جمعية العلماء : الأسس، والمبادئ، وجبهات النّضال

جمعية العلماء : الأسس، والمبادئ، وجبهات النّضال

إنّ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين مؤسّسة فكريّة وتربويّة ودينيّة كبيرة، وهيئة سياسيّة متألّقة تعتمد الثقافة والعلم والفكر سبيلاً لها في تحقيق أهدافها، وإجراءً في نشر أفكارها وآرائها. وهي هيئة لم يعرف التّاريخ الثقافيّ ولا السّياسيّ مثيلاً لها في الجزائر. فقد تأسّس، في العِقد الأخير، أحزاب كثيرة، وكبيرة حاولت أن تصاول الحزب الكبير الأوّل في الجزائر؛ لكن من العسير، بل ربما يكون من المستحيل، نِشْدانُ هيئةٍ فكريّة وثقافيّة وتربويّة في مستوى جمعيّة العلماء التّاريخيّة: شجاعةَ نضالٍ، وتألّقَ فكر، وبيانَ تبليغ، وسَعةَ نشاطٍ، وقوّةَ إعلام، وامتدادَ نفوذ، وعظمةَ مكانةٍ في السّاحة الوطنيّة كلّها.

وقد يقول قائل: اختلف الزّمان، وتغيّرت الأحوال، وعادت الدّولة هي التي تتولّى أمر التّربية والتّعليم، ووزارة الثقافة هي التي تتولّى أمر التنشيط الثقافيّ والفكريّ… وقد نقول نحن أيضاً ذلك، ولكنّ النتيجة تظلّ واحدةً، والحكم قائماً لا يَريم؛ أي أنّ جمعيّة العلماء كانت فلتة في التّاريخ الوطنيّ فلا تتكرّر.

وعلى أنّ من العسير الإلمامَ بكلّ أطراف مجالات اهتمامها، وحقول أهدافها في برنامجها الإصلاحيّ في مقالة واحدة كهذه، ولا حتّى ربما في كتاب واحد، وقد كُتِبَ عنها ذلك هنا وهناك؛ فهي، في رأينا لا يعادل وفرةَ نشاطِها، ولا قوّةَ تأثيرِها الإيجابيّ إلاّ بعضُ الأحزاب الوطنيّة الكبرى؛ فهي التي صقلت الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة الجزائريّة بعد ما كان لحِقَها من الصّدَأ، وهي التي لمّعت الوجه الوطنيّ الجزائريّ كما يجب أن يكون لا كما كان الاستعمارُ الفرنسيّ يريد له أن يكون فأمسى ناضراً مشرقاً؛ ذلك بأنّ الأحزاب السّياسيّة التي كانت تعاصر جمعيّة العلماء في الجزائر لم تكن تُعنى في برامجها السّياسيّة بالجوانب الثقافيّة والفكريّة للشّعب الجزائريّ؛ ولكنّها كانت متوجّهة أساساً إلى المطالبة بحقوقه السّياسيّة؛ كما لم يكن لمناضليها من الصّفـات الثقافيّة ما كان يمكّنها من تحقيق ما كانت تنهض به جمعيّة العلماء؛ فكانت الجمعيّة الصّورة الأخرى المكمّلة لنضال الحركة الوطنيّة الجزائريّة… وكانت المثل الأعلى لكثير من الحركات الفكريّة والعلميّة في المغرب العربيّ.

من أجل ذلك نعتقد أنّ مشروع جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين التي تأسّست في الحادي والثلاثين من شهر مايو عام واحدٍ وثلاثين وتسعمائة وألفٍ بنادي التّرقّي بمدينة الجزائر(1)وهو المشروع الذي يرتبط أساساً بالمصلح الكبير، والمفكّر القدير، الشّيخ عبد الحميد بن باديس- قد يكون من أهمّ مشاريع النَّهَضات الإسلاميّة الإصلاحيّة في القرن العشرين(2). كما قد تكون هذه الجمعيّة الإصلاحيّة وما بذلت من جهد في سبيل التّجديد للمجتمع الجزائريّ في أمور دينه، وشؤون سلوكه الدّنيويّ، من أكبر الحركات التّجديدِيّة في العالم الإسلاميّ؛ فأفلحت من حيث خابت حركات إصلاحيّة أخرى في المشرق والمغرب جميعاً.

لكن لماذا نستعجل الأمورَ بهذا الحُكْم فنزعمَ فيه ما نزعم، ونستخلصَ الحُكم قبل أن نستقرئَ مقدّماتِه وأسُسَه؟ الحقّ أنّنا كثيراً ما ردّدنا أنّ الحركات الإصلاحيّة في العالم الإسلاميّ (الوهّابيّة، السّنوسيّة، الأفغانيّة/العبدويّة…) لم تكد تلتفت إلى مجال التّربية والتّعليم، فيما عدا حركة محمّد عبده الذي حاول أن يربّي ويعلّمَ في ضوء الأفكار الإصلاحيّة التّجديديّة؛ ولكنّ جهوده، فيما يبدو لنا، ظلّت محدودةً فلم يحقّق بها الشّيخُ في إصلاح الأزهر إلاّ قليلاً من الثمرات (ويبدو أن جهوده في إصلاح التّعليم لم تجاوز هيئة الأزهر إلى سَوائها من الهيئات التّعليميّة الأخرى) ممّا حققتْه جمعيّة العلماء التي لم تفتح لأفكارها مدارسَ تعدّدتْ بتعدّد المدن الجزائريّة، الكبرى والصّغرى، فحسْبُ(3)؛ ولم تجنِّدْ لها، تجنيداً ينهض على النّزعتين البيداغوجيّة والنّضاليّة معا، مئاتٍ من المعلّمين ليعلّموا عشراتِ الآلاف من النّاشئة باللّغة العربيّة تعليماً عصريّاً فحسبُ؛ ولكنّها اعتمدت منهجيّة عصريّة، ومستمرّة، تشبه منهجيّة الأحزاب السّياسيّة في الْتماس تكثير سَواد الأنصار والأشياع؛ فكان في كلّ مدينة جزائريّة، صغيرة أو كبيرة، خليّةٌ إصلاحيّة كانوا يُطْلقون عليها »شُعْبة «. فكانت هذه الشُّعبة هي التي تتولّى الإشراف المادّيّ والماليّ للمدرسة، والمسجد، في المستوى المحلّيّ؛ فكانت جمعيّة العلماء في حقيقة أمرها حزباً كبيراً، من ضَرْبٍ خاصّ، متواجداً في كلّ أصقاع الوطن الكبير: ظاهرُ أهدافِه مجرّدُ الإصلاحِ الدّينيّ(4)، وحقيقتُه تجسيدُ طموحٍ سياسيّ كان يسعى إلى تَنضِير وجْه الشّخصيّة العربيّة الإسلاميّة في الجزائر وفرْضها على الاستعمار الفرنسيّ، كما يجب أن تكون، وهو الذي كان يتّخذ من مَقْت العُروبة والإسلام لذةً يستمتع بها.

كانت جمعيّة العلماء تعتقد، في مواقفَ معيّنة على الأقلّ، (حيث نصادفها في مواقفَ أخراةٍ تتّخذ التّقيّة لها سبيلاً فلا تتمسّك بما كان يطلق عليه انفصال الجزائر عن فرنسا…) أنّ المطالبة بالاستقلال –الذي كان، كما قلنا، يسمَّى في اللّغة السّياسيّة الفرنسيّة في الجزائر » انفصالاً«- لا يمكن أن يتمّ والجزائريّون يتبنَّوْن اللّغة الفرنسيّة لساناً، ويعتنقون المسيحيّة ديناً؛ وأيّ معنىً كان يكون لاستقلال سياسيّ من ذلك النّوع ؟ من أجل ذلك أعلِن شعارٌ عظيم ظلّ قائماً ومؤثِّراً إلى يومنا هذا في الحياة العامّة في الجزائر، وهو: الإسلام دينُنا؛ الجزائر وطننا؛ العربيّة لغتنا(5).

وإذن، فلا سَواءٌ مَن يروّج لأفكاره في مجرّد كِتاب يقرؤه بضعةُ آلاف قارئٍ على امتداد عدد من السّنين، ومَن يروّج لأفكاره بجُندٍ من المعلّمين والمتعلّمين يبثـّهم في مدارسه بثّاً حيّاً، وبجيش من الأشياع لا يزال يُكثِّر سوادَهم في كلّ مكان تكثيراً متزايداً. فلقد أفلح هذا المشروع إلى حدّ كبير، وخصوصاً على المستوى التّعليميّ؛ وذلك من حيث إنّه تنزّل إلى الشّارع الجزائريّ، وإلى المدن الصّغيرة بعد المدن الكبيرة؛ فأسّس قريباً من أربعِمائةِ مدرسةٍ عربيّةٍ تدرّس علوم اللّغة العربيّة ومبادئ الفقه الإسلاميّ، وتبثّ شيئاً من الوعي السّياسيّ، واليقظة الوطنيّة، والصّحوة الفكريّة الإسلاميّة في أذهان المتعلّمين(6).

أهمّ عوامل نشأة جمعيّة العلماء

يحدّد محمّد البشير الإبراهيميّ هذه العوامل فيحصرها في أربعة:

1-     آثار الشّيخ محمّد عبده؛ وذلك بطريقة المعارضة الشّديدة من الفقهاء الجزائريّين المتزمّتين لأفكاره التي كانت تتسرّب إلى الجزائر بواسطة مجلّة » المنار«(7)؛

2-     » الثورة التّعليميّة التي أحدثها الأستاذ الشّيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحيّة «(8)؛

3-     » التّطوّر الفكريّ الذي طرأ على عقول النّاس في عقابيل الحرب العـالميّة الأولى «(9)؛

4-     » إيَاب طائفة من المثقّفين الجزائريّين الذين كانوا يعيشون في المشرق العربيّ، ولا سيّما في الحجاز والشّام، وأبرزهم الإبراهيميّ، والعقبيّ «(10).

وأمّا نحن فنودّ أن نضيف إلى هذه العوامل الأربعة التي ذكرها الإبراهيميّ، والتي نسلّم بها، ثلاثة عواملَ أخراةٍ؛ قد لا تقلّ أهمّيّة عن الأربعة؛ وهي:

1-   اشتداد تأثير الحركات الصّوفيّة بالجزائر، وازدياد نشاطها، وتكاثر طرائقها حتّى جاوزت العَشرَ، وحتّى اكتسحت جميع المدن والقرى، بل البوادي أيضا، في الجزائر، فأمست تصول وتجول، فلم يكن شيءٌ يُتداول بين مستنيري النّاس غير الفكر الصّوفيّ الذي لا يجاوز سِيَر الشّيوخ وكراماتهم؛ وميل أهل التّصوّف، من عوامّهم خصوصاً، إلى الإغراق في الرّوحيّات، والكلَف الشّديد بالخوض في أمور الغيب على سبيل اليقين، والتّعلّق المثير بمَشاهد البَرَكة والمناقب والكرامات.

2-   اشتداد شراسة الاستعمار الفرنسيّ، ومبالغته في محاربة اللّغة العربيّة والدّين الإسلاميّ والتّمكين للتّخلّف الذهنيّ والشّعْبَذة لدى النّاس، وتشجيع ممارسات وطقوس فلكلوريّة ليست من الدّين الصّحيح في شيء: إلى حدّ الهوَس.

3-   شيوع الجهل بين عامّة الجزائريّين حيث كانت الأمّيّة تجاوز ثمانين في المائة في أوساط الجزائريّين من الذكور، وربما كانت تجاوز تسعين في المائة في أوساط الجزائريّات. ولذلك نجد الأستاذ المرحوم محمّد إبراهيم الكتّانيّ الذي كان شديد الإعجاب بالحركة الإصلاحيّة في الجزائر فكان لا يزال يتحدّث عنها بتقدير وإعجاب لطلاّبه بجامعة الرّباط : يُرَاعُ للحالة التي كان الجزائريّون عليها في العِقد الرّابع من القرن العشرين (وقد ازدار الجزائرَ عام خمسة وثلاثين وتسعمائة وألف) حين يقول: » شاهدت من تعاسة المسلمين ودينهم ولغتهم ما لم أكن أتصوّر أنّ الحالة وصلت إلى معشاره: جهل باللّغة العربيّة فظيع، وطمْس لمعالم الدّين شنيع… «(11).

ومجتمعٌ مثلُ هذا شأنُه من التّخلّف والانحطاط التّعليميّ الفكريّ، ومن شُهود المتناقضات الطّبَقيّة، وتفاوُت مستويات الحياة فيه، بحيث كانت تتراوح بين وجود معمّرين أغنياء يتجشّؤون كِظَّةً، متطوّرين يعيشون في المستويات العليا من الرّغَد والبحبوحة، ويقطُنون أنظف المدن شوارعَ، وأنضَرِها حدائقَ؛ وجزائريّين فقراء يتضوّرون مسغبة، جُهلاءَ يعيشون في الدّرَك الأسفل من الْمُعاناة والشّظَف والحرمان؛ فكانوا يَشْقَوْن في أعماق الأودية السّحيقة وقمم الجبال الجرداء، والأحراش الجدباء: كان ذلك كلّه لا ريبَ ممّا يدعو أيَّ مفكّر مستنير وجريء إلى البحث عن تجاوُز المحنة، والْتماس سبل الإصلاح. وهي خصوصيّة لم توجد في أيّ مجتمع عربيّ إسلاميّ آخر غير المجتمع الجزائريّ. وإلى اليوم لا تزال ترسّبات باقية من تلك التّناقضات وألوان الشّقاء التي كان يكابدها الشّعب الجزائريّ في بعض حياته الاجتماعيّة. فليس الإفلاتُ من الشّقاء الطّويل بالأمر الهَيْنِ. وليس عذاب الاستعمار مجرّدَ طعامٍ غير سائغٍ يمكن لأيّ شعبٍ التّهَوُّعُ منه متى شاء. وعلى أن علاّل الفاسيّ كان يرى أنّ الحركتين الإصلاحيّتين، الجزائريّة والمغربيّة، تقومان على أسُس واحدة، كما كانتا تسْعَيَان إلى تحقيق إلى أهداف واحدة؛ وتمثُل هذه الأهداف خصوصاً في محاربة الشّعوذة، والدّعوة إلى الاستدلال والانتقاد والتّفكير، والرّجوع بالشّريعة الإسلاميّة إلى أصولها الأولى(12).

مقارنة بين الحركتين الإصلاحيّتين في الجزائر والمغرب

وقد ارتأينا أن نعقد هذه المقارنة بين الحركتين بناءً على قول علاّل الفاسيّ لنرى إلى أيّ حدّ يقع التّماثل أو التّباين بين الحركتين السّلفيّتين الجزائريّة والمغربيّة. وقد كنّا عقدنا مقارنةً بين هاتين الحركتين الاثنتين منذ أكثر من ربع قرن(13)؛ فكنّا لاحظنا أنّ الحركة الإصلاحيّة في المغرب تقوم على قطبين: أبي شعيب الدكّالي، ومحمّد بن العربي العلوي؛ وأنّهما سافرا معاً إلى بلاد المشرق قبل الإياب إلى المغرب للنّهوض بالنّشاط الإصلاحي. ولا يقال إلاّ مثل ذلك في الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة حيث إنّها، هي أيضاً، تنهض، في الحقيقة، على قطبين اثنين كبيرين هما: عبد الحميد بن باديس الرّئيس الأوّل لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ومحمّد البشير الإبراهيمي الرّئيس الآخر لها. وقد سافر الشّيخان كلاهما إلى المشرق العربيّ أيضاً، كما كان سافرا الدّكّاليّ والعلَوي، قبل ممارسة النّشاط الإصلاحيّ بالجزائر.

غير أنّنا نتجاوز اليوم هذا الرّأي الذي كنّا متأثرين في تقريره بما كان كتب علاّل الفاسيّ في جريدة البصائر(14)؛ حيث إنّ جمعيّة العلماء لم تجتزئ، في الحقيقة، في سعْيهاالإصلاحيّ بمجرّد التّعويل على شخصين اثنين فحسب؛ ولكنّها كانت هيئة مشكَّلة من عصبة من العلماء تنتخب رئيسها، وتتّخذ لها مكاتب ولائيّة هي التي كانت تكوّن امتداداً عُمْقيّاً لأفكارها الإصلاحيّة. على حين أنّ الحركة الإصلاحيّة في المغرب الأقصى ارتبطت بشخصيّتين فكريّتين فقط: هما الإمام أبو شعيب الدّكّاليّ، والإمام محمّد بن العربيّ العلويّ. ولم يفكّر هذان الشّيخان في تأسيس هيئة إصلاحيّة، تنهض بتنفيذ برنامجهما الإصلاحيّ، في مستوى جمعيّة العلماء بكلّ أجهزتها التّربويّة والإعلاميّة والإداريّة والماليّة؛ لاختلاف المناخ السّياسيّ (كان المغرب خاضعاً لنظام الحماية الفرنسيّة، على حين أنّ الجزائر كان الفرنسيّون يَعُدُّونها مقاطعةً من الوطن الفرنسيّ؛ لم يحتلّ المغرب إلاّ في عام 1912، على حين أنّ الجزائر احتُلّت في عام 1830).

وكانت جمعيّة العلماء حين أسّست معهد عبد الحميد بن بادِيس بقَسَنْطينة عام 1947 تعطِّل الدّراسة في المعهد، كلّما حلّ شهر رمضان، لترسل كلّ أساتذته إلى المدن الجزائريّة ليوجّهوا عامّة النّاس إلى الإصلاح بمفهومهم، ويروّجوا للأفكار الإصلاحيّة على الطّريقة العلمائيّة(15)؛ فكان ذلك ممّا أسهم في تَوْسعة نشاط هذه الجمعيّة وتكثير سَواد أنصارها، ونشر أفكارها بين عامّة النّاس ومستنيريهم على حدّ سواء.

ذلك بأنّ جمعيّة العلماء » وضعتْ نصب عينيها تنفيذ فكرة عبقريّة حدّدها لها الشّيخ ابن باديس مع أعوانه، وهي أن يكون تحرير الجزائر على أساس إنشاء جيش من الشّبّان يحمل فكرة الجمعيّة وعقيدة الإسلام، وأن يكون تلاميذ الإمام ابن باديس نقط جذب لمئات الآلاف من أنصار الفكرة، وحمَلة العقيدة «(16).

ولئن كانت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين أفلحت في إعادة الاعتبار لمكانة اللّغة العربيّة، وفي تَأليق الوجه العربيّ الإسلاميّ للجزائر التي كان الاستعمار الفرنسيّ يسعى بكلّ ما يملك لطمْس شخصيّتها، بفَرنسة لسانها، وتبديل دينها، وتشويه تاريخها؛ كما أفلحت، نسبيّاً، في تصحيح صورة الإسلام في أذهان النّاس بعد الذي كان أصابه من التّشويه والتّحريف من الدّراويش والسُّذج والجهلاء في الجزائر؛ فإنّ نجاحها ذلك لم يجاوز قطّ هذا المستوى إلى غيره. فلم يكن لدى جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين أيُّ مشروعِ نهضةٍ إسلاميّ شامل، يُفضي تطبيقُه إلى ترقية المسلم في أصقاع الأرض، وحمْله على إنتاج المعرفة، وازْدِجَائِهِ إلى الإسهام في تطوير الحضارة التّكنولوجيّة المعاصرة في العالم. وذلك على الرّغم من أنّ مفكّري هذه الجمعيّة كانوا لا يزالون يذكّرون بأهمّيّة التّعليم والعلم؛ كما يمكن استخلاص ذلك من مقالة لمحمّد البشير الإبراهيمي: »الحياة بالعلم؛ والمدرسة منبع العلم، ومشروع العرفان، وطريق الهداية إلى الحياة الشّريفة؛ فمن طلب هذا النّوع من الحياة من غير طريق العلم زلّ، ومن التمس الهدايةَ إليه من غيرها ضلّ. وحياة الأمم التي نراها ونعاشرها شاهدُ صدْقٍ على ذلك.

” تبني الأمم ما تبني من القصور (…)؛ فإذا ذلك كلُّه مدينة ضخمة جميلة، ولكنّها بغير المدرسة عِقدٌ بلا واسطة، أو جسم بلا قلب. (…) أمّا إرْواءُ العقل والرّوح، وإرْضاء الميول الصّاعدة بهما إلى الأفق الأعلى فالْتَمِسهما في المدرسة لا في القصر ولا في المصنع. ولو تباهت الأبنية المشيَّدة بغاياتها، وتفاخرت بمعانيها لأسكتت المدرسة كلّ منافس “(17).

غير أنّ مستوى التّفكير، ظاهريّاً على الأقلّ، فيما يبدو، كان ينتهي لدى تعليم النّاشئة العلم من أجل محاربة ” الباطل والبدع(18)؛ حيث بالعلم تتقدّم الأمم، لا يختلف في ذلك مختلفان؛ ولكنّ تفاصيل المشروع العلميّ، بكلّ منهجيّاته وفلسفته الفكريّة، غائبة من حركة التّجديد العُلَمَائِيّة. بل إنّا ألفينا الإبراهيميّ، وهو الرّجل الثاني، يوم كتابته ما كتب عن مشروع الجمعيّة التّجديديّ، يعلن صراحةً أنّ الجمعيّة على علاقتها بالحركات الإصلاحيّة الأخرى، فإنّها، فيما خلا ذلك، جمعيّة » جزائريّة محدودة بحدود الجزائر”(19).

ويبدو أنّ حركة جمعيّة العلماء، في وجه كبير من جهودها، شُغِلت بما شُغِلتْ به الحركة الوهّابية في نجد، في القرن الثامن عشر، على الرّغم من إنكار ابن باديس لأيّ علاقة له مع هذه الحركة إنكاراً شديـداً(20)، فركّزت على محاربة البدع التي كانت منتشرةً في الجزائر بشكلٍ مَهُول. ونجد الإبراهيميّ يكتب عن هذه المسألة عام خمسة وثلاثين وتسعمائة وألف فيقرّر أنّ جمعيّة العلماء وقفــتْ » من البدع العامّة والشّعائر المستحدثة: كبدع المسـاجد، وبدع الجنـائز، وبدع المقـابر، وبدع الحجّ، وبدع الاستسقـاء، وبدع النّـذور، كما وقفت من بدع الطّرُق(21)، وضلالات الطّرق، وِقْـفـةَ المنكِرِ المشتدّ «(22).

غير أنّنا نجد الإبراهيمي يدافع عن هذا الموقف، وكأنّ العلمائيّين أحسّوا أنّهم شُغِلوا أكثر ممّا يجب بقضايا المقابر وجواز زيارتها، أو عدم جواز زيارتها، وما إلى ما ذكر الشّيخ ممّا أطلق عليه بدَعاً فصاح قائلا: » فلا يجهلَنّ جاهل، ولا يقولَنّ قائل: إنّ المصلحين شَغَلوا أوقاتهم بالطّرُق، واستنفدوا قوّتهم في مقاومتها حتّى ألهتهم عن كلّ شيء. وربما كان فيما شُغِلوا عنه، ما هو أحقّ بالاهتمام ممّا شُغلوا به. وهذه النّقطة يجب إيضاحها دفعاً للأوهام.

إنّنا علمنا حقّ العلم بعد التّروّي والتثبّت ودراسة أحوال الأمّة ومَناشئ أمراضها، أنّ هذه الطّرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرّق المسلمين (…) لا يستطيع عاقل أن يكابر في هذا «(23).

ونحن لا نوافق الشّيخ على رأيه هذا؛ فمَناشئ أمراض الأمّة الإسلاميّة كثيرةٌ طلائعها ما كان ظهر من الفرَق الإسلاميّة وانشطار الفرقة الواحدة منها إلى عدد كبير من الفرَق الفرعيّة؛ وكلّ فرقة كانت تزعم أنّها على السّبيل الصّحيحة، والْمَحَجّة الواضحة، دون سَوائها؛ بل ربما أقدمتْ على قذف صَنْوَتِها بالضّلال، وتطاولت على رَمْيِها بالكفر والإلحاد…

كما أنّ جمعيّة العلماء، في تمثلنا الخاصّ، لم تنطلق، فيما خلا بعضَ كتابات ابن باديس التي كتبها فيما بعد زيارة الوفد إلى باريس عام ستّة وثلاثين وتسعمائة وألفٍ، من دراسة الوضع الثقافيّ الجزائريّ الصّميم، فلم تلتفت إلى ضرورة إصلاح المجتمع الجزائريّ في ضوء تقاليد الثقافة الجزائريّة التي تنهض في معظم ضواحي الوطن على الثقافة الصّوفيّة، والعلوم التي كانت تلقَّن في الزّوايا والمساجد… بل أقدمت على محاربة هذه الثقافة، ومناوأتها، بوعي وبعد دراسة، معتقدةً أنّ ذلك من واجبها بحكم التّخصّص، ومقتنعة من الوجهتين المنهجية والمعرفيّه أنّه يمكن بناءُ إصلاح مجتمع على هباء؛ بل كان من الأولى تقويض تلك الثقافات ونقدها واستخلاص معرفة جديدة متطوّرة منها؛ ممّا أوقعها بين ثلاثِ كمّاشاتٍ على الأقلّ: مُضايقةِ الاستعمار الفرنسيّ الذي كان يناصبها العداوةَ والبغضاء ولا يتهاون في اضطهاد كلّ الذين ينضَحون عن هذين المبدأين في الجزائر، ومناوأةِ بعض الشّخصيّات السّياسيّة الجزائريّة ذات الثقافة الفرنسيّة التي كانت لا تزال تُنكر وجودَ وطنٍ اسمُه الجزائر، وكيانٍ اسمه الشّخصيّة الوطنيّة بكلّ مقوّماتها؛ وأنّ الجزائر ليست، في حقيقتها، إلاّ أرضاً فرنسيّة، وأنّ الجزائريّين ليسوا، نتيجة لكلّ ذلك، إلاّ فرنسيّين مع إمكان احتفاظهم بقانون الأحوال الشّخصيّة؛ وأنّه ليس في القرآن ما يمنع الجزائريّ المسلم من أن يكون فرنسيّ الجنسيّة، كما كان يردّد فرحات عبّاس(24)؛ ومُعاداة كثيرٍ من أوْلي النّزعة الثقافيّة التّقليديّة (أئمّة المساجد، إنشاء مجلّة » صوت المسجد « لمحاربة جمعيّة العلماء التي كانت لا تزال تنادي بفصل الدّين عن الحكومة)؛ ثمّ من أولي الاتّجاه الصّوفيّ (تأسيس رابطة الزّوايا في الجزائر عام 1938، وإنشاء جريدة »الرّشاد « ناطقةً باسمها، وقبلها جريدة » لسان الدّين «، و» البلاغ الجزائريّ «، وبعدها كلّها، مجلّة » المرشد « التي كانت تصدر بمدينة مستغانم، لمصارعة الجمعيّة ومُصاولتها في أفكارها الإصلاحيّة).

فكانت جمعيّة العلماء، ممثَّلةً في شخص رئيسها ابن باديس، قبل الحرب العالميّة الثانية، تصارع على كلّ هذه الجبهاتِ، بالإضافة إلى محاربتها الجهلَ بما كانت تعلّم من عقول، وإلى مُناوأتها الشّعوذةَ بما كانت تُنير من أفكار.

غير أنّ نجاح جمعيّة العلماء في تعليم اللّغة العربيّة ونشرها بين النّاشئة الذين كانوا يختلفون إلى مَدارسها التي كانت مُنبثـَّة، غيرَ مُنْبَتَّةٍ، في أرجاء الجزائر كلّها، لا يُنكره إلاّ مكابر. كما أفلحت، إلى حدّ بعيد، في بثّ الوعي الوطنيّ النّسبيّ بين شباب ذلك العهد خصوصاً. وقد جنَت هذه الثمراتِ بفضل تفطّنها إلى الجانب التّربويّ الذي أسّست له المدارس العربيّة الحرّة في عامّة المدن الجزائريّة كما أسلفنا القول.

ولعلّ الإبراهيميّ أن يكون أوّل من نظّر لأسس جمعيّة العلماء السّلفيّة، ومرجعيّتها الفكريّة، وأهدافها الإصلاحيّة؛ فلاحظ، عام خمسة وثلاثين وتسعمائة وألفٍ، أنّ الجمعيّة استطاعت أن تجعل الأمّة الجزائريّة تُحسّ بسوء الحال، والوعي باستفحال الفساد بكلّ ضروبه؛ فكان ذلك » هو أوّل مراحل الإصلاح. وتجلّى هذا الشّعورُ بالعمل في عدّة نواحٍ من حياتها العامّة: فتجلّى في النّاحية الاقتصاديّة بالدخول في ميادين الكسب التي كانت وقفاً على غير المسلم الجزائريّ؛ وتجلّى في النّاحية الأدبيّة بتأسيس النّوادي والجمعيّات المختلفة؛ وتجلّى في النّاحية العلميّة بالإقبال على القراءة والتّعلّم باللّغتين العربيّة والفرنسويّة (…)؛ وتجلّى في النّاحية الدّينيّة بتشييد المساجد في القرى والإنفاق عليها من مال الأمّة الخالص؛ وتجلّى في النّاحية النّفسيّة بالتّفكير الجدّيّ المستقيم ومن مظاهره الاعتماد على النّفس في الأعمال التي ذكرنا؛ والإيمان بوجود شيء اسمه الأمّة(25)«.

والحقّ أنّه يمكن، أيضاً، استخلاصُ أهمّ المبادئ التي كانت تقوم عليها جمعيّة العلماء من قصيدة » شعب الجزائر مسلم« لعبد الحميد بن باديس؛ وهي القصيدة التي قيل إنّه ارتجلها أمام الطّلاّب الجزائريّين بتونس عام ستةٍ وثلاثين وتسعمائة وألف. فالمبادئ الكبرى التي ضمّنها إيّاها، يمكن أن تكون هي البرنامج العامّ للأفكار التي كانت جمعيّة العلماء تريد ترسيخَها في المجتمع الجزائريّ (ولا حديثَ هنا أيضاً عن مشروع نهضة إسلاميّة تجديديّة تمتدّ إلى العالم الإسلاميّ كلّه؛ فذلك لم يكن ممكناً على ذلك العهد؛ وهو لا يزالُ غيرَ ممكِنٍ إلى الآن فيما نرى).

والذي يعنينا من أفكار هذه القصيدة التي أصبحت فيما بعدُ أكثر الأشعار محفوظيّةً في المدارس الجزائريّة في عهد الاستقلال؛ وذلك بعد أن قُرّرت على التّلاميذ الجزائريّين الذين يبلغُ عددُهم اليوم قريباً من عشرة ملايين، ليس وصْفَ الشّعبِ الجزائريّ وأنّه عربيّ مسلم، وأنّه لم يَحِدْ عن أصله قطّ؛ ولكن البرنامج العمليّ الذي ضُمِّنَها، ومن أهمّ أفكاره:

المبدأ الأوّل: التّسلّح بكلّ القيم، المادّيّة والمعنويّة، وحتّى الرّوحيّة، لمجابهة الحياة بكلّ مصاعبها الكأداء، ومتاعبها الشّنعاء:

*خُذْ للحياة سِلاحَها*

فاتّخاذ السّلاح لمجابهة تكاليفِ الحياة ومَعَاسرِها يقتضي التّحلّي بالقوّةَ، كما يقتضي طلب العلم ولو ببلاد الصّين، كما يقتضي الحرص على العمل الذي يحضّ اللّه عليه ويدعو إليه(26). ولْنقارنْ هنا بين هذا المبدأ، مثلاً، ومبدأ الحياء الذي ركّز عليه جمال الدّين الأفغانيّ في مناوأته الدَّهريّين الهنود.

المبدأ الثاني: التّحلّي بالشّجاعة بكلّ معانيها وأضربها لمجابهة الحياة العامّة. ونحن نعلم أنّ الشّجاعة ليست التّهوّر والانتحار والإقدام الأعمى على الفعل أو على القول فحسب، ولكنّها تَحيُّنُ الفرصة الملائمة لاغتنام الهدف، واقتطاف الثمر، وبلوغ الغاية.

المبدأ الثالث:

*وخُضِ الخطوبَ ولا تهَبْ*

ونلاحظ أنّ الحثّ على التّسلّح بقيمة الشّجاعة يتّخذ سيرة الأمر المؤكَّدِ مرّتين اثنتين: وذلك ترسيخاً للفكرة، وإصراراً عليها؛ فخَوض الخُطوب (وخُض الخطوب)، وملاقاةُ الأهوال، ومكابدة الشّدائد، هو سلوك في نفسه قيمةٌ من قيم الشّجاعة؛ ولكنّه أضاف إليه عدم التّردّد أو الخوف أو التّهيّب لدى الإقدام على فعل شيء يكون ذا قيمة في الحياة، ويكون فيه منافع للنّاس.

المبدأ الرّابع والأخير: التّعويل على عنصر الشّباب في إنجاز برنامج القضيّة الإصلاحيّة كما كان يراها ابن باديس:

يا نَشْءُ أنتَ رجاؤُنا           وبك الصّباحُ قد اقترَبْ

ليس هناك من مشروع نهضة، أو إصلاح، أو تجديد، أو كيفما كان، يمكن أن يرى النّور إذا لم تكن وراءه همّةُ الشّباب، وطموح الفتيان الأشدّاء. من أجل ذلك نُلفي ابن باديس يجعل من الشّباب الأداةَ التي يمكن أن تنجز ما كان يريد من أفكار. على حين أنّنا لا نكاد نجد شيئاً من هذه الأفكار في الحركات التّجْديديّة الأخرى. ولْنلاحظْ أنّ ابن باديس يصطنع اللّغة الانزياحيّة في شعره فيرمي إلى بعيد دون أن يجلب على نفسه المتاعب والهموم من السّلطات الاستعماريّة. وأيّ شيءٍ هذا » الصّباح « المشرق الجميل الذي اقترب ظهوره، وآن أوانه، إن لم يكن نيلَ الشّعب الجزائريّ الحرّيّةَ والاستقلال؟

ولولا أن هذه الدّراسة عامّة، لَتوقّفنا توقّفاً أطولَ لدى أفكار هذه القصيدة العجيبة التي تلخّص أفكار ابن باديس في الإصلاح، وفي الحياة؛ ومن ثمّ تعبّر، على نحو عامّ، عن برنامج جمعيّة العلماء في تصوّر النّهضة، وتمثـّل التّجديد، وتحسّس الإصلاح.

ويمكن أن نستخلص ممّا سبق أنّنا حين كنّا زعمنا أنّ حركة جمعيّة العلماء ربما كانت أنجح الحركات الإسلاميّة في بلوغ بعض غاياتها فبما كان لنا من بُرْهانَاتٍ على ذلك، وقد أنَى لنا ذِكْرُ بعضها هنا في ختام هذه الدّراسة :

1-    أنّ جمعيّة العلماء أسّست مدارس كثيرة بلغ تَعدادُها عام خمسة وخمسين وتسعمائة وألف أربعمائة مدرسةٍ عصريّة لتدريس العربيّة، ومبادئ الفقه الإسلاميّ على الطّريقة التّجديديّة للحركات السّلفيّة الإسلاميّة، والرّياضيّات، والجغرافيا والتّاريخ. وبلغ عدد معلّميها في السّنة نفسِها قريباً من سبعمائة معلّمٍ، على حين بلغ عدد تلامذتها زهاء خمسة وسبعين ألف تلميذ(27). ولم ينهض بهذا الإنجاز الكبير أيٌّ من الحركاتِ التّجديديّة في العالم الإسلاميّ: مشرقاً ومغرباً؛

2-    أنّ جمعيّة العلماء أصدرت صحفاً عربيّة وفرنسيّة كانت تنافح من خلالها عن مبادئ الإصلاح فكان لها الصّراط، والشّريعة، والسّنّة، والبصائر (الأولى 1935-1939)، ثم الثانية (1947-1956)، بالإضافة إلى بعض النّشريّات باللّغة الفرنسيّة. فكان الفرنسيّون كلّما عطّلوا صحيفة من صُحفها جاءت هي إلى عنوان جديد فأصدرته لينضح عن المبدأ نفسه، ولينشر الأفكارَ الإصلاحيّة نفسَها.

3-    أن جمعيّة العلماء أسّست، بالإضافة إلى عدد كبير من المدارس الابتدائيّة التي كانت الدّراسة تنتهي فيها بالحصول على الشّهادة الابتدائيّة باللّغة العربيّة، معهداً للدّراسـات الثـانويّة بقسنطينة، بلغ عدد طـلاّبه عام 1954 تسعمائة وثلاثة عشر طالباً(28): بكلّ ما كان يتطلّب ذلك من إيجـاد أسـاتذة أكفاء، وبرامج تعليميّة تنويـريّة، ودار للطّلبة (داخليّة ضخمة). فكـان الطّلبة الحاصلون على الشّهـادة الأهليّة منه ينخرطون في الجامعات المشرقيّة. والحقّ أنّ المدارس العربيّة الحرّة كثيراً ما كانت تتعرّض للتّغليق بحكم مرسوم ثامن مارس 1938 الذي يعني مضمونه، سياسيّاً، القضاء على اللّغة العربيّة في الجزائر بالتّضييق الشّديد على معلّمي العربيّة ومُحَفِّظي القرآن، كما يذهب إلى ذلك المؤرّخون الفرنسيّون أنفسُهم(29). وعلى الرّغم من كلّ ذلك فقد بلغ عددها عام 1954 مائةً وإحدى وثمانين مدرسةً، ولم يقلّ عدد تلاميذها عن أربعين ألفاً(30). غير أنّنا كنّا رأينا أنّ الأرقام التي يذكرها الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، على أساس عام 1955 هي أكثر بكثير ممّا ذكر روبير أجيرون. ولا يسعنا هنا إلاّ أن نميل إلى العمل بإحصائيّة الشّيخ، لأنّه في ذلك هو صاحب الشّأن الأوّل، ومصدر المعلومة التّاريخيّة…

4-    أنّ جمعيّة العلماء لم تجتزئ بذلك حتّى أرسلت عدداً كثيراً من الطّلاّب الجزائريّين في بعثات علميّة إلى المشرق العربيّ، وخصوصاً إلى مصر وسورية والكويت والعراق، لتلقّي التّعليم الجامعيّ العالي من أجل إعداد نَشْءٍ لتحمّل أعباء المستقبل (عهد الاستقلال)؛

5-  أنّ ذلك كلّه كان يتطلّب توفير ميزانيّة ضخمة: رواتب المعلّمين والأساتذة، وإصدار الصّحف، والإنفاق على المباني الضّخمة (مثل معهد ابن باديس، ودار الطّلبة بقسنطينة وقد كانا مِلْكاً لها)، وتنقّل الأساتذة والشّخصيّات المنتمين إلى الجمعيّة في الدّاخل والخارج… ويعني ذلك أنّ جمعيّة العلماء هي المؤسّسة الأولى والوحيدة، على مستوى العالم الإسلاميّ، التي استطاعت أن تمتلك وسائلَ مادّيّة (بنايات ومنشَآت كثيرة)، ووسائل ماليّة (صندوقاً مسيَّراً تسييراً عصريّا..)، وجهازاً إداريّاً : كتّاباً إداريّين، ومكاتب، وتجهيزات مكتبيّة (فكان أحمد رضا حوحو مثلاً هو الأمين العامّ لمعهد ابن باديس)؛ فذلك، إذن، ذلك.

 

هوامش

1-  ينظر عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربيّ المعاصر في الجزائر، 239 (ط.2).

2-  وقفنا فصلاً كاملاً على دراسة فكر ابن باديس في كتابنا الآنف الذكر، ص.61-92.

3-     ينظر تركي رابح، الشّيخ عبد الحميد بن باديس، الجزائر، 1970. وتناول فيه بتفصيل جهود ابن باديس في حقل التّربية والتّعليم.

4-     وقعت لنا رسالة مكتوبة بخطّ محمّد البشير الإبراهيمي، رئيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين بعد وفاة ابن باديس، موجَّهةً إلى الأستاذ احمد ابن ذياب حين كان معلّما بمدرسة جمعيّة العلماء بمدينة برج بوعريريج، ورد في آخرها ما نصّه: ” أيّها الولد الأغرّ، أشكر مواقفك في سبيل الجمعيّة. وأرجو أن تزداد حرارة واجتهاداً في تثبيت مركز الجمعيّة بالبرج بالدّعاية للإصلاح، وتكثير سواد المصلحين…” (كتب الإبراهيمي هذه الرّسالة في 23 أكتوبر 1946، والرسالة تقع في صفحة واحدة).

5-     يقال: إنّ ابن باديس هو الذي أعلن هذا الشّعار الثلاثي الذي يحدّد الشّخصيّة الجزائريّة وهويّتها، على ذلك العهد على الأقلّ؛ وقد عدّه أحد المؤرّخين الفرنسيّين المعاصرين إعلاناً لميلاد الحركة الوطنيّة الجزائريّة (ينظر:Ch.-Robert Ageron,Histoire de l’Algérie contemporaine, p.88.). وقد قرأت هذا الشّعار لأوّل مرّة في الصّفحة الأولى من »كتاب الجزائر« (الطّبعة الأولى، وقد حوفظ عليه بصورته في الصّفحة الأولى من الطّبعة الثانية، البليدة، 1963) لأحمد توفيق المدنيّ الصّادر بالجزائر عام 1930.

6-     ينظر من يريد أن يتعمّق حول هذا الموضوع: تركي رابح، الشيخ عبد الحميد بن باديس، الجزائر، 1970؛ محمود قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس، دار المعارف بمصر، 1968؛ أنور الجندي، الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، القاهرة، 1965؛ محمّد طمّار، تاريخ الأدب الجزائريّ، الجزائر، 1970؛ أبو القاسم سعد اللّه، الحركة الوطنيّة الجزائريّة، بيروت، 1969؛ محمّد عليّ دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزائر،ج.2. 1971؛ محمّد البشير الإبراهيمي، سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، قسنطينة، (وهذا أغنى مصدر لهذا الموضوع على الإطلاق) 1936؛ نفسه، مدارس جمعيّة العلماء، في البصائر، ع. 93، الصّادر في 31 أكتوبر 1949، ص: 1و8؛ نفسه، معهد عبد الحميد بن باديس، في البصائر، ع. 90، 1949 (عيون البصائر، 268-274)؛ عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربيّ في الجزائر، الجزائر، 1969؛ نفسه، فنون النّثر الأدبيّ في الجزائر، الجزائر، 1983.

7-     الإبراهيمي، سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، قسنطينة، 1935، ص.40.

8-     م.س.

9-     عبد الملك مرتاض، فنون النّثر الأدبيّ في الجزائر، ص.45.

10- م.س.

11- محمّد إبراهيم الكتّاني، في سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ص.233.

12- علال الفاسيّ، جريدة البصائر، ع.30، الصّادر في 5 أبريل 1948، ص. 6. وينظر عبد الملك مرتاض، م.م.س.، ص.50-51.

13- ينظر عبد الملك مرتاض، م.م.س. ص. 50 وما بعدها.

14- عدد30 الصّادر في 5 أبريل 1948، ص.6.

15- نريد بهذه النّسبة المختصرة إلى “جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين”.

16- محمود قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس، 26.

17- محمّد البشير الإبراهيمي، البصائر، ع.93، في 31 أكتوبر 1949، الافتتاحيّة.

18- نفسه، سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء الجزائريّين، ص.43.

19- م.س.، ص.71.

20- ذكر ابنُ باديس محمّد بن عبد الوهّاب مرّة واحدة، في كلّ كتاباته المعروفة، كما لم يتناول محمّداً عبده إلاّ في مقالة واحدة، وعرَضاً. وعلى أنّ ابن باديس ذكر محمّد بن عبد الوهّاب تحت عبارة : “ابن عبد الوهّاب”؛ وتحدّث ابن باديس عنه حين أطلق عليه عوامّ الطّرقيّين لقب “وهّابي”، بعد أن كانوا أطلقوا عليه لقب “عبداويّ”؛ فأقسم باللّه إنّه لم يقرأ كتاباً واحداً لابن عبد الوهّاب قائلا: “(…) ولا واللّه، ما كنت أملك يومئذ كتاباً واحداً لابن عبد الوهّاب، ولا أعرف من ترجمة حياته إلاّ القليل. وواللّه ما اشتريت كتاباً من كتبه إلى اليوم (كُتبت المقالة في عام 1351 هـ.). (نشرت المقالة بجريدة السّنّة، ع. 3، الافتتاحية، في 29 ذي الحجّة 1351هـ). غير أنّ الغايات الإصلاحيّة كثيراً ما تتلاقَى، في الحقيقة، على بعد الدّار، وانعدام العلاقة المباشرة بين الرّجال. ونحن نتساءل لمَ كلّ هذا الاحتياط من الاحتراز من علاقة جمعيّة العلماء بالحركة الوهّابيّة التي هي أيضاً حركة إصلاحيّة إسلاميّة قبل كلّ شيء، وأنّهما تمجّدان معاً فكر ابن تيمية (كما يذكر ذلك الإبراهيمي نفسه في كتاب سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ص.40؛ وذلك في معرض حديثه عن عوامل نشأة جمعيّة العلماء: “ويضاف إلى هذا العامل (العامل الأوّل أفكار محمّد عبده) قراءة المنار على قلّة قرّائه في ذلك العهد واطّلاع بعض النّاس على كتب المصلحين القيمة ككتب ابن تيمية، وابن القيم، والشّوكاني…” غير أنّنا نجد الإبراهيمي ينفي، هو أيضاً، علاقة جمعيّة العلماء بالحركة الوهّابيّة، فيقول في معرض حديثه عن العامل الرّابع لنشأتها: “وإنّ هذه الفئة التي رجعت من الحجاز بالهدي المحمّديّ الكامل قد تأثرت بالإصلاح تأثراً خاصّاً مستمدّاً قوّته وحرارتَه من كلام اللّه وسنّة رسوله مباشرة؛ ولم تكن قطّ متأثرة بحالٍ غالبةٍ في الحجاز إذ ذاك لم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأن يذكر في الحجاز، إلاّ في مجالسَ محدودة، وعند علماء معدودين” (م.س، ص.42). ولعلّ المدّالوهّابيّ كان لمّا ينتشر بالحجاز، فكان بصدد التّأسّس بنجد… وإلاّ فأيّ معنى للتّنصّل من تأثير الحركة الوهّابيّة فيمن كانوا يقيمون بالحجاز من المثقفين الجزائريّين؟…

21- يريد الشّيخ إلى الطّرق الصوفيّة.

22- محمّد البشير الإبراهيمي، سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ص.61.

23- م.س. 54.

24-A. Nouschi, La naissance du nationalisme algérien, p.63, Paris, 1963.

25- محمّد البشير الإبراهيمي، م.م.س.، ص.50.

26- قال اللّه تعالى:]وقل اعمَلوا فسيرى اللّهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون[، سورة التّوبة، الآية 105.

27- محمّد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، ص. 271 (الإحالة الأولى).

28- مصدرنا في ذكر هذا الرّقم أنّني كنت شخصيّاً طالباً بمعهد ابن باديس عام 1954-1955؛ فكان ذلك الرّقم متداوَلاً بين الطّلاّب في دار الطّلبة بقسنطينة. وقد ذكرناه في كتابنا نهضة الأدب العربيّ المعاصر في الجزائر.

29-Cf. Robert Ageron, op.Cit.

30-Ibid.

آخر التغريدات: