الشباب في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي

الشباب في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي

اليوم ونحن في السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين وبعد انتهاء الحرب الباردة، والسعي المفرط في التطرف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للإنفراد بالعالم والإستفراد بمقدراته، وباستخدام العدو الإسرائيلي مع حلفاء آخرين في مسار العدوان الغاشم, ازدادت التحديات على الأمة عموماً وتوسع الإحتلال والغزو، وازدادت درجة التدخل في الشؤون الخاصة، ومن ذلك شؤون التربية والإصلاح التربوي وشؤون الإعلام وميادينه، ومسألة حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل… إلخ، وأمر الإنجاب والعلاقات بين نوعي الجنس الآدمي: الرجل والمرأة.

أمام هذا الواقع وحيث حفزتني الدعوة من شخصية أحترم، ومن جمعية شكّل مشروعها جزءاً من تكويني الفكري الذي يعشق التمرد، ويهوى المبادرة وركوب سفن المخاطر، وقد أصبحت عضواً فيها منذ سنتين وجدت نفسي مدفوعاً الى قراءة آثار الإمام الإبراهيمي من جديد، والجميل والمحفّز في العودة الى الإبراهيمي المحاور المطلوبة للملتقى المخصص للإبراهيمي، والأجمل منه أن في أعمال الإبراهيمي يجد الدارس الفكرة والموقف والإجراءات والآليات اللازمة للمواجهة والعلاج.

ولأنني في هذه الأيام مهموم بما تعانيه الأمة خاصة إغتصاب فلسطين واحتلال العراق، وتلك الغطرسة التي يمارسها الصهيوأمريكان حيال أمتي فإنني مع كثيرين نرى في الشباب الأمل, لذلك رفعت مؤسسات “إتحاد الشباب الوطني” في لبنان وهي عضو في “المؤتمر الشعبي اللبناني” الذي أنتمي إليه، شعاراً فيه: “الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل”.

وقد وقع اختياري أن أدخل الى عالم الإبراهيمي لأمحّص موقع الشباب في فكره وأعماله، وأنشطة الجمعية لأخذ الدرس والتوجيه وأساليب الإعداد للشباب كي يكون الجميع تحت لافتة كبرى لا يتقدم شيء عليها، وعنوان كبير هو: “ثقافة المواجهة وفكر المقاومة”، ومَنْ للمواجهة والمقاومة سوى الشباب يا ترى؟

والمطلب تنشئة الجيل الواعد -كما فعلت جمعية العلماء- وهو الجيل الذي سينهض بإستكمال مهمة التحرير وتحقيق النصر وبناء الغد الأرقى.

التوجيه القرآني نحو الشباب:

لا يخفى على أحد موقع الشباب في مسار الحركة الحضارية في المجتمع سواء أكان ذلك في إطار الإنجازات الفكرية والعلمية، أو في ميدان الإقتصاد والعمران، والتقدم التقني، أو في حقل الفنون وما يقدم ذلك من إبداعات.

الشباب تعبير عن القوة، والتطلع الى الأمام، والشباب عزيمة لا يستغنى عنها، لأن الشباب هو الرافعة الرئيسة لصناعة التطور، ولمقاومة الظلم، ولدحر العدوان، والشباب هو المستقبل الواعد في الأمم.

الشباب حركة الحاضر بمستوى رفيع من الحيوية متصلة بما خلّفه السلف من جهة، ومتطلعة الى المستقبل بأمل من جهة أخرى.

والشباب يبدأ مع البلوغ، والبلوغ عند الأنثى والذكر قد يكون في سن التاسعة وقد يتأخر حتى الخمس عشرة سنة، وأحياناً أكثر بقليل، والإنسان عندما يبلغ يكون قد امتلك القدرة على العطاء لذلك يكون من المهم توظيف طاقاته، ورسم الخطط لتوجيه قدراته وحيويته باتجاه مفيد.

ويشير الى ذلك النص القرآني من خلال قصة إبراهيم واسماعيل عليهما السلام. فالأب الذي تقدم في السن ولم يكن له ولد قد استجاب الله تعالى لدعائه وطلبه فكان له غلام موصوف بالحلم هو اسماعيل، وما أن شبّ الفتى، وأصبح قادراً على أداء دور، والقيام بمهام وأعباء ككل إنسان إذا بإبراهيم عليه السلام يكلفه من أعباء الحياة ما يكلف به كل الناس في هذه السن، ويتبين ذلك من نص الآية: “فلما بلغ معه السعي”.

وعند هذا الحد من مسيرة الحياة كان الأمر الذي هو بلاء عظيم كما نص كلام الله تعالى، والأمر هو أن يذبح الخليل وحيده وولده الذي جاءه بعد أن طعن في السن فامتثل، وتوجه الى الذبيح يعرض عليه الأمر، وفي هذا إشارة الى أن أول الشباب عند بلوغ السعي يرافقه قدر مهم من الوعي، وإلا لما كلفه الله تعالى مثل هذا المستوى من البلاء العظيم لاسماعيل، وفي الوجه الآخر ما كان الأب إبراهيم ليعرض الأمر على اسماعيل بأمر ألهي لو علم أنه لا يستطيع اتخاذ الموقف. فكان الأمر، وقد أخبرتنا الآية الكريمة القصة: “فلما بلغ معه السعي قال يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين”.

هذا هو الشباب الذي حدّدته قصة الذبيح. إنه الحِلم والطاعة لله تعالى وللوالدين، وإنه اتخاذ القرارات الصعبة في المواقف الحرجة والظروف المعقدة.

والشباب لا يصل الى هذا المستوى من التميّز والفرادة التي ترضي الله تعالى، وتعجب الزرّاع إلا إذا حصّل كل شاب سبل الرشاد،وسار على طرق الإستقامة متسلحاً بالإيمان، ومع ذلك يكون الفكر وتكون المعارف،وتُحترم القيم وتُمارس الفضائل.

هذا ما كان عليه الفتية أهل الكهف عندما جاءهم البلاء، وقسى عليهم القوم، ولاحقوهم، وفرّوا بدينهم حتى إذا كان المخرج بدخول الكهف وجدنا النص القرآني يحكي لنا حالهم ويبلغنا مطلبهم. قال الله تعالى: “إذ أوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّىء لنا من أمرنا رشدا”. وهنا يأتي التأكيد مجدداً على النضج الذي يكون للشباب الذين ساروا في الطريق الصحيح فإذا بهم يطلبون، وهم يدخلون الكهف رحمة الله تعالى التي وسعت كل المخلوقات، وبعد ذلك الرشد أو الرشاد، وفي أساس الرشاد القدرة على اتخاذ القرار في الظروف الصعبة، أو التصرف بوعي وحكمة وذلك أساس النجاح.

وهؤلاء الفتية موصوفون بالهدى، والهدى قرين دين الحق. وقال فيهم الحق سبحانه: “نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هدى”.

نستفيد من قصتي اسماعيل وفتية الكهف قواعد رئيسة ومنطلقات ضرورية لإعداد الشباب، أو يستفيد الشباب قواعد مهمة لو التزموها لفازوا وفازت بهم الأمة، وانتصر بهم الدين, وسادت بهم القيم والفضائل. إن المفردات المنطلقات المستفادة هي: الإيمان- الحِلم- الصبر- الطاعة- الإمتثال لأمر الله تعالى وأمر الوالدين- الرشاد- الهدى- السعي.

إن مثل هذه المقومات لو تأملناها بإمعان لوجدناها تستغرق شؤون حياة الإنسان وشخصيته من كافة الجوانب من الإيمان الديني وهو الأساس المكين لصلاح الشباب، الى السلوك السويّ الذي يتجلى في أوضح معانيه بحِلم عند الشاب بدل النّزق، الى شبكة علاقات إجتماعية أساسها أسرة يبرّ فيها الإبن والديه يضاف الى ذلك علوم ومعارف تكمل بها الشخصية ليكون في نهاية المطاف السعي، والتقلب في أرض الله تعالى الواسعة طلباً للرزق، أو بحثاً عن الحقائق، أو تواصلاً مع الآخر الآدمي، أو تعرفاً على الكون وسننه ومظاهره.

التربية والشباب في رأس اهتمامات الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين:

عندما قرّر الإمام الإبراهيمي -رحمه الله- مع الكوكبة الأولى من رفاقه تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وذلك في العام ۱٩۳۱م – ۱۳٤٩هـ.

ترأس الجمعية الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- حتّى العام ۱٩٤۰م حين وافته المنية، وتسلّم الرئاسة بعده الشيخ الإبراهيمي حتّى وفاته في العام ۱٩٦٥م.

كان للقرار بتأسيس الجمعية في أساسه هدف، وكان الهدف هو الشباب والتربية لأنهم أدركوا أنّ النهوض بواجب تحرير الجزائر من الإستعمار الفرنسي الذي كان قد مضى عليه قرن من الزمان يوم تأسيس الجمعية، وبعدها تطوير المجتمع والنهوض بواجب التنمية في مختلف الميادين لا يكون إلاّ إذا تحقّق أمر به يكون التحرير، وبه يكون التقدّم، إنه تنشئة جيل في الوطن الجزائر وتالياً في الأمة كلّها يملك من المؤهلات والطاقات والمواهب ما يمكّنه من صناعة المستقبل الأفضل، إنه جيل آمن بالله تعالى، والتزم الكفاح والعمل حتّى النصر وتحقيق التقدّم.

هذا الجيل تنطلق عملية تثقيفه، وإعداده من منطلقات ثلاثة هي كما حدّدتها الجمعية:

“الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”.

إنّ دعوة الإبراهيمي إلى أبناء وطنه وأمته قامت على تحديد الواجبات بما يلي: التعاون وهجر التخاذل والتعاهد على الإستماتة في سبيل حقوقنا.

لكن ذلك عنده لا يتوافر إلاّ إذا عملنا تربوياً لتأسيس مجتمع هذه مفاهيمه. وقد قال الإبراهيمي: “نحتاج في الدرجة الأولى إلى تكوين اجتماع حيوي منتج…… الحقّ الذي لا مراء فيه، أنه لا يوجد عندنا اجتماع منتج بالمعنى الذي نريده ويتمناه العقلاء منّا والمفكرون…… إذن نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاصّ تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية، وألزم هذه اللوازم أربع؛ الدين والأخلاق والعلم والمال”.(۱)

إن الحركة العلمية التي دعا إليها الإبراهيمي هي تلك التي يتوزّع فيها الإهتمام على الإعداد الخلقي السليم، والديني البعيد عن المتاجرة والمفاهيم الخاطئة مع تنوّع الإختصاصات كي تلبي حاجات المجتمع في مختلف الوجوه الروحية والقيميةو الإجتماعية والمادية, لذلك وجه الشباب إلى هذا الإتجاه عندما صرّح بأنه يفضّل “بلدة فيها عشرة مرشدين دينيين، وعشرة أدباء، وعشرة أطباء على بلدة فيها ثلاثمائة طبيب، لأن الأدباء يرقّقون عواطفها فتميل إلى الروحيات فتقلّ الأمراض، والمرشدون يعلمونها القصد في الأكل واللذّات، ويحضّونها على النظافة فهؤلاء أطباء، ولكنهم يداوون المرض قبل وقوعه فإذا أفلت واحد، داواه الأطباء المعروفون.”(۲)

إنّ الأصل في الإجتماع البشري الناجح أن يتكامل أفراده لا أن يتماثلوا لأن التكامل بلبي الحاجات المتعددة والمتنوعة، وهذا هو الواجب في توجيه مسار حركة الإعداد وتربية الناشئة، والوجه الآخر للموضوع هو ما يعرف بالوقاية التي قيل فيها عند العرب في حكمهم: “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.

وهذه الوقاية من المخاطر والمفاسد بأنواعها المادية والإجتماعية والقيمية الأخلاقية هي صنعة المربين والمعلمين وعلماء الدين، فهؤلاء جميعاً يسبق عملهم عمل الطبيب لا بل إن أتقنوا أداء مهمتهم فإن الإنسان لا يصل إلى العيادة المولجة بطبّ الأبدان أو بطبّ النفوس.

إنّ هذا المسار التربوي السليم يحتاج توجيه العناية إلى فريقين هما:

۱- المعنيون بالعملية التربوية والتعليمية؛ أي الأساتذة والمدرّسون لأنه من الصعوبة بمكان أن يؤدي المهمة من يفتقد مقوماتها، وكما قيل في الأمثال الشائعة:” فاقد الشيء لا يعطيه “.

۲- الطلبة – الشباب؛ وهم جيل المستقبل المنشود، والمعلوم أن الأمة التي تنجح بإعداد شبابها الإعداد المطلوب في إطار الحياة النفسية السويّة، والمسلك الخلقي القويم، وتحصيل العلم النافع، والخبرة الضرورية للعمل، إنما هي أمة تسير في طريق الفلاح؛ وتستطيع بناء صرح حضارتها على أسس متينة، وهكذا أمة تحقق استقلالها وتقدمها.

لقد لحظت ذلك جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ نشأتها، مما يؤكّد ذلك نصّ المادة (٦٥) من نظام الجمعية الذي ورد فيه: ” أوّل مقاصد الجمعية طائفة العلماء والطلبة باستعمال كل الوسائل لحملهم على التخلّق بالأخلاق الإسلامية، وتذكيرهم بما غفلوا عنه، وأهملوه من الأخوة الدينية والأخوة العلمية، وما تقتضيانه من واجبات  وحقوق، وحملهم على الإتحاد والتعاضد، ونبذ الشقاق والتقاطع حتى يكونوا مظهراً للفضائل الإسلامية، عاملين بالحقّ هداة به دعاة إليه، فهم من الأمة بمنزلة القلب من الجسد؛ تصلح إذا صلحوا، وتفسد إذا فسدوا “.(۳)

إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي القلب من قيادتها الشيخ الإبراهيمي حسمت خيارها في طريق الثورة والتحرير وصناعة التقدّم فاعتمدت سبيل تكوين جيل الأمة الأقوى والأرقى والأكثر أهلية لأنها وجدت ذلك أكثر جدوى، وهذا الخيار صلح ويصلح قبل الجمعية، ومع الجمعية، وبعد الجمعية، وفي أيامنا هذه وفي كلّ زمان ومكان لأن أية أمة وأمتنا في عداد الأمم لا تنهض ولا تتحقّق عزّتها وكرامتها إلاّ إذا تمكنت من إعداد شعب الأمة، لأن الثورة والتحرّر والتقدّم حركة شعب، وليست مغامرة يقوم بها أفراد.

نخلص في هذه الفقرة إلى النداء الذي كان قد وجهه الشيخ الإبراهيمي إلى المعلمين قائلاً: ” إنّ وطنكم مفتقر إلى جيل قويّ البدن، قويّ الروح، مستكمل الأدوات من فضائل وعزائم، وإن هذا الجيل لمنتظر تكوينه منكم.”(٤)

الشباب:  الموقع وأهمية التدين لهم:

إنّ الإمام الإبراهيمي الذي تأصّلت في أفهامه أسس بناء الشخصية الصحيحة السويّة على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأمة، والذي درس تجارب الشعوب وتاريخها، والذي عاش واقع الجزائر والأمة العربية والعالم الإسلامي تحت نير الإستعمار والأطماع بفلسطين وسائر ما للأمة ديناً وأرضاً وثروات، وعرف كلّ التحديات لفت إلى أنّ الشباب هم من تقع عليهم مهمة جبه التحديات، وردع العدوان. وعنده :” الشباب في كلّ أمة هم الدم الجديد الضامن لحياتها واستمرار وجودها، وهم الإمتداد الصحيح لتاريخها، وهم الورثة الحافظون لمآثرها، وهم المصححون لأغلاطها وأوضاعها المنحرفة، وهم الحاملون لخصائصها إلى من بعدهم من الأجيال.”(٥)

هذا الشباب الذي تقع على كاهله المهمات الجسام تجاه الدين والأمة والتراث والتاريخ والحاضر والمستقبل إنما يعاني ما يعانيه لأسباب وعوامل كانت في أخطاء في أصل تربيته، وقد ارتكب الأخطاء البيت والمدرسة والمجتمع، وأبرز هذه الأخطاء، وأشدّها فتكاً بالشباب هي إهمال العامل الديني في تكوين الشباب، والمعلوم أنّ الدين هو الأساس المكين لشخصية متزنة، وهو العاصم من الخلل والرذائل والمفاسد. قال الإبراهيمي في أسباب ضعف الشباب:إنّ ” الكثير من هؤلاء الشباب لم ينشأ دينياً، لا في البيت الذي هو أوّل مدرسة في حياته، ولا في المدرسة التي هي آلة التقويم الخلقي لتلامذتها، ولا في المجتمع”.(٦)

والإمام الإبراهيمي وهو المربي الذي اعتمد التربية منهجاً وسبيلاً لتنشئة جيل من الشباب يصنع المستقبل الأفضل لأمته وجّه هذا الشباب إلى الإيمان والعمل والعلم والتمسك باللغة العربية والتراث، أي بالهوية الثقافية القومية للأمة، يضاف إلى ذلك أن يعملوا بكلّ ثقة بالنفس أسوة بالشباب في الأمم، أو من خلال ما كان في تاريخ الأمم، عندها يفوز الشباب بالثواب الأخروي وحسن المآب، وتنتصر بهم أمتهم.

قال الإبراهيمي منادياً الشباب:” يا شباب الإسلام وصيتي إليكم أن تتصلوا بالله تديناً، وبنبيكم اتباعاً، وبالإسلام عملاً، وبتاريخ أجدادكم إطلاعاً، وبآداب دينكم تخلقاً، وبآداب لغتكم إستعمالاً، وبإخوانكم في الإسلام ولدّاتكم في الشبيبة إعتناءً واهتماماً، فإن فعلتم حزتم من الحياة الحظّ الجليل، ومن ثواب الله الأجر الجزيل”.(٧)

إنّ المستعمر الفرنسي للجزائر، وقد مضى على اغتصابه البلد أكثر من قرن من الزمن افتتح المدارس والمعاهد، ولكن مدارسه ومعاهده تعمد لضرب العربية تمهيداً لضرب الهوية، ونسخ الإنتماء القومي، وتنشر المفاهيم التربوية التي تعزّز المادية في النفوس، وبذلك تقضي على القيم والمثل والفضائل، فالتربية المطلوبة للشباب هي تلك التي تكون في مدارس ومعاهد عربية إسلامية تصقل الروح، وتهذّب السلوك إضافة إلى تأمين المعارف اللازمة لكل مرحلة من مراحل العمر أو الدراسة.

ويرى الإبراهيمي المصلح الثائر  بأن السبيل ” القويم الذي يؤدي إلى حفظ الجيل الجديد من هذه الشرور المتوارثة، وإلى توثيق عرى التوافق بين أفراده، وإلى توحيد أفكاره ومشاربه واتجاهاته، وإلى تصحيح فهمه للحياة، وتسديد نظرته إليها، وتشديد عزيمته في طلبها، هو المدرسة العربية التي تصقل الفكر والعقل واللسان وتسيطر عليها، وتوجيه الناشئ إلى الإسلام والعرب، وإلى الشرف والروحانية”.(٨)

إن العوامل الناهضة بالشباب، والتي تقود الأمة إلى مستوى أفضل بفضل حكمة شيوخها وعزيمة شبابها يمكن تحديدها حسب الإبراهيمي بما يلي:

۱- الإيمان مع الوعي، والذي يصدّقه العمل.

۲- التشبث بالهوية القومية العربية وبالوطنية الجزائرية.

۳- أن يكون واضحاً عند كلّ شاب جواب على سؤال: من أنا؟ لأن ضياع الهوية الدينية والقومية والوطنية يجعل المسار خبط عشواء، ويؤدي إلى العبث والفوضى والضياع.

٤- التزام خطّ القيم التي تتوازن فيها الروح والمادة، والكميات مع الإجتماعيات، أي القيم الإنسانية لأن الأخذ بالفكر الوافد القائم على الماديات هو الذي يجنح بالشباب إلى موقع خارج حدود الأمة.

٥- اعتماد المنهج الوحدوي بعيداً من الفرقة والإنقسام لأن أعداء أمتنا في كلّ عصر ومصر اعتمدوا سياسة :”فرّق تسد”؛ وشبابنا واجبه اعتماد القاعدة القرآنية:” إنما المؤمنون أخوة”.

بعد هذه الأسس اللازمة للنهوض بالأمة استناداً إلى عزائم الشباب رمز العنفوان، ونبع العطاء يوجّه الإبراهيمي إلى ضرورة امتلاك القوة تلك القوة التي توظّف في دفع العدوان، وردع الظلم، وحراسة الحقّ وقد أصّل النص القرآني لهذا من خلال الخطاب الإلهي ليحيى عليه السلام. ونصّ الآية القرآنية الكريمة :” يا يحيى خذِ الكتاب بقوةٍ وآتيناه الحكم صبياً”.

إنّ الأمر الرباني ليحيى لم يكن بأن يحمل الكتاب والدعوة إلى الله تعالى فقط، وإنما أن يقترن ذلك بامتلاك القوة لأنها ضرورة لفتح الطريق أمام الدعوة والعدل ونشر قيم الخير على هدي الدين الحنيف، ولا يفيد ضعف أو خواء في هذه الحال.

لقد استفاد الإبراهيمي من هذا التوجيه فأكّد عليه عندما خاطب الشباب المسلم قائلاً :” والشباب المحمدي أحقّ شباب الأمم بالسبق إلى الحياة والأخذ بأسباب القوة”.(٩)

إن تحصيل القوة في قوة الإيمان، وبعده تحصيل العلم النافع الذي يجعل للشابّ دوراً في حركة وطنه وأمته باتجاه الأهداف العليا هذا مع التحصّن بالأخلاق القويمة، وهنا يأتي دور المدرسة أوّلاً لذلك اعتمدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذه الطريق فما إن وصل العام ۱٩٥٥ ورغم تضييق المستعمر  وإجراءاته التعسفية حتى وجدنا لدى الجمعية أكثر من ٤۰۰مدرسة ينتظم فيها أكثر من ٧٥ ألف طالب هذا غير النوادي والوعظ. إنّ هذه الحقيقة تبيّن لنا موقع الشباب في دائرة اهتمامات الإبراهيمي ومعه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهذا منهج لا يزال يحافظ على جدواه لو اعتمد حتى يومنا هذا وإلى أيام مقبلة.

المعلمون والشباب في فكر الإبراهيمي وتوجيهاته:

وجّه الحديث النبوي الشريف إلى دور الأبوين والأستاذين في إعداد الناشئة فإنهم الأساس في صلاحهم أو فسادهم، وفي حفظ فطرة التدين في شخصيتهم او تحويلها إلى غير ما كانت عليه. ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه”.

وإذا اعتبرنا أن الأهل في قطاع واسع منهم لا يملكون القدرة الكافية لممارسة التوجيه والتربية بفعل الأمية أو ضعف الثقافة، أو الإنشغال عن الواجب التربوي بتحصيل مستلزمات الحياة المادية، فإن دور المعلمين يصبح حجر الرحى، والأساس الرئيس في إعداد الجيل، ولا يستطيع المعلمون أن ينجزوا هذه المهمة ما لم يتحلّوا بروح الجديّة والمسؤولية،وبالقدرة على الإنضباط، والسعي للتحصيل وتطوير المفاهيم والقدرات الذاتية فكلما رقوا ترقّى الجيل بفضل جهودهم وعطاءاتهم، وهم تحت نظر طلابهم الذين يستمدّون منهم بالقدوة أكثر مما يأخذون بالتلقين.

قال الإبراهيمي للمعلمين :” ثمّ احرصوا على أن يكون ما تلقنونه لتلامذتكم من الأقوال، منطبقاً على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال، فإن الناشئ الصغير مرهف الحسّ،…….. فإذا زينتم له الصدق فكونوا صادقين، وإذا حسّنتم له الصبر فكونوا من الصابرين،……… ألا إنّ رأس مال التلميذ هو ما يأخذه عنكم من الأخلاق الصالحة بالقدوة، وأما ما يأخذه عنكم بالتلقين من العلم والمعرفة فهو ربح وفائدة”.(۱۰)

إنّ هذه اللفتة من الإبراهيمي يحتاجها المربون في كلّ مرحلة لأن الواجب تقديم التربية بالقدوة الصالحة على ضخّ المعلومات وفروع المعرفة، لأن التلقين وبعده حفظ المعلومات أمر سهل ومتيسّر، والأهم منه أن يستميل المعلم تلامذته، وأن يحبّوه فيشكل لهم القدوة مضافاً إلى ذلك أن واجبه مراقبة نفسه، وأن يسأل نفسه في كلّ مرة: هل يصلح ما أمارسه ليكون منهجاً لإعداد الجيل؟

قال الله تعالى: ” أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.”

وقال الشاعر: ” لا تنه عن خلق وتأتي مثله.”

وهذا ما وجّه إليه الإبراهيمي بأن المعلم قدوة ونموذج قائلاً: ” إنّ المعلم لا يستطيع أن يربّي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان هو فاضلاً…… ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان هو صالحاً، لأنهم يأخذون منه بالقدوة أكثر مما يأخذون منه بالتلقين.”(۱۱)

إنّ اهتمام الإبراهيمي بهذا الجانب إنما أراد به أن يقدّم التربية على التعليم، والأخلاق على سائر المكتسبات، لأن العلوم والمهن والصنائع يمكن للإنسان أن يحصّلها في أية مرحلة من مراحل العمر أما الخلق والدين والسلوك القويم فإن لم تربَّ عليها الشخصية منذ الطفولة ونعومة الأظفار فإن اكتسابها أو التعود عليها في سنٍ متقدمة أمر صعب وغير ممكن.

لذلك وجّه الإبراهيمي المعلمين كي يعدّوا الشباب على أسس الفضيلة ومحاسن الأخلاق لأن العلم وحده لا يحقّق هذه الغاية.

لقد توجّه إلى المعلمين مخاطباً: ” إن العلم لم ينهَ مفسداً عن الإفساد، ولم يزعْ مجرماً عن الإجرام، ولم يُمِتْ في نفوس الأقوياء غرائز العدوان والبغي على الضعفاء، بل ما زاد المتحررين من الفضيلة إلاّ ضراوة بالشرّ، وتفنناً في الإثم فاجعلوا الفضيلة رأس مال نفوس تلامذتكم واجعلوا العلم ربحاً.”(۱۲)

وإذا كان الشباب هو المستهدف لأن أعداء الأمة يرون فيه صانع التحرير والمستقبل لذلك يمطرونه بوابل من المفاسد والتحديات،  وينشرون أمامه المغريات، ويفتنونه بالرذائل.

وإذا كان بعض المنبهرين بالوافد المسموم من بلاد الغرب وأمريكا والإستعمار يتصرّف في نقل مفاهيم وافده للشباب دون دراية منه فإن الإبراهيمي يدعو المعلمين إلى قاعدة هي أن يخالفوا ويعاكسوا كلّ ما يقوم به المستعمر. ويقول للمعلمين إذا أرادوا الإصلاح، ما يلي:

” إن أردتم أن تعرفوا الطريقة المثلى لخدمة أمتكم، وتتبيّنوا الطريق القاصد، فانظروا إلى الإستعمار، واعرفوا الطرق التي سلكها لقتل أمتكم فأسلكوا ضدّها لإحيائها. وادرسوا الوسائل التي تذرّع بها لاستعباد أمتكم فاستخرجوا منها وسائل تحريرها.”(۱۳)

إن ثغور الأمة كثيرة ومتعددة، وكل مجاهد يقف على ثغرة واجبه أن يرابط ويصبر ويثابر كي يقوم بواجبه على أتمّ الوجوه لكن الثغور الأهم هم الشباب لأن اعدادهم يوفّر للأمة جيلاً مقتدراً يردّ كيد الأعداء وأطماعهم، وبذلك يكون دور المعلمين معدّي الشباب والجيل في رأس قائمة الأدوار الجهادية في حماية ثغور الأمة. والشباب هم البناء الحصين والمعلمون هم بناته ودعائمه.

قال الإبراهيمي في المعلمين: إنهم ” دعائم هذا البناء التي تمسكه أن يزول، وتصونه أن يختلّ أو يحول، فهم أشبال الغاب، وحماة الثغور، عمّار المدارس، وسقاة المغارس، مربو الجيل وأئمته، المعلمون المستحقّون لأجر الجهاد…….. جيش الحقّ،…. وألسنة الصدق.”(۱٤)

وإذا سأل بناة الجيل، وحماة ثغور الشباب عن الإختراقات المعادية، والمجاهدون في بناء جيل واعد عن أسس التربية المطلوبة منهم أجابهم الشيخ المربّي بما يلي:

” ربّوهم على الرجولة وبعد الهمّة، وعلى الشجاعة والصبر، وعلى الإنصاف والإيثار، وعلى البساطة واليسر، وعلى العفّة والأمانة، وعلى المروءة والوقار، وعلى الإستقلال والإعتداد بالنفس، وعلى العزّة والكرامة، وعلى التحابب والتسامح، وعلى حبّ الدين والعلم والوطن والوالدين والمعلم.” (۱٥)

إنّ هذا النصّ التوجيهي يحوي قواعد ومقومات نافعة في عالم إعداد الشباب، وتنشئتهم النشأة المرضية، ويمكن استخلاص القواعد التالية منه:

۱- يدعو الإبراهيمي المعلمين إلى تربية الناشئة على القدرة على تحمّل المسؤولية، لأن الرجولة ما هي إلا هذا الأمر، وهي مع ذلك جدية، وجدارة على حمل التبعات، والتصرف بروح مسؤولة فالرجولة تكليف لا تشريف.

۲- يبرز الإبراهيمي أهمية الشجاعة والجرأة لأن الجبان متردد مرتبك قلق لا يقوى على اتخاذ قرار، ولا على البناء وصنع التقدم، وليس عنده استعداد للتضحة، وهذا شأن مهم نبّه إليه الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه قال:” خضت نيفاً ومائة معركة، ولم بيقَ في جسمي موضع إلا وفيه ضربة من سيف، أو طعنة من رمح، أو رمية من سهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي، فلا نامت أعين الجبناء.”

وحري بنا في هذه الأيام الصعبة من تاريخ الأمة أن نركّز على أهمية الشجاعة في إعداد أبنائنا الشباب، ويفيد هنا أن نذكر هذا البيت من الشعر للمتنبّي الذي يقول:

يـحـاذرنـي حـتـفـي كـأنـيَّ حـتـفـه                 وتنـكـزنـي الأفـعـى فـيقتـلهـا سُـمـي

۳- ويطرح الإبراهيمي أن يربّى الشباب والجيل على التزام ” الإنصاف “؛ أي العدل، ولا يخفى على أحد أهمية ذلك فمن قام بنيان شخصيته على العدل والإنصاف يمارس ذلك مع سواه، وفي الوقت نفسه فإنه يقاوم كل ظالم مستبد. والعدل أساس مكين في حياة الأمم. والعرب قالت في حكمها: ” العدل إن دام عمّر، والظلم إن دام دمّر.”

والحرية في منهج حياة الفرد تقاوم الإحتلال والإستعمار وتفتح الباب للإبداع والعطاء، والإستسلام للإستبداد والإستعمار من أكثر الأسلحة فتكاً في الفرد والمجتمع، ومفيد هنا أن نتذكّر قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص بشأن استبداد ابن له بقبطي حيث خاطبه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.”

٤- أما خلق الإيثار فإنه يصنع التضامن، ويشدّ روابط المجتمع، ويرفع درجة الإستعداد للتضحية انطلاقاً من قوله تعالى: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.

والإيثار خلق عماده:” كلّ شيء للدين وللأمة وللمجتمع حتى لو كان على حسابي.” وهو نقيض الأثرة التي تقوم على الأنانية والجشع وعشق الذات وهذا فكر تغذية الليبرالية الغربية، والإسلام لا يقبل الأثرة ويحضّ على الإيثار.

٥- والعفّة نحتاج لها في عالم التربية حيث يمطر الغربي والأمريكي ساحتنا بضروب الفتن، وألوان الرذائل، ولا حصن كالعفّة، والترفّع فوق سوافل الأشياء. فإذا كان شباب أمريكا والغرب قد اعتمد التفريط بالقيم، والتحلل من كلّ قيد أخلاقي فإننا نفاخر بجيل نربيه على العفّة ومحاسن الأخلاق.

٦- والأمانة ضرورة لتوليد الثقة بين أبناء الأمة كما أنها تعلو بالهمم باتجاه الشعور بالمسؤولية، وحملها بكل جدارة وإذا اقترنت بالقوة وهو مطلب للشباب سبق ذكره تصل بنا إلى ركني القيادة الناجحة المطلوبة، والتي وردت في الآية الكريمة: “إن خير من استأجرت القويّ الأمين”.

٧- ” الإعتداد بالنفس والعزّة والكرامة”؛ مفردات تحتاجها التربية أسساً للإعداد لجيل يصنع الإستقلال ويحرّر الأرض والمقدسات هذا في عصر الإبراهيمي كما هو الحال في أيامنا هذه لأن من كان في شخصيته مثل هذه المقومات فإنه لن يتهاون أو يتخاذل وهو الملتزم دين الله تعالى الذي أبلغه في الآية الكريمة: ” ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين “.

٨- والحبّ والسماحة ركنان في الإسلام دين الرحمة، فالمحبة تشدّ وثاق المجتمع وتعمم قاعدة التآخي في الله تعالى، والسماحة هي ما أصّل إليه الإسلام قرآناً وسنّةً لجهة قبول الآخر المسلم والآخر الإنسان والآخر من أي معتقدٍ شرط أن لا يتعدّى على دين المسلمين أو أوطانهم وحقوقهم. قال الله تعالى: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين “.

٩- أما الحبّ فإنه أساس في العملية التربوية وفي استجابة الشباب الذي يحبّ والديه وأساتذته لتوجيههم، فالقاعدة المأثورة تقول:” المرء يطيع من يحبّ”.

وحبّ الله تعالى وحبّ رسوله وحبّ الدين والوطن والعلم يولّد في المرء استعداداً للتضحية إذا ما حصل اعتداء على الدين أو الوطن، وحبّ العلم يولّد القدرة على المثابرة والصبر في طلبه وتحصيله، وكل هذه مقومات ضرورية للشباب الذي نريده، والذي كان يعمل لإعداده الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو مطلب كلّ غيّور في الأمة.

الإبراهيمي وإعداد جيل الشباب:

إن الشباب هم الرأسمال البشري صاحب الدور المتميّز في الأمة، والشباب يحتاج لإعداد خاص يؤهلهم باتجاه ما تنتظره أمتهم منهم، وهذا يتطلّب التهذيب الأخلاقي، والتزود بالعلوم، والتمرين على دور نافع في مسار الأمة الحضاري. والأمة التي تهمل شبابها تكون قد فرّطت بالعناصر الأولى بالعناية، وهذا يهدّد مستقبلها.

لقد وجّه الإبراهيمي إلى هذا قائلاً: ” إن الأمة الرشيدة هي التي تحرس شبانها في طور الشباب من الآفات التي تصاحب هذا الطور، طور له ما بعده من زيغ واستقامة، وتحافظ على أهوائهم أن تتجه اتجاهاً غير محمود؛ وتحافظ على عقولهم أن تعلّق بها الخيالات، فتنشأ عليها، ويعسر أو يتعذّر رجوعهم عنها، وتحافظ على ميولهم وعواطفهم أن تطغى عليها الغرائز الحيوانية، لأن هذا الطور هو طور تنبهها ويقظتها.”(۱٦)

إنها قراءة موضوعية لمرحلة الشباب واستعداداته تحتاج العناية الكافية كي يصل الشابّ إلى برّ الأمان.

وشبابنا في تصارع الأنواء، وهياج عواصف المغريات يحتاج أوّل ما يحتاج إلى الإلتزام الديني، والإلتزام القومي العربي الذي يعني الإلتزام بالقيم الناظمة للمسار الحضاري للأمة فهذا هو العامل الحاسم في تكوين شخصية الشاب المحصّن ضدّ ما ينشره الأعداء والخصوم من مفاسد تبعث نوازع المادة على حساب القيم والضوابط والفضائل.

وينبّه الإبراهيمي إلى هذا في قوله: ” إذا أحبّ الشباب دينه وفضائل دينه، ولغته وأسرار لغته أحبّ العرب جميعاً، وأصبح في نفسه دافع إلى الإجتماع بإخوانه في الدين والعروبة.”(۱٧)

إن التوجيهات الآنفة الذكر بشأن الشباب تتحقّق بالتربية التي تتدرّج في إعطاء التلامذة الجرعات التي ترتقي بالطلاب ليكون شباب اليوم المستقيم، ورجال الغد المأمول.

بناء على ذلك اعتنى الإبراهيمي بالمناهج والمقررات في هيكلية التعليم العربي في الجزائر الذي يقاوم مفاعيل التعليم الإستعماري لأنه لكل منهج فلسفته ومنطلقاته، وما يكون من المناهج في الدورة الحضارية الإسلامية والعربية هو حكماً غير تلك التي تكون في الدورة الحضارية الغربية لذلك يكون الإستيراد خطيراً كما أن التسليم بقيم التربية غير النابعة من هُويّة الأمة خطر داهم هذا بالإضافة إلى الخطر الذي يتولّد عن الإنبهار بما عند غيرنا لأن استيراد منتجات التقنية والآلات مع الإنفتاح على تجارب الشعوب أمر مقبول، أما تسليم أجيالنا لمناهج تربوية غير أصيلة يتهدد شبابنا وأجيالنا.

إنّ المرحلة الأولى من التعليم عند الإبراهيمي تستغرق ستّ سنوات، ومن تجاوز المرحلة الإبتدائية هذه “يصبح صحيح التأدية للقراءة، طيّع اليد والقلم بالكتابة، محصلاً لمبادئ الدين الإسلامي علماً وعملاً، ولمبادئ التاريخ الإسلامي الذي هو جزء من الدين، وأوّل تلك المبادئ السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وذوي الآثار الخالدة من الصحابة والتابعين…….. فإن انقطع عن التعليم استطاع، بمعونة حظّه من العربية أن يبلغ ما شاء بالدراسة والمطالعة، لأنه يقرأ قراءة صحيحة، ويفهم فهماً صحيحاً، وخرج على الحالين برأس مال عظيم من دينه وفضائل دينه، وقوميته ولغته وتاريخه. ونتيجة هذا أن يكون عضواً حقيقياً من أمته، صالحاً للحياة بها ومعها .”(۱٨)

ويكمل الإبراهيمي فيقول: إنّ ” مراحل التعليم الإبتدائي هي-بالأصول-مراحل التكوين الأولى للناشئة وعلى أساسها يُبْنى مستقبلها في الحياة، فإن كان هذا التكوين صالحاً كانوا صالحين لأمتهم ولأنفسهم. وإن كان ناقصاً مختلاً زائفاً بنيت حياة الجيل كلّه على فساد، وساءت آثاره في الأمة.”

إنّ مناهج التعليم الإبتدائي كما حدّدها الإبراهيمي تشكّل ثوابت لا غنى عنها في تكوين شخصية الشاب الجزائري والعربي عموماً كي يتأهل بعدها لاستكمال مراحل الدراسة، أو كي يخرج إلى الحياة وإلى سوق العمل، ومع العمل يستطيع بناء لهذا الزّاد الذي تناوله في وجبة التعليم الإبتدائي يستطيع أن يواصل تحصيل المعارف بواسطة المطالعة، وتمحيص الكتب كي يرتفع بنيان علومه لبنة بعد أخرى.

والمرحلة التأسيسية يتوزّع فيها التحصيل فيما يلي:

۱- إتقان العربية قراءة وكتابة.

۲- مبادئ الدين الإسلامي وأساساته التي لا تتقوّم الشخصية إلاّ بها.

۳- الإطّلاع على السيرة النبوية الشريفة وسيرة الصحابة والسلف فذلك يشكّل موطن نظام القدوة الحسنة التربوي للناشئة.

٤- تحصيل العلم بالتاريخ العربي- الإسلامي ففيه العبر والدروس ويحمل التراث، وينقل الخبرات إلى الأجيال ويحقّق التواصل، وكما قيل: التاريخ ذاكرة الأمم والشعوب.

٥- ما سبق ذكره من العلوم يثبّت الإنتماء، ويربط الشباب مع هويته ويؤصّل تكوينه ديناً وقومية ووطنية، وهذا هو منطلق جمعية العلماء الذي حدّدته بالإسلام والعروبة والوطنية الجزائرية.

والشباب يحتاج مؤسسات الرعاية، ومواضع إبراز المواهب، وعند هذا لا يلبّي المسجد بمفرده هذه الحاجة رغم أفضلية موقعه في فرائض المسلم، وارتباطه بالإسلام. فالمعلوم أن الشباب لهم هوايات وعواطف وانفعالات، وأوقات فراغ، وحاجات للتسلية وصرف الطاقات لهذا عملت الجمعية وفي قلبها الإبراهيمي على تأسيس الأندية، فكما المسجد حاجة مسيسة للشيوخ وكبار السنّ، والحضانات والمدارس حاجة للأطفال والفتيان فإن الأندية حصن حصين للشباب إن قامت على التقوى، وسادتها القيم السامية، والأنماط الأخلاقية الفاضلة هذا مع توفير ما يطلبه الشباب.

قال الإبراهيمي عن الأندية الشبابية: ” أنشأت الجمعية في مدّة قصيرة عشرات النوادي في المدن والقرى، ودعت إليها الشبان فاستجابوا وأقبلوا عليها لأنها أقرب إلى أمزجتهم، ولأن فيها شيئاً من التسلية والمرح، ولأن فيها قليلاً من جو المقهى…. وفي ظلّ الجواذب التقت الجمعية بالشبّان وقامت بحقّ الله فيهم فنظّمت لهم فيها محاضرات تهذّب بها أخلاقهم، وتعرّفهم بأنفسهم وقيمتهم ومنزلتهم في الأمة وتجمع قوّتهم، ودروساً تعلمهم بها دينهم ولغتهم وتاريخهم، فكان لمشروع النوادي آثار في الشبان تساوي آثار المدرسة في الأطفال، وتفوق آثار المساجد في الشيوخ والكهول.”(۲۰)

إنّ نوادي جمعية العلماء التي يشير إليها الإبراهيمي تشكّل ضرورة تربوية، وفقدانها أو عدم وجودها سيخلف مشكلة، والمتفحّص لشوارع المدن في الوطن العربي وسواه يعرف أهمية ما قرّرته جمعية العلماء حيث نجد مقاهي شبكة المعلومات الدولية، وأماكن تسلية أخرى تعجّ بالمفاسد وبعوامل الإنحدار والإنحراف، ولو أقامت الحكومات والمؤسسات الأهلية أندية كما فعلت جمعية العلماء لكانت أدّت للشباب حقوقه، وعصمته من الزّلل والإنحرافات التي تدفع الأوطان والأسر الثمن غالياً عندما يجنح الأحداث أو الشباب.

ولكن الإبراهيمي يكمل توجيهاته الحكيمة للشباب حين يدعوهم إلى الوسطية والإعتدال والإبتعاد عن الغلو ونجده يوجّههم إلى تخصيص قدر من الوقت لكل نشاط بدني أو فكري بعد إتمام الواجبات المناطة بالفرد. ويقول للشباب: ” لا تقطعوا الفاضل من أوقاتكم في ذرع الأزقّة إلا بمقدار ما تستعيدون به النشاط البدني، ولا في الجلوس في المقاهي إلا بقدر ما تدفعون به الملل والركود, ولا في قراءة الجرائد إلا بقدر ما تطّلعون به على الحوادث الكبرى، …. خذوا من كل ذلك بمقدار، ووفّروا الوقت كلّه للدرس النافع والمطالعة المثمرة.”(۲۱)

إنّ حاجات الشباب متنوعة خارج إطار العمل أو الدراسة ولا بأس أن يخفّف الشاب عن نفسه، ويروّح في وقت بعد آخر، وضمن الحدود المقبولة، وقد أرشد إلى ذلك الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه: ” روّحوا عن النفس ساعة فساعة.”

والإبراهيمي الذي آمن بضرورة السعي لتحصيل المعارف عمل بشكل مستمر التزاماً بالحديث النبوي الشريف: ” أطلب العلم من المهد إلى اللحد “. وهذا التحصيل لا يكون في قاعات المدارس والمعاهد والجامعات، وإنما له مصدر آخر أولى بالإعتماد من قبل الشباب، هذا المصدر هو المطالعة.

ويشخّص الإبراهيمي الداء ويصف العلاج فيقول: ” إنّ شبابنا المتعلّم كسول عن المطالعة، والمطالعة نصف العلم أو ثلثاه، فأوصيكم يا شباب الخير بإدمان المطالعة والإكباب عليها، ولتكن مطالعتكم بالنظام حرصاً على الوقت أن يضيع في غير طائل. وإذا كنتم تريدون الكمال فهذه إحدى سبل الكمال.”(۲۲)

تأسيساً على ما تقدّم نخلص إلى أن الإبراهيمي يحدّد القواعد لإعداد الجيل بما يلي:

۱- الإعداد السليم من جهة الإلتزام الديني.

۲- المناهج التعليمية التي تسهم في تكوين شخصية الناشئة مع التحصين من الزيغ والأهواء والمغريات.

۳- توفير الرعاية الدائمة للشباب بعد الخروج إلى سوق العمل أو قبله، وهذا يحتاج إلى المرافق العامة التي توفّر له فرص الترويح عن النفس، وقضاء أوقات الفراغ بما هو مفيد، وبما يبعده عن شواطئ الخطر، ومنزلقات الفساد.

٤- تنمية المواهب والمعارف بالمطالعة، ومتابعة البحث لأن التحصيل، والإكتساب من الأمور التي يحتاجها الفرد من المهد إلى اللحد.

٥- تفعيل العمل المؤسسي الأهلي كي توظّف من خلاله الطاقات المتطوعة من أجل الصالح العام، وفي رحابه يتمّ صقل شخصية الفرد، وتتم رعاية مواهبه، وتنمية ملكاته كي تتفتح له سبيل الإبداع والعطاء دون حوجز أو معوّقات.

خاتمة:

إن مرور أربعين عاماً على وفاة ورحيل الإمام محمد البشير الإبراهيمي لم يجعل أفكاره ومواقفه وخططه معطّلة بل لا زالت لها حضورها في واقع اليوم خاصة موضوع إعداد الشباب على أساس الإسلام والعروبة والوطنية، أي على أسس الإنتماء السليم الذي يدمج الناشئة بمجتمعاتهم، ويجعلهم في إطار مسارها الحضاري، وإلا ستهوي بهم المفاهيم وأنماط السلوك المستورد من أمريكا والغرب في مهاوي الرذيلة، وتجعلهم مغتربين، وهم بين ظهراني أمتهم.

وإذا انتقلنا إلى تفحّص وتمحيص واقع الأمة العربية والعالم الإسلامي فإننا نجد حشداً من التحديات منها العدوان والإحتلال، ومنها المفتريات والتّهم، ومنها السلب وضرب القيم الناظمة لمجتمعنا، ومنها الضغوطات تحت شعار الإصلاح ومقاومة الإرهاب، وحشر الحكام في الزاوية ليقبلوا ما يصدّرونه إلى مجتمعنا من وسائل وأفكار الهدم والتخريب.

وعند المراجعة نجد أنهم يتوجّهون بشكل أساسي إلى تخريب فئتين في المجتمع هما: المرأة والشباب. المرأة لأنها الأمّ ومربية الأجيال فإن أفسدوها إفسدوا الجيل. والشباب لأنهم المستقبل.

إنّ معرفة هذه الحقيقة يقودنا إلى التركيز على الإعتناء بالإنسان وبالشباب خصوصاً لأن الرأسمال البشري هو الأهم والأولى من أجل صناعة التحرير والإستقلال والتقدّم.

وإذا كان الجميع في أمتنا مهتمٌّ هذه الأيام بالتحرّر والتقدّم فإن الشباب هم المحور الرئيسي في إنجاز هذه المهمات. هذا ما أدركه الإبراهيمي وأخواته يوم أسسوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهذا ما يجب على أهل الرأي، والمعنيين بالتربية وبالشباب إدراكه كي يخطّطوا ويدرسوا، ويمأسسوا العمل الأهلي، وفي رأس القائمة ما يدخل في ميدان رعاية الشباب، وإعداده الإعداد الكافي والضروري كي يصحّ على شبابنا ما ورد في قول الله تعالى: ” نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ إنهم فتيةٌ آمنوا بربّهم وزدناهم هدىً.”عندها يستطيع الشباب أن يحمل ما يُلقى على عاتقه بكلّ وعي وإيمان وقوّة وشجاعة، ويلتزم الخطاب الإلهي ليحيى عليه السلام: ” يا يحيى خذِ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً.”

إنّ عملية إعداد على هذا المستوى لشبابنا اليوم تحتاج إلى تعاون وتكامل في الأدوار بين البيت والمدرسة وبيوت العبادة والإعلام، وإلى تنسيق وتخطيط مشترك بين المؤسسات الرسمية والمؤسسات الأهلية لأنه بغياب هذا التكامل والتنسيق ستتفاوت الرؤى، وقد تتناقض المفاهيم، وتتباعد الخطى، وهذا يوقع الشباب والناشئة في حالة ارباك وتناقض وقلق.

إنّ التربية من أكثر المهمات دقّة وتحتاج إلى جهود كبيرة عمادها الحكمة والرشاد.

 

المراجع:

* أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي- بيروت مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عضو لجنة القدس وفلسطين في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة عضو المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس.

۱- الإبراهيمي، الشيخ محمد البشير، آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج۱، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط۱، سنة ۱٩٧٨، ص٨،٩.

۲- الإبراهيمي، م.س.، ص ۳٥٦.

۳- الإبراهيمي، الإمام محمد البشير، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج۱، جمع وتقديم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط۱، سنة ۱٩٩٧، ص ۸٤.

٤- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج٤، م.س.، ص۲۰٤.

٥- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج٤، م.س.، ص۱۲۰.

٦- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج٤، م.س.، ص۳۰۰.

٧- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج٤، م.س.، ص۱۲۱.

٨- الإبراهيمي، الشيخ محمد البشير، من آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-عيون البصائر، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر، سنة ۱٩٧۱،ص۳۰۲.

٩- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج٤، م.س.، ص۱۲۱.

۱۰الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير-عيون البصائر، م.س.، ص ۲٩۱.

۱۱- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج۲،م.س.،ص۱۱۳.

۱۲- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج۲،م.س.،ص۱۱۱.

۱۳- الإبراهيمي، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج۲،م.س.،ص۱۱٦.

۱٤- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير-عيون البصائر، م.س.، ص۲۸٧.

۱٥- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۲، م.س.، ص۱۱٥.

۱٦- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۳، م.س.، ص۲٩٤.

۱٧- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج٥، م.س.، ص۳۰۱

۱۸- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۲، م.س.، ص۱۰٩.

۱٩- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۲، م.س.، ص۱۰٩.

۲۰- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج٤، م.س.، ص۱٧۳،۱٧٤.

۲۱- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۳، م.س.، ص۲۰۳.

22- الإبراهيمي، آثار الشيخ محمد البشير، ج۱، م.س.، ص۸۲.

آخر التغريدات: