأن مُوَكَّد، لا على شأن مشكوك فيه.

وتتنازع الشيخَ طريقتُه الْمُؤْثَرَةُ في الكتابة فيعودُ إلى توظيف الإيقاع وتقطيع الْجُمل بعد ذلك: 

«ولو كنتَ عاشرَ عشرةٍ ممّن:

 يحمِل هذا الاِسْمْ،

 وينطِق بهذا الإثمْ؛

 لاطّرَدتِ القاعدَهْ،

 وتواتَر القياسْ».

فهذه النسيجة تنهض على الاتّكاء على ما نسمّيه «الوتَد الأسلوبيّ»، وهو قوله: «ولو كنتَ عاشرَ عشرةٍ ممن…»، لينطلق النّاصُّ من بعد ذلك إلى تقطيع الكلام على نحويْنِ متوازيين في النسج والإيقاع، ليؤثّر في قارئه فيجعلَه شديد التّعلّق بهذا الكلام الذي لا يعوّل على جماليّة النسج فحسب، ولكنّه يعوّل أيضاً على جماليّة الإيقاع، داخليّاً وخارجيّاً. فقد نهضت تقطيعاته الكلاميّة على أربعِ جُمل: كلّ جُملتين تكوّنان وحدةً إيقاعيّة من حيثُ إنّهما توازيَتا في تقدير الألفاظ، وتساوَيتا في تجْريس الإيقاع، كما يبدو ذلك من خلال عرضهما في أربعة أسطار، منذ قليل.

ولَمّا أحس الشيخ أنّه أخطأه الإيقاع في التّأثير في قارئه، من بعد ذلك، عمد إلى توظيف السخريّة وثقافته الإسلاميّة الغنيّة فحلّل هذا الاسم –تهامي- وأنّه لو كان عاشر عشرة يذهب إلى ما ذهب إليه في الانتقاص من «البصائر» لكان النّاس هجروا استعماله، كما هجروا إطلاق «عبد العزّى» على أبنائهم؛ بل لكانوا انتقلوا من تهامة إلى نجران. والشيخ يوازن، هنا، بين سيرتين اثنتين متقابلتين: في إحداهما النّبل والشرف والفضيلة وهما: تهاميّ، وتهامة؛ وفي إحداهما الأخرى اللّؤم والاستخذاء والرذيلة، وهما: عبد العزّى، ونجران…

وأمّا الكلام كلّه في لَذْعه ونكْئه، وفي جماله وطرافته، هو الذي أرجأه ليختم به مقالته القصيرة حيث أنهاه بنسيجة عجيبة التركيب، طريفة المعنى؛ فقد أحسّ الشيخ وكأنّه أغار على خامل من الرجال، وأرسل قلمه على من ليس أهلاً للعتاب والهجاء، فختمه بما يُشبه الاعتذار الذي كان في الحقيقة أنكأ في المهجوّ من الهجاء المباشر نفسِه؛ فقد أسرّ له أنّه لا يعلم مدى مكانته في المجتمع، ومنزلته في مدارج الحزب الذي كان ينتمي إليه؛ فإن كان أهلاً لذلك الهجاء والعتاب فهو له ضرْبٌ من التّأديب، وإمّا لا، فليَرْدُدْه على الشيخ مشكوراً معذوراً…

ولقد جمع الإبراهيمي في هذه الفقرة بين الصناعتين: بين التقطيع الخالي من تماثل الأجراس، ولكنّه غنيّ بتماثل عدد الألفاظ الذي يقوم عليه التقطيع من وجهة:

1. «إنّنا لا نعلم:

منزلتك في النّباهة،

ودرجتَكَ في الحزب»؛

وبين توظيف الإيقاع -بعْد العَمْدِ إلى الاتّكاء على الوتَد الأسلوبيّ- من وجهة أخرى:

2. «فإن كنت تستحق هذا العتابَ فهو تأديبٌ لك، وإن كنت لا تستحقّه:

لخمول قدْرك،

 وخسوف ذِكْرك؛

فأرجعه إلينا مشكورَا،

واردُدْهُ علينا معذورَا».

     

الهوامش :

1- تراجع مجلّة الثقافة، الجزائر، ع.38، 1977 حيث نشرنا بحثاً بعنوان: «رواية الثلاثة للشيخ الإبراهيمي»، ، والعدد 48 (1984) وعنوان الدراسة: «خصائص الخطاب في رواية الثلاثة».

2- كان ذلك، كما سنرى، في المدينة المنوّرة سنة 1911.

3- محمد البشير الإبراهيمي، في: الفضيل الورتلاني، الكويت: المدينة الفاضلة، أو سويسرا العرب، ص. 239.

4-  الإبراهيمي، البصائر، ع.86، في 11. 07. 1949، ص.5، العمودان الثالث والرابع، من نحو الأعلى.

5- ينظر الجاحظ، البيان والتبيين، 1. 36 وما بعدها، تحقيق حسن السندوبي، القاهرة، 1947. وقد لاحظ الجاحظ  أنّ «العامة ربما استخفّتْ أقلّ اللّغتين وأضعفَهما، وتستعمل ما هو أقلُّ في أصل اللّغة استعمالاً، وتدع ما هو أظهر…»، م.س.، 1. 38.

6- نحتفظ بنماذج من مثل هذه الأخطاء الفاحشة أخذناها من بعض الجرائد الوطنيّة الصادرة في يوم الثلاثاء 26 أبريل 2005. وقد كنّا كاتبنا بعض الهيئات الإعلاميّة، واقترحْنا عليها أن نوفّرَ لها من يصحّح لها العربيّة، إن شاءت، حين كنّا في رئاسة المجلس الأعلى للّغة العربيّة، فجرّ علينا ذلك التّوبيخ والْمَلام، وكأنّا اقترفنا جُرْماً في حقّ الإنسانيّة! وإنّا لا نزال نحتفظ بنصّ هذه الرسالة…

7- الإبراهيمي، م.م.س.

8- م.س.

9- زرت الخزانة الوطنيّة بالرباط، فاستقبلني مديرها في صيف سنة 1973 فسألني عمّا صنع اللّه بالحياة الثقافيّة في عهد الاستقلال بالجزائر؟… ثمّ شرع يستظهر لي نصّاً من مقالة للإبراهيمي بعنوان: «أفي كلّ حيّ، عبد الحيّ؟». كما كان طلبة جامعة القرويّين بفاس، سنة 1955 يتداولون جريدة البصائر فيقرؤها الواحد تلو الآخر… ولا أحدّث إلاّ بما علمت ورأيت.

10- محمد البشير الإبراهيمي، البصائر، ع.1، العمود الأول، الصفحة الأولى، في يوم الجمعة، 7 رمضان عام 1366 الموافق 52 يوليو 1947.

11- أبو حيّان التوحيدي، الإشارات الإلهيّة، ص.337.

12- ينظر عبد الملك مرتاض، النّصّ الأدبيّ من أين وإلى أين؟ ص. 63-159 حيث حلّلنا هذا النّصّ من أربعة مستويات، نشر ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1983.

13- الإبراهيمي، م.م.س.

14- مصطلح النسيجة، وجمعناه على نسائج، ومثله مصطلح «التشاكل»، ومثله «التباين»، و«الانتشار»، و«الانحصار»… هي كلّها من إنشائنا… ومن أراد الإلمام بما نريد بها فليعُدْ إلى ملحق كتابنا: «قراءة النّصّ»، ص.301-360، كتاب الرياض، مؤسسة اليمامة، الرياض، 1997.

15- لم تُشكل الكلمتان في الأصل، ولعلّ الشيخ كان يقصد بهما إلى راوية مقامات الحريري «الحارث بن هَمّام». وقد يُراد بالحارث إلى معنى السّعي والكسْب، وإلى الهَمّام إلى معنى الاهتمام بالنفس؛ فـ«ما من شخص إلاّ وهو حارث وهمّام، لأنّ كلّ واحدٍ كاسبٌ ومهتمّ بنفسه».  شرح مقامات الحريري، 1. 3.

16- محمد البشير الإبراهيمي، البصائر الثانية، ع.58، في 29 نوفمبر 1948، ص.1، عمود 1 (وكُتب هذا المقال في عمودين اثنين فقط، عوضاً عن أربعة، كما جرى الدّأب، استثناءً. كما أنّه كُتِب بخطّ عريض لعلّه أن يكون في حجم 18 أو عشرين من النوع العاديّ).

17- ينظر محمد الغسيري، البصائر، ع.76، في 18 أبريل 1948، ص.1.

18- ورد في الأصل: (البصائر الثانية، العدد 76، ص.2، عَمود2): «كفّتاك»، وهما كفّتا الميزان. وقد تكررتا، ولا معنى لذلك. وإنما كان الشيخ، حتماً، يريد إلى «كفّاك»، وهما اليدان اللتان تحتبلان الصيد، فوقع سهو في طبْع النّصّ.

19- الإبراهيمي،  البصائر الثانية، ع.76، في 18 أبريل 1948.

20- م.س.

21- كذا ورد بأصل البصائر، والآثار. ولا وجْهَ له من العربيّة. ويبدو أنّ التحريف وقع في النّصّ أوّلاً فمضى الشأن على ما هو عليه. وبعد تأمّل ارتأينا أنّ الوجه في ذلك هو «وتَعَاصَى»، من العصيان، أي «اعتاص وتأَبَّى كسْر القلوب الحزينة على مَن فيك…».

22- م.س.، ص.2. عمود1.

23- م.س.، ص.2. عمود1.

24- يراجع، من شاء، عبد الملك مرتاض، فنّ المقامات في الأدب العربي، ط.2، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، الدار التونسيّة للنشر، تونس، 1988.

25- م.س.

26- الإبراهيمي، م.م.س.، ع.33، ص.2، عمود2، في 26 أبريل 1948.

27- ورد هذا اللفظ في أصل البصائر، ع.س.، «وأكثر»، وصُحّح في آثار محمد البشير الإبراهيمي، 2، ص.615. وعلى ذلك عوّلنا.

28- ضُبِطً هذا اللّفظ بفتحة فوق الهمزة، في آثار الإبراهيميّ، على أنّه ممنوع من الصرف، وهو مجرّد سهو، لأنّه صنو للفظ «أحياء» ﴿بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزَقون﴾، لا لأشياء. أمّا مطبعة البصائر فلم تكن بها أدواتُ الشكل، وإلاّ لكانت بعض مقالات الإبراهيمي شُكلتْ، لصعوبة قراءتها على عامّة الناس، دون ذلك.

29- شكل المشرف على طبْع «آثار الإبراهيمي» ميم هذا الحرف بالفتح، والخاء بالكسر (الْمَخِيلة)، وهو ليس بشيء؛ ذلك بأنّ الْمخيلة بفتح الميم وكسر الخاء إنّما هي السحابة التي تحسبها ماطرة، وهي عقيم.. والوجهُ هو نطقُ لفظ الإبراهيميّ، هنا، بضمّ الميم، لتدلَّ على القوّة التي تخيِّلُ الأشياء، كما ورد في المعاجم.

30- ورد في آثار الإبراهيمي «كما»، عوضاً عن «بِما»، وهو نصّ الأصل في البصائر.

31- محمد البشير الإبراهيميّ، البصائر الثانية، ع.33، في 26 أبريل 1948، ص.2، عمودان:1-2.

32- محاولة لتعريب معنى «كاركاتور» الأجنبيّ الدّالّ على الْتماس إضحاك المتلقّي، دون النّيل أخلاقيّاً من المضحوك منه…

33- م.س.

34- الإبراهيمي، البصائر الثانية، ع.33، في 26 أبريل 1948، ص.2، عمود 3.

35- محمد البشير الإبراهيمي، البصائر، ع.149، في 2 أبريل 1951، ص.3، عمود 4.

 

آخر التغريدات: