العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي : ابن باديس جمع شتات العلماء واستقطب

العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي : ابن باديس جمع شتات العلماء واستقطب

علىهامشالملتقىالفكري الدولي الثاني المنعقد فيمدينةقسنطينة، يومي 11 – 12 ربيع الثاني 1427هـ – 9 و 10 ماي 2006 م، بمناسبة إحياء الذكرى الخامسةوالسبعينلتأسيس جمعية العلماء، والذكرىالسادسةوالستين لوفاة مؤسسها العلامةالإمامالمرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس،كانتلنا جلسة فكرية وروحية نافعة مع سماحةالعلامةالدكتور الشيخ محمد سعيد رمضانالبوطي (حفظه الله ورعاه).

* بداية فضيلة الشيخ مما لاشك فيه أنك قرأت وسمعت الكثير عن جمعية العلماء، وعن مؤسسها الإمام العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، فماذا يعنيان لك؟

فضيلة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: أهمية هذه الجمعية، وكل جمعية على غرارها في العالم العربي الإسلامي، تكمن في أنها تحقق المرجعية التي يحتاج إليها المسلمون، وتغلق الباب أمام فقاقيع المرجعيات التي تشذ وتبتعد عن موازين الشريعة الإسلامية، هذا أهم ما يكمن في هذه الجمعية من خير، وهذا يقتضي أن تكون هذه الجمعية قد استوعبت كل العلماء المخلصين الذين تثق الأمة بهم، وبذلك يبقى من هم في خارج هذه الحظيرة من الناس الذين لا يأبه لفتاويهم، ومن ثمة لا يشكلون خطرا على الإسلام، وعلى الشريعة الإسلامية، هذا باختصار في تصوري عن معاني هذه الجمعية وعن آفاقها؛ أما بالنسبة للشيخ عبد الحميد بن باديس، فحسبه أنه جمع العلماء واستقطب أنشطتهم، ولا يستطيع أحد أن ينجح في هذا إلا إذا كان متميزا بشفافية روحية ما بينه وبين الله -عز وجل-، وأنا عبرت عن هذه الشفافية باللوعة التي كانت تُهيمن على قلبه، هذه اللوعة هي التي جعلت منه قائدا في العمل الإسلامي، وهي التي يسرت له تكوين جمعية العلماء، ولولا هذه المزية لما استطاع أن يجمع شتات العلماء على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم ومستوياتهم، ولما استطاع أن يضفر جهودهم وأفكارهم على صراط واحد، وهذا الرجل لا أقف عند الحديث عن علومه الشرعية الواسعة، ولا عند أفكاره النيرة، ولا عند عبقريته – مثلا – التي كان يتمتع بها، وكل هذا موجود، ولكن السر في هذا الذي أقول.

* كلمة الإصلاح مطاطة وفضفاضة، كيف تفهم فضيلة الشيخ معنى الإصلاح؟ وكيف ننطلق في عملية التغيير لإصلاح ما فسد في الأمة؟

** الإصلاح واجب لا ينفك عن المسلمين، وعن أحوالهم في عصر من العصور، سبق أن المسلمين دائما يتعرضون للخطأ، ويتعرضون لتراكم الانحرافات التي تأتي من عوامل شتى، ولذلك فهم بحاجة بين الحين والآخر لأن يعودوا إلى مجتمعاتهم، بل وإلى أفكارهم وإلى نفوسهم، فيقوّموا ما اعوج، ويصلحوا ما فسد، يعني لاحظ، أن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده جميعا بالتوبة، ويأمرهم بالاستغفار…طيب لماذا..؟ لأن الناس جميعا مجبولون على الخطأ، والخطأ تكراره يكوّن تراكمات، وإذا تراكم الخطأ ظهر الفساد نتيجة تركم الخطأ..ما العلاج؟

العلاج أن يعود الإنسان، أو تعود الأمة، بين الحين والآخر، إلى إصلاح ما فسد في حياتها، وعملية الإصلاح ليست كما يظن بعض الناس أنها عبارة عن ثورة تكون في مرحلة من المراحل، وتُناط هذه الثورة بأشخاص معينين مثل محمد عبده يناط باسمه معنى الإصلاح أو حتى عبد الحميد بن باديس…الجماعات والأمم الإسلامية هي بحاجة دائمة إلى أن تعود إلى نفسها بالإصلاح، المسألة أبسط من أن نتصورها ثورة تشتعل ثم تخمد‍!

* هناك من يرى في ساحة العمل الإسلامي أنه يمكنه خدمة الدعوة الإسلامية بالسياسة، وبالمقابل هناك من يرى أن الأصل في العمل الدعوي التربية، هل من كلمة في هذا المعنى فضيلة الشيخ؟

** كل من نهض بواجبات الدعوة والتعريف بالإسلام ، وألزم نفسه بنشر الإسلام، لا ينبغي أن يمزج نشاطه هذا بنشاط سياسي، لأن نشاطه السياسي سيفسد عليه عمله التربوي، بمعنى الناس الذين يُخاطبهم من خلال كونه معلما لن يثقوا به، ولسوف يتهمونه بأنه يتخذ من الإسلام مطية لطموحاته السياسية، والسبب في ذلك أننا في كل عصر نجد أناسا لهم مطامح وآمال سياسية كبيرة.. يحاولون أن يصلوا إليها من أقرب الطرق.. ينظرون فيجدون أن أقصر الطرق التي توصلهم إلى ذلك الإسلام..يُطلق لحيته، ويتحدث عن الإسلام، فتتكون حوله جماعة ، وتأتي أيام الانتخابات فيرشح نفسه كداعية إلى الله، وإذا به يصل، وبعد أن يصل يتغيّر.. الناس رأوا هذه الظاهرة ، ولذلك تنقطع الثقة بمن يدعو إلى الله ، ولكن لا ينبغي أن نترك سدة الحكم لأناس بعيدين عن الإسلام، بعيدين عن الالتزام بأوامر الله ، إذن ما الحل؟

الحل أن نقسم المسلمين الذين يعملون على إنشاء المجتمعات الإسلامية إلى قسمين : قسم يتفرغون إلى الدعوة إلى الله، ونشر التربية الإسلامية..والقسم الآخر يسلكون المسلك السياسي، أي يكوّنون حزبا سياسيا محضا، لكنهم يضمرون تطبيق الشرع الإسلامي، وإخضاع المجتمع لأوامر الله سبحانه وتعالى، في هذه الحالة نحقق الغاية بدون أن نفسدها، والفئة الأولى تشتغل في حقل الدعوة إلى الله فقط، ولا تبتغي من وراء ذلك شيئا حتى تمتد جسور الثقة بينهم وبين المسؤولين، لأنهم لا يريدون شيئا، والفئة الثانية تؤسس حزبا سياسيا كغيرها من الأحزاب السياسية الأخرى، ولا يرفعون شعارات دينية، ولكنهم يضعون نصب أعينهم الإسلام، والإخلاص لدين الله ، هذا هو الحل.

* لماذا مناهجنا التربوية والتعليمية في الجامعات والمعاهد الشرعية غير قادرة – في الغالب – على تخريج علماء دين يجمعون بين العلم الواسع وزكاة النفس ، برأيك أين يكمن الخلل؟

** هذه المشكلة موجودة وقائمة ، لا في الجزائر فقط ، بل موجودة في كثير من البلاد العربية و الإسلامية ، أيضا، علاجها لا يمكن في أن نضع مقررات تربوية روحانية، تنمي الوجدان الديني، كما قد يخيل للبعض ، لأن هذا المقرر نفسه سيصبح أيضا واحدا من المقررات العقلانية ، فأي مقرر يدرس ما بين الطالب والأستاذ سيكون غداء للعقل، وسيحظى به الفكر .. العلوم الشرعية المختلفة –طبعا- هذا هو سبيلها.. لكن تربية الطلاب التربية الوجدانية بأن نجعل قلوبهم عامرة بمحبة الله ومخافته وتعظيمه، هذا يعتمد على حال يتصف به مدرس المقررات ، عندما يكون أستاذ التفسير يتمتع بحال يهمن على قلبه ، هذا الحال تصل عدواه إلى الطلاب ، لكن عندما يكون الأستاذ غير متمتع بهذا الحال ، حتى ولو وضعنا نماذج في التصوف ، والتربية والتزكية، فإن القيل والقال لا يفعلان شيئا ، لأننا يمكن أن نقرر “الرسالة القشيرية” و “قوت القلوب” وغيرها على طلاب الجامعة ، فالرسالة القشيرية عندما يدرسها إنسان عقلاني يشرح عبارة ويلقنها للأفكار ، نفس النتيجة ، هي زيادة عبءٍ للأفكار …دعك من الرسالة القشيرية وقوت القلب وغيرها ، أَوجد أساتذة يتمتعون بحال مع الله -عز وجل- ، متأثرين ، قلوبهم صافية من الشوائب ، عندما يقف أحدهم ليعلم الطلاب، فإن كلماته وعباراته تسري إلى قلوبهم وفيها وهج ، فسبب هذا الظمأ، وهذه الحاجة أن المدرسين لا يتمتعون بهذا المعنى الذي أشرنا إليه.

* لماذا المتخرج من الجامعة والمعهد الشرعي يفقد التميز الذي كان يتمتع به عالم الدين في الماضي ؟

** لأنه نتيجة لجامعة تلقى دروسه فيها من أناس عقلانيين، مشاعرهم جافة ، فلم يجد مرشدا صاحب حال، يغرس بين جوانحه هذه المشاعر الوجدانية ، فيطلع أمره بهذا الشكل ، لو أتيح له أن يتلقى التربية من عالم رباني يمكن أن يصبح إنسانا متميزا، وإن لم يتسن له ذلك، فهو يحفظ بعض الآيات، وقطعة من الأحاديث، ويجمل نفسه بروايتها …يعني مهنة…أي أصبح العلم عند هؤلاء وظيفة أو مركزا اجتماعيا، فالمسألة سببها أن جامعاتنا تعاني من هذه الثغرة.

* هناك مدرستان في الحقل الإسلامي، مدرسة تؤمن بالمصادمة، ومدرسة تؤمن بالمحاورة والمناصحة، أي المدرستين أسلم للإسلام والمسلمين التي يجب السير في ركابها؟

** الأسهل تحقيقا للنتائج هو الأسلم وهو المشروع، الدعوة وسيلة وليست غاية، والدعوة التي تعتمد على المصادمة إذا كانت تحقق نتائجها فلتكن، لكن أبدا، فالدعوة التي تعتمد على المصادمة تحقق آثارا سلبية لأن الحاكم يملك من القوة ما لا تملكه، فإذا اتجهت إليه بالعنف والتبديع والتكفير والتفسيق أكيد – وهو لم يهتد بعد – يصل إلى العداء، ومن ثمّ ستقوم فتنة دمهاء تعيدنا إلى أسوأ ما كنا فيه بالنسبة لخير الإسلام، أما المنهج الآخر وهو منهج المناصحة، هو المنهج الأمثل، وهو المنهج الذي أمر الله به رسله وأنبياءه، قال الله تعالى لنبيه –صلى الله عليه وسلم-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وقال لسيدنا موسى وهارون –عليهما السلام- : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وكلمة “لعل” هنا بيان لرجاء ينبغي أن يغرس في قلب موسى وهارون.. الله يعلم أن فرعون لن يرعوي، ولكنه يقول للداعي إنك وأنت تدعو أيا كان ينبغي أن تتصور أنه يعود إلى الله، ويصبح إنسانا صالحا، فادعه إلى الله وأنت تتأمل في خلقه، فموضوع المصادمة من الأخطاء التي دلت التجارب عليها، فالذين سلكوا هذه المسالك يبتغون تصفيق الناس لهم، ووصفهم بالبطولة، يعني أنهم يجاملون الناس بمصادمتهم الحكام، وبالمقابل هناك من يرى خيرا أن نجامل الحكام ونصادم الناس، كلاهما بعيد عن مرضاة الله…

* يتعرض الإسلام وتتعرض مقدساته لهجمات متواصلة من الغربيين ومؤخرا تم المساس بشخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم-، ما هي السبل التي يجب أن نتعامل بها مع هؤلاء لرد ومدافعة هجماتهم؟

** ينبغي أن نستنكر لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان قدسيان معلومان من الدين بالضرورة، ينبغي أن ننهى عن هذا المنكر بالطريقة التي نملكها، نحن نملك أمام هذا الذي تقول أن نعلن إنكارنا على هؤلاء الناس، وينبغي في الوقت ذاته أن نمد جسور الحوار معهم، لنفترض أنهم جاهلون بحقيقة الإسلام وبشخصية رسولنا –صلى الله عليه وسلم-، يجب أن نتعرض للحوار معهم إذا وجدنا الباب مفتوحا، ما ينبغي أن نتردد في أن نأخذ ونعطي ونحاورهم، هذان هما الواجبان، التنديد والاستنكار واجب، ولكن التنديد والاستنكار لا يغنيان عن الحوار والتبصير، شيئ آخر، يجب أن نعلم أن الذي يحدث في العالم الغربي بين الحين والآخر سببه نحن، يعني واقع المسلمين لا يشرف، ولا يجعل الغربيين في حالة تدعوهم إلى أن يحترمونا، وهم يتصورون أن واقعنا صورة طبق الأصل عن الإسلام، لا يعلمون أننا في واد، وإسلامنا في واد آخر، فهذا الواقع يجرئهم، على أن يتطاولوا إنْ على القرآن أو على سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-

وأنا أعلم أن هناك أنواعا من التطاول لا تقل عن تطاول الذين رسموا الرسومات ونحو ذلك، في بلادنا العربية والإسلامية وقع هذا، ولو أنني قارنت لوجدت أن الإساءة أو التطاول الذي كان في بعض مجتمعاتنا الإسلامية، وبأيدي أناس منتسبين للإسلام أشد من ذلك التطاول المتمثل في الرسوم الكاريكاتورية، فنحن ينبغي أن نعود إلى أنفسنا، ونقوم اعوجاجنا، ونصلح أحوالنا، وفي الوقت ذاته يجب أن نستنكر، ونندد، ولكن أقول التنديد والاستنكار لا يغنيان عن التبصير والحوار..

* وماذا عن المقاطعة فضيلة الشيخ؟

** نعم ونترجم استنكارنا بالمقاطعة، بحيث لا ينبغي تنفيعهم باستيراد بضائعهم، وبغض النظر عن هذه المسألة، فإن المسلمين مطالبون بأن يكتفوا ذاتيا، وقد سئلت من طرف بعض الصحفيين الغربيين في مسألة المقاطعة فقلت لهم: إن ديننا بغض النظر عن مسألة المقاطعة، فإنه يأمرنا بأن نستقل اقتصاديا، فلماذا تستغنون عن منتجاتنا، وتريدون أن نعلن افتقارنا إلى منتجاتكم، فهذه مناسبة توقظنا للاستقلال الاقتصادي.

* فضيلة الشيخ نختم حوارنا هذا بنصيحة تقدمها للشباب الجزائري؟

** على الشباب الجزائري على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم ومذاهبهم أن يسعوا لسد الثغرات، ورأب الصدع، وجمع الشمل، هذه نصيحة قدسية، وهي أهم ما ينبغي أن نحققه الآن، بعد أن جعل الباري تعالى هذه العاصفة ثمر، وتنقضي، ما ينبغي أن نجعل من اجتهاداتنا التي نختلف مع إخواننا لنا سلاحا للمقارعة والصدام، بل يجب إذا اختلفنا، وكان لا بد من الاختلاف أن يكون اختلافنا قربة إلى الله، نقول:” اللهم إنني اجتهدت ونظرت فاهتديت إلى أن هذا هو الحق، ولعل أخي هو المصيب” فالاختلاف يجب أن يكون تعاونيا لا تصادميا، وهذا من ثمرات الإخلاص لله..إذا كنا مخلصين فلنعمل بهذه النصيحة، ولنطبقها.

آخر التغريدات: