العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : الفيلسوف القائد

العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : الفيلسوف القائد

في هذا اليوم،أفَلَ نجم من نجوم الجزائر أضاء بنوره الساطع مدنها وقراها، جبالها وسهولها، ما يزيد على نصف قرن من الزمان! في مثل هذا اليوم، توقَّفَ قلبٌ كبيرٌ قضَى العمرَ نابضًا بالإيمان الراسخ، والحب الصادق،والإرادة الجريئة!

في مثل هذا اليوم، سكت لسانٌ كان يصدع بالحق، ويدعو إلى الهدى، ويدمغ الباطل،ويصارع الظلم والظالمين، ويستنهض الهمم إلى المعالي والمكارم, ويَتغنَّى بأمجاد الأمة في ماضيها،لتَتَّخِذَ منها طاقة تدفعها إلى تحقيق آمالها في حاضرها ومستقبلها،رغم اضطهاد الطغاة المستعمرين، وتضليل الماكرين، وخيانة العملاءَ المأجورين!

 

في مثل هذا اليوم، شيَّعت الجزائرُ العربيةُ المسلمة، في موكب شعبي منقطعِ النظير، بطَلاً من أبطالها البارزين, الذين آمنوا وجاهدوا لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا وكلمة الذين ظلموا السفلى.. ذلكم هو سماحة الأستاذ الإمام محمد البشير الإبراهيمي،طيب الله ثراه، ورضي عنه في الخالدين!

وها هي الجزائر اليوم تحيي ذكرى وفاة هذا الإمام الرائد،لا لنضيف إلى شخصيته منقبةً من المناقب نُسيت، أو ننشُرَ صفحة من تاريخه الحافل طُوِيت, فالبشير الإبراهيمي قد سجل بجهاده البطولي، وعبقريته الفذة، وبآثاره الخالدة، ما يجعلُه في غِنًى عن أَيِّ تنويه أو تمجيد، ولكننا نحتفي بذكراه أداءً لحق واجب، وطلَبًا للأسوة، والتماسًا للعظة، ووفاءً لجهاده الطويل الشاق في سبيل الجزائر والعروبة والإسلام.

قائد مصلح:

فالبشير الإبراهيمي قائد من قادة الثورة الإصلاحية السلفية، التي نادى بها جمالُ الدين الأفغاني ومحمد عبدُه، وسار على نهجها،مِن بعْدِهِمَا, محمد رشيد رضا في المشرق, وعبدُ الحميد بن باديس في المغرب, إيمانا منهم بأن الإصلاح الديني القائم على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الأساس المتين للإصلاح الاجتماعي والسياسي الفعال،كما أكد ذلك الإمام الشيخ مبارك الميلي- رحمه الله- في مقال ٍ له نُشِر في الشهاب ص 732 سنة 1354هـ الموافق لــ 1934- 1936 نقلا عن العدد العاشر من جريدة” المنتقد “حيث يقول: «مَنْ حَاوَلَ إصلاَحَ أمَّةٍ إسلاميةٍ بغيرِ دينِهَا فَقَد عَرَّضَ وَحْدَتَهَا للانِحَلالِ،وجِسْمَهَا للتَلَاشِي، وصَارَ هَادِمًا لعَرْشِهَا بِنِيَةِ تَشْييدِهِ,  ومَنْ أعْرَضَ عن اللغة العربية, فقد أعرضَ  عن ذِكرِ  ربه , ومن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ ربه يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدَا».

إمامٌ في اللغة:

والبشير الإبراهيمي إمامٌ في العربية وبلاغتها،تَفقَّهَ في أسرارها،وتَغذَّى بآدابها،واستنار بقرآنها،حتى أقام لنفسه منها مدرسة تشهد بأن لغة العرب ما تزال،كما كانت في عصورها الذهبية ،صالحة لأن تكون لغة العلم, والفن, والجمال, كما شهد بذلك وأكده الأستاذ الفيلسوف منصور فهمي, وَفْقًا لما جاء في الصفحة الثامنة من آثار الإمام الإبراهيمي رحمه الله, حيث قال، بعد سماعه لمحاضرةٍ للإمام الإبراهيمي فَبهرته، «إن هذا المنبر الذي يقف فيه الشيخ ساحةٌ مقدسةٌ،ينبغي أن يدخلها الناسُ كما يدخلون الحرم»،و أضاف قائلا:« إنه لم يسمع ولم يرـ في حياته ـ من هو أفصحُ ولا أبلغُ من الشيخ الإبراهيمي،ودعا جميعَ العلماءَ و الأدباءَ في الوطن العربي إلى أن يُلْقوا إليه مقاليد اللغة والبيان،ثم خاطَبَ الشيخ قائلا:»أنت ملك العربية لهذا العصر،مَلَكت ناصيتَها ونَوَاصِيَّنَا».

فيلسوف تربوي :

وهو -رحمه الله- فيلسوفٌ في ميدان التربية والتعليم،يرى أن “غاية الغايات من التربية هي: توحيد النشء الجديد في أفكاره, ومشاربه, وتصحيحُ نظراته إلى الحياة،ونقلُه من ذلك المُضْطَرَبِ الفكري الضيّق الذي وَضَعَهُ فيه مجتمعُه،إلى مُضْطَرَبٍ أوسعَ منه دائرة،وأرحَبَ أفُقًا،وأصَحَّ أساسا..وتفقيهُهُ في دينه ولغته،وتعريفُه بنفسه وبمعرفة تاريخه”.

ويرى التعليم رسالة وجهادا،فيخاطب المعلمين في إحدى وصاياه الحكيمة:»ها أنتم قد تبوأتم في مدارسكم ميادينَ جهاد،فاحْرِصُواْ على أن يكون كلُّ واحد منكم بطلَ ميدان،وأوقِفُواْ أنْفُسَكُمْ لإحدى خطتين: الدِفَاِع المجيدِ أو موتِ الشهيدِ!

وَاعْلَمُواْ أنكم عاملون،فمسؤولون عن أعمالكم،فمجزيون عنها من الله ومن الأمة ومن التاريخ» .

إلى التلاميذ:

أما التلاميذ والطلاب،فيقول لهم :« إنكم،يا أبناءنا،مَنَاطُ آمالنا،ومُسْتَوْدَعُ أمانينا،نُعِدُّكُم لحمل الأمانة وهي ثقيلة،ولاستحقاق الإرث وهو ذو تبعات وتكاليف…يا أبناءنا،إن الحياة قسمان،حياةٌ علمية وحياة عملية،وإن الثانية منهما تُبْنَى على الأولى قوة وضعفا, وإنتاجا, وعمقا،وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل،حتى تكونوا أقوياء في العلم» .

خطيب مصقع:

والبشير الإبراهيمي خطيب مصقع،يهز القلوب ببيان ساحر،يعيد إلى الأذهان ما كان للخطابة العربية من مكانة وسلطان, في عهد قُسّ بن ساعدة وسحبان.

وهو محدث بارع لطيف،يغمر مجالسه بالحكمة،ويجملها بالنكتة،ويعطرها بأريج ينعش الأرواح والعقول.

ديوان العرب:

وهو ديوان لأيام العرب وآدابهم وتقاليدهم في أفراحهم وأحزانهم, في حربهم وفي سلمهم،يروي عن فهم وبصيرة،ويصدُر عن حافظة واعية،وذاكرة منجدة.

وهو شاعر فحل, في الفصيح والملحون،يذكرك بالمعري في لزومياته،وبأبي الطيب المتنبي في حكمه وأمثاله,أما أسلوبه في الكتابة؛فهو جاحظ عصره, وبديع زمانه،مما يجعله، بحق، معجزةً من معجزات الثقافة العربية الإسلامية في القرن العشرين،بشهادة المجامع العلمية والمحافل الأدبية, في المشرق وفي المغرب.

وها هو الإمام المرحوم محمد الغزالي يصف هذا الجانب منه، وجوانب أخرى من شخصيته، فيقولُ عنه، في الصفحة العاشرة بالجزء الثاني من كتاب آثار الإمام الإبراهيمي: «…وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عرَفْتُهُ، أو تعرَّفْتُ إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين…كان لكلماته دويُّ بعيد المدى،وكان تمكنه من الأدب العربي بارزا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحقُّ أن الرجل رُزقَ بيانا ساحرًا،وتأنقاً في العبارة،يذكّرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها؛ لكن هذا ليس ما ربَطَنَا به، أو شدَّنا إليه ـ على قيمته المعنوية ـ إنَّما جذبنا الرَّجُل بإيمانه العميق, وحُزنه الظاهر على حاضر المسلمين , وغيظه المتفجر ضدَّ الاستعمار، ورغبتهِ الشديدة في إيقاظ المسلمين  ليَحْمُواْ أوطانَهم ،ويستنقذوا أمجادهم،وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلامَ الجزائريين كُلِّهِم, وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي،ويقدمون المغارم سيلاً لا ينقطع حتى يُحَرِّرُواْ أرضَهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خطبته يَزْأَرُ كأنه أَسَدٌ جريح، فكان يَنتزِعُ الوجَلَ من أفئدة الهيّابين، ويُهَيِّج في نفوسهم الحميةَ لله ورسوله،فعرفتُ قيمة الأثر الذي يقول: «إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء».

في فــرنــــسا:

إن الإمام الإبراهيمي –رحمه الله- لم يقتصِرْ نشاطُهُ النهضوي العربي الإسلامي على ربوع الجزائر فقط, بل امتدت عنايتُه إلى الجالية الجزائرية خاصة, والإسلامية  عامة, في فرنسا وفي أوربا؛ فهاهو يقف خطيبًا  في حفل أقامته شعبةُ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في باريس, يوم الثلاثاء 29 جانفي 1952 بنزل العَالَمَيْنِ “Deux mondes” على شرف الوفود العربية الإسلامية في منظمة الأمم المتحدة حضَرهُ الأمين العام لجامعة الدول العربية المرحوم عبد الرحمن عزام، ووزراءُ آخرون يمثلون البلاد العربية, فقال ارتجالا فيما جاء في صفحة 466  في الجزء الثاني من كتاب  آثار الإمام الإبراهيمي: « هاهو الشرق رمى  باريس بأفلاذ كبده, يدافعون عن حِمَاهُ بالحق, ويُجادِلون عن حقه بالمنطق, وما منهم إلاّ السيفُ مَضَاءً, والسيْلُ اندفاعًا, وإن وراءَهم  لشبابًا سَينطِق يومَ يسكتون, وسيتكلم بما يُخرِسُ الاستعمارَ ويَسوءُه, وإنَّ بَعْدَ اللسان  لخطيبًا صامِتًا, هو السِنان,وإنّنا لرجال, وإنّنا لأبناء رجال, وإننا لأحفاد رجال, وإن أجدادنا دوّخوا العالَمَ, ولكن بالعدل, وسادوه ولكن بالإحسان, وإن فينا لقطراتٍ من دماء أولئك الجدود, وإن فينا لبقايا مدّخرةً سيجلّيها الله إلى حين » وقد صدق الإمام وكأنه كان ينظر  بعين الغيب, إذ كانت كلمته إرهاصًا بالثورة التحريرية المباركة التي اندلعت في الجزائر,بعد ذلك بسنتين فقط،  حيث سكت اللسان وتكلم السِنان كما قال –رحمه الله-.

الوطني الصادق:

والإمام الإبراهيمي،قبل هذا كله،وبعد هذا كله،وطني صادق الوطنية،كرس حياته لخدمة وطنه،داعيا قومه للثورة والجهاد من أجل التحرر والانعتاق.

فلنستمع إليه وهو يخاطب الجزائر قبيل ثورتها التحريرية الكبرى بشهور: « أيها الوطن الحبيب!سلام عليك يوم لقيتَ من “عقبة” وصحبه بِرًّا، فكنتَ شامخا مشمخرًّا، ويوم لقيت من “بيجو” وحزبه شرا، فسلَّمْتَ مضطرا،وأمسيت عابسا مكفهرا،وللانتقام مُسِرًّا، وسلام عليك يوم تُصبح حُرًّا، متهللا مُفْتَرًّا،معتزا بالله لا مغترا».

بل كانت كل آماني البشير في الحياة أن يعود إلى بلاده التي اغترب عنها من أجلها،وقد استعادت حريتها،ليُدْفَنَ في آخر أيامه في تربتها الزكية الحبيبة،فيقول: « خَطَّتْ الأقدارُ في صحيفتي أن أفتح عَيْنَيَّ عليك وأنت مُوثـَقة، فهل خَطَّت الأقدار أن أُغْمِضَ عيني فيك وأنتِ مُطْلقة. وكتبت الأقدارُ علىَّ أن لا أملك من تربتك شبرا، فهل تكتبُ لي أن أحوز في ثراك قبرا؟»

وهو، رحمة الله عليه،إلى هذا الهيام المتأجج بالجزائر،يرى الأوطانَ العربية والإسلامية كُلَّهَا وطَنًا له، فاهتم بقضاياها كُلِّهَا، ودافع عنها بلسانه وقلمه،من طنجة إلى سومطرة، مع عناية فائقة بفلسطين العزيزة على العرب والمسلمين أجمعين, عَجَّل الله بتحريرها من أغلال الصهاينة المجرمين, ووفق الله الأمة العربية والإسلامية  وحُكامَها, إلى الوقفة الإيمانية التي تعضُدُ جهود المجاهدين والاستشهاديين،  في الأرض المقدسة، لتحقيق النصر المبين: كما وعد به الله في الآية 47 من سورة الروم {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.

ورحم الله  أبانا الروحي الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي, وإخوانَه العلماء العاملين الذين التحقوا بربهم من قبله ومن بعده, كابن باديس, والميلي, والورتلاني، والتبسي, والعقبي، وأبي يعلى الزواوي، وإبراهيم بيوض، وموسى الأحمدي نويوات، وأحمد الأطرش السنوسي، ونسأل الله تعالى أن يوفق ورثتهم لمواصلة رسالة جمعية العلماء لخير الجزائر والإسلام والمسلمين, آمين  يا رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

آخر التغريدات: