الثقافة التاريخية عند الشيخ الإبراهيمي

الثقافة التاريخية عند الشيخ الإبراهيمي

أصبح من المعروف عند الباحثين والطلبة أن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من أعيان المثقفين العرب والمسلمين في القرن العشرين, وقد تناوله الباحثون في مقالاتهم وفي رسائلهم الجامعية على أنه أديب ولغوي, وأنه فقيه ومصلح, كما درس آخرون مواقفه من القضايا العربية والإسلامية كقضية فلسطين وباكستان وليبيا ومصر واليمن.. ولكننا لا نعرف أن هناك من درسه كعالم بالتاريخ وأحوال الأمم الغابرة والمعاصرة, وأن له رأيا في كتابة التاريخ لم يأت ربما على قلم أو لسان جيله من الأدباء والمصلحين, ولذلك رأينا أن نسلط الضوء في هذه المداخلة على ثقافة الشيخ البشير الإبراهيمي التاريخية, فإلى أي حد يصح قولنا إن الإبراهيمي كان يتمتع بثقافة تاريخية عميقة بل كان له حس تاريخي نادر المثال؟

ونريد أن نبدأ بمصادره من أين استقى الشيخ البشير الإبراهيمي مادته عندما كتب عن القضايا التاريخية ؟ لقد ذكر الكتب التي قرأها أثناء حياته المبكرة, فاكتفى بكتب الأدب ودواوين الشعراء وكتب الفقه والسيرة ومتون اللغة إلى جانب القرآن الكريم والحديث الشريف , بينما لم يذكر أنه قرأ المسعودي والطبري وابن الأثير وابن عبد الحكم , لذلك نعتقد أن مصدره الأساسي في الثقافة التاريخية هو التجربة الشخصية والمطالعة الحرة , فقد عاش مند سنوات المراهقة متنقلا بين عواصم العلم متأملا في أهلها , مخالطا لعلمائها, مطالعا من مكتباتها, وفي هذه الأثناء قرأ الكثير في كتب التاريخ والرحلات والتراجم دون أن يذكر ذلك بالاسم والعنوان إلا نادرا كذكره لابن خلدون وابن الخطيب ورسائل الضابط الفرنسي سان طارنو.

فتح الشيخ البشير الإبراهيمي عينيه على الجزائر وهي تئن تحت وطأة الاستعمار الفكري والسياسي والاقتصادي, في وقت قال عنه الإبراهيمي نفسه إن المقاومة المسلحة قد انتهت خلاله بفعل التعب والإرهاق وبتخاذل أصحاب الضمائر الضعيفة, وتقديم المصالح الذاتية على الوطنية , وخيانة بعض أصحاب الدار, وفي طريقه إلى المشرق مر الإبراهيمي بتونس ونزل بالقاهرة فترة وأقام بمكة والمدينة ودمشق, ثم زار باكستان وأطرافها, وباريس ونواديها ثم سكن مصر وهي في أوج الخصب والعطاء, وهذه العواصم تركت كلها بصماتها على ثقافته سواء في عهد شبابه أو عهد كهولته.

وفي الجزائر حيث قضى أطول مدة من حياته في عهد النضج والعطاء الفكري لم يدرس الإبراهيمي تاريخ بلاده لا في المدارس ولا في الزوايا, فكان المهتمون بتاريخ الجزائر يتلقونه من الذاكرة الشعبية في صورة قصص وحكايات شفوية والشعر الملحون , أو ما يسمى اليوم بالأدب الشعبي, فكان التاريخ عندئذ خليطا من الأدب والأخبار والخرافات , وإذا تجاوز المتطلع إلى معرفة الحقيقة عن تاريخ الجزائر فإن عليه أن يرجع إلى تاريخ بلاد المغرب والأندلس مند الفتح الإسلامي.

ذلك أن تاريخ الجزائر الذي لا يدرسه أهله في المدارس لم يشهد حركة تأليف إلا في القرن العشرين وبالتحديد منذ الحرب العالمية الأولى على يد عثمان الكعاك ومبارك الميلي وأحمد توفيق المدني باستثناء كتابين هما ” تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر ” لمحمد بن الأمير عبد القادر الذي طبع سنة 1903 ” وتعريف الخلف برجال السلف” لأبي القاسم الحفناوي الذي طبع سنة 1907 , وهو كتاب في التراجم.

ويبدو لنا أن الشيخ الإبراهيمي كان يحس بهذا النقص في ثقافته إن هو لم يجمع إليها ثقافة تاريخية واسعة , وكيف يكون المرء عالما مصلحا وهو يجهل تاريخ قومه وحضارتهم؟ لذلك لا نستغرب إن وجدنا الشيخ الإبراهيمي قد اطلع وبتوسع على تاريخ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, وتابع نهوض وسقوط الدول والحضارات, وخص الجزائر باطلاع واسع في مصادر مختلفة , فنحن نجد في كتاباته إشارات عديدة إلى تاريخ الاستعمار الروماني لشمال إفريقيا وتاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر وغيرها, وتاريخ الكنيسة المسيحية في بلاد المغرب والحروب الصليبية في المشرق والإغريق, وتاريخ البربر والهجرات العربية , وتاريخ الحواضر الإسلامية.

الإبراهيمي وتاريخ الإسلام :

ترجع صلة الشيخ الإبراهيمي بالتاريخ الإسلامي إلى كتب السيرة النبوية والغزوات وحياة الصحابة والتابعين , وهذه الصلة ترجع بذورها إلى ثقافته الدينية والشرعية, فمصادره الإسلامية هي القرآن والسنة, وأمهات كتب التفكير  والحديث بالإضافة إلى تاريخ الأدب والسياسة والمذاهب والفرق, ومن خلال هذه الثروة اطلع الشيخ على تراجم الرجال وأصول الأحكام وقواعد الاجتهاد وحركة التـأليف والصراع السياسي والفكري بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-  وعهدالخلفاء الراشدين , ثم قيام الدولة العربية الإسلامية بعصورها المختلفة , بما في ذلك أدوار الدولة المملوكية والدولة العثمانية ودول ملوك الطوائف ودول المغرب العربي خاصة, ونحن نلاحظ هذه الثقافة التاريخية الإسلامية عند الشيخ الإبراهيمي من وصفه المسهب لبعض الغزوات مثل غزوة بدر الكبرى ومعاني الهجرة النبوية والأعياد الإسلامية, فهو يتناول هذه الأحداث والمناسبات من الناحيتين الدينية والتاريخية ثم يربط بينها وبين الواقع كأحداث الثورة الجزائرية والدعوة إلى النهضة والوحدة لمواجهة الاستعمار.

وليس كالإبراهيمي من يحسن سوق العبرة من الحدث التاريخي , ولا أدل على ذلك من إيراده قصة العز بن عبد السلام “سلطان العلماء” مع مماليك مصر حين أفتى بأن على هؤلاء المماليك الأمراء بيع رقابهم لأنها مملوكة لبيت مال المسلمين.. فقد علق الإبراهيمي على ذلك بقوله: إن العز بن عبد السلام قد قوم بكلمته وضعا مقلوبا كان سببا في انقراض كثير من الدول الإسلامية وهو احتكار المماليك لمراتب الإمارة.

ثم أضاف الإبراهيمي إلى ذلك تعميما عظيما واستنتاجا حكيما فقال: لو رزق الله بغداد عالما كابن عبد السلام في شجاعته لأنقذ الخلافة العباسية من المماليك الأتراك ببيعهم في سوق الرقيق….ولو رزق الله الأندلس عالما مثله لأنقد الدولة الأموية فيها من موالي المنصور بن أبي عامر ج3ص500. وطالما أحال الإبراهيمي قارئه على أحداث تاريخية في العالم الإسلامي كالحروب الصليبية وظهور الفرق والمذاهب والأحزاب وغارات الدول الأجنبية , مستنتجا منها استنتاجات شجاعة مما يجعله في مقدمة المثقفين ثقافة تاريخية إسلامية عنيفة قل من يشاركه فيها من أبناء جيله, لأن المعرفة التاريخية إذا لم توظف لمصلحة الحاضر والمستقبل فإن المتحف , أو حتى القبر, أولى بها.

وفي هذا النطاق نشير إلى أن الإبراهيمي أعطى أهمية كبيرة لدور الأزهر , ومن خلاله لدور مصر الريادي في التاريخ العربي الإسلامي , فقد نوه بدور الأزهر وعلمائه في مقاومة الغارات الخارجية, ومنها حملة لويس التاسع وحملة نابوليون , والإبراهيمي هو القائل في هذا الصدد : كان الأزهر حاضرا في مقاومة فساد الحكم في مصر أو في فترات إغارة الفاتحين المستعمرين الأجانب ومن الواجب عليها ومن رأيه أن الأزهر هو رائد النهضة العربية الإسلامية وهو القائل إن وراء كل نهضة ثورة ، ومن الواجب في رأيه ، أن يعلم الأزهر الناس الثورات على الأباطيل في الدين والدنيا, كما يعلمهم الثورة على الاستعمار لقد كان الإبراهيمي يكتب هذه العبارات في يناير 1952 حين كان الأزهر – كما قال- يقود ثورة ضد الاستعمار ” نفسه ج3, ص499″ ونحن نذكر هنا كذلك بأن الشيخ قد حل بمصر في غضون هذا التاريخ ولم يخرج منها إلا بعد استقلال الجزائر.

الاستعمار الروماني:

الاستعمار عند الشيخ الإبراهيمي ليس فرنسيا فقط بل هو ممتد ومتمثل في صراع الشرق والغرب, وفي تثاقف الحضارات ذاتها, سواء في العهد الروماني المظلم الذي غطى بظلامه المغرب والمشرق على السواء أو في العهد  الفرنسي الذي لا يقل في نظره ظلاما وظلما.

ففي كلمة له بعنوان (الجزائر المجاهدة ) حلل الشيخ أوضاع الجزائر القديمة والحديثة انطلاقا من موقعها الجغرافي قائلا إن هذا الموقع هو الذي رشحها لتحوز السبق في الجهاد , وهو يعني به موقعها على الضفة اليسرى للبحر المتوسط, وبالضبط في مواجهة مرسيليا حيث تتشكل أوسع نقطة من ضفتي من هذا البحر بالنسبة لجيران الجزائر(تونس والمغرب). وقد حلل الإبراهيمي طموح الأمم اللاتينية في استعمار جيرانها في الضفة الإفريقية تحليل الخبير بأوضاع الأمم الغابرة فقال عن الأمم اللاتينية إنها ذات أطماع وفتوحات وكبرياء ودماء منذ كانت , ولم يزدها ظهور الدين المسيحي السامي الروح إلا ضراوة وطموحا في الغلبة , لأن الطبيعة المادية المتكالبة لتلك الأمم غلبت طبيعة الدين المسيحي الروحية المتسامحة, وبذلك أصبح الدين المسيحي دينا رومانيا لا شرقيا (ج5, ص76).

ومن تحليلات الشيخ الإبراهيمي القائمة على الاستقراء والاستنباط ما جاء على قلمه حول روح المقاومة والجهاد التي تميز بها سكان شمال إفريقيا منذ القدم, فهو يرى أن الإسلام قد مزج بين البربر والعرب مزجا قوى فيهم معنى الحمى والعرض والحفاظ… وهو الذي ترك الأمة الجزائرية أمة جهاد بجميع معانيه, وإلى هذا يجب أن يبني المؤرخ تاريخ الجهاد النفسي في هذه الأمة” (نفسه ج5 ص 76) وقد حدث الجهاد بالنفس في الجزائر عبر العصور الإسلامية لأن الجارين المتقابلين, روما وقرطاج , أصبح كل منهما بالمرصاد للآخر, وللإبراهيمي في العلاقة بين هذين الجارين المتصارعين رأي طريف وواقعي , فهو يقول إن العلاقة بينهما كانت صراعا على العيش المادي, أو القمح والزيت, وهما المادتان اللتان جلبتا الاحتلال الروماني لإفريقيا الشمالية, ثم صار صراعا على الدين, وقد زاد من حدة هذا الصراع  في نظره أن العرب بدينهم قد خلفوا الرومان على حضارتهم, في إفريقية ثم إن دخول العرب إسبانيا قد جعل الرومان يتطيرون .. ويظنون أنها القاضية على روما وديانتها وحضارتها وشرائعها.

وهنا تبهرك ثقافة الشيخ التاريخية إذ يظهر وكأنه صاحب اختصاص في تطور الحضارات وفلسفة التاريخ , فقد تحدث أيضا عن انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية وعن تدهور حالة الرومان وصعود نجم العرب , كما عرض لضعف الأندلس بعد ذلك وظهور ملوك الطوائف وتداعي اللاتين إلى إحياء روح الثأر والانتقام وشن الغارات على سواحل شمال إفريقيا وعندئذ تصدرت الجزائر الجهاد المنظم على أيدي الدول وغير المنظم, وهو الجهاد الفردي الدائم على طريق” الرباط” الذي وصفه بأنه يشبه حرب العصابات , وبذلك كانت الثغور الجزائرية دائما عامرة بالمرابطين الذين نذروا أنفسهم لله وحماية دينه, من مالهم الخاص لا من مال الحكومات, ولم ينقطع دور الرباط في نظره إلا عند الاحتلال الفرنسي (ص 77) وهو الاحتلال الذي وصفه بالمدبر لإعادة شمال إفريقيا إلى الحظيرة اللاتينية كما كان قبل الإسلام, وقد نحى الشيخ باللائمة على سكوت العرب والمسلمين على هذه الفاجعة عندئذ.

أحوال المغرب العربي: تناول الشيخ من الناحية التاريخية موضوعات عديدة حول أقطار المغرب العربي غير الجزائر, مثل تونس ومراكش وليبيا. فقد تحدث مثلا عن (العرش المحمدي العلوي) وأرجعه إلى القبائل التي خرج منها أو ساندته, من إدريس الأكبر وأبناء علي (رضي الله عنه) إلى ارتباط العرش بالبربر من لمتونة وهنتاته, وبني مرين ، وقال إن هذا العرش قد مد بظلاله حتى وصلت إلى عتبات برقة.

فالإبراهيمي هنا لا يتحدث عن الأمجاد فقط ولكنه يتحدث عن تاريخ المنطقة التي لعب فيها أشراف المغرب دورا بارزا , وقد مدح  الإبراهيمي هذا العرش من أجل ما بناه وحافظ عليه من حضارة عربية إسلامية عريقة, فهو عرش حرس في نظره اللغة العربية وحمى الدين الإسلامي, ودافع عن الإسلام والعروبة, وهي الإيديولوجية العزيزة على الشيخ الإبراهيمي , إن إشراف المغرب , خلافا لحكام الجزائر العثمانيين, قد راعوا العلم والبيان وأنجبت دولهم أعلاما في الأدب ونوابغ في الفقه والتشريع وأساطين في الفلسفة وأثباتا في التاريخ والأخبار ( ج3 ص.397.396).

أما حديثه عن ليبيا فقد جاء في شكل سلسلة من المقالات لم تخل من إشارات تاريخية. فقد مشى على أرضها الصحابة والتابعون الذين فتحوا المغرب والأندلس واجتازها القادة الكبار الذين أسسوا الممالك في بلاد المغرب والأندلس أمثال إدريس بن عبد الله, وعبد الرحمن الداخل.

ولم ينس الإبراهيمي الرحالة والحجاج الذين أقاموا في ليبيا وعبروها وهم في طريقهم إلى مراكز العلم والحج, وقد ذكر منهم ابن بطوطة والعياشي والعبدري والفهري والتيجاني والورتلاني, كما ذكر منهم رواد في الشعر الملحون استطاعوا وصف ركب الحج وصفا دقيقا , ثم جاء على أسماء المدن والبلدات الليبية التي شهادها هؤلاء أو عاشوا فيها زمنا. وبالإضافة إلى ذلك أطال في وصف الكفاح الليبي في مقاومة الاحتلال الإيطالي وصف خبير بالاستعمار ومقاومته.

وتحت عنوان (عروبة المشال الإفريقي) أشاد الإبراهيمي بدور الدول البربرية التي قامت في المنطقة وأعطتها صفتها العربية, فقد نوه بفضل دول لمتونة والرستمية والموحدية والصنهاجية والمرينية والزيانية قائلا إنها دول  ليس لها من البربرية إلا النسبة العرفية , وهي فيما عدا ذلك دول عربية صميمة, فهي التي أنبتت ورعت الإدارة والقضاء والحضارة كالموسيقى والشعر.. وأكد الإبراهيمي أننا لم نقرأ أن الشعراء تقربوا لملوك هذه الدول بالشعر البربري ( إلا أن يكونوا في النادر المصطبغ بالبداوة ) ( ج3, ص 429).

إن هذه العروبة عنده هي التي صيرت شمال إفريقيا وطنا واحدا, ولم تفرقه إلا سياسة الخلاف في عصوره الوسطى والاستعمار الفرنسي الحديث, وأكد الإبراهيمي أن الاستعمار يعمل على توهين العربية بالبربرية , وهو يسمى ذلك ” قتل الموجود بالمعدوم” ومن أباطيل الاستعمار  في نظره, أنه يسمي السودان المتجنس لتوه فرنسيا بينما ينكر على البربري المتعرب منذ ثلاثة عشر قرنا أن يكون عربيا (ج3 ص428).

تاريخ فلسطين:

تحدث الإبراهيمي كثيرا عن قضية فلسطين في السياسة الدولية وفي الصراع العربي الصهيوني وفي مواقف الأمة العربية إزاءها , ولكن ذلك ليس هو موضوعنا هنا, إن موضوعنا هو عمق النظرة التاريخية عند الإبراهيمي حول هذه القضية, لقد تداولت الأمم على فلسطين واستعملت كل أمة وسيلتها لاحتلالها , يقول الإبراهيمي عن فلسطين, أخذها البابليون غلابا, وأخذها الفرس اغتصابا وأخذها الرومان اقتصارا وأخذها العرب اقتدارا ولا يعد أخذ اليهود لها من كنعان في واحدة من هذه وإنما هي كتابة الله بشرطها , ومعجزة موسى (عليه السلام) في حدودها ..ولكن فلسطين في العصر الحديث  تؤخذ في سوق الأغراض والمنافع الخسيسة بيعا ومساومة, حسب تعبيره , وهو يعني احتلال الإنجليز لفلسطين, وصدور وعد بلفور بشأن مستقبلها, واتفاق سايكس بيكو الذي جعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيدا لتهويدها وصهينتها , وهي مواقف دولية معروفة, ولكن الإبراهيمي قد أعطاها بعدها التاريخي والسياسي والاستراتيجي الذي كانت بعض الدول والحركة الصهيونية تعمل على فرضه بالقوة (ج 3 ص445.444).

وفي نطاق الحديث عن تقسيم فلسطين لاحظ الإبراهيمي أن الدول التي صوتت عليه لم تخلق هي نفسها خلقا طبيعيا وإنما هي دول خلقتها المنافسات, ولم يبلغ الكثير منها مبلغ فلسطين.

في المجد والسبق الحضاري (نفسه ص445) ووصف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وصفا لا نجده إلا عند أصحاب الاختصاص فقال إنها ليست كلها يهودية بل هي هجرة أوروبية , دخل فيها السلافي واللاتيني والجرماني والسكسوني , لقد جاءوا جميعا على صوت الصهيونية إلى فلسطين حاملين معهم خصائصهم العرقية المشار إليها (الجنسية المتفرقة ) ومعها الخصائص الأوربية من علم وفن وجشع وإلحاد واستعمار وعتو..(نفسه ص 445)

وحين أرادت فرنسا أن تتدخل في فلسطين بدأت بالحديث عن مشردي فلسطين وتدويل مدينة القدس, ولذلك لم تسلم من مهاجمة الإبراهيمي على أساس تاريخي أيضا, كان صاحب الدعوة الفرنسية إلى تدويل القدس هو المستشرق لويس ماسنيون الذي اتهمه الإبراهيمي –دون التصريح باسمه – بأنه خديم الاستعمار, فقد أنشأ ماسنيون لجنة في باريس سماها (لجنة فرانس -إسلام) واتخذ من وقف سيدي أبي مدين الجزائري مطية لتدخل فرنسا في الموضوع, وفي نظر الإبراهيمي أن فرنسا اتخذت الحديث عن المشردين الفلسطينيين ومن وقف سيدي أبي مدين ذريعة للتدخل في شؤون  فلسطين, واعتبر ما أقدم عليه ماسينيون باسم بلاده ” خلطة أديان”، وتساءل الإبراهيمي : لماذا ذكرت فرنسا بالاسم ولم تذكر المسيحية في هذا السياق, إن الأمر في نظره لا يعدو أن يكون تدخلا فرنسيا لحماية  المسيحية في القدس, واتهم المستشرقون عموما بأنهم لم يقولوا كلمة منصفة عن فلسطين, وكان الأولى بماسينيون وأمثاله أن يشغل نفسه بأوقاف الجزائر التي استولت عليها فرنسا وليس بوقف أبي مدين الذي مضت عليه قرون في فلسطين وتساءل  الإبراهيمي: أين كان ماسينيون  يوم ساهمت دولته في الجريمة التي أخرجت الإسلام من فلسطين ويوم وافقت على التقسيم وساعدت اليهود على الهجرة والتهريب. (ج3 ص 356).

تاريخ الجزائر :

تبرز ثقافة الشيخ البشير الإبراهيمي التاريخية فيما كتب عن تاريخ الإسلام في الجزائر ومؤسساته, فالإسلام في رأيه انغرس في الجزائر منذ القرن الأول للهجرة بعد أن اجتث بقية الصحابة الوثنية عن البربر وعتو الرومان ونشروا عقائد الإسلام حتى استقرت في النفوس وسادت المحبة بين السكان , لأن الفتح الإسلامي كان بعيدا عن معنى الفتح المتعارف عليه عند المؤرخين والحربيين, فهو ليس فتحا مبنيا على القسوة والقهر .

ويرى الإبراهيمي أن الإسلام انحدر في شمال إفريقيا مع تاريخه فهو مرة يضعف ومرات يقوى , ولكنه احتفظ دائما بسلطانه على النفوس , ومن أثار الإسلام في الجزائر و(وشمال إفريقيا عموما) ازدهار العلوم والآداب وكثرة الـتأليف وظهور النوابغ وعمران المساجد والمدارس، والحصون والقصور, وانتشار الأوقاف التي قضت –كما قال- على الآفات الثلاث المبيدة للشعوب وهي الجهل والفقر والمرض.

والملفت للنظر أن الشيخ كتب عن هذه الإنجازات والآثار وكأنه أحد المؤرخين المعاصرين فيقول:” من اطلع على رواية المؤرخين وترجماتهم ورأى بقايا الوثائق الوقفية المسجونة في مكاتب الاستعمار بالجزائر, عجب لما فعل الإسلام في نفوس أسلافنا”(ج5ص72-73) ثم يضيف :” ومن قرأ تاريخ المدن الجزائرية العلمية التي كانت لها في الحضارة أوفر نصيب مثل تلمسان وبجاية وتيهرت وقلعة بني حماد والمسيلة وطبنة وبسكرة, علم أية سمات خالدة وسم بها الإسلام هذا القطر”. (نفسه)

ويقف الإبراهيمي وقفة مؤرخ حديث أيضا ليعرف قراءه بتكوين خريطة الجزائر ودولتها فيلاحظ أنها اليوم جديدة من حيث الحدود الجغرافية والإدارية, لقد تشكلت خريطة الجزائر في العهد العثماني وتمت في عهد الاحتلال الفرنسي, أما قديما فقد كانت قطعة من المملكة العربية الإسلامية التي أقامها الفاتحون منذ القرن الأول الهجري وجعلوا عاصمتها القيروان. لقد كانت القيروان هي التي تتحكم في تونس والجزائر ومراكش ثم الأندلس بعد فتحها. وكان والي القيروان هو الذي يعين ولاة هذه الأقطار ولا دخل لمركز الخلافة في المشرق في تعيينهم . ولما ظهرت الدعوة الأموية في الأندلس على يد عبد الرحمن بن معاوية انفصلت الأندلس عن القيروان. ولما ظهرت الدعوة العلوية في مراكش على يد إدريس بن عبد الله انفصلت مراكش عن القيروان , وليس بين مراكش والجزائر ولا بين تونس والجزائر حدود فاصلة , بل إن الأطلس زاد العلاقة بين هذه الأقطار متانة , كما زادها الإسلام متانة أخرى لأنه هو الذي جمع الأقطار الثلاثة في ملاءة واحد (ج5, ص71).

تناول الشيخ الإبراهيمي تاريخ الجزائر في مناسبتين على الأقل, الأولى في أربع محاضرات بعنوان (الاستعمار الفرنسي في الجزائر) ألقاها على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة سنة 1955, والثانية في مقالة بعنوان” فرنسا وثورة الجزائر” كتبها في القاهرة سنة 1959.

أما محاضرات المعهد فقد ارتجلها ثم كتبها وقدمها لإدارة المعهد لطبعها وتوزيعها على طلبته (وهو تقليد كان المعهد يتعامل به مع الأساتذة الزائرين). ابتعدالشيخ في المحاضرات عن أسلوب الأدب والسياسة والصحافة وعالج الموضوع بأسلوب تاريخي, وقد اعترف بأنه كان في الكتابة أكثر هدوءا في الإلقاء, أي أنه كان أكثر علمية ومنهجية .

في هذه المحاضرات قسم تاريخ الجزائر إلى مراحل, وجعل المرحلة الأخيرة هي الاحتلال الفرنسي, وتحدث أثناء المرحلة الأخيرة عن دور الأحزاب والجمعيات والقادة ووصف منهجه بقوله:” ألممت فيما كتبت بشيء من تاريخ الجزائر من يوم أسلمت , ومن يوم تعربت , ثم بشيء من أخبار الدول التي قامت بها من أهلها  ثم مررت بتاريخ العهد التركي (كذا) وهو أطول العهود فيها , مرورا أهدأ مما سمعه الطلاب مني وأبطأ”.

أما مقالته ” فرنسا وثورة الجزائر” فقد ظهر فيها عارفا بواجبات المؤرخ وأدواته بل ظهر فيها كأحد المنظرين وليس فقط أحد رواة الأخبار, فمن رأيه أن التاريخ لا يكتب ” ساخنا” وإنما يكتب بعد برودة الحدث وسكون غباره, والأهم من ذلك عنده هو ألا يكتب عن الحدث التاريخي إلا بعد توفر الوثائق والأدوات, ولابد مع ذلك, من تمتع المؤرخ بميزات تتمثل في الثقافة العميقة والذكاء الحاد والنزاهة الخالصة, ويرى الإبراهيمي أن التاريخ الوطني لا يكتبه إلا مؤرخ وطني. وهذه قضية حيوية في كل العصور وعند مختلف الأمم, فالمؤرخ هو صوت أمته وهو المعبر عن هويتها الحقيقية مهما تفنن الآخرون وأخلصوا في الكتابة عنها. لقد تمنى الإبراهيمي في هذا الصدد أن يقيض الله للجزائر مؤرخا من أبنائها تتوفر فيه الميزات التالية, وهي أن يكون مستنير البصيرة مسدد الفكر والتعلم, صحيح الاستنتاج, سديد الملاحظة, فقيها في ربط الأسباب بالمسببات…لكي يكتب ” تاريخا لا يقف عند الظواهر والسطحيات..بل يتغلغل إلى ما وراء ذلك من الأسباب النفسية التي تحرك فرنسا إلى (ارتكاب) هذه المجازر البشرية وإلى العوامل التي تدفع المقاتلين (الجزائريين) إلى هذه الاستماتة في حرب حارت فيها عقول ذوي العقول… ” وقد وضع تواضع الإبراهيمي فقال إنه لا يضع بذلك خطة لكتابة تاريخ الثورة مثلا, ولا يرسم الطريق لهذا المؤرخ الوطني أو الفارس المنتظر, ولكنه يريد أن يقول إن هذا المؤرخ الذي أعده الله لهذه المنقبة لعله لم يولد بعد, وإنما الشرط فيه أن يكون جزائريا.(ج5ص14).

هذه الجملة من المواصفات التي ساقها الشيخ الإبراهيمي للمؤرخ عموما ولمؤرخ الثورة خصوصا يجب أن تكون ضمن مواصفات الكتابة التاريخية عندنا. فالمؤرخ في نظره يجب أن يكون متين الثقافة, قوي الاستنباط, قادرا على ربط الأسباب بالمسببات, عارفا بطرق الغوص فيما وراء مظاهر الأشياء واستكناه الدوافع البطنية لكأن الشيخ الإبراهيمي, وهو يضع هذه المواصفات للمؤرخ , ينظر في مقدمة ابن خلدون التي نعرف من مقالته (تلمسان وابن خلدون) أنه قرأها وأعجب بها وبصاحبها.

وبعد.. فهذه جولة قصيرة في ثقافة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي التاريخية وكتاباته عن بعض القضايا ذات الطابع التاريخي, ونلاحظ على ذلك باختصار أن الإبراهيمي:

كان ظاهرة فريدة بين جيله في تفسيره العقلاني للحوادث التاريخية سواء منها القديمة أو الحديثة أو المعاصرة, في وقت لم يدرس فيه التاريخ في مدرسة ولا جامعة, ولا شك أن ذلك يغير من نظرتنا المسبقة القائمة على أن علماء الفقه والأدب والدين لا يعرفون التطورات التاريخية ونتائجها إلا سطحيا, أو أنهم لا يعرفون إذا عرفوا, أكثر من وقائع التاريخ الإسلامي, وأنهم على كل حال لا يتقنون قواعد البحث العلمي, فقد أظهرت هذه الورقات القليلة أن الشيخ الإبراهيمي كان له تصوره لمسيرة الحضارة الإنسانية في مختلف عصورها وروافدها, وهو إن لم يكن فيلسوفا بالمعنى التقليدي للكلمة فإنه استطاع أن يزاوج بين الدين والتاريخ والفلسفة.

 

آخر التغريدات: