عبد الحميد بن باديس

ولد عبد الحميد بن محمد المصطفي بن مكي بن باديس في مدينة القسنطينة الجزائرية في سنة 1305 هـ ” 1889 م ” والتحق بمدارسها، حيث درس العديد من العلوم الدينية والدنيوية، ثم سافر إلى تونس سنة 1908 ليلتحق بجامعة الزيتونة، حيث ظل مكبًا على تحصيل العلم أربع سنوات، ثم توجه سنة 1912 على الأراضي الحجازية لأداء فريضة الحج وزار خلال رحلته بلاد مصر والشام، ثم عاد على بلدته قسنطينة

حيث أخذ يلقي دروس العلم في مسجد المدينة الشهير المسمي ” بالجامع الأخضر ” وقد اجتذبت دروسه عددًا كبيرًا من شباب مدينة القسنطينة والمدن المجاورة لها ومن جميع أنحاء الجزائر، نظرًا لما كانت تمثله تلك الدروس من روح الإيمان والجهاد اللذين كان يتعطش إليهما الجزائريون في ذلك الوقت، وفي سنة 1924 أنشأ الشيخ عبد الحميد بن باديس مجلتي المنفذ والشهاب وبث فيهما أفكاره الجريئة عن التحرر والعروبة.

وتكللت جهود ابن باديس بإنشاء جمعية العلماء المسلمين في الجزائر سنة 1931، وضمت الجمعية 120 عالمًا من علماء الجزائر الذين اشتهروا باستقامتهم وإخلاصهم لعقيدتهم الإسلامية والجزائرية المسلمة في نفس الوقت، وقد اختارت الجمعية الشيخ ابن باديس رئيسًا لها، وكان شعار الجمعية “الإسلام ديننا والعروبة لغتنا ، الجزائر وطننا”.

وخاض الشيخ ابن باديس معاركه الفكرية دفاعًا عن الإسلام ، فدخل في حوار مع المستوطن الفرنسي “أشيل” الذي تهجم على الإسلام وعلى رسوله الكريمصلى الله عليه وسلم، واستطاع ابن باديس أن يفحم هذا الكافر، ولم يكن ذلك الحوار نوعًا من الترف الفكرى، بل كان من صميم معركة التحرير حيث إن الاستعمار كان يحاول دائمًا أن يبث أفكارا مغلوطة عن الإسلام بهدف تشكيك المسلمين في دينهم وصرفهم عنه؛ لأن الاستعمار كان يدرك أن الإسلام هو الطاقة الكبرى التي تؤجج الكفاح ضد الاستعمار.

وقد توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس يوم 16 فبراير سنة 1940، ولكن تلاميذه وإخوانه أكملوا مسيرة الكفاح، ولم تسقط الراية من أيديهم، وذلك من خلال جمعية العلماء.

الظروف السياسية والاجتماعية في الجزائرفي بداية القرن العشرين :

نشأ عبد الحميد بن باديس في ظروف سياسية واجتماعية صعبة في الجزائر، ولعل معرفة طبيعة هذه الظروف تفيد إلى حد كبير في تقييم الدور العظيم الذي لعبه ابن باديس وجمعية العلماء في الجزائر ,في بداية القرن العشرين كانت الأوضاع في الجزائر قد وصلت إلى حالـة يرثي لها، كان الاستعمار الفرنسي قد جثم على صدر الجزائر منذ 1830، وكانت مخططاته الشيطانية تسير على قدم وساق، فالمذابح تتكرر، وعمليات الأبادة تشتد، وانتزاع الأراضي من الا هالي لصالح المستوطنين من أوروبا وفرنسا خاصة،الذين كانوا يتدفقون على الجزائر، والبعثات التبشيرية تعمل بهمة ونشاط وتستغل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي آل إليها شعب الجزائر، والمجاعات تتكرر، والأوبئة تنتشر، وعدد السكان الجزائريين يتناقص باستمرار، !!

والمخططات الاستعمارية تبذل جهودها في القضاء على الدين الإسلامي والمساجد والزوايا، وتمنع تعليم اللغة العربية، وتبذل كل ما في طاقتها لفصل العرب عن البربر، وتقوم بعملية تغريب حضاري وثقافي شامل عن طريق تعليم اللغة الفرنسية وتدمير كل المؤسسات الوطنية واستبدالها بمؤسسات استعمارية، بل ونجحت تلك الإدارة في إفساد بعض الطرق الدينية التي كان لها نصيب كبير في عمليات الكفاح ضد الاستعمار، فحولتها إلى طرق صوفية تنشر الخرافة بدلاً من العلم الإسلامي الصحيح، وعلى سبيل المثال فإن الطريقة الرحمانية التي اضطلعت بأعباء الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي وخاصة في ثورة 1871 قد أصبحت طريقة خربة تنشر الخرافة والتواكل وذلك عن طريق إفسادها من الداخل ووضع بعض العملاء على رأسها، مثل الشيخ أحمد عليوة، وفي المقابل نجد أن شعب الجزائر في تلك الفترة قد أنقسم إلى ثلاث مجموعات رئيسية، هي مجموعة العملاء والمتعاونين مع الاحتلال الفرنسى، وبعض هؤلاء العملاء قد تخلي عن دينه وتنصر وهذه المجموعة محدودة ولا قيمة لها وملفوظة من الشعب الجزائرى، بل ومحتقرة من سلطة الاحتلال ذاتها.

والمجموعة الثانية هي مجموعة النخبة الأرستقراطية وبعض المثقفين، وهؤلاء قد فقدوا الثقة في إمكانية تحرير الجزائر عن طريق الثورة وانغمسوا في اللعبة السياسية ، مثل لعبة الانتخابات أو المطالبة بتحسين أوضاع الجزائريين وتخفيض الضرائب والسماح للجزائريين بالحصول على الجنسية الفرنسية مع الاحتفاظ بدينهم وقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بهم، أي أن تلك المجموعة كانت تعلن ولاءها لفرنسا وتدعو لدمج الجزائر بفرنسا واعتبارها مقاطعة فرنسية، بشرط حصول أهلها على حق التجنس والانتخابات والتمثيل في الجمعية الوطنية الفرنسية، دون اشتراط تخليهم عن دينهم أو عن قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بهم، وعلى كل حال فإن تلك المجموعة كانت محدودة جدًّا حيث بلغ عددها في مدينة الجزائر العاصمة أقل من 2000، وفي كل الجزائر أقل من 43 ألفًا وهم المسموح لهم بحق التصويت في الانتخابات.

والمجموعة الثالثة هي كل شعب الجزائر المسلم المجاهد الصامد، وهؤلاء كانوا يعبرون عن رفضهم للاندماج بأية شروط ويتمسكون بتحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسى، ويتمسكون بدينهم وعقيدتهم، وكانوا يتواجدون في كل الجزائر .. في الجبال والسهول والصحراء وفي الأحياء الشعبية وفي المدن … كانوا يحفظون القرآن الكريم على اعتبار انه الطريقة الوحيدة للمحافظة على كيانهم المتميز حتى بلغ عدد الذين يحفظون القرآن في الجزائر حوالي 60/0 من أهلها، وهذا دليل على حيوية مذهلة في مواجهة عمليات المطاردة التي يتعرض لها محفظو القرآن الكريم وعلماء الدين عمومًا .. كان هؤلاء كالنار تحت الرماد ينتظرون اللحظة المناسبـة ,ومن هؤلاء خرج الشيخ عبد الحميد بن باديس.

بن باديس والقضية الفلسطينية :

كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يمتلك وعيًا كبيرًا وفذًا، وبرغم الظروف القاسية التي كان يعيشها شعب الجزائر في ذلك الوقت فإن ذلك لم يمنع ابن باديس من الاهتمام المبكر بالقضية الفلسطينية والتنبيه المبكر للخطر الصهيونى، يقول ابن باديس في سنة 1938، أي قبل اكتمال المخطط الصهيوني بعشرة سنوات:”تزاوج الاستعمار الإنجليزي الغاشم من الصهيونية الشرهة فأنجبا لقسم كبير من اليهود ا لطمع الأعمى، وقذف على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة بهم، فأحالوها إلى جحيم لا يطاق وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحًا لا يندمل، جاء الزوجان المشئومان – الصهيونية والاستعمار – فكان بلاءً على فلسطين، وليست الخصومة بين عرب فلسطين واليهود فحسب، بل بين الإسلام كله والصهيونية والاستعمار كله، وكل مسلم مسئول أعظم المسئولية عند الله تعالى إن لم يعمل على رفع الظلم عن فلسطين بما استطاع”.

ولعل هذا الفهم الدقيق لطبيعة المعركة مع الصهيونية والذي قدمه لنا الشيخ بن باديس مبكرًا جدًّا، ومازلنا حتى الآن نكتشف صحته يومًا بعد يوم , يؤكد الوعي الكبير للشيخ ابن باديس ، ولعله أول من نبه إلى أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وأن كل مسلم مسئول أعظم المسئولية عن هذه القضية وعن حقيقة التحالف العنصري بين الغرب وإسرائيل وطبيعة الصراع على أساس أنه صراع حضاري شامل وليس مجرد صراع بين عرب فلسطين وبين اليهود، كما أن هذا الاهتمام المبكر من الشيخ ابن باديس بالقضية الفلسطينية يؤكد وحدة المصير الإسلامي في كل مكان، وأن المعركة واحدة في فلسطين أو في الجزائـــر.

جمعية العلماء المسلمين في الجزائر

نشأت جمعية العلماء المسلمين في الجزائر عام 1931، وشارك فيها نحو 120 عالمًا من علماء الجزائر المشهورين بالعلم والتقوى، وكان أول رئيس لها هو الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومنذ أول يوم للجمعية قامت بمهمتها التاريخية في تأكيد إسلامية الجزائر وعروبتها ورفضها للخضوع أو الاندماج في فرنسا فقام الشيخ احمد توفيق المدني بتأليف ونشر كتاب عن تاريخ الجزائر سنة 1931، ليكون أداة بين الجزائريين تؤكد أصالتهم وتميزهم، كما قام بن باديس وعلماء الجمعية وتلاميذها بالتصدي لدعاة الفرنسة أو الدعوات العرقية واستطاعوا أن يفسدوا تدبير المستعمر في الوقيعة بين لعرب والبربر، بل وجعل البربر أنفسهم يؤكدون على إسلاميتهم وعروبتهم وإسلامية الجزائر وعروبته، وفي نفس الوقت انبث علماء الجمعية وتلاميذها في كل مكان من الجزائر ينشئون المدارس والمساجد وتعليم الصغار والكبار اللغة العربية وعلوم الإسلام وتاريخ الجزائر وملحمتها الجهادية ضد الحملات الصليبية.

ويعد موقف جمعية العلماء إبان الحرب العالمية الثانية سنة 1939 م، من أروع مواقفها، فقد رفض الشيخ بن باديس وعلماء الجمعية أن يعلنوا تأييدهم لفرنسا، وقال الشيخ بن باديس كلمته المشهور ” كيف نكون مع فرنسا وهي التي لم تقيم لنا وزنًا، ولم تعترف لنا بحق، وأمعنت في إهانتنا واحتقارنا، فكيف تجدنا ساعة الخطر أعوانًا وأنصارًا ؟ يجب علينا أن نسكت عنها إطلاقا ولا نقول لها كلمـة”.

كانت الجمعية مع إسلامية الجزائر وعروبته، وتحرير الجزائر تحريرًا كاملاً من الاستعمار الفرنسى، وأنه ليس هناك أية أرضية مشتركة للقاء مع الاستعمار، فالصراع صراع حضاري وثقافي وعسكري يمتد في التاريخ والجغرافيا ,يقول ابن باديس: “والله لو قال الاستعماريون لي قل لا أله إلا الله محمد رسول الله ما قلتها .. ” والله لن أوقع تأييدًا لفرنسا ولو قطعوا رأسـي”.

وإذا كان دور الجمعية التربوي والتعليمي معروفًا ومشهورًا، حيث بلغت عدد المدارس التابعة للجمعية عند وفاة الشيخ بن باديس 170 مدرسة عربية حرة، وبلغ عدد التلاميذ ما يزيد على الخمسين ألفًا بين ذكور وإناث يقوم بتعليمهم أكثر من 900 معلم، معظمهم من خريجي الأزهر الشريف في مصر أو جامعة الزيتونة في تونس، وبعد وفاة الشيخ ابن باديس تزايدت أعداد المدارس التابعة للجمعية، حيث بلغت 300 مدرسة تعلم أكثر من 70 ألف طالب عام 1953، كما أنها شكلت لجنة للتعليم بالجمعية وأوفدت عددًا من الطلاب لاستكمال الدراسة في المعاهد العليا بمصر وتونس، ووصل الامر إلى حد أن الجمعية كانت تمنح الشهادات العلمية باسم الشعب الجزائري بدون موافقة الإدارة الاستعمارية، وإذا كان لذلك من دلالات سياسية تربوية، فإن لها أيضًا دورًا سياسيــًا لا ينكر.

اهتمام الجمعية بقضايا العالم الإسلامي وفلسطين :

لم تقتصر جهود جمعية العلماء على الاهتمام بقضايا الشعب المسلم في الجزائر، ، بل اهتمت بأوضاع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وخاصة قضية فلسطين، فقد قامت الجمعية بالدعوة إلى إنشاء ” لجنة إعانة فلسطين “، وترأس تلك الجمعية الشيخ أحمد الإبراهيمي رئيس الجمعية في ذلك الوقت، أي عام 1948 م، ودعا الشيخ الإبراهيمي جميع مسلمي العالم للكفاح ضد الإمبريالية والصهيونية، وأن يتم تقديم الاحتجاجات على ما حدث في فلسطين إلى الهيئات الدولية، كما قامت اللجنة بإرسال عدد من المجاهدين الجزائريين إلى فلسطين للمشاركة في القتال ضد الصهيونية، وكذلك تم إرسال مبلغ أربعة ملايين فرنك، ثم ثلاثة ملايين فرنك أخري لدعم الجهاد الفلسطيني.

ومن أقوال الشيخ الإبراهيمي في هذا الصدد “أيها العرب، أيها المسلمون، إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة إذًا نحن خاسرون” ، ويقول أيضًا: “أيها الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة، تنسي فلسطين أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها، لا والله ويأبى ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربي إن الاستعمار يريد أن يباعد بين أجزاء الإسلام لكيلا تلتئم، وهيهـات لما يروم”.

دور جمعية العلماء في الإعداد للثورة الكبرى(1954- 1962) :

ما إن اندلعت الثورة الجزائرية الكبرى سنة 1954 حتى أعلن الشيخ توفيق المدني في أبريل سنة 1956 تأييد الثورة وأنخرط المجاهدين من أتباع الجمعية في صفوفها، ولكن ليس بهذا فقط ساهمت الجمعية في الثورة، بل إن تمهيد أرض الثورة بالكامل الفضل فيه يرجع إلى جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، إذ لولا ظهور الجمعية سنة 1931، بعد أكثر من مائة عام من ليل الاستعمار الطويل، وبعد عمل الاستعمار على إبادة شعب الجزائر حضاريًا وثقافيًا وبشريًا، لولا ظهور الجمعية في ذلك الوقت لكانت المخططات الاستعمارية قد أوشكت على تحقيق أهدافها أو جزءًا كبيرًا منها على الأقل.

إن الجمعية قد مهدت الأرض للثورة، وذلك بجهودها في التعليم ونشر اللغة العربية، وإيقاظ الجزائريين في كل مكان والتصدي بحزم لكل ما من شأنه تدمير الوجود المستقل للجزائر، ويكفي أن نقول في هذا الصدد أن 70 ألف طالب كانوا يتخرجون من مدارس الجمعية، كانوا هم أنفسهم قيادات الثورة وعناصرها النشيطة .إن الثورة الجزائرية لم تكن لتظهر لولا التأكيد على خصوصية شعب الجزائر المتمثلة في الإسلام والعروبة،ولولا تأكيد الإسلام والعروبة في ضمير الجزائريين لما كان للثورة أن تظهر وتستمر أوتنتصر، وإذا كانت الجزائر الجاهدة المجاهدة قد خاضت المعارك ضد الاستعمار الصليبي الفرنسي منذ عام 1830 تحت قيادة الباي أحمد، وعبد القادر الجزائري ثم المقراني والحداد وغيرهم، فإنه مع بداية القرن العشرين كانت الحركة الوطنية في الجزائر على شفا الهاوية بعد أن اتخذت شعار الولاء لفرنسا والمطالبة بالحقوق الجزائرية في إطار فرنسا الأم، ولولا جهود الجمعية لاستمر وتزايد هذا النهج الذي كان سيؤدي حتمًا إلى ضياع الجزائر، أي أنه لولا المعارك التي خاضتها جمعية العلماء على أكثر من مستوى من أجل تأكيد طريقها في تحرير الجزائر في إطار إسلاميته وعروبته والتمسك بخط الكفاح المسلح ووصل ما أنقطع منه، لما وجدت الثورة الجزائرية الكبرى أرضية للانطلاق والاستمرار والانتصار.

إن جمعية العلماء برفعها شعار”إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”قد وضعت يدها على الطريق الصحيح لتحرير الجزائر اعتمادًا على القدرات الذاتية للشعب الجزائري ,وعلى أساس هذا كله، فليس من العجيب أن يؤكد هذه الحقيقة كل الباحثين التاريخيين بلا استثناء، وكذا قيادات ثورة الجزائر أنفسهم حتى لو كانوا من ذوي الاتجاهات اليسارية أو اليمينية، يقول الأستاذ عبد الباقي محمد أستاذ التاريخ بجامعة قسنطينة ” إن الدور الذي اضطلعت به جمعية العلماء في الجزائر، كان هو الدعامة التي قامت من خلالها، وفي إطارها الثورة الجزائرية الحديثـة.

ويقول الدكتور أبو الصفصاف عبد الكريم في رسالته للدكتوراه : “إن جمعية العلماء هي التي أخرجت الجزائر من عزلتها الثقافية، وأعادت ربطها بالأمة الإسلامية وحطمت المقولات التي خلقها الاستعمار، وعمدت إلى إحياء اللغة العربية والتاريخ الوطنى، وطهرت الإسلام من الشوائب التي علقت به، ووحدت الشعب الجزائري تحت راية الإسلام، وأحبطت حركة الاندماجببن الرامية إلى ربط الجزائر بفرنسا بواسطة جنسية المستعمر ولغته، وكونت الإطارات المخلصة التي فجرت ثورة 1954، وكانت الدعامة الأساسية لعملية التعريب بعد أن استردت الجزائر سيادتها الوطنية سنة 1962”.

ويصف الدكتور محمود قاسم في كتابه “الإمام عبد الحميد بن باديس” بأنه الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ,ويقول محمد على ديوز: “أن الثورة الجزائرية قد تأثرت بأفكار حركات الإصلاح الإسلامي التي قادها جمال الدين الأفغاني في مصر والمشرق العربي عن طريق جمعية العلماء الذين كانوا بدورهم تلاميذ للأفغاني ومتأثرين به، وأن الجزائريين كانوا باكورة القرن العشرين يترقبون بشوق ملتهب وصول بريد المشرق العربي الذي كان يحمل لهم كتب علمائه ومجلاتهم التي تنشر مقالات وأفكار مصطفي كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش وغيرهم”.

ويقول عباس فرحات رئيس حكومة الثورة الجزائرية في المنفي: “كان الجزائريون المتخرجون من جامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر –وهم الذين شكلوا جمعية العلماء– يجعلون من نهضة الإسلام والعروبة الشرط الأول لنهضة الجزائر، وكان أنصارهم من جماهير الفلاحين يشكلون أعدادًا ضخمة فقد كان الشعب الجزائري ينطوي على نفسه ويتمسك بقوة بعقيدته الدينية في مواجهة القهر الاستعماريوالعنصري، وكان لابد لهذا التيار أن يؤثر بقوته على كل التيارات السياسية في الجزائر باتجاه الثورة”.

 

* كاتب إسلامي مصري

آخر التغريدات: