الإسلام لدى الإبراهيمي مركب كيماوي اختلطت فيه العروبة اختلاط اللحم بالدم

الإسلام لدى الإبراهيمي مركب كيماوي اختلطت فيه العروبة اختلاط اللحم بالدم

يتناول د. القرضاوي في هذه الحلقة فكر الإبراهيمي حيال الإسلام ويقول إن العروبة التي يدعو إليها ليست عرقية ولا عنصرية بل عروبة لغة وثقافة وجوهرها اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم.كما يعرض لرؤاه تجاه الدجالين الذين يلبسون لبوس العلماء ثم يعملون لخدمة الاستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية.

وذلك يستعرض عمل جمعية العلماء لخدمة الإسلام وإصلاح عقائده وتفهم حقائقه وإحياء آدابه وتاريخه وإحياء اللغة العربية وتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا مستعرضاً جرأة الإبراهيمي في مخاطبته الاستعمار الذي حل بالجزائر.

ربط الإسلام بالعروبة:

والإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي: مختلط بالعروبة اختلاط اللحم بالدم وكأنما عنده مركب كيماوي امتزج فيه العنصران كما امتزج الأكسوجين والهيدروجين فكونا (الماء) الذي جعل الله به كل شيء حي. والعروبة التي يدعو إليها ليست عرقية ولا عنصرية، بل هي عروبة لغة وثقافة، وجوهرها اللسان العربي وهو الذي نزل به القرآن الكريم

1-نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 2،193.  3،194.  195) وهو الذي تكلم به الرسول عليه الصلاة والسلام، ورويت به أحاديثه، ودونت به سنته، التي هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن.

والعربية هي لغة الأذان والإقامة، والقراءة في الصلاة، والتلبية في الحج وغيرها.

وقد أوجب الإمام الشافعي على كل مسلم أن يتعلم من العربية ما يؤدي به صلاته وعبادته.

كما أن القرآن عربي، ومحمد رسول الإسلام عربي، وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه: عرب، حتى من لم يكن منهم عربي الأرومة والعرق، فقد تعرب باللسان حين تكلم العربية، وقد روي حديث عن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ”إنما العروبة اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي”.

وأرض العرب هي أرض الإسلام ومهده ومنبته، فيها نشأت الدعوة، وإليها كانت الهجرة، وبها كانت الوفاة، وهي التي ضمت رفاته عليه السلام، والمساجد الكبرى المقدسة في الإسلام والتي لا تشد الرحال إلا إليها في أرض العرب: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

ويعتبر الشيخ الإبراهيمي أهم مكونات (الذات الجزائرية) إنما هي (الإسلام والعروبة) الإسلام الذي لا يرفض العروبة، مثل إسلام الغلاة، الذين زعموا أن الإسلام يرفض كل القوميات، لا فرق بين قومية عربية، وقومية هندية أو طورانية أو فرعونية أو غيرها. ونسوا خصوصية العروبة وما لها من صلة حميمة بالإسلام، أشرنا إليها.

والعروبة التي لا تنفصل عن الإسلام ولا تعتبر نفسها نداً له أو خصماً. مثل عروبة (القوميين) المتعصبين الذين ينصبون حرباً بين العروبة والإسلام، والذين اعتبر بعضهم القومية العربية (ديناً جديداً) أو (نبوة) جديدة والذين قال شاعرهم:

بلادك قدمها على كل ملة

ومن أجلها أفطر، ومن أجلها صم!

سلام على كفر يوحد بيننا

وأهـلا وسهـلا بعـده بجهـنـم

وطالما أبدأ الشيخ وأعاد، وأفاض وأجاد، حول هذه القضية، ليقنع بها العقول، ويحرك بها العواطف، ويحفز بها العزائم.

حماية الإسلام من المتأكلين باسمه:

وكان من حرص الشيخ على حماية الإسلام من الدجالين، يصب جام غضبه على أولائك الذين يلبسون لبوس العلماء، ثم هم يعملون لخدمة الإستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية: كالإمامة والخطابة والتدريس والفتوى، وهذه هي الكارثة: أن يتحدث باسم الإسلام رؤوس جهال، يُسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون أو أسوأ من ذلك: أن يفتوا بما يرضي سادة الاستعمار، وإن أسخط الواحد القهار، وإنما ينتصر الإسلام بالعلماء لا بالعملاء، وبالدعاة لا بالأدعياء.

يقول الشيخ: إن المسجد لا يؤدي وظيفته، ولا يكون مدرسة للقرآن، إلا إذا شاده أهل القرآن، وعمروه على مناهج القرآن، وذادوا عنه كل عادية. وما جعل القرآن المساجد لله، إلا لتكون منبعاً لهدايته، وما وصف الذين يعمرون مساجد الله بأنهم لا يخشون إلا الله ، إلا ليقيم الحجة على ضعفاء الإيمان ويعزلهم عن هذه المرتبة.

وصدق الله وصدق رسوله الذي وصف القرآن بأنه (لا تنقضي عجائبه)! فو الله لكأن هذه الجملة ”لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ” من هذه الآية بهذا الأسلوب المقيد للحصر بأبلغ صورة نزلت اليوم، وهّاجة بأنوار الرسالة، مطولة بأنداء الوحي، لتكون حجتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد الذين يخشون المخلوق ولا يخشون الله.

لقد وقفت جمعية العلماء لتذود عن الإسلام في شتى الميادين، كما يذود الأسد عن عرينه، وكما يدافع الحر عن عرضه، وكما يدافع الوالد عن ولده وفلذة كبده.

دافعت عنه في ثلاث ميادين في وقت واحد:

3 في الميدان الخارجي بما ردت به من شبه الطاعنين، وكفكفت من غلواء المبشرين، وبما أقامت من حصون في وجوه الملحدين.

4 وفي الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية، وخصوصاً في قضية (فصل الدين عن الحكومة) التي تناولها الشيخ في مقالات عدة تحمل النور والنار، تناولتها بالشرح والتحليل، وبالبيان والتذليل، ولم يهن لها عزيمة، ولا خارت لها في المطالبة قوة، لم يخدعها وعد ولا ردها وعيد.

5 وفي الميدان الداخلي: بينها وبين قومها وأبناء ملتها، حتى تعلم الجاهل، واهتدى الضال، وفاء إلى الرشد الغوي.

عمل جمعية العلماء لخدمة الإسلام:

ويخاطب الشيخ الاستعمار الفرنسي بلغة قوية لا دهن فيها صريحة لا جمجمة فيها، موضحاً ماذا تريده جمعية العلماء وما تعمل من أجل الإسلام والعروبة فيقول: (ياحضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلها.

وتطالبك باستقلال قضائه، وتسمي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه: عدوانا بصريح اللفظ.

وتطالبك بحرية التعليم العربي، وتدافع عن (الذاتية الجزائرية) التي هي عبارة عن (العروبة والإسلام) مجتمعين في وطن.

وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي، وبين قوم من الغرب.

وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا. وتعمل لتمكين أخوّة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.

وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، وسير أعلامهم، وأمجاد تاريخهم.  وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي ؛ لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة والأدب.  فإذا كانت هذه الأعمال تعد – في فهمك ونظرك – (سياسة)، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لا بالجمجمة.

إننا نعد كل هذا (ديناً) على الحقيقة لا على التوسع والتخيل، ونعده من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.

ولتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته ؛ وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا بتهديد مهدد ؛ ولتعلم سلفاً، ولتسلم منطقياً وواقعياً: أننا حين تختلف الأنظار بينك وبين الإسلام، فنحن مع الإسلام، لأننا مسلمون ؛ ولتعلم أن تلك الأعمال تزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.

التعلم ما دام الإسلام عقيدةً وشعائر، وقرآناً وحديثاً، وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة ؛ وما دامت اللغة العربية لساناً وبياناً وترجماناً فالعرب كلهم أمة واحدة ؛ كل ذلك كلما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتاشبكة، (فلا إسلام جزائري) كما تريد ولا عنصرية بربرية كما تشاء.

ولتعلم – آخر ما تعلم – أن زمناً كنت تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك – قد انقضى وأنه لن يعود.

ولكن ما قولك – أيها الإستعمار – في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لأوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا ؟

ما قولك في كل ذلك – أهو من الدين أم من السياسة ؟

وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شئون ديننا، ثم تحرم علينا الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا ؟

وهبنا وإياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالماً، وفريق أدخل السياسة في الدين متظلما فهل يستويان ؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حكمتنا إلى القوة غلبتنا؛ ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة . انتهى.

2 ـ التحرير والتوحيد: محورا وهدفا

كان هدف الشيخ الإبراهيمي من عمله الإصلاحي الكبير الذي بدأه مع ابن باديس ورفقائه في الدرب، هو إعداد الشعب الجزائري المسلم ليوم لا ريب فيه، هو يوم التحرر من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني المتغطرس، الذي طال ليله، وطّم سيله. ولن يحرر الوطن الجزائري من نير الاستعمار إلا الشعب الجزائري، ولن يتم ذلك إلا إذا حررنا نفسية الشعب من الخنوع للمستعمر، ومن التبعية لثقافته، ومن اليأس من مقاومته. وحينئذ سيتحول هذا الشعب كله إلى جنود للكفاح، بل إلى أبطال تنشد الجهاد والاستشهاد، حين تُحلّ العقدة، وتتحكم العقيدة، وتتضح الغاية، وتستبين الطريق، وتستحكم العزيمة، ويسود قبل ذلك كله: الإيمان بالله، والثقة بنصره، والإيمان بأن الحق مع الشعب المجاهد، وأن الباطل مع العدو المستعمِر، وأن الحق لا بد أن ينتصر على الباطل. بَلْ نَقْذِفُ بِالحقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  (الأنبياء 18)

كان لا بد من غرس العزة في الأنفس، واليقين في السرائر، والأمل في القلوب، والبغض للذل والخنوع، والشعور بالسّيادة، والتوق إلى الحرية، وهذا ما فذ بـ(جمعية العلماء) ورجالها منذ تأسيسها، وفي مقدمتهم رئيس الجمعية الأول: الإمام عبد الحميد بن باديس، ونائبه الإمام محمد السيد الإبراهيمي.

وكان الإبراهيمي – وهو أديب من الطراز الأول، له طابعه المتميز وأسلوبه الخاص – يرسل قلمه شواظا من نار على الاستعمار ووحشيته، وأساليبه في القهر والإذلال، ومحاولة طمس الهُوية، وتغيير معالم الشخصية الجزائرية.

وكانت (البصائر) تحمل دائما ما يجود به قلم الشيخ، من نفحات على الوطن، ولفحات على الاستعمار.

التحرير الذي ينشده الإبراهيمي:

والتحرير الذي ينشده الإمام الإبراهيمي: تحرير عام شامل، يشمل تحرير الإنسان، وتحرير الأرض، تحرير الفرد، وتحرير المجتمع.. تحرير الرجل، وتحرير المرأة.. تحرير العقل، وتحرير البدن. التحرير من الاستعمار الخارجي، والتحرير من الاستعمار الداخلي.. هذا هو التحرير المنشود للإبراهيمي، وإن شئت قلت: إنه التحرير الذي تنشده جمعية العلماء، فما الشيخ في وقفته إلا لسانها المُعبِر، وعقلها المفكِر، وداعيتها المذكِر.

إشاعة كلمة (الحرية) في محيط الشعب:

وكانت كلمة (الحرية) من الكلمات المحظورة، التي لا يجوز ذكرها في حديث ولا خطبة، ولا درس ولا محاضرة ولا كتاب. كأنما لا توجد في اللغة أصلا. وكان الاستعمار حريصا على إخفائها وإماتتها، حتى جاء ابن باديس وإخوانه، فأحيوها بعد موتها، ونشروها من قبرها، وأشاعوها بين الناس، وحببّوها إليهم. يقول العلامة الإبراهيمي متحدثا عن سنوات المخاض والتحضير للنهضة الكبرى:

(كانت السنوات العشر التي هي أوائل المرحلة الثالثة في تقسيمنا كلها إرهاصات بتكوين جمعية العلماء، وكانت كلمات الوطنية، والإسلام وتاريخه، والحرية والاستقلال، قد وجدت مساغها في النفوس، وممرها إلى العقول، لأنها كانت تخرج من لسان ابن باديس وصحبه العلماء الشجعان، الموثوق بعلمهم ودينهم وأمانتهم، فيرن رنينها في الآذان، ويجاوز صداها إلى الأذهان، بعد أن كانت هذه الكلمات محرمة في فقه الاستعمار، ومهجورة في فقه الفقهاء، الذين نشأوا تحت رهبة الاستعمار، ومجهولة عند بقية الأمة، فكان أول من نطق بها على أنها لغة حيّة صحيحة الاستعمال، هو عبد الحميد بن باديس العالم الديني، واثنان أو ثلاثة من طرازه، ولكن ابن باديس كان يقولها لتلامذته في حِلَق الدرس ليطبعهم عليها، فلما أحس بالنجدة من إخوانه أصبحت هذه (العملة) مطروحة للاستعمال في السوق العامة، ولذلك ارتاع لها الاستعمار وقدر عواقبها الوخيمة عليه، فاحتاط لها بما نشرحه لكم في الفصل الثاني، وهو: أعمال الاستعمار في هذه المرحلة.

وكنت على أثر رجوعي واجتماعي بهذا الأخ نتداول الرأي في هذا الموضوع، ونضع مناهجه، ونخطط خططه، ومعنا بعض الإخوان، فأجمعنا في معرض الرأي الفاصل على أننا أمام استعمارين يلتقيان عند غاية.

أحدهما: استعمار روحاني داخلي: يقوم به جماعة من إخواننا الذين يُصلّون لقبلتنا باسم الدين، وغايتهم استغلال الأمة، ووسيلتهم صدّ الأمة عن العلم، حتى يستمر لهم استغلالها، وهؤلاء مشايخ الطرق الصوفية التي شوهت محاسن الإسلام.

 

* من كتاب “أئمة التجديد”.

 

آخر التغريدات: