جمعية أبي إسحاق اطفيّش لخدمة التراث... تجربة في التواصل مع التاريخ

جمعية أبي إسحاق اطفيّش لخدمة التراث… تجربة في التواصل مع التاريخ

عملا على تحقيق مقولة العالم الليبي علي يحي معمّر “بالمعرفة يكون التعارف وبهما ينتج الاعتراف”وسعيا لحفظ ذخائر المخطوطات ونفائس وثائق الحركة الإباضية عبر التاريخ وفي مختلف مناطق العالم الإسلامي ينشط ثلة من شباب جاد و متفرّغ في منطقة وادي ميزاب من أجل تكريس الصلة بماض أقل ما يقال عنه بأنه تحققت فيه علاقة متينة بين العقيدة والإنسان والمكان، ومن أجل الاقتراب أكثر من ما أنجزته وما ستنجزه الجمعية التي تأسست عام 1995 وسعيا لتعزيز التواصل بين مكونات الثقافة الإسلامية فتح لنا هؤلاء الشباب قلوبهم وكنوزهم التي بين أيديهم فكانت لنا هذه البطاقة التعريفية بالجمعية.

مكتبة الجمعية

على مقربة من المسجد العتيق بقصر غرداية وفي منزل تقليدي يقع مقر جمعية أبي إسحاق اطفيّش لخدمة التراث في دلالة ثقافية واضحة على الرغبة في حفظ الصلة بالماضي ومنه تحقيق إحيائه في الحاضر، وهي أساسا تهدف إلى تشجيع وتثمين جهود الباحثين في ميدان التراث عامة والتراث الإباضي خاصة فكانت أن حددت الجمعية لنفسها أهدافا هي؛ التنقيب عن تراث المنطقة: جمعا وحفظا، فهرسة وإحصاء، تصفيفا واستثمارا، بمختلف الأوعية والوسائط؛ إنشاء فضاء علمي للباحثين، وتثمين جهود الدارسين للتراث الإباضي وحضارة وادي ميزاب. استيعاب الذاكرة التراثية للأمة، واستغلال نتاج صانعي التاريخ والأحداث. تبادل الخبرات في مجال خدمة التراث وترقيته: محليا، وطنيا، دوليا.استعمال التقنيات الحديثة لتقريب المادة العلمية من الباحثين.

وتعمل الجمعية حاليا وعلى رأسها المدير السيد محمد إمناسن على وضع المادة البحثية ضمن الأوعية التكنولوجية الحديثة خاصة الرقمية منها وقد تمكّنت من إنجاز فهرس رقمي يسهل مهمة الباحثين في التنقيب عن مادتهم البحثية، كما تستعد الجمعية نهاية هذا الشهر لإطلاق موقع إلكتروني خاص بها أسمته “المنهاج” على خطى مجلة المنهاج التي كان يصدرها الشيخ أبي إسحاق اطفيّش، يكون واسطة تعريفية وتواصلية تعرض فيها فلسفة الجمعية التي ترتكز على تحقيق الصلة بين الماضي عبر تجميع المادة التراثية كما تقدم وكذا محاولة الاستفادة من تجارب المكتبات وأرصدتها، كذلك تقوم الجمعية بإصدار دورية هي “نشرة التراث” تقوم فيها بعرض كل الأعمال الحيثة التي تخص التراث.

والذي يضيف أن إجمالي مكتبات التراث الإباضي بين المشرق والمغرب يبلغ عددها حوالي 249 منها 58 تقع في منطقة وادي ميزاب، فإذا كانت الثقافة المحلية الميزابية قائمة على المشافهة على غرار أغلب الثقافات التقليدية فإن الجمعية لم تفوت فرصة اللقاءات والمقابلات السمعية البصرية مع شيوخ المنطقة حيث بلغ عدد التسجيلات حوالي 200 شريط والكثير منهم قد قضى نحبه.

أما عن علاقات الجمعية فهي ممتدة محليا ووطنيا ودوليا وذات شقين الأول تقني يخص التعاون في تقنيات الأرشفة وهذا خاصة مع المراكز المتخصصة والثاني يخص جانب جمع المخطوطات حيث تقيم الجمعية علاقات واسعة مع جامعات ومتاحف أوروبية وأيضا مع وزارات الخارجية؛ وأيضا وهو أهم شيء في نظري النظرة المنفتحة على كل الأطياف المكونة للفسيفساء الاجتماعية داخل المنطقة حسب ما أوضح لنا السيد إمناسن مدير الجمعية.

أعضاء جمعية أبى إسحاق اطفيش لحماية التراث

أما عن نوعية المادة المتوفرة فهي غالبا إما دراسات ذات طابع إسشتراقي وهي تلك التي أنجزت إبان المرحلة الاستعمارية وهي المنجزة في شكل بحوث أو المنجزة من قبل البعثات الاستعمارية حيث كان الجنود الفرنسيون يكتبون تقارير في شأن المنطقة وهي ترتكز في أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص كونه البلد المستعمر، وإما دراسات تراثية ينجزها أهل المنطقة من مشائخ وعلماء وطلبة جامعات أو تلك التي تنجز في المشرق العربي خاصة في سلطنة عمان أين يمتد المذهب الإباضي.

وإذا كانت نشأة الجمعية نتيجة لأفكار لتجارب وأفكار عدة فإن التأسيس المباشر في ذلك يعود للأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد (لخبورات) الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمعية، والذي كان له الاهتمام البالغ بالتراث من خلال تنقيب وبحث واستكشاف والإنقاذ أيضا، حيث كان يسعى دائما لبث الوعي بأهمية المطالعة ودور التراث في تشييد الحضارات، من خلال الكثير من معارض الوثائق والمخطوطات والكتب التي كان يقوم بها في قرى وادي ميزاب وبعض مدن التل.

كما اشتهر برحلاته لكثير من بلدان العالم، تتبعا للمشرقين والباحثين الذين عُثر عندهم على كثير من مخطوطات الإباضية وادي ميزاب ووثائقهما الأرشيفية، وفي كل رحلة كان يصطحب معه نفائس الأرشيف والمخطوطات فضلا عن ذاكرة غنية من المعارف والمعلومات؛ وهناك كان يطرح هموم التراث وملابساته مع ثلة من الشباب الذي تقاربت اهتماماتهم بالمعرفة والتراث.

الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد (في الوسط) ومرافقه في منزل الباحث البولوني ليفيتسكي

أما عن تجاوز مرحلة التجميع والخدمة الشكلية للتراث إلى مرحلة تفعيله في الواقع فيرى الأستاذ إمناسن أن ذلك ليست فقط مهمة الجمعية ولكن هي مهمة كل المؤسسات الاجتماعية التي عليها أن تبتكر وتبدع من أجل السير بخطى ثابتة حتى تحقق الصلة الرمزية بالماضي لتعكس تلك الصورة الناصعة لماض تليد يفتقد إلى الكثير من مميزاته في الوقت الراهن.

هكذا وفي كل زمن يتولى المهمة بعض من الناس الذين ينطلقون من قلق داخلي فطري من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه لعله يأتي يوم بقوم يرفعون التحدي فيجددون ويبثون الروح في كتب ومخطوطات قد تحفظ الحقيقة لكن لن يعيدها إلى الواقع إلا شيء واحد…إرادة الإنسان.

آخر التغريدات: