جمعية العلماء.. وابن باديس ودورهما في خدمة الجزائر والإسلام

جمعية العلماء.. وابن باديس ودورهما في خدمة الجزائر والإسلام

الإمام ابن باديس وجمعية العلماء: ولد الإمام ( عبد الحميد بن باديس) الشيخ الرئيس سنة 1889 م في مدينة قسنطينة – أكبر مدن الشرق الجزائري -. ومعروف أن قسنطينة – طيلة عهد الاستعمار الفرنسي – كانت طليعة مدن الجزائر كفاحا في سبيل الثقافة الإسلامية والعربية..

وقد أسهمت بطائفة ممتازة من العلماء والمفكرين المسلمين كسيدي عمار بن شريط القسنطيني المفتي، وسيدي محمد الشاذلي القسنطيني، والشيخ الفاضل عبد الحفيظ الهاشمي؛ الذي أصدر من قسنطينة في عهد الاستعمار أكبر جريدة عربية يومية (النجاح)..وقد صدرت في قسنطينة كذلك جريدة (المنتقد) بقيادة مجموعة من علماء المسلمين ومن قسنطينة كذلك صدرت (الشهاب) مجلة شيخنا (ابن باديس ) التي كانت الصوت الأقوى والأكبر لجماعة العلماء المسلمين، ولحركة البعث العربي في الجزائر.

في قسنطينة هذه نشأ الشيخ (ابن باديس) وترعرع وتلقى علومه، ثم تخرج من الزيتونة عام (1912م)، ولم يلبث أن قام بالحج إلى بيت الله الحرام – شأنه شأن الأمير عبد القادر- حيث استغل هذه الرحلة الدينية فطاف بالمشرق والمغرب، وأتيح له أن يعرف من أمراض المسلمين الشيء الكثير، فعاد إلى الجزائر عازما على الإصلاح وفق منهج إسلامي تكونت أبعاده في ذهنه من مجموعة من المؤثرات الهامة صدرت بعضها عن الواقع، وصدر بعضها عن الثقافة التي تشبع بها الشيخ، وصدر بعضها عن الروح الإسلامية الجديدة التي أشاعها في سماء العالم الإسلامي الإمام محمد بن عبد الوهاب، والسيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده، خاصة وأن الشيخ محمد عبده قد زار الجزائر سنة 1903م، وأصبح ذا تأثير كبير في نفوس المثقفين والوطنيين الجزائريين.

يضاف إلى ذلك جهود الشيخ (محمد رشيد رضا)، ومجلة المنار، وتفسير المنار، وأثر جامعة الزيتونة بتونس.

وفي مواجهة القهر الاستدماري الفرنسي، وفي مواجهة عباراته الشامتة بمناسبة مرور مائة سنة على احتلاله للجزائر، واحتفالاته الصاخبة التي استمرت عدة شهور بدأ الشيخ مقاومته المباشرة، وأسس جمعية العلماء المسلمين.

والحق أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست في (مايو 1931/ذي الحجة 1350هـ) بنادي الترقي بالجزائر العاصمة لم تكن إلا تجسيما حيا ومنظما لقصة كفاح الإسلام في الجزائر منذ سنة 1830م.

ولسنا نتحيف حقائق التاريخ إذا ما ذكرنا أن (العنصر الإسلامي) كان هو العنصر الوحيد البارز في إنقاذ الجزائر من المصير الذي آلت إليه الأندلس.

لقد كانت جمعية العلماء في حقيقة أمرها كما يقول الدكتور (عبد الملك مرتاض) حزبا كبيرا، من ضربٍ خاص، متواجدا في كل أصقاع الوطن الكبير: ظاهر أهدافه مجرد الإصلاح الديني، وحقيقته تجسيد طموح سياسي كان يسعى إلى تنضير وجه الشخصية العربية الإسلامية في الجزائر، وفرضها على الاستعمار الفرنسي، كما يجب أن تكون، وهو الذي كان يتخذ من مِقت العروبة والإسلام لذة يستمتع بها.

كانت جمعية العلماء تعتقد في مواقف معينة على الأقل، (حيث نصادفها في مواقف أخرى تتخذ التقية لها سبيلا فلا تتمسك بما كان يطلق عليه انفصال الجزائر عن فرنسا..) أن المطالبة بالاستقلال – الذي كان كما قلنا يسمى في اللغة الفرنسية في الجزائر “انفصالا” – لا يمكن أن يتم والجزائريون يتبنون اللغة الفرنسية لسانا، ويعتنقون المسيحية دينا، وأي معنى كان يكون لاستقلال سياسي من ذلك النوع؟ من أجل ذلك أعلن شعار عظيم ظل قائما ومؤثرا إلى يومنا هذا في الحياة العامة في الجزائر وهو الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا.

ومن أهم ما نشطت فيه جمعية العلماء، ورأته ضرورة ملحة المهام التالية:

– مقاومة الإدماج والتجنيس، وإبراز الشخصية الجزائرية.

–  فصل الدين الإسلامي بكل أجهزته عن سلطة الدولة الفرنسية الحاكمة.

–   إتاحة الفرصة للتعليم العربي والثقافة العربية؛ ليأخذ مكانتهما اللائقة بهما في الجزائر.

–   تربية الشباب الجزائري تربية إسلامية، وتكوين طليعة شبابية تقود بعث الجزائر بعثا إسلاميا.

–   العمل على توحيد كلمة المسلمين والقضاء على أسباب انحطاطهم.

وهذه هي جماع أهداف جمعية العلماء التي انطلقت منها، وانطلق منها الشيخ (ابن باديس) في محاولة كفاحية لإعطاء الشعب الجزائري صفته التاريخية الإسلامية..

وسيرا في الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف فقد قامت الجمعية بقيادة (ابن باديس) بتنفيذ الخطوات التالية:

–   إنشاء المدارس العربية والإسلامية وعلى رأسها معهد ثانوي بقسنطينة.

–   إنشاء المساجد والنوادي الثقافية.

–   إرسال البعثات إلى بلاد الإسلام المتقدمة.

–   تأسيس الكشافة الإسلامية.

–   تأسيس جمعية التجار المسلمين.

–   تأسيس جمعية الفنون الجميلة والموسيقى العربية.

–   إنشاء صحافة عربية وإسلامية.

ففي سبيل تكوين أكبر أرضية يمكن أن تصل إليها الروح الجديدة لم يكتف الشيح بالخطب والمحاضرات؛ بل شجع الشيخ الصحافة العربية والإسلامية؛ التي كانت تجد كل عنت من السياسة الفرنسية وعملائها.. ومن هنا فقد قام الشيخ نفسه بإصدار مجلة (الشهاب) وجريدة (التقدم) كما ساعد في تحرير جريدة صديقه الشيخ البشير الإبراهيمي (البصائر) وفي مجلات السنة، والشريعة، والصراط وجريدة المرصاد.. وغير ذلك من المجلات والجرائد التي تسير مع طريق الشيخ، وطريق جمعية العلماء المسلمين.

ففي الشق الأول نرى الشيخ الرئيس يؤمن بتكوين (الفرد) إيمانا مطلقا، ويرى أن (الفرد) أساس المجتمع الصالح، ومن هنا فقد عكف على الدروس على أساس الاتصال المباشر بتلامذته، وتكوين علاقات فردية يستشف من خلالها روح الفرد، ويتمكن من التأثير فيه- وهذا المنهج مع قربه من منهج الشيخ (محمد عبده)؛ لكنه كان عماد منهج الشيخ ابن باديس في الوقت نفسه- وهذا المنهج الذي قام الشطر الأكبر منه على تفسير القرآن والحياة فيه وتحقيق وجوده في النفس والقلب وفي واقع الحياة بحيث يمكنه القول أنه منهج تحويل القرآن إلى فعل. إن مجالس التذكير بواسطة الأداء المتميز كان تطبيقا لقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ولم يؤده ابن باديس أداء معرفيا أو تثقيفيا وإنما قدم رسالة إلى الوجدان ، بيد أنه من جراء هذا المنهج الذي ألزم الشيخ به نفسه فإنه كان يرفض أية جولات دعائية أو(مؤتمراتية) خارج الجزائر، وكل ما هو من هذا القبيل كان يحيله إلى صديقه الشيخ البشير الإبراهيمي..

جهود (ابن باديس) في بعث روح الأمة :

في مواجهة كلمات قادة الاحتلال الفرنسي للجزائر في مناسبة الذكرى المئوية لاحتلالهم لهذا البلد المسلم العربي راحت كلمات (عبد الحميد بن باديس) باعث النهضة الجزائرية تدوي في ضمير الشعب الجزائري ووعيه، باعثة فيه روحا جديدة، وأملا جديدا وكأنها تعطيه مصباحا يهتدي به إلى طريق الحياة اللائقة بالمسلم وبالإنسان بينما هو تائه بين آلاف الظلمات الاستعمارية وخلف أسوار (الفرنسة الرهيبة).

يقول الإمام ابن باديس:

فنقدم نموذجا منه مثل قوله:”إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون هي فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت ؛ بل هي أمة بعيدة عن فرسا كل البعد في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها..لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة “.

ونحن لا نستطيع أن ندرك القيمة التاريخية لهذا الكلمات القوية التي تبدو كقذائف من النوع الثقيل إلا إذا استوعبنا الواقع الجزائري، ورأينا عن كثب بصمات فرنسا الاستعمارية الخانقة والإبادية لهوية الشعب الجزائري.

– إنها بصمات تتجلى في (استعمار فكري وخلقي) يجعل من الخمر، والميسر، والعلاقات الجنسية الملوثة عادات شخصية تدل على التطور، وتعمق معنى الحرية الفردية…

–   بصمات تتجلى في (استعمار عقدي يتمثل في تلك الخرافات التي انتشرت بدعم من الاحتلال الفرنسي حتى طمست حقائق الإسلام كقوة حركية قادرة على استيعاب واقع الإنسان المسلم وقيادة طريق المستقبل.

–   بصمات تتجلى في (استعمار لغوي) يتمثل في مسخ لسان الإنسان الجزائري؛ الذي يبكي قلبه حين يريد أن يترجم عن خلجات فؤاده بالعربية، فيتعثر به اللسان فلا يملك إلا أن يلعن الاستعمار…!!

–   هذه البصمات وتلك تتناثر هنا وهناك يلعنها الجزائري المسلم في أعماقه المسلمة العربية، ويترجم عنها بلسانه الذي يتأرجح بين العربية والفرنسية، ويحاول جهده التخلص منها كبقايا استعمارية، ويتجشم في سبيل ذلك ما لا يعلمه إلا الله.

وبإيجاز: لقد كانت الكلمة الحاسمة الفاصلة جانبا من جوانب عظمة (ابن باديس) وعبقريته.

ومن جانب آخر قدم الشيخ (ابن باديس) النموذج الرائع القادر على مواجهة الاستعمار بكل أبعاده الفكرية، والسياسية، والأخلاقية…

ومن هنا كان رفضه لصراعات السياسيين الذين يدعي كل منهم قدرته على التحرير، فضيعوا وقت الأمة في ما لا يجدي نفعا، وفي هؤلاء قال الإمام (عبد الحميد بن باديس):

“يا هؤلاء.. إن الجمعية ليست عاجزة عن مقاومتكم، وإظهار خطتكم، وكشف باطلكم، ولكنها تعلم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، من اجتماع الكلمة، وعدم الفرقة، وتوحيد الصفوف، فلهذا تركتكم راجية لكم أن تدركوا حقيقة الموقف فتعلموا بما يقتضيه”.

عملت القوى المعادية للجزائر على تحطيم وحدتها الوطنية وتشتيتها إلى عصبيات وعرقيات يصارع بعضها البعض وتفرق بينهما أسباب التناحر والعداء..مستخدمة لتحقيق مآربها الكثير من المخططات، والمحاولات، والمؤامرات الهادفة إلى إسقاط الوحدة الوطنية.

ومن هنا فإن الشيخ الرئيس (ابن باديس) راح يبذل جهودا قصوى في سبيل حماية الوحدة الوطنية، منطلقا من وعي عميق بأهمية هذه الوحدة ، وإدراك لضرورة كل مقوم من  مقوماتها.

ويقين..فقد كان الحفاظ على الوحدة الوطنية أحد إبراز محاور العمل الإصلاحي الذي قاده الشيخ (ابن باديس) في واقع المجتمع الجزائري خلال النصف الأول من القرن الماضي.

ويعد هذا المعلم من معالم سياسية (ابن باديس) جانبا من جوانب عبقريته وعطائه للجزائر.

ومن جانب آخر قام تركيز جمعية العلماء بقيادة الشيخ الرئيس (ابن باديس) على البناء الدعوي، والتربوي، بالإضافة إلى النضال السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي.

ويعد هذا المعلم الذي جاء نموذجا ومنهجا مع بناء لجمعية والأرضية التي تصف خوفها جانبا من جوانب عبقرية جمعية العلماء بقيادة (ابن باديس).

وفي تحديد الحاسم لمبادئ جمعية العلماء لخص رئيس الجمعية مبادئها في العروبة والإسلام، والعلم، والفضيلة ، وقال:إن هذه المبادئ هي أركان جمعية العلماء التي تحفظ على الجزائريين جنسيتهم وقوميتهم.

ومن ثم حددت الجمعية الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها وتشمل :”تطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في إطفائها حتى تنهار.

مقاومة الجزائريين، بالإضافة إلى إحياء الثقافة العربية ونشرها، بعد أن عمل المستعمر على وأدها، والعمل من أجل حصول الجزائر على استقلالها وضمها إلى الأسرة العربية، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية، والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها وهكذا بتخطيطهم ظهرت الأهداف الكبرى التي تضم ؟؟؟

ركائز الإصلاح والبعث الجزائري الإسلامي:

لكي ندرك قيمة التأثير العقدي والحضاري لجمعية العلماء في الشعب الجزائري وغيره، نشير إلى أن أهم الركائز التي قامت عليها دعوتها الإصلاحية الإحيائية قد انتظمت الجوانب الأساسية العقدية، والعقلية، والأخلاقية، الكفيلة بتحقيق الانبعاث والنهضة…وذلك على النحو التالي:

أولا: إصلاح عقيدة الجزائريين :

فقد كانت جمعية العلماء تركز عملها بصفة عامة على مقاومة الخرافات والبدع التي شوهت عقيد المسلمين، وتطهير عقيدتهم من مظاهر الشرك، سواء العلني منها أو الخفي.

وقد كان لإمام جمعية العلماء الشيخ (عبد الحميد بن باديس) دروس يمليها على تلامذته في (جامع قسنطينة) تحت عنوان: (العقائد الإسلامية)، وكان يتبع في الاستدلال على وجود الله، ووحدانيته، وصفاته منهج القرآن الكريم في الاستدلال لا منهج علماء الكلام المتأثرين بالأساليب الفلسفية والإغريقية العقلية، أو أساليب الفقهاء الذين يستدلون بكلام أئمتهم، أو قدماء أتباعهم بدل الاستدلال بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقد نشرت أجزاء من تلك الدروس بعد وفاة (ابن باديس) تحت عنوان:”العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية “، وهي تعطينا صورة واضحة عن طريقة جمعية العلماء في إصلاح العقيدة على النهج السلفي، و(ابن باديس) يصف طريقته تلك بأنها “الطريقة المُثلى في الاستدلال على وجود الله وصفاته، فما يرجع إلى الغيبيات لا يكون إلا بالقرآن، لأن المؤمن إذا استند في توحيد الله، وإثبات ما يثبت له، ونفي ما انتفى عنه لا يكون إلا بآية قرآنية محكمة.يقول الشيخ ابن باديس عند شرحه لقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}(الفرقان 27)، يقول: كما علينا أن نتبع سبيل الرسول – عليه الصلاة والسلام – التي جاء بها من عند الله تعالى وهي الإسلام، كذلك علينا أن نتبع سبيله في القيام بشرائع علما وعملا في أبواب العبادات، وأحكام المعاملات، وفي تطبيق أصول الإسلام وفروعه على الحياة الخاصة والعامة، وهذه سنته التي كان عليها، وكان عليها أصحابه، وأهل القرن الثاني من التابعين، وأهل القرن الثالث من أتباع التابعين، تلك القرون المشهود لها بالخيرية على غيرها بلسان المعصوم، وكما أن من عدل عن الإسلام ولم يسلك سبيله وقع في ضلال الكفر، كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل الإسلام يندم أشد الندم، ويتحسر أعظم الحسرة على ما كان من تفريطه، كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل السنة إذ كل منهما قد ظلم نفسه، وفرط في سبيل نجاته، فالآية كانت في الكافر والمشرك فهي تتناول بطريق الاعتبار أهل الأهواء والبدع.

ويقول عند شرحه الآية: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} (الإسراء 19). ..يقول من الناس من يخترع أعمالا من عند نفسه ويتقرب بها إلى مثلما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها، والذبح عليها، والخضوع لديها، وانتظار قضاء الحوائج منها، وهم يعلمون أنها مخلوقة لله مملوكة له، وإنما يعبدونها كما قالوا لتقربهم إلى الله زلفى، وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص، والزمر، والطواف حول القبور والنذر لها، والذبح عندها، ونداء أصحابها، وتقبيل أحجارها، ونصب التوابيت عليها، وحرق البخور عندها، وصب العطور عليها، فكل هذه الاختراعات فاسدة في نفسها، لأنها ليست من سعي الآخرة كان يسعاه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده فساعيها موزور غير مشكور.

ويقول عند شرحه لقوله تعالى :{ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }(الإسراء 36).

يقول: إن أدلة العقائد مبسوطة في القرآن العظيم بغاية البيان، ونهاية التيسير، وأدلة الأحكام أصولها مذكورة كلها فيه، وبيانها وتفاصيلها في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم فحق أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدهم الدينية، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم، إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم، ولن يجد العامي الأدلة لعقائد قريبة إلا في كتاب الله فهو الذي على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد المسلمين إليه.

أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية فإنه من الهجر لكتاب الله، وتصعيب طريق العلم إلى عبادة الله وهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من نتيجة هذا ما نراه في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه.

ومما ينبغي لأهل العلم أيضا – إذا أفتوا أو أرشدوا – أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاويهم ومواعظهم ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم، ويذيقوهم حلاوته ويعرفونهم منزلته، ويجعلوه منهم دائما على ذكر، وينيلهم العلم والحكمة من قريب، ويكون لفتاواهم ومواعظهم (رسوخ في القلب، وأثر في النفوس)، فإلى القرآن والسنة أيها العلماء إن كنتم للخير تريدون”.

ويعلق أحد الكتاب الجزائريين على منهج (ابن باديس) في إصلاح عقيدة الجزائريين والمسلمين بعامة النقاب عن حقيقة تأثره فيها بمنهج السلف…قائلا:

“هناك ملاحظة ينبغي الإشارة إليها قبل المضي في بيان ملامح فلسفة (ابن باديس)، وهي أن الإمام (عبد الحميد بن باديس) عالم مسلم يعمل في الدائرة الإسلامية، وهو كذلك مصلح سائر على نهج المصلحين السلفيين من أتباع المدرسة الإصلاحية السلفية التي ظهرت في الشرق الإسلامي في القرن الثامن عشر للميلاد (الثاني عشر للهجرة)، وكانت تنادي بضرورة العودة بالإسلام إلى متابعة الأولى، وهو الكتاب والسنة بعيدا عن بدع المبتدعين، وخرافات المنحرفين.

وفي رأي (ابن باديس) أن العقائد السليمة هي قاعدة الإصلاح في المجتمع، وهو ينادي بأن حالة التدهور العام التي وصل إليها المسلمون في القرون الأخيرة إنما تعود إلى تدهور العقيدة لدى الفرد المسلم، وتطرق الشرك الخفي إليها، وهو يعتبر ذلك “قاعدة الإصلاح” ويقول :” فلنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك وأخلاقنا من الفساد وأعمالنا من المخالفات “.

ثانيا: الرجوع إلى القرآن والسنة:

يقول (ابن باديس): إن دعوة الرسول –عليه الصلاة والسلام- ما كانت إلا للقرآن وبالقرآن، وإن أئمة الهدي أنفسهم كانوا يدعون لاتباع الكتاب والسنة فهم دعاة اتباع لا ابتداع، وما دعوا إلى (التحزب) لأنفسهم ..كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعانا إلى اتباع سبيله في القيام بالشرائع في حياتنا العامة والخاصة، وتلك هي سنته التي كان عليها أهل القرون الأول والثاني والثالث، تلك القرون المشهود لها بالخيرية على غيرها بلسان المعصوم – عليه الصلاة و السلام-.

ثالثا : مقاومة الصوفية المبتدعة:

ترتبط مقاومة الصوفية المبتدعة بإصلاح العقيدة ارتباطا وثيقا، هكذا كان المنهج بالنسبة لحركة جمعية العلماء الجزائريين.

فما نكب الأمة في عقيدتها التي هي مبعث تميزها وفخرها على الملل الأخرى إلا هؤلاء المتصوفة وإخوانهم من سائر المبتدعة.

لقد ارتكب كثير منهم في الجزائر خيانة عظمى أخرى  – عد خيانتهم لله – عندما والوا فرنسا، ووفوا معها ضد المسلمين الجزائريين دعاة الإصلاح والتحرير، فلابد أن تأخذ مقاومة هؤلاء قدرا كبيرا من جهود جمعية العلماء، وأن تصبح المعركة معهم سافرة واضحة وضوح المعركة مع المستعمر الفرنسي –ويرى الشيخ (محمد البشير الإبراهيمي) الرائد الثاني لجمعية العلماء ورئيسها بعد (ابن باديس) –أن مقاومة البدعية والصوفية ورجال الدين الرسميين المنافقين هو ” أول يد بيضاء أسدتها الجمعية للجزائر حين قامت بتحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تأليه الأهواء والرجال،فإن تحرير النفوس والعقول هو الأساس لتحرير الأبدان وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا..وبذلك التحرير العقلي الذي أساسه –توحيد الله-تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشاب المتنابذة، من المبادئ، وبين الصالح والزائف منها، وبذلك التحرير أرادت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة”.

ويكشف “الإبراهيمي” حقيقة بعض المنافقين والمبتدعة الذين تستخدمهم فرنسا لأغراضها فيقول :

“في أيام الحلة الكبرى على الحكومة (الفرنسية) ظهر (هؤلاء) بمظهر مناقض للدين، فكشفوا الستر عن حقيقتهم المستورة، ووقفوا في صف الحكومة مؤيدين بها، خاذلين لدينهم وللمدافعين عن حريته، مطالبين بتأييد استعباده، عاملين بكل جهدهم على بقائه بيد حكومة مسيحية تخربه بأيديهم، وتشوه حقائقه بألسنتهم، وتلوث محاربيه ومنابره بضلالتهم (..)، وتؤيد سيطرته فتاويهم، وقد أخذوا في الزمن الأخير ببعض مظاهر العصر وتسلحوا ببعض أسلحتهم بإملاء من الحكومة للدفاع عن الباطل، فكونوا جمعية، وأنشأوا مجلة، وجهزوا كتيبة من الكتاب يقودها أعمى، خذلان من الله ليشترك عاقلهم وسفيههم في هذه المخزيات، وبحكم العضوية في الجمعية، والاشتراك في المجلة، بعدما كانوا يعلمون فرادى، فيمتاز البريء منهم عن المجرم، ولو في دائرته الضيقة، ومن أهله وجيرانه… دافعناهم- عندما ظهروا بذلك المظهر – بالحق فركبوا رؤوسهم، فتسامحنا قليلا إبقاء على حرمة “المحراب والمنفرط التي انتهكوها، فشددوا إبقاء على حرمة الخبرة، فكشفنا عن بعض الحقائق المستورة فلجوا وخاضوا، وثاروا وخاروا، فلما عتوا عن أمر ربهم رميناهم بالآبدة… وهي الصلاة خلفهم باطلة؛ لأن إمامتهم باطلة..لأنهم جواسيس”!!

ولم يكن الإمام ( عبد الحميد بن باديس ) –رحمه الله- أقل حربا للصوفية والمبتدعة من الشيخ الإبراهيمي؛ بل كان – رحمه الله – يتهمهم بإفساد الإسلام، وأنهم قد أخذوا أنفسهم بنسك الأعاجم، واخترعوا أعمالا وأوضاعا من عند أنفسهم، وظنوا أنهم يتقربون بها إلى الله زلفى على غرار المشركين قبل البعثة النبوية.

يقول( ابن باديس ): “وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها، والذبح عندها، ونداء أصحابها، وتقبيل أحجارها، ونصب التوابيت عليها، وحرق البخور عندها، وصب العطور عليها، فكل هذه الاختراعات فاسدة في نفسها؛ لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان محمد – صلى الله عليه وسلم – يسعاه وأصحابه من بعده، فساعيها موزور غير مشكور.

“كما يتهم الطرق الصوفية بأنهم ادعوا لأنفسهم نوعا الربوبية حينما زعموا للعامة الساذجة بأنهم قادرون على المنح والعطاء، كما أنهم قادرون على المنع والحرمان، وذلك بقصد استغلالهم، وابتزاز أموالهم، وصرفهم عن مكافحة الاستعمار الذي يحتل وطنهم؛ إلى التمسح بأعتاب رجال الطرق الصوفية؛ الذي ابتليت بهم الجزائر في هذه الحقيقة من أحقابها الطويلة.

رابعا : تحذير الناس من الأحاديث الموضوعة:

دأب مفكرو جمعية العلماء على تنفيذ تلك الأحاديث والآثار الشائعة المنكرة والموضوعة التي شوهت جمال الإسلام.

فإن الإمام (ابن باديس) – رحمه الله – يكاد لا يذكر عبارة السنة إلا ويحددها بعبارة “الصحيحة الثابتة”، وذلك تحذيرا من كل ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويقول في شرحه للآية : {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} : لابد أن نعمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- من غير الحديث الضعيف؛ لأنه ليس لنا به علم فإذا كان الحكم ثابتا بالحديث الصحيح مثل: قيام الليل، ثم وجدنا حديثا في فضل قيام الليل يذكر ثوابا عليه ما يرغب فيه جاز عند الأكثر أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديدا على وجه الترغيب.ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه، وهذا هو معنى قولهم: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، أي: في ذكر فضائلها المرغبة فيها لا في أصل ثبوتها.

فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله باتفاق من أهل العلماء أجمعين”.

خامسا: رفض التوسل والاستغاثة والاعتماد على النفس في التقرب إلى الله :

فقد كان الشيخ يؤكد في كل دروسه وكتاباته: “أنه لا يجوز الاعتماد على غير ما يقوم به الإنسان من عمل صالح، ينتفع به في دنياه، ويتقرب به إلى الله في أخراه..أما ما يتوسل به  الجهلة بحقائق الإسلام، أو يضلهم به بعض المشعوذين فلا عبرة به في نظر الإسلام الصحيح”.

سادسا: محاربة الجمود الفكري الذي نتج عن إقفال باب الاجتهاد وإحياء التفكير الإسلامي:

يقول (ابن باديس)- رحمه الله – ذاكرا أفضل اثنين من أساتذته ومربيه له:

(وإني لأذكر للأول: حمدان الونيس) وصية أوصاني بها، وعهدا عهد به إلي، وأذكر أثر ذلك العهد في نفسي، ومستقبلي، وحياتي، وتاريخي كله فأجدني مدينا لهذا الرجل بمنة لا يقوم بها الشكر فقد أوصاني وشدد على أن لا أقرب الوظيفة، ولا أرضاها ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت، وأذكر للثاني (محمد النخلي) كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية، وذلك أني كنت متبرما بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد، واحترام آراء الرجال حتى في دين الله وكتاب الله فذاكرت يوما الشيخ فيما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي:(اجعل ذهنك مصفاه لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة وهذه الآراء المضطربة يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح) فو الله  لقد فتح الله بهذه الكلمة القليلة عن ذهني أفاقا واسعة لا عهد له بها”.

آخر التغريدات: