السلفية والتواصل الحضاري في خطاب الإمام ابن باديس

السلفية والتواصل الحضاري في خطاب الإمام ابن باديس

تعد الحركة الإصلاحية التي أسسها الإمام عبد الحميد بن باديس(رحمه الله) (1889- 1940) مع ثلة من العلماء المصلحين الجزائريين، امتداد في كثير من معالمها الفكرية لتيار الجامعة الإسلامية الذي يقف على قمة هرمه الإمام محمد بن عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ورشيد رضا. فكان من الطبيعي أن يحمل خطاب ابن باديس بعض خصائص هذه المدرسة الإصلاحية الرائدة، ومن أهمّ هذه الخصائص خاصيتا السلفية والتواصل الحضاري.

أولاً: خاصيّة السلفية.

أثار مصطلح “السلفية” ولا يزال يثير جدلاً واسعا يكاد لا ينتهي إلى قرار سواء في دائرة تيارات ومذاهب التغيير الإسلامي أو في نظرة التيارات غير الإسلامية لهذه التيارات على إطلاقها. ويمكننا أن نرصد المواقف الآتية تجاه مفهوم هذا المصطلح:

أ – السلفية صفة وعنوان لاتجاه معيّن في حركات التغير الإسلامي.

ب- السلفية مسلك معيّن في الرجوع إلى ما كان عليه السّلف الصالح في الاعتقاد وبعض فروع الفقه والسلوك.

ج- السلفية صفة “سلبية” تلحق بكلّ دعوات الإحياء الإسلامي بلا استثناء على مدار الزمن الذي استغرقته هذه الدعوات ولا تزال.

د- السلفية واحدة من مجموعة صفات وخصائص حركات الإحياء والتجديد الإسلامي.

فبأي هذه المفاهيم والمواقف يمكن أن نلحق خاصية (السلفية) في الخطاب الباديسي؟ وهل هي ذات صفة مفردة أو جامعة؟ أم يمكن تفتيتها إلى جزئيات أو إلى جملة مميزات؟

نتريث في الإجابة عن هذه الأسئلة ريثما نجتاز المراحل الآتية:

1 – التعريف المختار لمصطلح السلفية.

2 – عناصر ومكونات خاصيّة السلفية في خطاب ابن باديس.

3 – مستويات أثرها التغييري.

 

1- ما هي السلفية؟!

التعريف: اخترنا تعريفا نراه مشتركا عامّا بين أشكال مفاهيم المصطلح (السلفية) داخل تشكيلات وحركات الإحياء الاسلامي. فالسلفية “نسبة إلى السلف، وهم الجيل الإسلامي الأوّل من الصحابة خاصة، ومعناها الاقتداء بالسّلف في التدين والالتزام بفهمهم للدين صافيا من مصادره الأصلية: القرآن والحديث، والرجوع عن كلّ ما عسى أن يطرأ من الابتداعات الطارئة بالزمن مخالفة لأصول الدين إلى ما كان عليه السّلف من الدين” فلا تكاد تعثر على من يشذّ عن فهم السلفية بما ورد به التعريف المذكور؟ فمنطلقاتهم جميعا تنتسب إلى السلف (مصدر واهتداء واقتداء) “ورجال الإصلاح في الإسلام.. يدعون إلى السلفية أي الاقتداء بالسلف الصالح، فالسلفية تحاول بدورها بعث الإسلام بالرجوع إلى المنابع الأولى”.

2 – عناصر خاصية السلفية في خطاب ابن باديس: تسمح لنا مكونات وعناصر خاصيّة السلفية، كما تتجلّى في خطاب الإمام، بتصنيفها ضمن ما يمكن اعتباره تعبيرا عن نوعين من المرجعيّة: مرجعية عقائدية ومرجعية سلوكية وتربوية تعليمية ودعوية.

أ – المرجعية الفكرية: وتشمل: القرآن والسنة.

ب- المرجعية السلوكية والعملية والتربوية التعليمية والدعوية: وتحتوي العناصر الآتية في الخطاب الباديسي: “سلوك السلف الصالح- الدعوة لما كانوا عليه من اتباع- الاستدلال بأدلة القرآن والسنة- عودة للتفقه في القرآن والسنة”.

3- مستويات أثرها التغييري: يمكننا أيضا تصنيف الأثر التغييري للخطاب الباديسى في هذه الخاصية إلى مستويات:

– مستوى روحي ذوقي: ويتمثل في الآتي: “إذاقة المسلمين حلاوة القرآن والسنة- رسوخ الفتاوى والمواعظ في القلوب وأثرها في النفوس”.

– مستوى فكري تأمّلي علمي: ويشمل: “تقريب المسلمين لأصل دينهم- تعريفهم منزلته- ذكره الدائم- نيل العلم والحكمة من قريب- دينونة الأمة في بقائها للعقيدة- انقاذ العالم بالقرآن الكريم”.
– مستوى سلوكي عملي: ويشمل “شفاء العقائد والأخلاق التي هي أساس الأعمال والمجتمع بالقرآن- طلب الشفاء من غير القرآن يزيد المجتمع مرضا- الرجوع لما كان عليه السلف من معالجة الأدواء بمعالجة أسبابها”.

ثانياً: خاصية التواصل الحضاري:

يستعمل الخطاب الإسلامي المعاصر تعبيرات ومصطلحات مختلفة مثل (التلاقح الحضاري) و (التفاعل الحضاري) و (التواصل الحضاري)؛ ليشير بها إلى استفادة المسلمين من الغرب بجني ما في مدنيته من خير، وطرح ما فيها من شرّ. مع شعورهم بما يمثّله هذا (التلاقح أو التفاعل أو التواصل الحضاري) من كونه سنّة مطّردة في علاقات الحضارات الكبرى بعضها ببعض.

“فالتقاء الحضارات- وهو معلم من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية- وتفاعل هذه الحضارات عندما تلتقي، هو قدر لا سبيل إلى مغالبته أو تجنّبه”.

ولقد تفاوتت التقديرات في هذا الخطاب لما تحتمله مساحات هذا الأخذ والطّرح من سعة أو ضيق. فضلا عن تباين بينهم في تعمّق الظّاهرة وسبر أغوارها والتماس قوانينها، بل نقول وتحويلها إلى معرفة وعلم على المسلمين المعاصرين التأسيس لمنهجه واكتشاف موضوعاته ووضع معالمه.

وغني عن التذكير ما لطبيعة كلّ مرحلة من المراحل التى تفاعل معها الخطاب الإسلامي من أثر سببي في التباين المنوه به سابقا.

ولكن ما لا خلاف ولا تباين فيه ضمن هذا الخطاب أنّ لهذا التفاعل والتواصل الحضاري وجهين:- التواصل الايجابي- التواصل السلبي.

التواصل الحضاري:

في مضمار هذا التقسيم نستعرض خاصيّة (التواصل الحضاري في الخطاب الباديسي):

– التواصل الايجابي: ويشمل العناصر الآتية “الأمة الحية تتفاعل مع عصرها تأخذ من حضارته ما يناسب شكل بنائها الحضاري المستقل- الاطلاع على آداب الغرب في لغاتها- استفادة المسلم من العصر في الفكر والسلوك- طلب العلم بكل لسان ومن كل أحد- سريان روح الوطنية في الشرق من آثار الاتصال الحضاري مع الغرب الذي بلغت فيه أوجها- من كمال الأمة الاستفادة من تراث الإنسانية المشترك في العلوم والفنون- نقبل ونطرح من أخلاق الأمم- الوسط العدل مذهبنا- لسنا من الجامدين ولا مع المتفرنجين- تعاون الإنسانية في خدمة العلم والمدنية- معرفة الغرب من الداخل واستثمار مدنيته بواسطة تعلم لغاته، التى تعد مقياسا للتخلف أو اللحاق بالركب- سعادة البشرية بإنصاف الحضارات بعضها بعضا- الاقتداء بالغرب في أسس مدنيته وهى: العمل المثمر والمستمر والنظام الشامل- التهذيب العام- حرية التفكير والقول والعمل- تبني شعارات: الحرية، الأخوة، المساواة، لأن أصولها شيدها الإسلام”.
– التواصل السلبي: ويتجلّى في العناصر التالية من الخطاب الباديسي “الافتتان بالغربيين في كل شيء حتى معايبهم- فتنة حالنا للغربيين عن الإسلام (وهما حالتان يمكن وصفهما بالفتنة المتبادلة)- التعصب مانع للتواصل}.

– أثر خاصية التواصل الحضاري في إحداث التغيير: فبعد استبعاد العناصر السلبية تتجلى في الخطاب الباديسي ضمن العناصر الآتية:(التفوق والبروز والتأثير في الواقع- اكتساب مظهر وصفة “العصرية” في الفكر والعمل والذوق- دفع خطر الاندثار بسبب التوحش- استيقاظ الشعور الوطني- محافظة الأمة على حسن ما عندها والاستفادة من حسن غيرها- الوسطية).

ملاحظات:
ويمكننا بعد هذا الاستقراء والتتبع للخاصية المذكورة في الفكر الباديسي تسجيل الملاحظات والاستنتاجات الآتية:

أ – يمثل هذا الخطاب في مجمله وتفصيله معالم ورؤوس موضوعات يصلح الاهتداء بها في تقصي تفاصيل موضوع (التواصل الحضاري) من حيث رسم مناهج التواصل مع العرب وحضارته، وأصولها وأدواتها المعرفية ووسائلها المناسبة، إذ “نحن بحاجة إلى دراسات على درجة كبيرة من العمق لفكرها {أي الحضارة الغربية} الفلسفي، ولنظرياتها العلمية، ونظمها القانونية والحقوقية، وأنساقها الأخلاقية والاجتماعية”. ولم يكن -بداهة- شيء من ذلك كله مطلوبا أن يحققه لنا الخطاب الباديسي، بسبب مقتضى المرحلة، وهم الانشغال، وجسامة الخطب الذي آلى إليه وضع هذا الشعب آنذاك، مما لايتيح للذهن الانصراف للتفكير فيه فضلا عن مباشرة إنجازه، أما المسؤولية بعد ابن باديس وجيله فتقع على الأجيال اللاحقة.
ب- يمثل الخطاب الباديسي الصياغة النموذجية لتفاعل الأصالة مع المعاصرة، بما يحفظ على الأمة خصوصيتها وذاتيتها دون حرمانها من مكتسبات العصر ومعارفه، نزولا عند قاعدتي (المشترك الإنساني) و(الخصوصية الحضارية)، تأمل في هذه المسألة قوله: “إنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي، وأصلح شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل، يتناول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لايناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته”.

ج- حمل هذا الخطاب الدعوة إلى (تعارف الحضارات) وهو مفهوم يبتغى بلوغه إثر التعمق في (حوار الحضارات) أي يمثل مرحلة متقدمة في هذا الحوار:”فيستتبع معه مفاهيم الانفتاح والتواصل والسلام ومد الجسور وعدم الانغلاق والقطيعة والكراهية، التى هي شرائط التعارف من جهة تحققه، وهناك ما يترتب عليه من جهة المعطيات والمنافع. وهنا تبرز مفاهيم التعاون والترابط والتبادل”.
وهي معان ورد كثير منها في الخطاب الباديسي، مما يؤهله ليكون من رواد هذا الميدان ومؤسسي الدعوة إليه.

د – إن التوقف بهذه المعالم والوصايا والحكم في خاصية التواصل الحضاري عند الحدود التى ورد بها خطاب ابن باديس قد يكون مدعاة للانفلات بها إلى غير مقصده بها، فلئن جاءت لتتنزل على واقع معين في سياق رؤية إسلامية عامة، وروح إسلامية سمحة صادقة، فقد تتناولها أيدي التفلت والجنوح صوب التغريب، فتجتثها من أرضها الحضارية ملوحة بها للخداع باسم العصرنه في الفكر والسلوك واللسان.
والعاصم من هذا المنزلق والتبديل فضلا عن ربط الخاصية المذكورة مع مجمل خطاب ابن باديس التأصيل الإسلامي -كما قلنا- للتعامل المنهجي العلمي مع الغرب وحضارته، موازاة مع الإحياء والتجديد والاجتهاد من موروثنا الحضاري.

آخر التغريدات: