تفكير ابن باديس في الثورة

تفكير ابن باديس في الثورة

في 7 جوان 1936 م تأسس المؤتمر الإسلامي الجزائري، وانضم إليه ابن باديس في حذر، وفي 18 جويلية 1936 م سافر وفدٌ من المؤتمر إلى باريس ومن بينهم ابن باديس للمفاوضة مع الحكومة الفرنسية… لكن الوفد رجع خائبا حيث هددهم وزير الدفاع الفرنسي آنذاك بقوله : « إنَّ لدى فرنسا مدافع طويلة»، فرد عليه ابن باديس : « إنّ لدينا مدافع أطول »… « إنّها مدافع الله »…

وبعد عودة الوفد خائبا أنشد ابن باديس قصيدته المشهورة :

شَعـْبُ الجَـزائري مُـسْـلِمٌ              وَإلىَ  الـعُـروبَةِ يَنْتَـسِــبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أَصْلـِـهِ               أو قَــالَ مَـاتَ فَقَد كَـــذِبْ

أوْ رَامَ إدمَــاجًـــــــــا  لَــهُ                رَامَ المُـحـَـالَ مِنَ الطَّـلَـبْ

يَــانَـشْء أَنْتَ رجَـــاؤنَــــا                وَبِــكَ الصَّبــاحُ  قَـدِ اقْتَرَبْ

خُـذ للحَيـــاة سِلاَحـَــهَـا                وَخُضِ الخُطوبَ وَلاَ تَـهَـبْ

وأذْقْ نُفُـوسَ الـظّـالِمينَ                السُّـمَّ  يُـمْـزَجُ بِالـرَّهــبْ

واخْـلَع جـُذورَ  الخَـائنينَ                فَـمـِنْـهُـمْ كـُــلُّ العَـطَــبْ

مَنْ كَـــانَ يَيْغـي ودَّنَـــا                  فَعَلَى الكـرامَـةِ وَالرّحَـبْ

أوْ كـــان  يبغـي ذُلّـنَــــا                 فَـلَـهُ الْمَـهَـانـةُ والحَـرَبْ

إلى أن يقول :

فـإذَا هَـلَـكْـتُ  فَصَيْحتي                  تـَحْـيَا الْجَـزائـِرُ  وَالعَـرَبْ(1)

فالمُتمَعّنُ في هذه القصيدة يجدُ ابن باديس قد أعلن الحرب على فرنسا بالكلمة أوّلاً، ثم بالثورة المسلحة ثانيا، وكان قد حدّد تاريخ بداية الثورة المسلحة بدخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية بجانب ألمانيا ضد فرنسا، مما يحقق هزيمتها السريعة، ولكن المنية أدركت ابن باديس قبل موعد إعلان الثورة ببضعة وخمسين يومًا، فقد توفى في 16 أفريل 1940 م، وقيل مات مسمومًا(2)، ودخلت إيطاليا الحرب في10 يونيو1940م(3). كما ذكر الشيخ محمد الصالح بن عتيق مدير مدرسة الميلية، أنَّ ابن باديس انفلت من الرقابة الاستعمارية المضروبة عليه بقسنطينة لأنه كان تحت الإقامة الجبرية، وزار الميلية خفية متنكرا سنة 1940 م، واتصل به وسأله عن مدى استعداد الشعب الجزائري في منطقة الميلية للثورة المسلحة، فأجابه ابن عتيق بأنَّ رجال الميلية سيجدهم رجال بارود (أي شجعان صناديد) ويمكنه أن يعول عليهم إذا جـد الجـد، لأنَّ الاستعداد النفسي للثورة كامل فيهم، ودعاه للنزول فاعتذر، لأن الزيـارة قصيرة لا تسمح له بطول الإقـامة(4). وقد تنبأ ابن باديس بالثورة وتحرير الوطن من الاستدمار الفرنسي في نشيده الشهير « اشهدي يا سماء » حين قال :

اشِهِدي يَا سَمَـا   وَاكْتُبَنْ يا  وُجـودْ

إنَّـنَـا للِحـمَـا         سَنَكُونُ الجُـنُـودْ

فـنَـزيحْ البَـلاَ         وَنَـفُـكُّ  الْقُيُـودْ

ونَنيلُ الـرِّضـا         مِنْ وَفَّى بِالعْهُـودِ

ونُـذيقُ الـرَّدَى       كُـلَّ عـاتٍ  كَنُودْ

وَيَـرَى جـِيلُـنَا        خَـافـقَاتِ  البُنودْ

ويَـرَى نجْمُنَـا        لِلْعُـلاَ في صُعـودْ

هَكَـذَا هَـكَـذَا        هَـكَـذا  سَنَعُـودْ

فاشْهَدي يَا سَمَا   واكتُبْن يا وُجـودْ

إنَّـنَـا للـعُـلاَ           إنَّـنَـا للخُـلُـودْ(5)

« وفي هذا النشيد الثوري ما ليس في غيره من التصريح بالجنود يدافعون عن الحمى، ويرفعون خافقات البنود، ويزيحون البلاء النازل ويفكون القيود، ويذيقون الردى كل عاتٍ كنود »(6)، وقد تحقق ما ورد في هذا النشيد من أفكار فاستقلت الجزائر وعادت عربية مسلمة كما أراد لها الشيخ ابن باديس رحمه الله وطيب ثراه.

وقد سبق له في سنة 1937 م حينما لاحت بوادر الحرب العالمية الثانية أن رفض أن يبعث برسالة تأييد للحكومة الفرنسية كما اقترح عليه بعض الأعضاء…

وهكذا ظل الزعيم الروحي لحرب التحرير الكبرى يجاهد في جبهات متعددة، وقد « ترك، في ظرف زمني قصير نسبيا، نحو عشرين سنة تأثيرًا بالغًا، كما ترك كتابات هـامة، لعبت دورهـا حين صدورها، وما تزال فيهـا بعض دروس وعظات لمن يتـأمل ويبحث »(7).

 

الهوامش :

(1) كتاب الأناشيد الوطنية، جمعها الهادي درواز، ص : 22 – 23، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر.

(2)  د.محمد قاسم : المرجع السابق، ص : 15.

(3)  أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مقال منشور في مجلة الرسالة التي تصدر عن وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، العدد : 4، ربيع الأول 1401 هـ، ص : 29.

(4)  أحمد حمّاني: المرجع السابق، ص : 29 – 30. وسليمان الصيد: المرجع السابق، ص: 29 – 30.

(5)  الهادي درواز : المرجع السابق، ص : 29.

(6)  أحمد حمّاني: المرجع السابق، ص : 33

(7) محمد الميلي : المرجع السابق، ص : 15.

 

* من مقال للدكتور سعد بوفلاقة بعنوان: “ابن باديس : لمحات في سيرته وجوانب من جهوده الإصلاحية والتربوية… “، مجلة بونة للبحوث والدراسات، العدد الثاني.

آخر التغريدات: