صور وذكريات

صور وذكريات

عادتني الاحتفالات بشهر نوفمبر سنوات إلى الوراء عبر استرجاع حجم هائل من الذكريات، كانت منها مرحلة الدراسة في القاهرة في بداية الخمسينيات. كان راعي الطلبة مناضل حزب الشعب الشاذلي المكي، الذي اعتمدته الجامعة العربية كممثل للجزائر في القاهرة، ويعود له الفضل الأول في رعاية كثيرين من بينهم محمد بو خرّوبة (الرئيس الراحل هواري بو مدين) الذي وصل إلى مصر في بداية الخمسينيات، كما كان له فضل إنقاذي من الدراسة الدينية التي أرادها لي الوالد، وذلك بتشجيعي على الدراسة الليلية لإعداد الشهادات المطلوبة للجامعة.

وعرفت القاهرة في نهاية العقد السابق شخصيات جزائرية من علماء الأزهر كان من بينهم إبراهيم طفيش ومحمد الخضر بن الشيخ الحسين والهلالي عميمور وإسماعيل جغري والأمين المدني وأخيه أحمد المدني، كما عرفت الفضيل الورتلاني، الذي ارتبط اسمه بانقلاب عبد الله بن الوزير في اليمن، والتفوا حول الأمير عبد الكريم الخطابي الذي كان قد لجأ إلى مصر، وأصبح مرجعية نضال الشمال الإفريقي.

 

ثم وصلت طلائع بعثة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتفضل رئيس الجمعية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي فأمر بضمي إلى البعثة بتزكية من المرحومين إسماعيل جغري والفضيل الورتلاني، وكانا صديقين للوالد قبل انتقاله النهائي للجزائر واستقراره في عنابة في بداية الخمسينيات، وبعد أن مثل المغرب العربي في لجنة عروبة القدس، كما أكد الأستاذ أكرم زعيتر في برنامج متلفز.
وكان الشاذلي المكي قد دعّم نفوذه في مصر بتنظيمه زيارة رئيس حركة الانتصار للحريات الديموقراطية “مصالي الحاج” للقاهرة، وأذكر أن الشاذلي قدمني له كطالب مجتهد فانحنى بقامته الطويلة ليقبلني وليبهرني بلحية كثة كانت تزيده وقارا على وقار.

 

وشهدت مصر في 1952 ثورة 23 يوليو التي تحمسنا لها جميعا ورحنا نُتابع مسيرتها بكل ما في شبابنا من حيوية متدفقة، ونتابع في الوقت نفسه التغيرات التي عرفها مكتب المغرب العربي في العام التالي وجاءت بممثل جديد لحزب الشعب هو المرحوم محمد خيضر، فتغيرت التحالفات وارتبط الشاذلي بالشيخ الإبراهيمي وممثله في القاهرة أحمد بيوض، الذي كان في الوقت نفسه ممثلا لحزب البيان بقيادة عباس فرحات.

وبدأنا نسمع اسما جديدا لمناضل لم يكن أحد منا قد عرفه أو التقاه ويُدعى أحمد بن بله.

ثم بدأت تتردد إشاعات عن صراعات بين الرجل الذي عرفناه قائدا للثورة المصرية، وهو اللواء محمد نجيب، وضابط كان العقل المُفكّر للثورة ويدعى جمال عبد الناصر والقائد الحقيقي لها.

ودُعي ممثلون عن الطلبة العرب لإفطار رمضانيّ في نادي الضباط بالزمالك، ولست أدري كيف تم لحضور الإفطار مع زميل من خارج البعثة هو الأستاذ مسعود الطويل، المحامي في وهران اليوم.

ورحت أخوض بين جموع الطلبة باحثا عن اللواء لمصافحته ووجدت نفسي وراء ضابط طويل القامة، وعندما حاولت تخطيه التفت الضابط فجأة إلى الخلف، وفوجئت بأنه البكباشي جمال عبد الناصر، الذي لاحظ حيرتي فمد يده في بساطة آسرة ليسألني عن اسمي وعن بلدي وأجبته بشكل آلي، وجاء من يدعونا إلى موائد الإفطار فوجدت نفسي على يمين الضابط المصري الكبير، يفصلني عنه طالب لبناني، خلته سيقتلني وهو يُضطر إلى الانحناء إلى الأمام ثم إلى الخلف لأواصل ثرثرتي مع عبد الناصر، وأقول له أننا في حاجة إلى حصص إذاعية موجهة إلى المغرب العربي عبر صوت العرب (وقد وقف الصاغ صلاح سالم بعد انتهاء الإفطار ليفتتح حفلا ساهرا بدأه بالقول أن مصر قررت بث برنامج إذاعي خاص موجه للمغرب العربي، وهو ما أعطاني الإحساس بأن القرار اتخذ في نفس الليلة وفي نفس المكان، وكان واضحا لديّ من أصدر الأمر بذلك، مما جعلني أشعر بالتقدير للقائد المصري وبنوع من الغرور وأنا أحس بأنني كنت وراء الأمر)

كان أعضاء البعثة جميعا قد تم ضمهم، بقرار من رئاستها، للإخوان المسلمين، ولاحظنا أن الرفاق في خلية الإخوان بدءوا يدعوننا صراحة للتعاطف مع محمد نجيب، ويحرضوننا ضد جمال عبد الناصر الذي سيبيع مصر للبريطانيين !! كما قالوا (وكانت تلك مرحلة اتفاقية الجلاء التي وقعها عبد الناصر مع الوزير البريطاني أنتوني ناتنغ) واجتمعنا في مقر البعثة في 9 شارع طلعت حرب (القديم) في القاهرة، وعلى بعد أمتار من مكتب المغرب العربي، لنبحث الأمر، واتخذنا قرارنا بالانسحاب الجماعي من خلية الإخوان المسلمين، حتى لا نُقحم في شأن مصري داخلي، وأدى هذا إلى زيادة توتر الأمور بين الغالبية وقيادة البعثة، التي كنا في صراع معها حول عدد من المعطيات الداخلية، وهكذا ذهب ثلاثة منا إلى الجزائر في العطلة الصيفية لعام 1954 لنشرح الأمر لقيادة الجمعية في الجزائر، هم سعد الدين نويوات ومحمد الهادي والعبد الضعيف)

 

واستقبلنا في قسنطينة من قبل الشيخ خير الدين وكان معه المرحوم محمود حمروش (شقيق رئيس الوزراء الجزائري الأسبق) والشهيد أحمد رضا حوحو، لكن الحديث مع الشيخ كان حوارا للطرشان، وعرفنا فيما بعد أن مكتب القاهرة سبقنا بإرسال مبعوث من الطلاب الجزائريين في سوريا، يُسفّه فيه كل طروحاتنا، وهكذا عدنا إلى القاهرة في أكتوبر نجر أذيال الخيبة، وكنت شخصيا قد فررتُ من عنابة بعد أن أبلغ أحد الأصدقاء والدي بأن الشرطة تتابعني، ونصح بألاّ أظل في الجزائر (ولقد أنزلتني الشرطة الفرنسية فعلا من القطار الذاهب إلى تونس في مدينة سوق أهراس لأقضي الليل فيها على أن أعود في الغد إلى عنابة وبنفس القطار، لكنني، وبشجاعة لا أعتقد أنني قادر اليوم على ممارستها، ركبت القطار المتجه إلى تونس، حيث التقيت بالأخ الهادي، ثم واصلنا الطريق معا إلى القاهرة برّاً وعبر ليبيا).
وشهدت السنة محاولة اغتيال عبد الناصر ثم حل الإخوان المسلمين وتعرضهم للملاحقة، مما أكّد صحة قرارنا بالابتعاد عنهم، ولكنه في الوقت نفسه كان إيذانا بزيادة التوتر بين معظمنا وبين قيادة البعثة، ثم قامت ثورة نوفمبر وأحسسنا بنفور قيادة البعثة من ممثلي جبهة التحرير الوطني وهكذا التفت أغلبيتنا حول أحمد بن بله، وكانت القطيعة مع قيادة البعثة، والتحق كل أفراد المجموعة الثائرة بعد ذلك بالثورة في فترات متتالية، بعد أن قاموا بتكوين ما سُمّيَ البعثة الجزائرية الحرة، التي راحت تنشط في المجالات الطلابية في الدعوة لنصرة الشعب الجزائري، وكانت نواة رابطة الطلبة الجزائريين في منتصف الخمسينيات، وكان من بين أهم نشاطاتها، وبجانب نشاطات أفرادها في المؤسسات التعليمية، مشاركتها في مؤتمر للشباب المسلم نظمه المؤتمر الإسلامي بقيادة أنور السادات، الذي كلف باحتواء النشاط الإسلامي بعد حلّ الإخوان المسلمين.

 

وتميز المؤتمر الذي عُقد في مدينة بورسعيد في يوليو 1955 برفع العلم الجزائري رسميا للمرة الأولى، وبإقامة أول احتفال بذكرى الاحتلال الفرنسي للعاصمة الجزائرية، أعطيتْ فيه الكلمة للمناضل حسين آيت أحمد الذي ألقى خطابا ناريا اضطر القنصل الفرنسي في بور سعيد إلى الانسحاب وهو يصرخ : (C’est une déclaration de guerre) وتولى أعضاء من البعثة الجزائرية الحرة قيادة أهم مواقع النشاط في المعسكر، وكان الأمر الغريب هو أن المكلف بالإعلام ورئيس تحرير صحيفة المعسكر كان طالبا يستعد لدخول كلية الطب، وهو كاتب هذه السطور، الذي لم يكن يعرف آنذاك أن الأيام تخبئ له مفاجأة الانزلاق من العمل الطبي إلى النشاط الفكري السياسي.

 

آخر التغريدات: