منهاج جمعية العلماء في الإصلاح والثورة

منهاج جمعية العلماء في الإصلاح والثورة

إن خير ما أحدثكم به في هذه السانحة، بمناسبة “يوم العلم” الذي يرتبط الاحتفاءُ به باسم أعظم عالِم جزائري، مَثَّل الجزائر أجَلَّ تمثيل وأجْمَلَهُ في القرن العشرين، أَعني الإمامَ عبد الحميد بن باديس، مؤسس ورئيسَ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، عليه وعلى رفقائه الراحلين رحمة الله تعالى ورضوانُه – هو التذكير بتاريخ جمعية العلماء ومبادئها التي قامت عليها حركتُها الإصلاحية التغييرية الشاملة فأقول بعون الله تعالى:

أولا – نشأة الجمعية:

إن جمعية العلماء الـميمونة التي هي أقدم جمعية وطنية دينية علمية في الجزائر، تأسست في 17 ذي الحجة 1349هـ 05 ماي 1931م، في إطار معجزَتَيْنِ اثنتَين؛ قرآنية ونبوية:

فالـمعجزة القرآنية تتمثل في قول الله تعالى في الآية 11 من سورة الرعد، القاضية بأن التغيير سنة كونية، يتحقق، سموًّا وانحطاطًا بحسَب إرادة البشر والتي نصُّها:}إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ{.

أما المعجزة النبوية فهي: أن تأسيس الجمعية تَزَامَنَ مع مرور مائةِ سنةٍ على الاحتلال الفرنسي للجزائر، وقد اطمأن إلى نجاحه الـمطلَق في تحويل الجزائر إلى أرض فرنسية: ترابا، ودينا، ولسانا. فإذا الجمعية تبرز إثر ذلك مباشرةً رافعة شعارًا يَدْحَضُ مزاعمَ الاستعمار وهو:« الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا» وَفْقًا لحديث سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم– فيما رواه الأئمة أبو داودَ، والحاكمُ، والبيهقي- عليهم رحمةُ الله جميعًا- عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال:« إن الله يبعَثُ لهذه الأمة على رأْس كلِّ مائةِ سنةٍ مَن يجدِّدُ لها دينَها».

ثانيا – مبادئها:

إن انطلاق جمعية العلماء في حركتها للنهوض بالجزائر نَحوَ ما تطمَحُ إليه من حرية وسيادة وازدهار، إنما يستند إِلى الإسلام الصحيح: عقيدةً، وشريعةً، وآدابا، وحضارة، يقولُ الشيخ مبارك الميلي:« من حاول إصلاح أمة إسلامية بغير دينها فقد عرَّض وحدتها للانحلال، وجسمَها للتلاشي، وصار هادما لعرشها بنية تشييدها». وذلك أسوة بالنهضة الإسلامية الأولى التي قامت أركانُها على العلم، والإيمان، والعمل، وَفْقًا لـما جاء في الآيات الخمس الأولى من سورة العلَق:}اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{.

ثالثا- النهج الـمعتمد:

أما المنهج الـمعتمد في أعمالها إنما يقوم على عناصر ثلاثة:

الفهم الصحيح للإسلام، أحكامًا وحِكَمًا، وَفْقًا للآية 108 من سورة يوسف:}قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِن الْمُشْرِكِينَ{.

التبليغ الحكيم للدعوة، وَفقا للآية 125 من سورة النحل:}ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{.

ولأهمية هذين العُنصرَيْن جَعَلَهما ابنُ باديس في أعلى الصفحة الأولى من مجلة “الشهاب”.

التسامح في الدعوة والحوار، مع الـموافق والـمخالف، ويَتَمَثَّل هذا فيما قالَهُ الإمامُ ابنُ باديس في أول اجتماع له بأعضاء المجلس الإداري للجمعية، إثر انتخابه رئيسا وهو غائب:

« إخواني؛ إنني ما كنتُ أعُدُّ نفسي أهلاً للرياسة لو كنتُ حاضرًا يوم الاجتماع الأول، فكيفَ تخطُر لي بالبال وأنا غائب؟! لكنكم بتواضعكم، وسلامة صدوركم، وسمو أنظاركم، جئتم بخلاف اعتقادي في الأمريْنِ فانتخبتموني للرياسة وأنا غائب ».

« إخواني؛ إنني كنتُ أَعُدُّ نفسي مِلْكًا للجزائر، أما اليوم فقد زدتم في عُنقي مِلْكِيةً أخرى؛ فاللهَ أسألُ أن يُقْدرني على القيام بالحق الواجب».

« إخواني؛  إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أَردتم أن تُشيرواْ بانتخابي إلى وَصْفَين عُرِفَ بهما أخوكم الضعيفُ هذا: الأول أنني قَصَّرْتُ وقتي على التعليم، فلا شُغلَ لي سواه، فأردتم أن تَرمزواْ بانتخابي إلى تكريم التعليم، إظهارا لـمقْصَدٍ من أعظَمِ مقاصِدِ الجمعية، وحثًّا لجميع الأعضاء على العناية به كلٌّ بجهده، الثاني، أَنَّ هذا العبدَ له فكرةٌ معروفةٌ، وهو لن يَحيدَ عنها ولكنه يُبلِّغها بالتي هي أحْسن؛ فَمن قَبلها فهو أخٌ في الله، ومن ردَّهَا فهو أخٌ في الله؛ فالأخوة في الله فوقَ ما يُقبَلُ وما يُرد، فأردتم أن ترمزواْ بانتخابي إلى هذا الأصل: وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يَمَسُّ روحَ الأخوة في الأمر العام. فماذا تقولون أيها الإخوان؟»

« فأجابوا كلهم بالوفاق والاستحسان.»

رابعا- المعاصرة  :

تَحرِصُ جمعيةُ العلماء في دعوتها على أن يُسَايِرَ الشعبُ في حركته اليومية الدائبةُ مُقتضَيَاتِ عَصْرِهِ، ليعيشَ بالإسلام وللإسلام؛ لأن الإسلام شريعةٌ صالحة لكل زمان ومكان، يمثل ذلك أبلغ تمثيل وصَايَا الشيخ ابنِ باديس للمسلم الجزائري إذا رعاها عرَفَ كيف يعيش مقتضياتِ عصره بثقة واعتدال.

فقد جاء في “الشهاب” في شهر صفر 1345هـ الموافق لأوت 1926م تحت عنوان: (أيها لمسلم الجزائري):

« حَافِظْ على حياتك، ولا حياةَ لك إلا بحياة قومك، وَوَطَنِك، ودينِك، ولُغتِك، وجميع عاداتك؛ وإذا أردت الحياةَ لهذا كله، فكن ابنَ وَقْتِك، تَسيرُ مع العصر الذي أَنت فيه بما يُناسِبُهُ من أَسباب الحياة، وطُرق الـمعاشَرة والتعامُل؛ كن عصريًّا في فكرك، وفي عمَلِك، وفي تجارتك، وفي صناعتك، وفي فلاحتِك وفي تَمدُّنِكَ ورُقيّكَ ».

خامسا- الـمثل العليا:

وقد ركزت الجمعيةُ اهتمامَها على تربية الأجيال على حب الـمُثُلِ العُلْيَا، وتَمَثُّلِها في السلوك والأعمال، حتى تسودَ الفضيلةُ والتعاونُ والعدلُ جميعَ المجالات، فيتحقَّقَ الاستقرارُ والازدهار؛ فقد جاء في الوصايا السابقة للإمام ابن باديس رحمه الله قولُه:« كن صادقا في معاملتك بقولك وفعلك، احْذَرْ من الخيانة! الخيانة الماديةِ في النفوس، والأعراض، والأموال؛ والخيانة الأدبية ببيع الذمة، والشرف، والضمير».

سادسا- الإصلاح والـمرأة:

كانت الـمرأة قبل الإصلاح طاقة مُعطَّلةً، باسم الدين، مكبلة بقيود الجهالة والأمية، فأَوْلَت الجمعيةُ اهتمامًا عظيمًا لتحتَلَّ مكانتَها في المجتمع، إلى جانب أخيها الرجل؛ ففي زيارة للشيخ ابن باديس إلى بجاية عام 1938 بمناسبة الاحتفال بذكرى الـمولد النبوي الشريف، في حفْلٍ مدرسيٍّ أقامته مدرسةُ الحياة بإدارة تلاميذه، الإخوة الأشقاء الثلاثة آل شنتير: محمد أمقران، ومحمد الطاهر، وعلي، رحمهم الله جميعا، ألقَى الشيخُ ابنُ باديسَ خطابًا توجيهيًّا عامرًا، حضَرَهُ جمع غفيرٌ من النساء والفتيات، بقي منه في ذاكرتي قولُه في وجوب اشتراك الـمرأة الجزائرية في النهضة الوطنية:« إن المجتمع كالطائر، لا يطير إلا بجناحين، والمجتمع لا يَنهَضُ إلا بالـجِنسَيْن: الرجل والمرأة ». وفي السنة نفسها قام الشيخ بمراسلة مديرة ثانوية خاصة بالبنات في دمشق، تابعة لجمعية “دوحة الأدب” التي كانت تُشرِفُ على إدارتها السيدة “عادلة بَيْهم الجزائري”، حفيدةُ الأمير عبد القادر –عليهما رحمة الله- أَبدَى رغبتَه في إرسال فوج من الطالبات اللواتي أكملن دراستهن الابتدائية بمدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، فتَلَقَّى الإجابةَ بالقبول، وبدأَت الاستعدادات لإرسال البعثة التي كانت تضُمُّ عَشْرَ طالبات، من بينهن السيدةُ حَرَم الشيخ عبد الرحمن شيبان، وشقيقتان للسيدة زهور ونيسي، لكن بوادر الحرب العالـمية الثانية حالت دون تحقيق هذه الرغبة، لأن ابن باديس خشي أن تُقْطَعَ السبلُ بَيْنَ الجزائر وسوريا فتنقطع البنات عن أهلهن، وبعد عام من قيام الحرب توفي ابن باديس- رحمه الله- وتوفي معه المشروع.

سابعا: الإخلاص في العمل:

ولعل العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح جمعية العلماء في دعوتها والنهوض بالشعب نحو الكمال، إنما هو إخلاص علمائها العاملين في دعوتهم وأعمالهم، عملا بقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم –عليهما رحمة الله- واللفظ لـمسلم عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال:”سمعت رسول الله يقول:” إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

وهو ما جسمه الإمام ابن باديس –رحمه الله- في حياته العملية، وعبر عنه في خطابه الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال العظيم الذي حضرته وفود وافدة من كل أرجاء الجزائر المقام بقسنطينة سنة 1357هـ -1938م احتفاء بختمه تفسير القرآن الكريم –تدريسًا-، وذلك في معرض ذكر من كان لهم الفضل عليه في تكوينه العلمي والعملي، وهم: والده، ومشايخه، وإخوانه العلماء، ثم الأمة التي قال في شأنها:”ثم الفضل لهذه الأمة الكريمة المعوانة على الخير، المنطوية على أصول الكمال، ذات النسبِ العريق في الفضائل، والحسب الطويل العريض في المحامد”.

“هذه الأمة التي ما عمِلْتُ يومًا –عَلم الله- لإرضائها لذاتها، وإنما عملت، وما أزال أعمل، لإرضاء الله بخدمة دينها ولغتها؛ ولكن الله سدَّدها في الفهم، وأرشدها إلى صواب الرأي، فتبينت قصدي على وجهه، وأعمالي على حقيقتها، فأعانت، ونشطت، بأقوالها، وأموالها، وبفلذات أكبادها؛ فكان لها بذلك كله من الفضل في تكويني العملي أضعاف ما كان لتلك العناصر في تكويني العلمي”. “ثم الفضل، أولا وأخيرًا، لله، ولكتابه الذي هدانا لفهمه، والتفقه في أسراره، والتأدب بآدابه.

وإنّ القرآن الذي كوَّنَ رجالَ السَّلف، لا يكثُرُ عليه أن يُكَوِّن رجالاً في الخَلف، لو أُحْسنَ فهمُهُ وتدبُّرُه، وحُمِلتْ الأنفُسُ على منهاجه”.

ثامنا: الجمعية والثورة

أما الثورة فموقف الجمعية منها يتمثل في الخطة التي رسمها الإمام ابن باديس –رحمه الله- في نشيده الخالد (شعب الجزائر مسلم  وإلى العروبة ينتسب) الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة 1937، حيث دعا فيه الشعب كله إلى التجند في الكفاح الـمسلح لكسر أغلاله، وذلك للقضاء على الاستعماريين الظالمين من ناحية أولى، واقتلاع جذور الجزائريين الخائنين عملاء الاستعمار من ناحية ثانية، وإيقاظ نفوس الغافلين من ناحية ثالثة، كما يتضح من هذه الأبيات:

يا نشءُ أنتَ رجاؤُنا

وبكَ الصباحَ قد اقتربْ

خذْ للحياةِ سلاحها

وخض الخطوبَ ولا تهبْ

وأذقْ نفوسَ الظالـمــيــ

ــــنَ السمَّ يُمزجُ بالرهبْ

واقلعْ جذورَ الخائنيـــ

ـــــنَ فمنهم كل العطبْ

واهززْ نفوسَ الجامديــــــ

ــــــنَ فربما حيي الخشبْ

هذا نظامُ حياتنا

بالنور خط وباللهبْ

هذا لكم عهدي به

حتى أُوَسدَ في التربْ

فإذا هلكتُ فصيحتي:

تحيا الجزائرُ والعربْ

هذا؛ ولا أَحسَبُنِي من الـمتفاخرين بمجد الآباء والأجداد، ولا من أَدْعِيَاء العِلْمِ بالغَيْبِ إِذا قُلتُ: إن جمعية العلماء كانت للجزائر في عهْد الاستعمار الـمظلم الطويل، – متعاونةً مع الطاقات الوطنية الثورية – هدايةً، وإصلاحًا، وثورةً، فانتصارًا؛ فلو أنها، بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي، الـمشهود له بالإمامة في المغرب والمشرق – لم تُمنَعْ في فجر الاستقلال من مواصلة رسالتها التوجيهية، فحُرِمَت الجماهيرُ الشعبيةُ من “مَرجعِيةٍ” علميةٍ دينيةٍ حُرَّةٍ، تَتَمَتَّعُ بالمصداقية في دعوتها إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فَفُتِحَ البابُ على مصراعَيْهِ لكل مَذْهب وافدٍ من هنا وهناك، ظاهريا وباطنيا –لما تعرَّضَت الجزائرُ للرياح المدمِّرة التي عَرفْنَا ويلاتِهَا في العقد الأخير من القرن الماضي، والتي اكتوينا بنارها في الأيام الأخيرة.

أما جمعيتنا في عهدها الحالي فإنها تحاول، بقدر الإمكان، أن تُواصِلَ رسالتهَا التوجيهيةَ على هَدْيٍ من مبادئ الأصالة ومستلزماتِ المعاصَرة، في كنَفِ الوحْدَة، والحرية، والعدل، والاستقرار، والازدهار.

والله ولي التوفيق والـتأييد.

 

آخر التغريدات: